البشر.. وحتى الشجر.!. - سامي حمزة

رواية - من منشورات اتحاد الكتّاب العرب دمشق - 2001

Updated: Wednesday, September 17, 2003 04:46 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

6

سألت أمينة:‏

ـ : أهو مؤسٍ إلى هذا الحدِّ.؟..‏

ـ : عمّ تسألين.؟..‏

ـ : أنثى أنا مثلك يا قمر.!.‏

ـ : ماذا تقصدين..؟..‏

ـ : أقسم أنك عرفتِ قصدي منذ نطقت، ليست قمر من يليق بها أن تتغابى. هس.. لا تعلّقي، فقط أجيبي..‏

ـ : ما الذي ترومين.؟.‏

ـ :ما تخفينه في قلبك، وما يدور في هذا الرأس الجميل.‏

شدَّت رسن فرسها فأوقفتها، وقالت:‏

ـ : إنني في حاجةٍ إلى خلوة.‏

ـ : بل أنت في حاجة إلى أن تبوحي بالذي يشغلك، أفضي إلي فأنا أخت لك.‏

أدارت فرسها عكس القافلة، لكزتها ومضت، فتبعتها أمينة محمولة بأجنحة طيبتها، غير آبهةٍ بدعوة نسوة أن تصعد معهن العربة، ولم تتوقف عند لباقة توفيق، وقد تخلى لها عن حصانه.‏

شدَّت الجدة نور اهتمام الناس وهي تصيح:‏

ـ : آثمون يامن فرّطتم بأرضكم. عثمان أيها الضابط.. من ذا الذي يسعده كل هذا التخريب..؟!...‏

دمدم الضابط متشفياً:‏

ـ : ("!!!!" عتيقة أنت أيتها الدعيّة الخرفة.).‏

اقترب الوجيه عبد الحميد من الوجيه رجب وهمس:‏

ـ :اذهب إلى أمك يا رجب، فلم نعهد نساءنا يتكلمن بهذي الطريقة.‏

أجاب رجب مختنقاً:‏

ـ : لعل سليمان يهدئ روعها.‏

جأر عبد الحميد محتداً:‏

ـ : سليمان ولد، اذهب أنت.‏

أفاد رجب مغلوباً:‏

ـ : لا أستطيع؛ حذرتني ألا أقترب منها..‏

هتف عبد الحميد بنزق:‏

ـ : ولكنها لا تسكت..!!..‏

صاحت الجدة نور:‏

ـ : سيبيعكم ذاك النخاس في البازار، ويبيع الإناث في المواخير، ابتعد يابن الآثم.. ابتعد...‏

ـ : العمى..!..إنها تضرب سليمان..!...‏

قال رجب بصوت خفيض:‏

ـ : وقد تضربنا إن اقتربنا منها..‏

ولكز حصانه مبتعداً، محاولاً الهرب من العيون التي نظرت إليه بمعنى‏

آلمه. جعلته يطأطئ رأسه، متمنياً لو يحتجب عن الأنظار، وتمنى لو تموت أمه تمتم مستغفراً، وعبرة بكاء خانقة تجيش في صدره، تعرقل أنفاسه، وتُطفر دمعاً من مآقيه، فاندسَّ بين العسكر مستتراً بهم، علّه إن توارى عن ناظريها، هدأت ثورتها وسكنت نفسها، لكنها أنشدت بكائية، ضبطت إيقاعها على خشب العربة بعصاها؛ والديك بجانبها وقد نوّس عينيه، وتهدّل عرفه، وهو يحكُّ رجلها بجناحه، وهي منشغلة عمن حولها بِهَمِهِم وبما يوجعها، والعجائز يرددن معها ناشجات، بينما انشغل الإسكافي يعقوب بتلك النعال المعطوبة، متخيلاً أنه يخصفها، وعدة الشغل ها هي معه، وما برح العسكر يتقاذفون بأحذيتهم المهترئة، شاتمين الأرض القفر وأوارها، وبهمسٍ لعنوا أمّ من ورّطهم بالسير في وعثائها، والطريق الذي عهدوه ذاك هو..‏

شُدِه الوجيه رجب بما سمع، فتركهم يسخرون من أسلحتهم، وقد أمست كالعصي، ما دامت بلا ذخيرة...‏

