البشر.. وحتى الشجر.!. - سامي حمزة

رواية - من منشورات اتحاد الكتّاب العرب دمشق - 2001

Updated: Wednesday, September 17, 2003 04:46 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

7

تلك هي عينتاب؛ محطة للمسافرين العابرين، عرفها من لم يرها بدبس أعنابها الذاهبة شهرته في الأرجاء حاملاً اسمها، وذاك حي عتيق من أحيائها، وهذي ضواحيها؛ وإطارها من سكنٍ جدّ عشوائي؛ لناس دحرجتهم إليها ضائقات ومعسرات، جعلتهم يلوذون بها، ويزنّرونها بأجسادهم؛ وما تبقى فيها من طاقة، لا يملكون غيرها، يبذلونها لمن يطلبها في خدمات وضيعة، لا تفرق كثيراً عن الشحاذة، إلاّ في أنها ليست إلحاحاً صريحاً في السؤال.‏

يعيشون على قارعة الحياة، ويموتون دونما حسٍّ أو خبر..!... تأكلهم الفاقة والأوبئة، وقلما يولد أحدهم بغير علّة، يقضون نحبهم ولمّا تزل في أعمار بعضهم بقية، ويكثر الأيتام والعجيان باكراً.‏

وهذا نهير الساجور؛ وهاتيك السواقي، تديرها بغال وكدش وحمير، ترفع الماء من حفرها إلى المساكب والبساتين، وليس بعيداً عنها حطّ السافرة، فارتوت البهائم، وارتوى البشر، فذهب الظمأ وابتلت العروق، ونجوا من براثن الإماتة في الأرض الخلاء ومفازتها، حيث خطّط ليفطِّسهم ودوابهم عطشاً، ليس لذنب اقترفوه، إنما:‏

ـ : (.. وأبسلوا جميع ما في المدينة، من رجل أو امرأة وطفل وشيخ، حتى البقر والغنم والحمير، بحدِّ السيف، وفتح يشوع في ذلك اليوم مقيدة، وضربها بحدِّ السيف، وأبسل ملكها وكل الأنفس التي فيها، وصنع بملك مقيدة كما صنع بملك أريحا، ثم...)..‏

شهقت قمر وأغلقت الكتاب جافلة. أهو كابوس تعمشق ظنونها. وقد نام عقلها.؟. أم تراه اندغام عطشها الذي انطفأ للتو؛ بجرح أنوثتها الذي التهب؛ لحظة نتأت قرحة ظنها، أنَّ كمالاً أهملها فتركها منشغلاً عنها؟.. تراه التشابه إلى حدِّ التطابق بين ما نوى الضابط عثمان، وفعلة يشوع بن نون بأهل تلك المدينة..؟..‏

ـ : (أم هو تفاجؤك بأنك كدت تفعلين بكمال، مثلما يمكن أن يصيبه من ألد أعدائه..؟ ما الذي دهاك يا امرأة..؟!.. وكيف خطر لك أن تذهبي بهذا السِفَر إلى عثمان، فيكون منك مثلما كان من شمشون.؟ أكنت تنكثين بوعدك لكمال ..؟!.. أهكذا تنجرفين وراء إحساسٍ لم يتأكد..؟!.. يالك من مجنونة..!!)..‏

ركضت حابسة دمعها، مخفية الندم في صدق اندفاعها. كادت أن تركع قدّامه فعدلت، خشية أن يفسر ركوعها "الكفارة" على أنه رضوخ لرجولته وتسليم بما هو أحقُ به..‏

مدت له الكتاب صامتة، ومدَّ يده فلمس أناملها فاقشعرت، وضجّت روحها، فهفت نفسه إليها فهمس:‏

ـ : يبقى أمانة عندك، مادمتُ أمَّنتك على ماهو أنفس..‏

رفعت رأسها مأخوذة، ابتسم فضحكت وضحك كيانها، وتقشَّر قلبها من بعض شكوكه، نبست بشغف:‏

ـ : شويّة إن موَّتك حباً. لِمَ أهملتني..؟..‏

ـ : ما أهملتك. شغلت طوال الوقت وأنا أتساءل: هل أكون لك وحدك فنخسر هؤلاء، أم أكون لهم جميعاً ونحن منهم.؟...‏

*ـ : وإلام توصلت.؟.‏

ـ : أليس وصولنا إلى الماء انتصار لنا..؟!..‏

خجلت ونغصت، وأعادت الكتاب إلى مخبئه، وفي صدرها لهب الأنوثة يردد مع نعومة أنفاسها:‏

ـ : (وما نفع الدنيا إن خسرت هذي المشاعر..!؟!)...‏

خاضت في النهر متقدة الأحاسيس، وراحت ترشق الماء وتغطس على حين غرّة، كنورس اشتاق أن يتبلل، فتطفئ حرّها وحرقة القلب، ثم قفزت داخل الحمّام تتنظف. واستحم الناس، وقد اتخذوا من أغصانٍ وأخشابٍ، عرائش غطوها بستائر وأسمال، فبدت كالهوادج، يفكّونها حين يرتحلون، وإلى ذلك فهي مغتسلاتهم، كذلك فعل عثمان السِّكيت بالممسوسين، فنظّفهم كما يفعل سائس مغرم بأحصنته، وإن أُخرجت من الخدمة لسبب قسري، ووزع كمال الجعالات، ونحروا ثوراً وأفراساً كادت تنفق، ومازحت بعضهن الجدة نور أن تذبح الديك قرباناً لوصولهم إلى الماء، فردّت جادّةً:‏

ـ : فمن ذا الذي يوقظكم لصلاة الصبح..؟!..‏

*ـ : مولانا الشيخ الإمام..‏

ـ : ومن يوقظ الشيخ..؟!..‏

بنوا المواقد وأشعلوا النار، فطبخوا مستهلكين كميات ثومٍ، لكأنه في أُس طعامهم، وعادوا مرضاهم، وفرغ بعضهم من دفن موتاهم، وتفقدوا أحوالهم، فإذا هم في بؤس وشظف، ولمسوا كم هم قريبون من شفير كارثة، فالهيضة تهدهم، وبرغم ذلك عاذوا بإيمانهم وأدويتهم، وتلا الشيخ الإمام:‏

ـ : ("وجعلنا من الماء كل شيءٍ حي....")..‏

وراحوا يرددون في جمع حاشد مهيب، تواصلوا فيه مع السموات، ثم انصرفوا إلى شؤونهم، وانشغل البياطير بحذو الدواب، ومضى غيرهم يصلحون العربات المخلخلة وعجلاتها المفككة، وحمل آخرون أحذيتهم المعطوبة إلى الإسكافي يعقوب، وقد فرد عدة الشغل، وانفردت أساريره لرزقه المرصود بتلف النعال...!!.. ومضى الحكيم إدريس يفتّش عن الأعشاب الدوائية.‏

وتجددت غمم بعضهم، وانتشر بعضهم الآخر زرافات ووحدانا، بين الحقول وأطراف البلدة، واضعين في الحسبان ألا تتكرر معاناتهم في المفازة والأرض القفر، مهيئين ما يقيهم جوعٍ وعطش. أثناء ذلك استدلّ إبراهيم وعبد الله إلى متجر "الحاج أمير" العجيب..!.. إذ وجداه يراهن على تلبية طلبات زبنه من الإبرة إلى العربة، وكتما أمراً لمَّح به، فجعلهما في نزاع مع نفسيهما.‏

وطافت امرأة حذرة حول النزل، دانية من أطرافه والسواقي حيث يردون الماء، سألت بتحفّظ فلم يفهموا ما قصدت، ابتعدت ولمّا تزل تتلفّت، لاحظ الضابط عثمان أنها كلّمت صبياً، فناداه حين اقترب:‏

ـ : عجي.. يا عجي..، تعال...‏

توجّس الصبي ريبة، تردد وهو خشيان، طمأنته ابتسامة الضابط فاقترب وقال محتجاً:‏

ـ : لست عجياً أيها الضابط، فتلك هي أمي (ستناي) مع أبي ضيف الله..‏

أحسَّ الصبي أنه أخطأ إذ ذكر اسم أمّه الحقيقي، لكنه ارتاح لمّا وجد الضابط يبتسم قائلاً:‏

