|
||||||
| Updated: Wednesday, September 17, 2003 04:46 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
8 قُيِّدَتِ الحادثة ضدَّ مجهولٍ، وغادر رجال الجندرمة على مللٍ، تاركين أمر دفنهما لراغب بثواب قبرِهما، ساعتئذٍ هرِعَ الحوذيُّ إلى رفيقه مُطْمْئِناً، وكانا قد بادراها؛ ثم تعاقب عليها العسكر؛ وعاوداها، ثم ذَبَحَها العسكريُّ، وخنَقَ الحوذيُّ صاحبَها الأثرم، ومالبثا أن اختلفا على ما سلباه من ضحيتهما، فقد طمع كل منهما بأكثر من حصته، وماطل العسكريُّ في تعجيل القسمة، وشكَّ الحوذيُّ بنيّة صاحبه، فهدد تهديداً مبطناً، وأبدى الآخر لا مبالاة بما لوّح به ذاك المأفون؛ من خبثٍ ومحاولة تخويفٍ، لكنه لم يركن إلى عدم اهتمامه تماماً؛ فأطلق العنان لخياله، حابكاً الحادثة بغير ما وقعت، وأنه ربما ذهب بها إلى الضابط عثمان، فيشهد لديه أنه وقف على الحوذيِّ ـ مصادفة ـ يغتصب المرأة؛ فَهَبَّ لنجدتها إلا أن رجلها سبقه، ظاناً أنها خانته راغبة، وهاج به الدم فذبحها، فما كان من الحوذيِّ إلا أن خنقه وسلبه ماله، ويالها من جريمة شنيعة..!.. أما هو فلم يهن عليه أن يرى ذلك بأم عينه، فانهال عليه ضرباً، وها هي حفنة النقود التافهة، التي دفعت ضعيف النفس هذا إلى القتل، وليس مستبعداً أن يكون مهووساً، ولا مندوحة من حماية الآخرين من حمقه وجنونه، وافترقا وكل منهما واغر الصدر، ممتلئين ضغينة وحقداً، وزاد حقدهما تأججاً؛ ضنك حاليهما، وقد جُندا قسراً وسخرةً. *** ـ : خازوق...!.. لم أتوقعه ولا في المنام..!!... قال التاجر ذلك وقد حمس القهر قلبه، فلم يكن ليصدّق ما حدث. انتابته حمّى فهذى مستصعباً أنهم غلبوه، وهو ختّار لا يُجارى بغدرٍ واحتيال، إلا أنه كتم غيظه، ممتثلاً لرجاء "غولدا وأستير" ونصيحة "إبراهام وصموئيل" أن يتكتم على اقتحام الأغراب إحدى بيوته السرِّيّة، فهو وإياهم محظوظين بانتهاء الكابوس عند اختطاف فتيات تافهات، وليس ما يفصل بينهم في مخبئهم والدار التي اجتاحها الغرباء سوى ذاك الجدار، وإنها أهون الشرور إذا ما قيست بعواقب انكشافهم وفساد خططهم. وبرغم التياعه أظهر تسليماً وسكينة أمثلين، وأبدى (لنتيفا) وصحبها أريحيّة. فسلامتهم أهم عنده من كل ما عداهم، وفي خلوته حدّث نفسه بأنهم ـ لحسن حظه ـ أغبياء كعهده بمن على شاكلتهم، فلا شيء كان يحول بينهم ونساء داره الثانية كافة، وتساءل: ـ : (فما الذي جعلهم يكتفون بثلاث..؟!.. والمحيّر أنهم طلبوا واحدة بعينها، لولا إصرار ابنة الكلب على اصطحاب "الكيليكية والأرمينية.."