ـ : (أصحيح ما قالوه عن الطريق..؟!)..‏

همز حصانه متجهاً إلى الضابط كمال، فمرَّ بالفتى السِّكيت، وهو ينفذ الحكم بنفسه، وهاهو يخدم الممسوسين، أولاء الذين ذهبت أهوال التهجير وهذا المسير بعقولهم.‏

وسارت قمر خلف القافلة بعيداً عن آخرها، وقد أردفت أمينة خلفها، وظلت صامتة برغم ما بذلته أمينة لكشف سريرتها.‏

ومرَّ الوجيه رجب بالشيخ الإمام، وهو يفسّر سورة "الممتحنة" لبضعة تحلقوا حولـه في العربة، وبضعة آخرين حاذوا العربة بدوابهم على جانبيها، تمهّل وواكبهم منجذباً إلى عذوبة صوت الشيخ يتلو:‏

ـ : ( "يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم.....")...‏

اقتربت أبهى من عربة الماء بخفرٍ، وقد سبقها نعمان إليها. مشت بجانبها مطرقة، تسترق النظر إلى وجه هذا الذي فتنها كلامه. انتبه العجوز داود إلى وجودها، فلاطفها آخذاً الوعاء من يدها.‏

التقت عيناها بعيني فاتنها، ابتسم لها فهمس قلبها:‏

ـ : (ما أروعك..!!))...‏

وحين مدَّ العجوز يده بالإناء إليها، وجدهما هائمين بعضهما ببعض، فأرجأ أمر الماء وراح يرقبهما، وقد أعاداه إلى شيء من عشقه الأوحد، وقطع عليهم تساميهم كبير الطهاة، طالباً مزيداً من الماء، فأعطاه على مضضٍ، وانتبه إلى مايشبه الكارثة، ومضى نعمان حاملاً إناء أبهى، وحين اقتربا من عربة الفتيات، أخذت منه الإناء، فقال لها:‏

ـ :سأهديك أغنية.‏

ابتسمت حذرة من عيون قريناتها فتغامزن عليهما. ارتبك، وأفلت لحظة التسامي حين علا صوت العجوز منذراً:‏

ـ : الماء يكاد ينفد... الماء..!!..‏

صُعق الناس، وابتسم الضابط عثمان، وهو يطمئن إلى قِرَب الماء في صندوقها الخاص. وتوقف الضابط كمال وأصلان، وأشار الأومباشي بيده، فهدج الرتل ثم توقف تماماً، وساد الوجوم، وتقدم الوجيه رجب قائلاً:‏

ـ : أولئك الأنفار قالوا كلاماً غريباً أيها الضابط كمال.‏

نبر أصلان بنزق:‏

ـ : دعك من الأنفار وثرثرتهم. ألم تسمع ما قاله العم داود..؟!...‏

ـ : بلى... وما سمعته من الأنفار مهم أيضاً..‏

حسم كمال الموقف قائلاً:‏

ـ : أفدنا.. إنّا نسمعك...‏

بُهِتَ أصلان، فساط حصانه متوتراً، وراح به خبباً، وقف بينهم مستوضحاً، ورآهم كمال يشيرون بأيديهم غرباً، وتقدم الوجهاء ونعمان وإدريس، ورافقهم رشاد وإبراهيم وعبد الله وتوفيق، ووقفوا إلى جانب كمال يشدون أزره أمام الطارئ الجديد، وعاد أصلان مؤكداً ما قاله الوجيه، واستوضح الضابط كمال من الأومباشي.‏

ـ : ما قولك..؟!‏

ـ : ذلك صحيح.. أفندم..‏

ـ : ولِمَ لمْ تقل لي..؟!...‏

ـ : لأنك لم تسألني.. أفندم..‏

ـ :ألم تدرك أن المفازة خطرة، وأن الطريق أيسر.؟!..‏

ـ : بلى... ولكنها الأوامر.. أفندم..‏

ورمز بعينه مشيراً إلى الضابط عثمان، فضربه توفيق بعقب بندقيته خلف أذنه شاتماً:‏

ـ : ابن زنى أنت ومن أمرك...‏

تكوّم الأومباشي بين الأرجل، فقذف رشاد بنفسه فوقه، وهمّ بخنقه، فصرخ كمال به:‏

ـ : رشاد.. أيها النزق..!..‏

فقفز عبد الله إليه وأبعده، لحظتئذٍ سدد توفيق وكاد يطلق عليه، فطوّح إبراهيم بالبندقية، فقال الضابط كمال بحزم.‏