*ـ : ما اسمك أيها الجميل.؟..‏

ـ : اسميتني حمزه. كيف لا تذكر..!؟!..‏

ضحك لبراءة الصبي وقال:‏

*ـ : حمزه..! نعم.. لا بأس يا حمزه، من تلك التي كلمتك..؟!..‏

نظر نحوها وقد أقفت مبتعدة، فقبب كتفيه، وهزَّ رأسه علامة النفي.‏

*ـ : ما الذي كانت تريده..؟!..‏

استحكّته فروة رأسه؛ وقد نتأت فيها دمامل تقرّحت، وبدا يعصر ذهنه محاولاً أن يتذكر:‏

ـ : قالت.. صاعدون.. ولم أفهم..‏

انحنى إليه وسأله متلهفاً:‏

*ـ : هل سمعتها تقول: "عَليا.. يَريداه.".؟..‏

أجاب دون تردد:‏

ـ : بلى قالت..كيف عرفت..؟!..‏

التمعت عيناه وهو يمج لفافته بنهم، طبطب على ظهره ووضع في يديه "بصطيقاً وجق ملبن"، وصرفه قائلاً:‏

ـ : عد إليَّ متى شئت، فنحن أصدقاء.‏

مضى منشغلاً عن حك رأسه بالأُعطية، مخّمناً نصيبه إن قاسم أخويه عبد الله وتوفيقاً، فوجده يسيراً، سيما إذا جعل لوالديه نصيباً، فجلس يأكل محدثاً نفسه:‏

ـ : (آكل بعضه وأقتسم ما يبقى معهم.)..‏

لكنه استطاب مابين يديه فأتى عليه..!..‏

بينما تمتم الضابط:‏

ـ : (إن صدقني حدسي، فهي من قبلك، فأنت أنت لن تغيّر عادتك يا بن آوى.).‏

أكمل ارتداء بذته بكامل "النياشين" وأمر السائس والحوذي أن يجّهزا العربة، وهاهو يزيح عمود الخيمة، ليخرج الصندوق، وقد نجح بإخفائه طوال المسير، وهو فتات خزينة السلطنة، كما يحاول أن يقنع نفسه، جعلته لتكاليف التهجير، تمننهم به وما فتئت تتاجر بهم، ولمّا تزل مادام البازار منعقداً والمزاد سرّياً، برغم أنهم لا يستحقونه، وإنه ثروة طائلة إن استأثر به شخص لنفسه، ولطالما تفقّده مردداً:‏

ـ : (ليس بطّال باشا، وأحمد باشا بأفضل مني، وقد أخذا ما طالته أيديهما.).‏

تنفس عميقاً يرمق الصندوق، وكم طمره في حفرٍ تحت عمود خيمته حيثما حلّ:‏

ـ : ( رحلة قصيرة وأخيرة، وتدخل في ملكيتي)..‏

أطال إبراهيم وقفته أمام الساقية، مراقباً سطولها تغرف الماء وتسكبه، ثم تنقلب عائدة إلى جوف الحفرة، أمعن النظر بمسنناتها، وراقب آلية دورانها على محورٍ تحركه قوة البغل، وراح يرسمها في ذهنه، وتنفس الصعداء مطمئناً إلى أنه استوعبها وبمقدوره صنع مثلها؛ بيد أنه رأى عجباً في حال البغل؛ ماشياً طوال الوقت، على مدار هذه الدائرة القدريّة، وتصوّر نفسه مربوطاً إليها:‏

ـ : (ياللكارثة وهولها، إن حُددت حياة المرء بمثلها..!!)..‏

نفض رأسه كأنه يطرد تلك الفكرة المتقنفذة متكوّرة في جمجمته، وقفز تفكيره إلى تلميح صاحب المتجر. أغراه وهزَّ فتوّته مثيراً خياله، لكنه شكك أن يتم الأمر بالسهولة التي أوحى بها صاحب المتجر.‏

اقترب عبد الله قلقاً، ضاق ذرعاً بما يعتمل في صدره، أحسَّ إبراهيم به، فلم يعره اهتماماً، واستمر مشدوداً إلى فتنة امرأة نمّقها خياله بكيفية طالما واكبت غرائزه، بيد أنَّ وجود صاحبه، نغّص عليه متعة التفرّد بحلم اليقظة، فاضطرب خياله وفتر.‏

وضع عبد الله يده على كتفه وسأله:‏

*ـ : أيشغلك ما يشغلني..؟!..‏

ـ : وهل فهمت من التاجر؛ مثلما فهمت منه..؟!..‏

*ـ : ليس لما قاله تأويل آخر. يظهر أن في حيوات البشر وطباعهم مالم ندرِ به بعد..!..‏

ـ : أتدعنا نجرّب..؟!..‏

*ـ : تلزمنا نقود.‏

ـ : كنت أفكر كيف يمكننا توفيرها..‏

*ـ : لن يعييك أمرها، وأنت واسع الحيلة كما عهدتك..‏

ـ : فلنتأكد من أمر التاجر أولاً..‏

قال عبد الله متحمساً:‏

*ـ : هلمّ بنا.‏

قطعا الطريق مسرِعَين؛ والناس على ضفتي النهر يصطادون السمك، يشوونه في الحال، أو يجففون أكثره، زاداً لسفرهم على طريق هابوها، ولمّا يطرقوها بعد..!.. برغم أن الضابط كمالاً أكدَّ لهم أنَّ ماكان لن يتكرر، فكان ردّ إدريس الحكيم:‏

ـ : نعقل ثم نتوكل..‏

وقال العجوز داود:‏

ـ : نثق بك.. لكن الثعبان عثمان بين ظهرانينا، وكفانا منه لدغاً.‏

تركهم مبتسماً، وشمَّر عن ساعديه مقترباً من قمر، يشاركها صيد السمك، أزّت رصاصة من فوق كتفه الأيسر، فزلقت قدمه وسقط في الماء، وراح يسبح عكس التيار. عمَّ الهرج والمرج، واختلط الحابل بالنابل، وانطلق توفيق ورشاد نحو مصدر الصوت، بحثاً عمن أطلق النار، وهرع أصلان يطمئن على سلامة كمال.‏

***‏

في الطريق إلى المتجر، وقف الناس شاحبي الوجوه، مهلهلي الثياب، ينظرون إلى موكب الضابط الكبير؛ بإعجاب وبشيءٍ من الحسد، واقترب بعضهم طالبين حسنة، فساطهم العسكري وهو ينهرهم، وحزر بعضهم أنه الضابط الذي يتردد إلى متجر الحاج أمير بين حين وآخر. حمحم حصان العربة، وقد شدَّ الحوذي لجامه، فتوقف مراوحاً بين قوائمه، عالكاً ما استطاع من الشكيمة، وسرعان ما ترجّل المرافق عن بغله، مؤدياً التحية، كذلك فعل الحوذي، فنزل الضابط متغطرساً، وقد سرّه أن ينظر الناس إليه وقوفاً، فازداد خيلاءً، ونثر لهم حفنة "متاليك" وتبختر في مشيته، وهو يقطع المسافة القصيرة إلى مدخل المتجر، فهرع إليه صاحبه يستقبله بترحيب لبق، وأدخل العسكريان الصندوق وخرجا على عجل، فإذا بأحدهم قد خطف مخلاة عليق الحصان، وركض هارباً. أطلق العسكري نحوه فأصابه، فخطف آخر المخلاة وأطلق ساقيه للريح متوارياً في منعطف، بينما زحف المصاب سريعاً للحّاق به، غير أن رجال الجندرمة أحاطوا به؛ وأوجعوه ضرباً وهم يجرّونه إلى المخفر..!...‏

حتى إذا مضوا، ضحك العسكري قائلاً:‏

ـ : كنت دقيق الرماية.. أليس كذلك..؟!..‏

ردّ الحوذي منكمشاً:‏

ـ : بلى.. لكن الآخر فاز برطلين من الشعير..!..‏

قالت امرأة غليظة الشفتين، ناتئة الوجنتين، عنابيّة البشرة دكناء:‏

ـ : هو الجوع.. وياله من كافر..!..‏

نظر إليها بعينين تبرقان شبقاً، وابتدرها بصوت هدّجته الشهوة:‏

ـ : كأنك جائعة.. أنا أيضاً...‏

تنهدت وظلت صامتة، اقترب غامزاً وهمس:‏

ـ : أستطيع أن... فلدي ما تحتاجين إليه و.....‏

تلفتت وجلة، أطرقت بخفر وأغمضت عينيها وتمتمت:‏

ـ : أموت سبع مرات دون هذا.‏

بكت بصمت، وتهزّعت في مشيتها مبتعدة، فاقترب رجل أثرم من العسكري وهمس:‏

ـ : حاجتك عندي حسب الطلب.‏

أحاط العسكري والحوذي بالرجل، بينما أخذ التاجر ضيفه إلى صدر المتجر؛ حيث المصطبة بعيداً عن المدخل والعيون، ووضع أمامه دناً وقدحاً وهمس:‏