...!.. ما دلالة ذلك..؟! شيء غامض يبدو لغزاً...؟!.. نعم إنه كذلك، فما هو..؟! وما معنى أن يعرض أحدهم مالاً لأعتق فتاتهم..؟!.. اللعنة... ثلاث حسناوات خسارة فادحة، تباً لي من جبان. رعديد. فلولا رضوخي لبأس بعضهم لحصلت على تعويض ما..). وكان الضابط كمال قد لمس في كلام رئيسه، بعض ما دفعه إلى التفكير وإعادة النظر، إذ بِمَ ينفعه اهتمامه بمن هم حوله؛ إن قتله أحدهم، وظلَّ القاتل طليقاً من بعده، لا يطاله جزاء؛ أو حتى ملامة؟.. وما الذي يفيد القتيل إن فرموا القاتل فرماً؛ أو صلبوه وتركوه للجوارح تنهش لحمه..؟!؟... نفض رأسه ودعك عينيه حائراً، وطوّق رأسه براحتيه مشتت الفكر، منشغل البال ولم يتأكد الضابط عثمان مما فعل كلامه في تفكير بغيضه، بقدر ما تيقّن أنه محا أَثَرَ اقتناصه، فقد قطّع "ليفي" جثة القنّاص "أنينو" وحرقها في بيت نار الحمّام، وتخلّص من "أوغلان" فبدا غيوراً على الانضباط وحفظ المقامات، فلا يتجرأ نفر على رئيسه لاحقاً. وحدّث نفسه بأن لابأس من التصاق التهمة بالفتى السِّكيت، فلمثل هذا اكتنفه. وفي الوقت ذاته، خلص الفتى السِّكيت إلى أنه لن يدع لشيءٍ سطوة تكبّله وتشدّه إلى ما فات، ولن يهمه شأن كائن من كان، ودون تردد توجّه إلى نزل الوجيه عبد الحميد، وأبلغه أنه في حلٍّ من التزامه نحوه. ـ : ولكني تبنيتك وربيتك يا بني..!.. ـ : خلف الله عليك.. حلّفه أن يرجع عن قراره، فابتعد وما التفت، كأنّه ماسمع صوتاً كان يلبيه قبل أن يختم العبارة..! توقّف لحظات رافعاً هامته، وشهق برأسه شهوقاً طاول الفضاء، حيث الصقور والعقبان: ـ : (إذاً لن أرعوي عن مباشرة أمرٍ استهواني..). وتابع سيره يدّك الأرض بخطاً ثابتات، مقترباً من الضابط عثمان، حتى حاذاه، لَحَظَهُ فابتسم دون أن يلتفت إليه، وتركه يشاركه رصد رتل عربات حطّت رحلها مابين خيام العسكر وأطراف نزل الناس، والتاجر يستطلع المكان كلّه ويرقب درب البلدة بعيون لم تعرف النوم لليل مضى، بينما عامله يعلن بصخبٍ: ـ : "با..زار. با..زار.".. هتف الضابط في سرّه مغتبطاً: ـ : "عفارم ليفي..عفارم...!!.). وضع يده على كتف أثيره، وما زال يرقب المشهد، وبعاطفة جياشة وحزم همس: ـ : قد جئت؛ ولا رجعة لك يا فتاي، وقت مناسب وحظك جالس. وعهد إلى الأومباشي أن يأخذه إلى الحلاق، وأن يتدبر له كسوة تليق بمرافق القائد وحارسه الخاص، ثم صرف نظره عنهما، إذ لاح على الدرب رهط رهبان وراهبات، بأكسية أجاد ليفي اختيارها بقلنسواتها والصلبان اللوامع، ثم تلتهم أرهاط زواهد وزهّاد... مشهد بعث الجذل في نفسه، وهو يرى "الصاعدين" يخطون خطواتهم الأولى ليكونوا في كنفه، فتزداد حظوته بهذا الاعتزاء، وبفتاه مارد القمم الذي سيجيبه على الدوام: ـ ("شبيك لبيك.".). -: تمام أفندم. بهذا أعلن الأومباشي عن جاهزية الفتى عثمان السِّكيت، فصفّر الضابط إعجاباً وصاح: ـ : "ما هول..!..خوش..!..عفارم..!.". ثم شكل على عضده رتبة "جاويش" وأمر الأومباشي أن يؤدي التحية له، ففعل مخيولاً..!..