ـ : اترك سلاحك لأخيك وابتعد.. هيا..‏

استجاب توفيق للأمر على مضض، وتغيرت سحنته وعبد الله يأخذ بندقيته، فتملكه الغضب، وامتلأ حنقاً على الأومباشي، وذهب شاتماً عثمان والأومباشي معاً، ولم تختلف كوامن الباقين، عن تلك التي عصفت بالفتى توفيق، لكنها حكمة الشيوخ ورباطة جأش الرجال، والمسؤولية التي التزمها أصلان وكمال، برغم أن الضابط الشاب كان يحدّث نفسه، بأن الحق كله إلى جانب ذينك الشابين، ولو كان بمكانيهما لما كفاه ما فعلاه، لكنها حنكة القيادة وحسن إدارتها، ونظر بعضهم إلى بعضهم الآخر، فلمح كلٌّ منهم ارتياحهم لتصرف توفيق، وردة فعل رشاد.‏

صاحت الجدَّة نور:‏

ـ : ما الذي تنتظرونه أيها الأزلام..؟! أتميتوننا قهراً أم عطشاً وجوعاً في هذا الخلاء السجن..؟!..‏

تقدم كمال من عربة عثمان محدثاً نفسه، وعيناه ترصدان خلجات ندّه:‏

ـ : (أي أفعى تلك التي في رأسك؛ ويشوع بن نون قدوتك..؟!..).‏

جعل عثمان وجهه يتهلل، واستوى من ضجعته، مؤهّلاً مرحباً، فقال كمال في نفسه:‏

ـ : (في داخلك عكس ما تُظهر، فإنني بت أفهمك..)..‏

بادره عثمان قائلاً:‏

ـ : تقديرك مضبوط... فالمكان مناسب للاستراحة، ألك ببعض القهوة التركية..؟...‏

ـ : أوه..!.. فنجان قهوة منك مكسب..‏

ـ : كمال.. تأدّب...!..‏

ـ : أمرك.. فما رأيك بما قاله بعض العسكر..؟‏

تثاءب وهمهم كاذباً:‏

ـ : كنت نائماً فلم أسمع.. ولكن.. هل لدى الأنفار ما يقال لنسمع..؟!...‏

قدم كبير الطهاة القهوة، وعيناه كبندول الساعة، تتحركان بين وجه هذا ووجه الآخر، ترصدان أثر الرشفة الأولى، فهي التي ـ حسب ما خبر ـ تحدد جودة ما صنع..‏

ـ : إدخال القافلة هذه المفازة كان خطأً..‏

ردَّ متقناً تصنّع الدهشة:‏

ـ : كيف..؟!..‏

أشار كمال بيده بعيداً وسأل:‏

ـ : أليس هناك.. الطريق إلى عينتاب..؟..‏

ـ : ربما.. ولكن ما شأننا بعينتاب مادمنا نقصد أورفة..؟!...‏

وطدَّ نفسه للالتفاف على مكر عثمان فقال هادئاً:‏

ـ : لم أفهم منك ذلك قبل الآن، فإن أوضحت لفهمت..‏

ـ : إن لم تكن عنيداً فالأمر بسيط..‏

ـ : وماهو..؟!...‏

ـ : تسمع وتطيع.. ثم ألا تجد أن القيادة فضفاضة عليك..؟!...‏

ابتسم كمال ثم جزم محدثاً نفسه:‏

ـ : (ألعب معه بأدواته وأسلوبه.)..‏

قشع ابتسامته بملامح جادة، فبدا مستعداً لتلقي الأوامر، قال:‏

ـ : أسمع فأستفيد.‏

ـ : بل تطيع..‏

انتظر لحظات ممنياً نفسه أن يرى رضوخ كمال ويسمع تسليمه، بيد أنه رأى قسماته لا تشي بتراجع، فعزّى نفسه:‏