ـ : معتّقه لسنوات، احتسيت منها كأسين، جعلاني أرى نفسي أمام حائط الهيكل. ضحك الضابط وهو يصب كأساً وتمتم:‏

ـ : ليفي... أي سرٍّ فيك يجعلني أشتاق إليك..!؟..‏

سرَّته المجاملة، فأوعز إلى مساعده أن يتصرف مع الزبن، إلا في المسائل الحساسة.‏

انتبه الضابط إلى الجملة الأخيرة، فاستفسر عنها، فأوضح التاجر أنه قصد الرهون، فالناس في ضائقة والمعيشة صعبة. ضحك الضابط ساخراً وسأل:‏

ـ : فما الذي يمكنهم رهنه..؟!..‏

لحس التاجر شفتيه وأفاد:‏

ـ : يبدو أنك في دنيا أخرى. قد أتاني من رهن بناتٍ ونساءٍ وغلماناً. ما زالت الأمور سرِّية. وقد بعت الغلمان جميعاً بأسرع مما توقعت.‏

ـ : والنساء..؟!..‏

ـ : الأحواش الثلاثة تغصّ بإناث من كل ناحية.. أوكرانيا.. كريت.. انطاكية.. تبليس... أنقرة.. أرمينية وأوديسا...‏

سكت قليلاً ثم استدرك:‏

ـ : القائمة طويلة. سينخفض سعر النساء في الأستانة هذه السنة.‏

نادى العامل سيده، استأذن وتأود خفيفاً إلى مساعده، واطمأن إلى وضع زبونه، فالذل الذي يسربله؛ يختصر عليه المداورة، ووقف الضابط ينظر في ركن الكتب، وتناول أحدها وقرأ:‏

ـ : ( كتاب الزبور الشريف، المنطوق به من الروح القدس على فم النبي والملك داود، وعدَّته ماية وخمسون مزموراً، يتلوه عشر تسابيح. وقد طبع حديثاً بمحروسة حلب المحميّة، في سنة ألف وسبعماية وستة مسيحية.).‏

أعاده، وتناول غيره، ثم تناول آخر وعاد به إلى المصطبة، وشرع يقرأ بشغف.‏

***‏

انفرد الأثرم بالعسكريّ والحوذيّ، وألحّ بطلب عربون، ليأتيهما بامرأة إلى خيمة على يمين الطريق عند آخر ساقية، فإذا جاؤوها بعشرة أنفارٍ، لذّذهما بها دون مقابل..!...‏

ولم يرق لعبد الله وإبراهيم وجود عربة عثمان أمام المتجر، فدخلا حذرين. وقفا جانباً متذرعين بالنظر إلى هذه البضاعة وتلك، وما انقطعا يراقبانه، وأومأ التاجر إليهما مرحباً؛ وما زال يساوم رجلاً عرض تخديم ابنتيه عند علية القوم، وحاول الحصول على بعض المال سلفة، وردّ التاجر بما لا يقبل الجدل، فهو لا يدفع بسمكٍ ما زال في الماء. ناء الرجل بذل الموقف، ودارت عيناه في وقبيهما تتطلعان إلى أكياس البقول والحبوب وجرار الزيت، تمتم مؤكداً أنه عائد في الغد بالفتاتين، وانصرف مستجيراً يكاد يكفر:‏

ـ : الله.. لو لم تحرِّم وأْدهنَّ..!..‏

ابتسم التاجر لعبد الله وإبراهيم، فسألاه عن حقيقة تلميحه أمس، ففتح باباً في جدار المتجر، أفضى بهم إلى فناء دار واسعة، صفّق فخرجت إليه بضع عشرة أنثى، بنُهت عبد الله بما رأى، ودُهش إبراهيم بتلك القسيمة الوضاءة، دعجاء العينين. قدّرا أن بعضهن في الخامسة عشرة..!...‏

دفعهما برفق وأغلق الباب فبدا كالجدار أو بعضه. وغمز بحاجبيه قائلاً:‏

ـ : المتجر لا يبلّغ زبنه عن بضاعة ليست فيه، وقد رأيتما ما ليس موجوداً إلا عند كبار الباشوات وعندي..‏

بلع إبراهيم ريقه وهتف متلهّفاً:‏

ـ : كم تريد..؟!..‏

ـ : ذهبيتان عن كل جوله..‏

نظر بعضهما إلى بعض، ورفع عبد الله حاجبيه، ولوى شفته، وقد أُسقط في يده. همس إبراهيم متلعثماً:‏

ـ : ألا تقبل بغير الذهب..؟!..‏

ابتسم بمكر وقد استشف اقترابهما من فخاخه، وقال:‏

ـ : ولِمَ لا... لكما بشكل خاص، فلكل شيءٍ سعره، فنحسبه على أساس الذهب، وكلما ندرت بضاعتكما جعلت لكما حسماً مناسباً، فماذا لديكما.؟!..‏

ـ : سلاح.. مثلاً..‏

شعّت نظرته لما أوحت له تلك الكلمة من كسب، يعادل ما يجنيه من تجارة الرقيق الأبيض:‏

ـ : نعم. سلاح ودواب وقمح وأولاد وبنات..‏

شدَّ إبراهيم يد صاحبه وهمس للتاجر.‏

ـ : سنعود إليك.‏

ـ : هل لي أن أتعرّف عليكما.؟!.. من أي قومٍ أنتما.؟.‏

ـ : خمّن.‏

سأل بحذر:‏

ـ : خزريان.؟.‏

قال إبراهيم بجفاء:‏

ـ : هب أننا غجريان؛ بم يهمّك ذلك.؟..‏

ـ : عُدَّاه فضولاً ليس إلا. لكأني أحببتكما؛ برغم أنّ ما يهمني هو رواج تجارتي، فأنا تاجر أولاً وآخراً.‏

قال عبد الله بأنفة:‏

ـ : واضح، وإننا من قومٍ هم رفاق الخيل.‏

جرّه إبراهيم غاضباً وهمس:‏

ـ : مهذار أنت يابن ضيف الله. هلم بنا.. فقد تكلمه عن رأس ذاك العريف، وكيف اجتزرته.‏

شيعهما بنظرة ماكرة. محدِّثاً نفسه أنهما لصان اشتد شبقهما، وقد رأيا مالا طاقة لهما على مقاومته، أنى كان قومهما. وأوعز لمساعده أن يكنس أمام المتجر ويغلق الباب خلفه، وأسرع إلى ضيفه، جلس قبالته وعيناه تحوِّمان حول الصندوق المموه، حتى إذا أنهى الضابط قراءته، تنهّد مرتاحاً وتمتم:‏

ـ : يهوه يارب الجنود.! كم ارتحت لما قرأت عن يشوع بن نون.!!.‏

ـ : وهأنذا تفرّغت تماماً لمزيدٍ من راحتك يا عزيزي كاهانا.‏

انبسطت أساريره وتفوّه برقّة:‏

ـ : يالك من ساحرٍ يا عزيزي ليفي. أنشيتني إذا ناديتني بالاسم الأحب إلى قلبي من بين أسمائي كلها. إنني محروم منه يا ليفي، محروم. هل تفهمني.؟..‏

رقّت قسمات التاجر وقال مواسياً:‏

ـ : هوّن عليك، نعرف قيمة إنكارك ذاتك، وتضحياتك موضع تقديرنا جميعاً، وإنك مثال الجندي المخلص ليهوه ويشوع.‏

فاجأ الضابط مضيفه بقوله:‏

ـ : ومن تلك التي أرسلتها تتجسس أخباري..؟!..‏

ردَّ التاجر دافعاً التهمة بحذق:‏

ـ : مثلك نتلقّط أخباره، ولا نتجسس عليه، و(نتيفا)عيل صبرها، وقد تأخر وصول "عليا = الصاعدين".‏