، وقبل أن ينصرف أعلم رئيسه متلعثماً أنَّ "أنينو" مفقود. فأمر أن يقيّدوا حذاء اسمه عبارة "أكله الذئب" غير آبهٍ بوجوم الأومباشي واللوثة التي ألمَّت به، ومشيه متصلباً، وقد اخشوشبت ساقاه..!.. قهقه بطِراً، والناس ذاهبون إلى التاجر، وقد نشر البضائع وجعل الأقمشة مثل رايات تخفق فتلفت بألوانها الأنظار، وفرد الخوابي والأكياس، بينما الموكب يقترب، وناقوس يدق، وهم يرطنون بترنيمات عميقة الرنّات، وفي المؤخرة عرباتٌ ودوابٌ تزحر بما تحمل، وبرغم ذلك فإنها تضاهي افراس الوجهاء والضابطين، فاطمأن التاجر لمرآهم، وانهمك متشاغلاً مع المتبضعين القلائل، وما فتئ يرنو خلسة نحوجماعته، يتعرف إليهم بحللهم الجديدة واحداً إثر واحد، فذاك هيلل وبجانبه صموئيل، وتلك غولدا وجيئولا، وهاتيك أستير، وأولئك يغال ومائير وإبراهام ودانين و... وأنصت يسمع تهامس الناس، يدفعهم فضولهم والفراغ الطاحن؛ ليقتربوا يتساءلون مثرثرين: ـ : تراهم مهجَّرين..؟ ـ : أو أنَّهم فرّوا من استبداد قيصرهم..!.. ـ : ليسوا من الطينة نفسها. ـ :كأنهم رعايا قياصرة عديدين؛ من أمصارٍ شتى..!.. ـ : فإلى أين يمضون..؟ ورفع التاجر عقيرته مهوّشاً: -:أيقونات.. شموع.. مباخر. طفح وجه الضابط حبوراً، لما يجري أمام ناظريه، وبأثيره الضال وقد جاء إليه راضخاً كارهاً مشيته، راغباً أن يماشي الضابط، ذئباً كان أم تمساحاً، كما سمع عباس الممسوس ينعته كلما رآه، ناعقاً كما الغراب: -:عثمان.. تمساح. تأبط ذراع الشيخ الإمام جذلاً، لا يلوي على شيءٍ، وخلفهما "الجاويش الجديد"، وقصدوا لمّة رجالٍ يزجون الوقت: -:كأنها خرجت من "اسطبلاتها" للتو. -:لعلهم أحسنوا علفها، أو أنها ما كابدت كخيولنا. -:فمن أين جاؤوا.؟. تمتم الضابط ممتعضاً: -(ابن حرام.!. كأنه يعلم بإبدال دواب الجندرمة هذه، بدوابهم الهزلي.!. تراه يعرف فرق السعر الذي قبضه ضابط الجندرمة من الحاج أمير.!؟). وازداد مقته لضيف الله؛ هذا الخبيث الخبير بأحوال الخيل، وحدّث نفسه: -:(جحّشنا يا ليفي، فهاهم "الغوييم" كادوا يكشفون ما غفلنا عنه.!. كيف فاتني تنبيهك إلى ذلك.؟. صحيح ما أوصيتني به أيتها الخزرية الفذّة: لا تغرّنك الرؤوس وإن تجمّلت، فهي إما فارغة، أو رعناء، لذا أقدحها بزنادك ولا تركن إليها، واذكرها فإنها تنسى). وقطع عليهم استرسالهم، فدعاهم للتعرّف والترحيب بالجيران، اعتذر ضيف الله دون مواربة؛ برغم تبجيله السيدة العذراء، وتذرّع داود بأنه مبطون، وتشاغل إدريس الحكيم بمداواة العجوز مبدياً إيمانه بالسيد المسيح، وأبدى الوجيه أعذاراً واهية، ولغا لغواً لم يعتده، ولا يليق بمقامه، وهو يرى الفتى السّكيب قد بات خارج كنفه.!.