ـ : (لا بأس إنه بلع من الطُعم بعضه، ففي هذا ما يفتر اعتداده..)..‏

وجهر قائلاً:‏

ـ : وجهتنا أورفه وطريقنا صحيحة، وعلينا المتابعة نحو الشرق وإلى الجنوب.‏

ـ : أليست أورفة بعيدة..؟!...‏

ـ : البعد ليس بذي أهمية...‏

ـ : لكن الماء يكاد ينفد...‏

ـ : لا يهم..‏

كاد يخرج عن طوره، لكنه ضبط أعصابه، وسأل:‏

ـ : وما المهم برأيك...؟!...‏

ردَّ بخبث:‏

ـ : أن يعلم حاكم (سنجق أورفه)، بما فعلت فيعاقبك..‏

فكر كمال لحظات وقال:‏

ـ : أرى أن نترك خلافنا لوالي حلب..‏

ـ : لا.. حلب ما زالت بعيدة، ولا أريد أن أدخلها وأنا مستلب.‏

ـ : نحن أقرب إلى عينتاب، وهي أقرب إلى حلب.‏

ـ : جبان... أو أنك تغيّر وجهتنا إلى عينتاب، لتظل القائد حتى نصل إلى حلب..‏

ـ : واقع الحال يفرض علينا تلمس الطريق الأقرب.‏

ـ : قل إنك خفت مما ستلقاه من حاكم سنجق أورفه.‏

ـ : نمر بعينتاب في طريقنا إلى حلب..‏

ـ : يالك من ثعلب..!..‏

ـ : ليس من أجل هذا السجال جئتك..‏

ـ : إذن..؟!..‏

ـ : لأسألك، لماذا زججتنا في هذه البيداء..؟!..‏

ـ : تصرّ على مخالفتي، كأنك لا تهتم بمستقبلك..!‏

ردَّ كمال هادئاً:‏

ـ : ما يهمني الآن، أن أنقذ القافلة، وأنقذك أيضاً، شكراً من أجل القهوة.‏

ترك الفنجان، أدى التحية ومضى محدثاً نفسه:‏

ـ : (أعمل عكس ما يقول فأضمن السلامة...)..‏

غصَّ كبير الطهاة بريقه، إذ مضى ولم يعرف له رأياً بقهوته..!!...‏

وتنفس عثمان الصعداء قائلاً في سريرته:‏

ـ : (ليس على الضابط عثمان يا ولد..!...).‏

كهكه كاتماً ضحكته وتمتم منتشياً:‏

ـ : (ليفي أيها العزيز... لقاؤنا بات وشيكاً..)..‏

اختار الضابط كمال خمسة أنفار ممن عهدوا الطريق، ودفعهم إلى المقدمة أدلاّء، وأردف المشاة خلف الخيّالة، ووزع الباقين على العربات وانعطف بالقافلة غرباً، وزاد سرعتها، حتى جرت الدواب خبباً، في سباق ضد العطش والضياع في البيداء...‏

قالت أمينة:‏

*ـ : ربما كان اهتمامه بنا جميعاً لأجلك..‏

ردت قمر:‏

ـ : هراء... إنه مهتم بكل شيءٍ سواي، لو كرهني لكان أهون من أن يهملني...‏

*ـ : كيف...!!؟؟؟ إنك تهذين، وأخشى عليه منك..‏

ردت قمر متوترة:‏

ـ : ماهذا اللوص..؟!..‏

*ـ :يهمك أن تكوني محبوبة فحسب..‏

ـ : ما الذي تقصدين..؟!..‏

*ـ : أخشى أن تغضبي.‏

ـ : غضبت وانتهى الأمر..‏

* ـ : ليتني ما تكلمت..‏

ـ : تكلمي وإلا دفعت سيفي في خاصرتك..‏

* ـ :مجنونة..‏

ـ : تكلمي يا بنت..‏

* ـ : سأكذب مادمت خائفة.‏

ـ : قولي مادمت أختاً لي..‏

* ـ : إنك لم تحبيه بعد...‏

هاج بها الدم، فأوقفت الفرس ونبرت:‏

ـ : انزلي يا ذات الغُنَّة:‏

لم تصدق ما سمعت فنبست:‏

* ـ :قمر ..!..‏

نشجت بحرقةٍ، وأُحْرِجَتْ أمينة فترجلت، دفعتها إلى الخلف، ثم امتطت صهوة الفرس، هزَّت لجامها حتى أخذت مسارها، وهمست وهي تكبت تأثرها:‏

* ـ : ضعي رأسك على كتفي، وابكي ما عنَّ لك، علَّك ترتاحين.‏

أجهشت قمر، وراحت أمينة تسابق الريح، وتسبق العربات والبغال والأفراس جميعاً، وبدت مغلوبة تغالب مشاعرها، ولا مصبّ لغضبها وتخبّطِ حرقتها، سوى جوفها الملتهب.‏