ـ : ومن تكون نتيفا.؟..‏

ـ : فاتنة (أوديسية)، يعتمد عليها "فلاديمير جابوتنسكي"، في مهماتٍ خاصة، ألن تساعدها.؟..‏

ـ : وكيف لا...! أعتقد أنني مكلف بذلك.‏

ـ : نعم يا كاهانا، فتلك مهمتك التي ستحدد لك موقعك على السلم. لابأس... سنتكلم في هذا لاحقاً. ستستحم للتو. وريث ذلك تجدني هيّأت لك مالم تحلم به في المنام.‏

ـ : بادئ بدءٍ تستلم الوديعة.‏

ضمَّ الصندوق إلى حجره، محدقاً في وجه التاجر، فلم يقرأ في قسماته شيئاً على الإطلاق، فأبهم بدوره، ولم يبن في كلامه وضوحاً، كأنما يبادله الغموض بمثله. لكن (ليفي) خرق ثقل الإبهام فسأل:‏

ـ : وما قطفك من هذا الرواح.؟..‏

أجاب وهو يفتح الصندوق بحرصٍ ونشوةٍ:‏

ـ : ذهب أحمر. قامرت برأسي كيما أوصله إلى مأمنك. احسم عمولتك سلفاً، واحسب حصتي الكنيس والمحفل، وجيّرْ الباقي لحسابي.‏

بلع التاجر ريقه وكاد يغص به، وهو يرى أكياس الذهب، ويسمع خشخشته، فهمس مستعطفاً:‏

ـ : أما للصاعدين نصيباً منه.؟. سيواجهون ظروفاً صعبة.‏

أغلق الصندوق فجأة بعنفٍ، ونظر بعيني ذئبٍ إلى التاجر ونبر:‏

ـ : أدفع لهم فتقبض منهم.!... أليس هذا مرامك...؟!..‏

ارتبك وقد تفاجأ، واعتبر كلام الضابط وقاحة وجرأة عليه، ليستا في وقتهما، وبرغم ذلك اصطبر، فالغاية تدعو إلى حنكة وحكمة، وما علكُ الضابط إلا هبّة نزق آنيّة، فقال بلطفٍ:‏

ـ : الاستحمام سيريحك ويجلو سريرتك...هيا...‏

ـ : لدي رغبة ملحّة للتعرّف إلى (نتيفا)...‏

ـ : هي أول احتفائي بك الليلة. ستجدها مثل حمامة حين تفرك لك ظهرك في الحمّام..‏

ـ : فأين الحمّام.؟.‏

أشار التاجر بيده لصاحبه، وفتح باباً آخر في جدار المتجر وأردف:‏

ـ : لا تدع الحمامة (نتيفا) تنهكك، فلدي مفاجأة لك...‏

ـ : لا أحب المفاجآت، أخبرني بما لديك.؟..‏

ـ : عذراوان. كيليكية مخطوفة، وأرمينية سبيّة.‏

ـ : قلت عذراوان يا ليفي، فهل هما عذراوان حقاً.؟.‏

ـ : نعم.. فلم يقربهما سواي بعد.‏

انفجر الضابط ضاحكاً بمجون، وضرب على أليته، فتأوّه، وتخنّث، فأردف الضابط ولمّا يزل يضحك:‏

ـ : عذراوان لاشك. صدقت أيها اللوطي صدقت.‏

ضحكا وهما يتقدمان في صحن الدار. وأشار الضابط بيده مشترطاً:‏

ـ : أما الرابعة فأختارها بنفسي.‏

طفقا يضحكان دون تحفّظ؛ وهما يدخلان غرفة أنيقة الأثاث، خلع الضابط فيها ثيابه، ثم قاده التاجر إلى الحمّام، وهو يستعجل نتيفا.‏

***‏

كأنهم انتظروا هذه اللحظة منذ زمن، فأحاطوا به كالطوق، وأخرج العجوز داود البندقية من مخبئها أسفل العربة، تتنازعه المفاجأة والخيبة والخشية والشكوك، والأنكى أنهم وجدوا معها بضع طلقات، كالتي تباهى الضابط عثمان باختراقها أجساد المتنوّرين..!..‏

جُنَّ جنون الفتى السِّكيت، وأصابع الاتهام تخزّه في كلمة شرفٍ، قالها بدل القسم؛ ألاّ يعاود الاعتداء على الضابط كمال، وظلَّ لائذاً بالصمت ينفذ العقوبة صاغراً؛ في خدمة الممسوسين، وما سأل عن مدتها، أو موعد انتهائها، موطداً نفسه على تحملها فلا يقول أفٍ مهما طالت أو صعبت، فمالهم..؟.. هل نسوا..؟!...، فالعيون تحاصره من غير أن ترّف..!.. وهاهو في مظلمة؛ ابتناءً على سابقةٍ لا سبيل لنكرانها، وقد مكَّنهم من قرينةٍ لا يدانيها شك. فالبندقية سرّ كشفوه للتو؛ وماكان لأحدهم علم بها من قبل..!! وهم لم يعهدوه مقتنياً لسلاحٍ عدا سيفه قصير النصل، لذا كبر شكّهم به، وإن يقن خلو ساحته من الشبهة. ألا ما أشبه حاله بينهم الآن، بحاله تجاه نفسه، حين ترك ابن الوجيه زوج قمر يموت نازفاً.!.. يالها من عقدة ما برحت تعذّبه بأتون حقدٍ، كسا روحه حينذاك غبطةً إبليسية بفنائهِ؛ وإن لم يقتله بيده، ولم يشفع لنفسه نقمةً أنفدت عقله وتمييزه، وهاهم يقرنون سابقته مع الضابط.واكتشافهم البندقية؛ في نيرٍ واحدٍ، فمن سواه يعتدي على كمال، مادام الضابط عثمان غائباً..؟‍..‏

نده الفتى تباريح مهجته، وهو ينظرإلى شخصين اثنين، من بين الجمع الغفير المتحلق حولـه، كأنه ينشدهما إحساساً غير الذي يجلده به الآخرون، وإنهما مهما نأيا عنه، فليس أقرب منهما إليه، ذاك الوجيه الذي ربّاه. فلم يعرف أباً سواه مذ تبناه، وتلك التي لو شقّت صدره لوجدت نفسها في قلبه.‏

كاد يصيح:‏

ـ : (سيدي.. أنا ما قتلت ولدك، فخلصني من هذا الضيم. ويا سيدة النسوة، لست من قتل زوجك، فمدّي إلي يدك؛ أو شعرة من جدائلك؛ فيكون لك نبل محاولة إنقاذ غريق ولو بشعرة.)..‏

جامدان مثل جدارين أصمين، يحولان بينه وبين أي فرجةٍ، ينفذ سكوتهما في نفسه كحدي نصل رهيف، وخيبته بهما جرّح قلبه وهو مفؤود. تراهما يتركانه ينزّ تماسكه عصباً إثر عصب، مثلما ترك فقيدهما ينزف دمه قطرة فقطرة...؟!..‏

ـ : (صلدٌ أنت يا سيدي مثل أولاء الدهماء، وأنت يا سيدة النسوة صوّانية القلب، ولا مزّية لك عمن سواك، وإلاّ ما معنى نظرتك المبهمة.؟!.. غبيٌّ أنا إنْ لم أُقرّ أنني أُبلغت قراركما الصموت؛ بأنكما في ريبة مني. أجل، أنا عندكما في غير المكانة التي قدّرتها لنفسي، إنه الفرق بين ما أظنّه بحالي، ونظرة من يجهل نسائم روحي، ويالها من غصّة إن وسعت الفجوة بينهما..!!)..‏

تسرّبت في قاع نفسه مرارة كطعم قشر الرُّمَّان، فصهل المهر في رأسه، وزأر السبع الذي يتوئم روحه، وجأر الثور الذي تقمّصه. نفرت عروق صدغيه والرقبة، ثم زمجرَ كأنه يفجِّر حنجرته، وبح صوته صائحاً ببراءته، معوضاً عن صمته الطويل، وما انقطع صراخه، ينزح المكتوم في صدره الكهف، وبلا توقّعٍ وضع نفسه مكان الدابة من العربة، وراح يدور بها في مكانها، فجعلها كقواديس الناعورة وسطول الساقية، ثم تركها تنقلب متدحرجةً بالممسوسين، وقعد بينهم ينظر في الجمع، يحدّثهم بصوتٍ لم تلتقطه أذن قط:‏