، وتنطّع الضابط عثمان قائلاً: -:حسبتكم تبادرون لدعوتهم إلى مأدبة، وأنتم الكرماء، أوليس هذا بعض واجب المقيم نحو القادم إليه.؟. نظر الرجال بعضهم إلى بعض، ولم يقدر ضيف الله إلا أن يقول: -:كلامك لا غبار عليه، لولم تجوّعنا عامدا، ثم.. ما الذي منعك عن الواجب حين قدمنا إليك.؟. امتعض ولم يجب، فهذا نهجه حين يُغلب، فلا يُظهر حرجه، بقدر ما يفعم الآخر بشعور مرارة الإهمال، ومضى كاتماً حنقه، رافعاً عقيرته، محدّثاً الشيخ الإمام، علّهم يغتاظون: -:مولانا.. هيا بنا ندعهم إلى وليمة تقيمها أنت. جفل الشيخ وقفز كضفدع قائلاً: -:أنا.!. لست حمل الـ.. -: لا عليك. مقامك الرفيع نخدمه بما نقدر عليه، وعلى شرفك نقيم أفخم مأدبة. وقف ضيف الله شاتماً، فنهره الحكيم إدريس، لكنه أكمل: -:أغضبك ما قلت، ولم تتأثر بما يلاوصكم ذاك التمساح العجيب.!. -: أهدأ يا رجل. فلا جدوى.. -: بل تسكت أيها الخرف.. العمى.!. يدعو الأغراب إلى ولائم ومآدب، ونحن لا نجد الكفاف، فلتبل الكلاب على سلطنة يموت فيها الناس جوعاً. -:احمد ربك يا رجل. -:يبدو أني أخطأت حين طاوعتك يا عبد الحميد. -:أنادم أنت.؟. -: وأيما ندم.!. -:أجادٌ فيما تقول.؟. -:نعم.. فالموت ولا هذا الذل. -:إذن عد من حيث أتيت. -:هكذا إذا.؟!. قم دلني على الطريق، تدبّر لي زوّادة العيال، فأكون داعراً إن بقيت قبالتك ساعة من الزمن، هيا دلّني إن كنت تعرف الطريق، أقسم أنكم لا تعرفون أين نحن الآن. قام العجوز داود وتنهّد بحرقة متمتماً: -:اللعنة عليهم أجمعين.. ضيعونا. لا تلوموا ضيف الله، فالرجل لم يستوعب أن يفقد ابنته، قد كانت زينب الجميلة، وردة روحه. -:هذا لولم نفقد جميعاً أعزاء على قلوبنا. -:صحيح.. لكن المسكينة ماتت ميتة شنيعة.!. حوقل العجوز وتبع صديقه ضيف الله، وبقي الآخرون في وجوم. * * * وصل الضابط عثمان في رهط من الرجال، فقد لبى دعوته بعض مَنْ صادفهم في الطريق: -:جئناكم مرّحبين بإلحاحٍ من مولانا الشيخ الإمام، أما هؤلاء الأفاضل، فهم رسل قومهم إليكم، وأنا القائد عثمان بك؛ على أبواب نيل "الباشويه" عما قريب. وتمّ التعارف حسب ما خطط: (القس..، الكاردينال... المطران...، البطريرك..، الشّماس..، القندلفت...، الأب... الخوري...، الأم...، "والقديسة نتيفا"، و....). انتبه عبد الله إلى أنّ التاجر يحدّق فيه، فأومأ لأخيه توفيق، وأسرعا آخذين معهما إبراهيم وسليمان، وهرعوا ينذرون صحبهم، واختفوا قبل انكشافهم، في حين انشغل التاجر عنهم، فقد خامره الشك بإحداهن، وكاد يتأكد من أنها مملوكته "مريومة الكيليكية"، وقد رأى عرجان مشيتها، قبل أن تندس بين جمع نساءٍ، وظلّ يرقبها غير تائهٍ عنها، وهمّ أن يناديها، لولم تتحرك النسوة جميعاً مقفيات مبتعدات، فأنشده فاغراً فاه، وهو يراهنَّ ظُلعاً، فررن فرار دجاجات عرجاوات، من حدأة لاح لهن ظلّها، وهي تحوّم فوقهن، حتى ولجن النزل، وافترقن مختفيات. -:إذاً هو النخّاس.؟!. أومأت مريومة راجفة مؤكّدة أنه هو