استفاق عثمان من خدر النشوة، فاغتمَّ لهذي الخطة التي شرع مرؤوسه ينفذها؛واضطغن وفاضت نفسه حقداً. زفر وكزَّ أضراسه، ونفث حقده من صدره المغلّ:‏

ـ : (كمال يا رأس الشياطين؛ ما أبغضك إليّ..! تباً لك وقد تحالفت أنت وهؤلاء الأباليس. كان عليّ أن أقتلك. لا بأس... موعدنا بعينتاب)...‏

قلق البياطير لتخلخل نعال الدواب وتفكك بعضها، وأبلغوا الأومباشي بأمرها، فنقل ذلك بدوره إلى أصلان، فردَّ دون تكلؤ:‏

ـ : لن نتوقف، وليسمروها في عينتاب.‏

مرَّ الوجيه عبد الحميد بعربة الممسوسين، وسأل عثمان السِّكيت:‏

ـ : كيف تجد العقوبة..؟!.. هب أنك لست معاقباً، فإنك تفعل خيراً لهؤلاء المساكين، أراهم هادئين. لعلهم أعقل المجانين.‏

ضحك عبّاس فجأة ثم بكى، وصمت فجأة، وشرد مناجياً طيف أمّه، وغفا مسنداً رأسه على ركبتيه، ولم ينبس السِّكيت ببنت شفة، وحين مرَّ الوجيه بعربة الضابط عثمان، وكاد يتجاوزها دون أن يلتفت إليه، تحرّش به قائلاً:‏

ـ : يا حيف.. مخجل أن يكون مثلك بين هؤلاء، وتتركون أمركم مرهوناً بيد ولدٍ مثل كمال، لا يعرف كوعه من بوعه..‏

نظر الوجيه إليه نظرة تقطر هزءاً وقال:‏

ـ : عيب.. عيب...! إنك السبب، لم أدّخر جهداً لجعلك أقرب إلينا، فأَبَيْتَ إلا أن تستعديهم. يارجل... لو أنك حايدتهم دون أن تنحاز إليهم، لما نفروا منك وإن لم يحبوك. أمرك عجيب...!!...‏

ـ : لم يفسد الأمر إلى حدٍ لا يعود تدخلك مجدياً فيه.‏

هزَّ الوجيه رأسه وقال:‏

ـ : رأب هذا الصدع يحتاج معجزة، وأنا بشر...!..‏

همس الضابط بإلحاح محموم:‏

ـ : حاول.. حاول، ولك ما يرضيك..‏

ردَّ الوجيه على الفور:‏

ـ :لا أريد أن أخسرهم، أو أهتك شعيرات باقية بيني وبين أغلبهم، وإنني وإن كنت لا أكرهك، فإنني لا ...‏

قاطعه قائلاً:‏

ـ : فهمت فلا تزد، لي طلب.. لا تشجعهم على التعلق بالضابط كمال.‏

ـ : صعب أن أشرح لك كيف تأتلف القلوب..‏

هتف الضابط باندفاع:‏

ـ : إياك واللجوء معي إلى مفاهيم المأفونين، ولا تهمل خيط مصلحتك، فطرفه الآخر بيدي.‏

هزَّ الوجيه لجام حصانه، تحرك وما زال صامتاً، أخذ يبتعد ولمّا يتكلم. فتر وجه الضابط وارتخت قسماته، واعترته مشاعر تتأرجح بين الخيبة والعناد. نغض رأسه، وملأ صدره بشهيق طويل، ثم أطلق عبارته إلى أذني الوجيه وصميم وجاهته:‏

*ـ : أيها الوجيه الموقر، للوجهاء عند والي حلب منزلة خاصة، وهو يوصيني بهم دائماً، وتزداد حظوة من أزّكيهم لديه، وسترى ـ إن شئت ـ حظوتي لديه، وقد يُقْطِعُكَ ضيعة، مثلما فعل مع غيرك من "البكوات"..‏

أطرق الوجيه هنيّة. اقترب خطوات. توقف. اقترب. رفع نظره إلى وجه الضابط. نظر في آخر القافلة وأوّلها. وعلى حين غِرَّة همز حصانه، وراح يغالب الفتية والرجال، شاحذاً الهمم لتخطي الصعب، مردداً أشعار نعمان. ضحك الضابط ملء شدقيه ونبس:‏