ـ : (مصرون..!!.. إذاً بات لكم أهبل آخر؛ أيها الأهل الألدة.)..‏

***‏

هدج إبراهيم في مشيته، كشيخ أثقله الكبر والهم، وجلس مقرفصاً في الطريق، واستمر نظره جائباً الأفق المهيب في سكون، ثم مالبث أن حلَّق سابحاً في فضاءٍ انفسح طرفه فيه، يسمع أغنية رنّحته، واستقدمت مشاهد وطيوف ذاكرة، إبّان بلوغه وقد كان جوّالاً بخيول القرية، يرصد عند تخومها آيباً من معركة في استراحة محاربٍ؛ فيشغله أمره، فيتلصص على مخدعٍ أو خلوةٍ، ويسترق السمع والبصر إلى تكوينات جسدين؛ يبتكران تشكيلات لا تضاهيها مدهشات الكون برمتها، وهاتيك الهمسات؛ شتَّان بينها وأصوات الكائنات الجميلة كافة، وحرارة أنفاسهما المتسرّبة؛ كبخار عين مياهٍ كبريتية في زمهرير الشتاء، يُذيب الصقيع في رقعة تكفي لحمامتين أن تهدلا حباً، يرعشهما جمر الروحين، نابذاً البرودة من المسامات فينتفضان مضمخين بنفح الزهرة للزهرة، تطيّب الأرجاء بمثل رائحة الأرض في أثناء قطقطة المطرة الأولى، وتأرّج السرو والصنوبر، وعبق وليدٍ لم تغسله أمه لأسبوع مضى، وبنكهة اللبن الخاثر؛ من غنم رعت تعاشيب غرّة الربيع، فترتفع من قيعان النفوس رايات اصطبار آن أوان هزّها عالياً وطيّها في آنٍ معاً، ذخر مؤونة الروح، لوحشة زمنٍ من جعبة المجهول المقفل، موارىً بحجب الغيب، مغلقة عليه قبضة لا تدرك ماهيتها المدارك، فالغيب كالروح، وصفهما محال..!..‏

ويذكر ذاك الذي آب ولقيته كاسفة مغمومة، برغم رجوعه سالماً غانماً، فصمت يتقرى قسماتها، ثم سأل إن كانت الطامة وقعت، ودنَّس عسكر القيصر داره..؟‏

أومأت تخيّره أيقتلها أم تنتحر.؟.. فاستفسر وهو يرتجف:‏

*ـ : هل ارتعشتِ..؟!..‏

ـ : بل ارتعدت خوفاً وقهراً..‏

*ـ : أصدقيني..‏

ـ :ارتعشت اشمئزازاً وغضباً..‏

*ـ : قولي الحقيقة..‏

ـ : اختلجت حقداً وأسىً..‏

*ـ : أريد أن أصدّقك..!..‏

انقدحت نار خاطرها مدركةً قصده، واستلَّت سيفه من غمده، فقذفته أمامهما، فنبت في خشب أرضية الغرفة مهتزاً، ونفرت كلبؤةٍ تفقأت مواجعها ونبرت:‏

ـ : إن كنت تشك قيد شعيرة، اغرزه هنا.‏

وكشفت عن نحرٍ يختلج منتفضاً. اقتلع سيفه وأغلق كفّه الثانية على نصله، ثناه حتى قوّسه، ثم ألقاه خلفها، سال دم كفه، فجعل راحة يده في كفِّها وهصرهما بصدره على صدرها، فتحلّب الدم يصبغ سترتيهما. أحاطت جيدها بساعديها مطرقةً، فطوّقها بذراعه الأخرى، وما عاد واضحاً إن كان الذي يقطر دمه أم دمها..!! وثب نحو الباب، وقف هنيّة، ودون أن يلتفت خاطبها:‏

ـ : عَمَّدْتك بدمي، ولن أقربك وشرفي مثلوم. أبقي قسمي على كفي ريثما أعود..ذهب صافقاً الباب، ولبثت ساكنة هنيهة، ثم اقتربت من السراج، مشرِّعة كفّها في ذبذبة ذبالته تظهر خضابه، أمعنت ملياً، ثم لفّت كفّها بشالها الحرير، راية عذريتها ليلة زفافها، وجلست ساهمة الوجه، نافرة التقاطيع، وكسرت إحدى عينيها مدققة بحدِّ السيف، متخيلة زوجها، وقد غدا على سراطٍ أرهف من شفرة هذا البتّار، وفجأة جحظت عيناها، كأنها تسمع خَفْقَ نعليه ونحنحته قبل أن يلج الباب، فيستقيم نصل السيف في استقباله وقد اقتصَّ من ثالمِ شرفهِ، شهقت لخبط الباب، والريح صرصرٌ، والذئاب تعوي، والكلاب نوابح، فانكمشت هاجعة، ثم سكنت ذاهلة، عندئذٍ انسحل الفتى عن فوّهة المدخنة ومضى.‏

***‏

سكت إبراهيم عن الغناء فجأة، وأطلق سؤالاً:‏

*ـ : بِمَ يُنعت من ييسر النساء للرجال..؟!..‏

ـ : لا أدري..‏

*ـ : هل عاشرت نساءً.؟.‏

ـ : أرملة رائعة.‏

*ـ : والمقابل..؟!..‏

ـ : دون مقابل. كانت تقول لي: هي حاجة منحها أحدنا إلى الآخر...‏

*ـ : أتذكر ليلة مقتل الضابط ألكسندر..؟!..‏

ـ : وأحفظ أغنية نعمان عن تلك المرأة..‏

* ـ : أقسم أنني لمحت ابنتها "آية".‏

ـ : ما عهدتك مهذاراً. فما الذي تهذي به..؟!..‏

*ـ : "آية" عند التاجر يا صديقي.‏

ـ : إن كنت محموماً أخذتك إلى الحكيم إدريس. فإنك تخرِّف!..‏

*ـ : فلنتدبر النقود سريعاً دون علك وشطح.‏

***‏

طويلاً تبادل الضابط كمال و الفتى عثمان السِّكيت نظرات مجمّرة، وفم كلّ منهما حشوه كلام وأسئلة متداخلة، متزاحمة؛ كنحل تكتظ به خلية مغلقة، والناس من حولهما قطعوا الأنفاس، وتوجسوا بلبلة، بانتظار قرار الضابط، دونما اكتراث بالذي يفزر الآخر؛ وهمه القابع فيه مثل دمّل تحت الجلد، يكاد الإحساس بالمظلمة يفقأه، ولن يتهور أحدهم فيطلب صفحاً لعامدٍ متعمد، ولو أصابه لرقمّه في عداد الهالكين سدىً، خلافاً للمرة السابقة التي حُجِّمَت بحدود العراك، وماكان السِّكيت ليدرك إن كان موقفهم هذا من حبهم كمالاً، أم حاجتهم إليه، أم نتيجة نفورهم من الضابط الآخر؛ وهو أثيره..؟!.. وتلك هي أداة الجريمة تشعل الريبة، وإنها لحقيقة جليّة، كتوقيع للمجرم على جريمة مماثلة؛ بتشابه غير وجهٍ في الحالتين.‏

كدَّ كمال ذهنه في هذا المنحى، وانشغل به عمّا سواه، ولم يبتر شكه بالسِّكيت إن كان مدفوعاً مسخّراً، أم أنه تصرف بدافع جوّاني..؟!..‏

سهلٌ عليه أن يأمر، فيثقّب العسكر جسده مثل غربال، أوأن يسدد بين تينك العينين غامضتي النظرات، وإن هي إلا طلقة واحدة، تُحدث نفقاً في الدماغ اليابس وتنتهي المسألة، ولكن ماذا لو كان تصرف بدافع افتتانه بقمر.!؟.. ألا يعني أنها كادت تكون سبب مقتله..؟‍ وإن نفّذ حكمه بهذا الشقي؛ ألا تكون سبب جعله قاتلاً في غير حرب...؟‍.. أيوصله سلطان عشقها أن يقتل من أجلها..؟‍‍!.. الحيرة تؤججه وتشتت صوابه... جفف عرق جبينه بمنديل "رقوش الحلبيّة".‎:‏