بالذات. -:اخلعي ثوبك، هاته. تبادلتا الثياب، وخرجت قمر قاصدة البازار، مصطحبة الصبي حمزة، فصادفت الضابط كمالاً، وانقضت لحظات قبل أن يرد تحيتها، فوقفت تنظر إليه، بينما هو شارد يحدّث نفسه: -: (قد يكون عثمان على جانب من حقٍ فيما قال، وصحيح أيضاً أنه وغد منحط). اقتربت تناشده: -:نحن في خطر أيها القائد كمال، فلنعجّل بالرحيل، دعنا نغادر هذا المكان. بينما همس الضابط عثمان لأثيره الجاويش السّكيت، غامزاً بكمال: -:انظر إليه كيف أنه يمشي ببطء، لعله يفكر مثل مشيته، فرأسه مسبوت؛ شأنه في ذلك شأن قومك البلهاء، انظر.. ما للقديسة "نتيفا" تحدق فيك.؟!. وربت على كتف أثيره رامزاً بشفته، مبتسماً بمكر. * * * قالت قمر: -: لم تجب أيها القائد كمال.؟!. طال تطلعه في وجهها مفكّراً. -: (لأي غاية ترمين أيتها المحيّرة.؟!.). -:كمال.!. -:من ذا الذي أطلق عليّ النار.؟. شهقت وضربت بكفها على صدرها: -:تسألني .!؟!. غرز نظراته في عينيها فكاد يطرفهما، وبرغم الوجع الذي هصر روحها، تمالكت نفسها فلم تصفعه، بل مدت يديها، حتى كادت أصابعها تلامس أنفه: -:لو كنت عرفته لانتزعت حنجرته بهاته الأظفار، وقدّمتها إليك مقشّرة مثل تفاحة، وتسألني يا كمال.!!. دفعت حمزة متكئة على كتفه، تخنقها عبرة بكاءٍ مختلطة بغضب موّار، وابتعدت تظلع، متوقعة أن يوقفها ليتاسف لها؛ أو يسألها عن سبب عرجها، فيشعرها بحنوّه عليها، لكنه لم يفعل، فنغّص عليها أمنيّة صغيرة أمّلتها منه، فسدر بصرها بغشاوة دمعها، لكنها لم تخطئ وجهتها، فالهدف يلمع في ذهنها دونما انقطاع، كبرقٍ متتالٍ من استمرار احتكاك غيومٍ دكنٍ، كتماحك غيظها وغضبها منه وممن دنّس هوريك ومريومة، وفعل بـ "آيه" ما يشينها. ذاك هو. دهقان من دهاقنة وقته، استتر ببيعٍ وتجارة، مخفياً وجه النخّاس؛ كانز المال، من اتجار بالأنفس والأجساد، ولكل هذا ستفشّ به خلقها وغليلها. -:تظلعين يا قمر.!؟. -:لا عليك يا أبي، احتطبت شوكاً، فدخلت واحدة في قدمي. -:فجعلت من حمزة عكازاً.؟. -:نعم يا عماه. وتركتهما غاذّةً السير، ترفع الصبي أكثر مما تتوكأ عليه. -:لو أنك زوّجتها. -:حسرتي من الدنيا. ألا تجعلها كنّة لك.؟. -:ليت أحد الأولاد أكبر منها. -:صحيح. هذا صحيح. انس أنني حدّثتك بذلك، وإلا جعلتني مسخرة للناس. -:ما سمعت منك شيئاً لأنساه، اطمئن. وإذا لم تكن أعين الرجال عُميت، فسيأتيك من يطلبها. -:ليست ممن تنتظر من يطلبها، أدركت تماماً أن الجنس ملح كل الرجال، لكنها تروم الحب، الحب بكل زخمه، شفّافة قمر يا ضيف الله. -: إنها إنسانة حقيقية، قد تتعذب طوال عمرها، قد تنزل قبرها بائسة، لكنها إن صادفته صعدت السموات بسلالم من ورد، سلني أنا. -:إيه.. يا صديقي.. أنا من يُسأل قبل أن يسأل في هذا البند بالذات. -:من نكون حين نجد منتهى اللذة