*ـ : أسمعتك سحراً كرنين الذهب، فأين المفر أيها البطريق...؟!...‏

حذّر سواس الدواب من جريها المتواصل وقتاً طويلاً، فقد تنفرط أكبادها، لكثرة ما رشحته جلودها من عرقٍ بللها ونزّمنها كأرضٍ يتحلّب منها الماء.‏

صمت أصلان منتظراً قرار القائد، وأمسك الرجال دون آرائهم، فنظر طويلاً إلى القافلة، تطلّع في الوجوه، رأى نعمان وأبهى، وضيف الله‏

وحمزة، والأطفال والحبالى، وامتلأ الفضاء أمامه بوجه قمر، فاستدار‏

إلى الرجال قائلاً:‏

ـ : فلتنفق الدواب لينجو البشر، وليستمر المسير إلى عينتاب...‏

شعَّتِ العيون بومضٍ انساب إليها من القلوب وصاح أصلان مبلّغاً‏

-: يستمرّ المسير حتى عينتاب...‏

مسافات في البراري الحماد، والريح تذرو الأتربة وتسفّ الرمال، ولا أثر لكائن حي..!!.. القلوب واجفة والحلاقيم أيبسها عطش شرس، والنحيح يملأ الأجواف، والعيون أتعبها السهاد،وفسحة الرجاء يخنقها هذا الزمن المفتوح، على هاتيك المسافات المترامية اللا متناهية، والسراب الحار يزغلل الأبصار ويؤرجح الأمل.‏

وعلى ارتفاع شاهق ظهر طائر يحوّم فارداًجناحيه على وسائد الهواء، وحزر بعض العسكر أنها حدأة،وقال بعضهم إنها رخمة، والتقط بعضهم بعر معزى أو ظباء، وصارت الأرض تبدو مرقّعة ببقيعات خضر هنا وهنالك..‏

أشواك باهتة الخضرة كالعفن حادة الأوراق، قال العجوز داود:‏

ـ : إنهاتباشير الحياة..!..‏

سبقت عربة الفتيات ركوبة نعمان؛ وهو مسترسل في شرود، ضحكت أبهى كعصفورة تزقزق فانتبه، سألته:‏

ـ : بم تفكّر..؟..‏

غصب شفته فابتسم، سألته أن يشدو شعراً، فقال:‏

ـ : إنك أبهى من أشعاري..!..‏

وضعت يدها موضع الفؤاد تحت الثدي وهمست:‏

ـ : هونك يا سيد الكلمات، فقد يغمى علي..!...‏

صدحت أترابها مغنيات، ومررن بعربة العجائز وعربة الجدة نور، قوقأن للديك، فهفّ بجناحيه وأجابهن بصيحات ثلاث، ومضين من جانب الجدة حذرات منكمشات، فلم يجدن منها اعتراضاً، لكنها قمعت الديك وأدارت ظهرها، فابتعدن رافعات أصواتهن، واقتربت الفرس بأمينة وقمر حتى وازين نعمان، سألته أمينة:‏

ـ : ألسنا نذهب إلى الحياة..؟!..‏

وسألته قمر:‏

ـ : ألسنا نهرب من الموت..؟!..‏

قال مجاملاً كلتيهما:‏

ـ : لعلنا نهرب إلى أمل بالحياة..‏

وران الصمت ثقيلاً ثقل الهويس في الصدور؛ والظمأ على العروق. وعلى البعد. عند الأفق السحيق، تماوج وهم سراب، ثم تبدَّى متحركاً كبلور ينساب عليه ماء، فتحركت الحناجر في الحلاقيم تستحلب الأرياق، وتحركت في السراب أطيافاً بدت كإبل عملاقة، على بعضها هوادج، تتخللها فتحات كتيمة، وأخريات يتسرب منها ضوء يشبه انبثاق الرؤية في الوسن، مداعباً جفوناً ناعسة.‏

وفي الأفق الملاصق، لاحت بقع سودمثل طيور الزاغ، وفيما بينهما امتد بساط منقّط كوجه صبيّة نمشاء.‏

وإثر هرولةٍ وركض وجري ما انقطعت، تفسّرت الإبل العملاقة بيوتاً، وطيور الزاغ أشجاراً، والبساط المنمّش حقول خضراوات وزرع وكروم عنب، وقد تبرّجت بها الأرض. إنها معمورة مأهولة..!...‏

********‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244