ـ : ( أسعد الله وقتك؛ ما أعذب حبك، وكم هو هيِّن هنيء!..)...‏

انتبه الناس إلى شروده، وانتبه إليهم ينتظرون قراره، والعسكر ربما ينتظرونه، وإن لم يسمح لهم بالاقتراب، تاركاً للأقربين أن يروا القضية دون تأثير أحد.‏

ـ : (أؤنفّذ حكمي وأختم الحكاية بصفوي مع قمر.؟ لأفعلنّ... فالوقت مناسب، والظرف مواتٍ، لكن ما الذي يدلّني بعدئذٍ على علاقة الضابط بالأمر.؟. أأقتل هذا مقلِّماً مخلب ذاك..؟! أيهما غريمي.؟ أهذا الشقي بعشقه قمر، أم ذاك الشيطان.؟. ويالهذا السِّكيت ما أقواه بالصمت.!!..).‏

انقدحت نار خاطره ببارقة، قد تؤكد الإدانة، بيد أنها لا تحسم إن كان الدافع ذاتياً، أم هو مجرد مخلب فحسب..؟! دفع عن ذهنه هذا التهويش، ورفع البندقية مدنياً فوَّهتها من أنفه، حابساً أنفاسه بعد زفيرٍ تام، واستنشق طاقة رئتيه،أعاد الكرّة مرتين، فتأكد مما لا يقبل الشك، ألقاها أمام الفتى معلناً براءته، وأنها ما استخدمت منذ أمد، ومضى منهك الذهن، وفي رأسه سؤال مثل سيخ النار:‏

ـ : (من ذا الذي فعلها إذاً...؟!.)..‏

حين أُعلنت براءته، وشاف إعجاب الناس بغريمة الضابط كمال، وانتبه إليها تكاد تطير خلفه، وفي عينيها ذاك البريق المذهل، أيقن أنه دقَّ آخر الخوازيق في أمله بها؛ وإن اقتلع شوكة كادت تودي به على تفاهتها.‏

تجهّم والريح تعصف برأسه من كل جانب متناوحة، وطفق يجلد نفسه متسائلاً:‏

ـ : (وما الجدوى.؟).‏

شعر بالعبث يُشكّل مساره؛ويئد روحه في ابتئاس لا خيار له فيه. صاح متحشرجاً مخنوقاً تكاد تتقطع حبال رقبته:‏

ـ : قمر .!!..‏

التفتت، وتقدم يلقّم البندقية، توقفت مخطوفة اللون، استنفرت من حولها الفتيات كسربِ حِدآن. قذف البندقية إليها فتلقفتها، وشقّ بنيقة سترته حتى السرّة، وأفرد ذراعيه كالمصلوب، مغمضاً عينيه في حالة صعبة لا يدركها غيره، قال:‏

ـ : الخيول البائسة، تستحق رصاصة الرحمة..‏

انقذف الصبي حمزة خاطفاً البندقية منها صائحاً:‏

ـ : لا.....‏

وغرز ماسورتها في المسافة الفاصلة بينهما، وظل يناوب نظره بينهما ماداً يديه إليهما..‏

***‏

وكما يحدث أي شيءٍ دون بادرة مسبقة، انفجرت صرخة كادت تتصدع لها أركان الدار.!.. انسلَّ ليفي من تحت أليفه، خارطاً تكة سرواله على وسطه، مهرولاً جهة الصوت، فخرج الضابط مهتاجاً، وبعضٌ من دمٍ حول فمه.‏

ـ : كاهانا.. ما الخطب..؟!..‏

لم يلق إجابة فانزلق داخل المخدع، ثم خرج يتلعثم:‏

ـ : كاهانا... إنك أكلت حلمة ثديها.‏

تفل دماً، وبزق مضغةً كحبة توتٍ، وجأر محتجاً:‏

*ـ : لم آكلها. إليكها. خذها..‏

ـ : ولكنك قضمتها.!!...‏

*ـ : أمي يا ليفي.. بي شوق دائم لصدرها، مشاعري مرهفة. كيف لا تقدِّر ذلك يا ليفي..؟!...‏

ـ : لابدّ من معالجتها..‏

ألقى إليه ذهبية مدمدماً:‏

*ـ : هذه تشفيها.‏

قبضها وتمتم:‏

ـ : أعطبت ثديها، وهذا تشويه يبخس ثمنها..‏

نثر حوله بضع ذهبيات هامساً:‏

*ـ : لم تدفع بها أكثر من هذا، فإن بعتها بـ"متليك" فإنك رابح بها.‏

خرجت تولول والدم ينقط من صدرها، وما لبثت أن ترنَّحت وسقطت مغشياً عليها، تَوَهْوَهَ ليفي وتأوّه قائلاً:‏

ـ : فقدت وعيها.!..‏

قذفه بذهبيتين وهتف مشمئزاً:‏

*ـ : لا تكن جزوعاً، فالذهب يصحّيها.‏

ثم تمطى نافذ الصبر، شاداً تكة سرواله، ثم تركها ترتطم ببطنه، وسأل:‏

*ـ : أين الأخرى..؟!..‏

***‏

وكان أن أُصيب عبد الله، وما لبث أن ألقوا القبض على إبراهيم، إثر معركة قصيرة، وأعاد العسكر المسروقات، فباءت خطتهما بالفشل، إلا أن هذا ليس ما يشغلهما، وقد عاد رسول الوجهاء مؤكداً أنها "آية" ذاتها، وأن التاجر طلب بها مبلغاً كبيراً؛ حين سمعوا به صمتوا والتوت أعناقهم، تثاءبوا، وتناعس بعضهم، وتشاغلوا دون ما اجتمعوا له، والجدة نور تراقبهم، حتى تململوا، ثم انفرط عقدهم، وبدؤوا ينتشرون. صاحت بهم فتوقفوا، دعتهم فاقتربوا، وقفت تنقر بعصاها مدندنة لحن أغنيّة تدانوا له، وتحلقوا حولـها، قالت:‏

ـ : أسفي عليكم مرتين. مرة لأنكم كنتم ستنامون وعرضكم يُمتهن، ومرة لأنكم فكرتم أن تدفعوا لسارق لحمكم. عجبي.. كيف يشتري المرء لحمه من ذئب افترسه؛ أو دبٍ نهشه..!!.. إبراهيم يا ولدي، اسمع.. أتجعل البنيَّة "آية" حليلة.؟‏

أطرق غير متجرئ النظر إليها ولم يجب. زجرته قائلة:‏

ـ : إبراهيم يا ولد. لا وقت الآن لهذا الحياء الكاذب، هيا قرر في الحال، أن تكون رجلاً أو لا.‏

أعطى موافقته برأسه وعينيه، فأخذتْ علماً بذلك، وأشهدتهم عليه، ونادت فتيةً بأسمائهم، وجعلت حفيدها سليمان بينهم:‏

ـ : تذهبون لتعودوا بالبنيّة، أو يأتيني خبركم، وإنني منتظرة.‏

انطلق الفتية بأسلحتهم على صهوات جيادهم، وإبراهيم بينهم. قفزت قمر أمامها طالبة السماح لها بالذهاب معهم، أمسكتها من جدائلها وجرّتها إليها هامسة:‏

ـ : بل دعيني أستيقن أنك لست خنثى أيتها اللبؤة. ماعيب الفتى السكيت ها..؟‏

استلت سيفها فبترت جدائلها؛ وتركتها بيد الجدة، ومضت تضرب الأرض تكاد تدكّها؛ كفرسٍ ترمح غضباً.‏

وحاول بعض الرجال الخروج من المأزق، وقد زجّتهم الجدة فيه، إلا أنها لم تمهلهم، وحسمت الموقف بأن الثرثرة لم تجدِ طائلاً، وما برحوا يثرثرون طوال الطريق، نادت الحكيم:‏

ـ : إدريس... فليكن مولانا الشيخ جاهزاً، وليستعد نعمان لإتمام الزفاف؛ أولتأبين أولئك الفتية الأعزاء.‏

***‏

قال الضابط عثمان:‏

ـ : حسنٌ... وإنني منفذ تعليمات "فلاديمير جابوتنسكي".‏

ـ : بل زائيف يا سيدي كاهانا، حين نتكلم عنه بيننا نقول: زائيف.‏

ـ : كما تريدين عزيزتي نتيفا.. زائيف، وأنتم ستكونون بمكانة حجيج "يسوعيون"، وجهتكم "بيت لحم". زوّدهم بالصلبان يا ليفي..‏

وطفقوا يناقشون الخطة بحماس، والضابط منشغل أغلب وقته بأستير الثدياء عمن سواها وعن التفاصيل المملّة، وكانت "هدسة" منشغلة به عما حولها وعن الخطة برمّتها، وقد أفاقت أنوثتها مسيطرة على ملكاتها. انتبهت نتيفا إلى ذلك، وحاولت غضَّ نظرها بادئ الأمر، إلا أنها لم تصطبر طويلاً، ولم يغب بعد عن ذهنها، ما كان بينهما في الحمّام، فلفتت انتباههم بشيء من الزجر، وادعاء الغيرة على المصلحة العامة، فاستدرك الضابط متعهداً سلامتهم حتى مشارف حلب، ثم تتولى "القديسة" نتيفا إيصالهم إلى "أرض الزيتون"، فيدخلونها حرفيين، وينتشرون فيها زرّاعين..!.. تنفس الصعداء أولئك الذين اقتصر دورهم على الإنصات، واغتبطت نفوسهم مشدودة إلى لحظة خروجهم من هذه الدار الحبس، وفي أذهانهم صور الخلاء فسيحاً، حيث يحطّون رحلهم قرب معسكر الضابط، لائذين به من الجياع وقطّاع الطرق والأوغاد...‏

طُرق بابٌ فأسرع التاجر إليه، وعاد ليهمس في أذن الضابط:‏

ـ :أحد رجالك يلحّ بطلبك.‏

انتفض الضابط مسرعاً، ومن فرجة الباب قرأ الخيبة على وجه "الرجل المخلّب"،‏

ـ : "أنينو" بَشِّر.؟‏

ـ : ارتجفت يدي وقد خمّنت أنَّ "أوغلان" رآني..‏

أمسك بتلابيبه وجَرَّه إلى الداخل صافقاً الباب بعقبه، وضربه بأخمص غدّارته على أمِّ رأسه فوقع. شخصت الأبصار، وأتاه ليفي مهرولاً وسأل:‏

ـ : مات.؟!..‏

*ـ : أَمِتْهُ.. قد سهّلت عليك أمره.‏

ـ :وهل أُجهز عليه.؟.‏

*ـ : وستجد دمه معتّقاً كخمرتك، فقد تركته مساعداً لكبير الطهاة أمداً. أَحْسَبه صار مثل هررة المطابخ، عليك به.‏

انحنى التاجر ينبش جيوبه.‏

*ـ : ليفي..!!‏

استقام جفلاً يلهث:‏

ـ : هه...!؟!..‏

*ـ : أي سمٍ لديك.؟‏

ـ : خلطة تستعيذ العقارب منها.‏

دسَّ قنينة السم في جيبه، وحمل التاجر "التلمود" في الصندوق المموه، مؤكداً على الضابط الخروج من باب المتجر، فالأبواب الأخرى مرصودة مسحورة، لا يدري أحد مؤداها!...‏

صعد العربة على عجل، آمراً الحوذي أن يسابق الريح والزمن، وخفية أعطى العسكري إشارة خفيفة للرجل الأثرم، ومضى الموكب ينهب الأرض نهباً وكان الجدل محتدماً بين كمال والرجال، وهم يبعدون عنهم تهمة محاولة اغتياله، وكان يطيل الصمت، لا يدحض حججهم، ولا يبدي قناعة بها، وهم حيارى أمام كلامه القاسي القليل؛ وملامحه المغلقة على التفسير كسطحٍ مستوٍ، فانبرى له العجوز داود بنزق ولوم:‏

ـ : كمال.. أيها الضابط، لم أعهدك خبيثاً أو لئيماً، فتجعلنا نلهث لننال شهادة حسن سلوك منك. أسفي عليك...‏

واحتدَّ ضيف الله على غير عادته:‏

ـ : إنك تذلنا بتعنّتك . هذا لا يليق بنا، ولا نقبله منك..‏

وأوضح إدريس الحكيم باتزان وحزم:‏

ـ : أيها الضابط المحترم، منحناك ثقتنا بأغلبية، ونحن بطبعنا مخلصون.‏

أضاف الوجيه عبد المجيد:‏

ـ : نخلص بلا تحفّظ، نصادق بشرف ونخاصم بشرف، نحب بصدق ولا نكره مادام للمحبة فسحة. يجب أن تدرك ذلك أيها الفتى.‏

وألقى ضيف الله برميته:‏

ـ : أخرجنا من دائرة شكك، وابحث عن غريمك في حاشيتك وعسكرك، تنج من دوامة الشك. نصيحة يا فتى، وإلا فإن الفاعل في أمان، وقد يصيب منك مقتلاً في مرة قادمه، فاحذر.‏

ساد صمت كأن على رؤوسهم الطير، وبرق بصر كمال بريقاً كاشفاً:‏

ـ : أومباشي.. اجمع العسكر أجمعين.‏

***‏

وحين ترجّلت، دارت بينهم كأنها في حلم، وامتزجت ابتسامتها بضحكاتها بدمعها، امتزاج مطر الربيع بضياء شمسه؛ بطيوف قوس قزح، ثم وقفت أمام الجدة نور خاشعة، إجلالاً لذكرى أمها، والشاعر نعمان ينشد مرثيتها الملحمية، ثم مالبثت أن صعّدت مشاعرها فوق تأسيها، متخطيّة محنتها إلى فرحتها، تحفُّ بها صديقتاها "مريومة الكيليكية" و"هوريك الأرمينية"، وقد أصرت على اصطحابهما حين حررها الفتية، فلقيتا حفاوة ساعدتهما على تباريحهما والألم، وتولى الحكيم إدريس والجدة نور مداواة صدريهما.‏

***‏

وحين نزل الضابط عثمان من عربته، وكمال يحقق مع العسكر، أحسَّ بالعطب، فاستفهم متمكراً كأنه لا يعلم.!.. واقترب متلهفاً مخاتلاً، لا يفرق عن ثعلب.‏

ـ : كمال يا بني، أيحدث ذلك لك في غيبتي القصيرة عنك..؟! لن أغفر لنفسي أنني تركتك للسفلة، من ذا الذي تجاسر عليك.؟. لم تجد الحاقد، أليس كذلك.؟. أرى أنك ما زلت تعاملهم بلطف..!!.. يا لك من طيّبٍ كطفلٍ غرير.!..‏

مشى مستعرضاً الأنفار عاقداً حاجبيه؛ ضارباً عنق نعله بسوطه، متطلّعاً في الوجوه، وتوقف أمام "أوغلان"، وبلمح البصر فجّر جمجمته بطلقة من غدّارته، وتابع هادئاً، وفجأة خطف بندقيةً فأردى صاحبها قتيلاً، ومشى خطوات فاستلَّ سيف عسكريٍّ وغمده في بطنه، واقترب من كمال وهو ينفض يديه:‏

ـ : افنهم عن بكرة أبيهم، مادام أحدهم قد تجرأ عليك. أنت عندي بكل العسكر... وضع كفه على كتف كمال بحنوٍّ. ودفعه برفقٍ إلى خيمته؛ هامساً بوجوب تجاوز فورة الغضب،والتفكير بصفاء ذهن بمن يكون الحاقد.؟. ولزوم توسيع دائرة الشك، فتشمل الجميع بلا استثناء، حتى أطفال أولئك الأوباش، وإلا فإن الفاعل قد يكون لاطياً في زاوية أهملها الظن، ثم لِمَ لا تكون امرأة.؟...‏

وعند باب خيمته التفت مخاطباً الأومباشي:‏

ـ : أبلغهم عن إكرامية مجزية لمن يدلنا على الفاعل.‏

ودخل خيمته دافعاً كمال إلى جانبه بودٍ وتحبب، قائلاً:‏

ـ : الإكرامية ستغري المتستّر، وهذه أول البداهة. لا عليك. تعلّم مني وأجري على الله..!!...‏

***‏

ولما أنهى الشيخ الإمام عقد قران إبراهيم و"آية" فوجئ الناس بنارٍ تضيء الليل، أضرمها الفتى السِّكيت؛ بحطبٍ كثيرٍ قضى والممسوسين وقتاً يكدّسونه، ثم ركض حاملاً "أبهى" وألقى بها بين يدي نعمان؛ ودفعهما أمامه مشيراً بماسورة بندقيته أن يعجّل الشيخ عقد قرانهما، ولما فعل بمباركة الجدة نور، أطلق في الهواء ما بحوزته من طلقات، ثم رمى البندقية في النار.‏

شدَّت الجدة نور جذعها، وخطت بهمّة، كأنما تخلع عن كاهلها فعلات الزمن، متوسطة الساحة، باسطة ذراعيها كجناحي بجعة بيضاء، خرجت لتوها من تحت جليد غطى وجه البحيرة. حرّكت قدميها بخفةٍ مرات، كفرس تحك ظاهر التربة بقائمتيها فتقشطها، وما زالت تتطلع في الوجوه المهتابة، فمن ذا الذي يجسر على مداناتها.؟. أو ليست ممن يُرْتَعد لهيبتها الفائضة.؟. لكنها الآن وادعة، وقلبها عصفور أخضر، وهاهي ذي تتهادى دائرة بهيام، غامزة بحاجبها للعجوز داود، وماكان ليصدق أن تخصه دون سائر أترابه.!. فانبرى لها كسمندلٍ خرج لتوه من نار ورماد، فتحرك شبوباً رشيقاً، ودار على رؤوس أصابعه، مشرّعاً ذراعيه كرخٍ عظيم؛ يظلل أنثاه، ويحجبها عن العيون البصاصة، فتتبختر على هديها "نور" الخالعة عنها نعت "الجدة" المقترن باسمها منذ أمد، فلا تعني لها الآن شيئاً، عاتقة أعماقها من تراكمات الغم؛ وجسدها من عبودية سنوات العمر، محررة قلبها من معتقل عتمة ليله الطويل، كذلك فعل "داود"، فراقصها بسيفين راسماً بهما علامات موحية بفروسية لم يعدمها، وهاهو يرتفع محلّقاً متجاوزاً الغيم على حواف قمم جبال يتخيلها.. يذهب في أعالي الفضاءات بعيداً، ملامساً الصبوات، وأعطاف الأمس وشرخ الشباب، ثم يتدهدى ويتهادى من حالقٍ إلى هذي اللحظة الأجمل من الخيال، فالتهبت أكفَّ الحاضرين بتصفيقٍ كوقع المطر على نبت عطشان، وشعبان يماوج طيات :"الأكورديون " فينطقه ويُخرج من تضاعيفه أفراساً وفرساناً، تكاثفت طيوفهم في ذينك الراقصين، وهما في نشوة من ماضيهما. وماكانا عليه قبل عقود.‏

وتتالت الفتيات أسراباً كقطا وحمام، وانتظم الشباب قبالتهن، فأخلى /داود ونور/ الساحة، كاتمين لهاثهما ضاحكين، وحين اتخذت الجدة نور مكانها جليلة، وجلس العجوز داود بين أترابه، تحوّل الرقص طقساً مفعماً بمحاكاة التجارب وخلاصتها، والسلم والحرب، والأحلام ودفئها، وطموح المرء وتطلعاته، وتحليق الطيور والخيال، وماس الغيم قمم شاهقات الجبال، والنفوس وتساميها فوق المحن، وسفاسف منحدرات الضعف، فتصفو النفس إلهية الإلهام، وتشرئب صعداً، بما يشبه تماهي الخيول ووداعة الحمائم البيض وعبق عطر الأزاهير، بدا ذلك واضحاً بدخول الفتى السِّكيت، مسيطراً على الساحة ببراعة، كأنما وُلد وحبا ونما وشبَّ ههنا، وما وضعته أمه إلا راقصاً، فطفق يدور ويتفنن قافزاً، يدك الأرض دكاً، ويختال سابحاً، خفيف الوطأة، بديع الحركات متبدّح الخطوات، بادئاً بسيفين ثم ثلاثة، واثقاً مثل حصان، متيقظاً كصقر، متابعاً دونما كلل، وتعاقبت على مراقصته أمينة وسرب حسان، وما برح كالباشق، ثم كنورس يتهادى ثم ينقضّ، ومثل (طاووس)، وبغتة ينقلب عقاباً، واستخدم اثني عشر سيفاً بفمه وقبضتيه ومحجري عينيه وثنيتي ساعديه على عضديه، حتى أخرج الفتيات من الساح واحدة إثر الأخرى لاهثات، ولمّا يزل يتلاعب بالسيوف كأجنحة من نار، ولما أحسّ أنه تألّق، جعل الختام مدهشاً، إذ نفض الأسياف جميعاً، فأتت منغرزة عند أقدامهن، كأنها شُكّت دقاً بمطرقة، وانحنى محيياً، منسحباً، مبقياً قلبه يرقص كرمى واحدة بعينها، ومضى إلى النهر وغطس. انشدهت "مريومة" وبدت "هوريك" مبهوتة وقد بهرها الفتى بما فعل، وطفقت قمر تقضم أظفارها عاضة شفتها السفلى وهي حيرى، أتبقى بين مثيلاتها من النسوة المتفرجات بخفرٍ، أم تنخرط في صف العذارى الراقصات..؟! روحها تأبى ذاك نازعة إلى هذا، وكم تمنت لو راقصت الفتى السِّكيت فتتحداه، وماكانت لتتركه حتى يسلّم؛ أو يسقط أحدهما في الساحة من إعياء، وأنى لها بمثله جديراً بالتحدي، فتصمد له لتثبت أنها امرأة بسبع فتيات جبلن من طين وماء، وكُوّنت من ورد ونار، مجنون هو، فماذا لو تحداها واشترط إن غلبها ألا تخرج من الساحة إلا بعقد قرانها.؟ وللحظة انشدّت إلى تردد صدى صوت الجدة نور:‏

ـ : (وما عيب الفتى السِّكيت.. ها..؟..)...‏

وماذا إن غلبته..؟!.. أي شيءٍ تطلب وتشترط عليه.؟.. ومامن شيءٍ يكفيها..!! وأدركتها جلنار بـ(الأكورديون)، فشرعت تعزف عزفاً كوطيس مشتد، ثم تذيب أناملها في نغمٍ سماويٍّ عذب، وما تلبث أن تمزجهما، فتخلق صخباً وانسياباً حالماً في آنٍ معاً، والعيون ترمقها بغبطة وعطف، وأمينة تنظر إليها بإشفاقٍ، مدركةً ما يمور في داخلها من انفعالات ورغبات كالبرق والرعد، وياله من بحرٍ مصطخبٍ ينجزر وينمد؛ بمشاعر منسربة كالضوء، وأنوثة متضرِّمة في قدِّها المسكون حيرة وتضوراً، ودفئاً حميماً، تمتزج ويذوب هذا بتلك، مختلطة كنشوة السكر ومشاعر عظمة الجنون.‏

وحين صاح ديك الجدة نور، انصرفوا إلى مهاجعهم مع خيوط الفجر، وخرج الفتى السِّكيت من الماء دانياً من الساحة، والنار جمر ورماد، تمتم:‏

ـ : إن هي إلا بسمة الجمال في جحيم الخراب..!..‏

تجوّل حولها والشمس تستيقظ كامرأة منتعشة ارتواءً، وعاد إلى النهر، فرأى قمرَ تتعرى كرمح نارٍ، ثم تغطس في الماء مثل لهبٍ فانبهر..!!... وتكوّر على صخرةٍ فاغراً فاه، فأحس أن الصخرة ضجّت من لهيبه المستعر، وخيّل إليه أنها مثل قمر، ومثل إحدى أساطير "نارت" العبقرية، وأنها تلين وتنتفض، وأنها نشقت منه، ولسوف تحبل، ولن تلبث أن تتصدع عن كائن يضاهي خوارق الأساطير، متناهي الكمال، إلا من رقّة في قلبه بتهجّده للجمال، ولحظتئذٍ رآها تسبح إلى الضفة الأخرى حيث كمال، فَبَكُمَ، وما فتئ يتحاشى ضوء القمر.!..‏

***********‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244