في تقليب المواجع.؟. هل تعرف.؟. قل إن كنت تعرف. قل.. أليس ذلك بمستوى أسرار الروح. طفر الدمع من مقلتي العجوز، ناشقاً ما في أنفه، متمسّكاً بذراع صاحبه، كمن وجد ملاذاً من شدّة، وتابعا سيرهما والعجوز يلهج: -: ما أخطأنا إذ أسميناك "ضيف الله"، يوم نزلت إلينا من الجبال. -:أتذكر.؟. قلت لكم: ليس لي سوى هذا الطلب. -:وزوجناك روحك. أجمل نساء الكون، وسلمناك أفراسنا، وصرت فينا أعزّ منا علينا. تستأهل، أصيل أنت. -:ألأنه أسمعهم صوته أسموه شاعراً.؟. -:"من.؟. -:نعمان، أشعر أني أعمق منه شاعرية. -: وأنا.. أشعر أني أملك الدنيا. -: كيف.؟. -: بالحب. -: أنت صعب.!. -: وأنت قريب بعيد، مثل الشعر العظيم. وابتعدا يجامل أحدهما الآخر، وإن كان كل منهما يحرث عميقاً فيما يقول، اقترب إدريس الحكيم، وفي فمه كلام أطال تأجيل البوح به، ولمّا همّ ليقوله، بلعه على مضض، ومضى. * * * ولما وقف على رأس الوجيه عبد الحميد، سأله: -:أحقاً فعلها ذاك العاق، فخرج عن طوعك.؟. -: لتلتة أيها الحكيم، خرط. -: هه.!!. -: إياك. فحين تشكك بأمرٍ، أنت الوحيد الذي لا يفعل ذلك اعتباطاً. -: سأكذّب عيني إن أقنعتني بسبب ملازمته الضابط. -: لا ينقصك ذكاء لتعرف أنه طموح. -: لكن وضعه عندك، أفضل من أوضاع العسكر. أليس ذاك حالهم.؟!. -: كأنك ما سمعت قول الروس: الجندي الذي لا يطمح أن يكون جنرالاً، جندي خامل. -: ذلك لو كان جندياً.!. ألست وجيهاً.؟. يليق بك أن تكابر.!. -: إن لم تجد غير هذه الثرثرة، فالأفضل أن تصمت. -: بل لدي. -: إذاً أسمعك. -: سأعيد الأولاد. -: وهل حان وقت ذلك.؟. -: لن أخجل منك ما دمنا وحدنا. الأولاد لا يلقون عندي مأكلاً وملبساً لائقين. اختلف الوضع عما كنا عليه. -: كلامك ملهوج، فلا تخرق التقاليد، وسيصلك مني ما يليق بأن يبقيك في أعين الناس كفيل أولادي. ضحك إدريس ضحكةً مختزلة بأسىً، فنهره الوجيه لائماً بتقريع حمّال وجوه: -: كأنك نسيت من تكون.. أيها الفارس الحكيم.!. -: ما نسيت قط، ولن أنسى. إنما ضحكت لأنك تنهى عن أمرٍ وتأتيه. -: أنا..!. كيف.؟. -: لم يسبق لكفيل أن أخذ مقابل رعايته أولاد علية قومه. منذ "حليمة السعدية". -: مضطرون، ولا تأخذني بواسع معرفتك، واحذر التكلّم في هذا، ريث أن نصل إلى حيث يزعمون أننا سنستقر. * * * وما كان الحاج أمير هيناً، لكنه بُهت لجرأتها، واضمحلّ ما خامره من شكٍ فيما رآه من عرجها، وما تبديه فيما ترويه، وخشيتها من أن يسمع أحد ما يدور بينهما، فهي تفاوضه على ابن زوجها -هذا اليتيم- مقابل كسوة وقوت أولادها الخمسة، تيتموا وهم زغب الحواصل، وإنها ملتاعة، فهو مطيعٌ، لكن الظرف قاهر، وهي مقطوعة من شجرة، فإن لم يأخذه، فإن أخوته يموتون جوعاً، فإن قبرتهم إثر بعضهم، قتلت نفسها عقبهم، دون أن تؤكلهم بثدييها، وإنه مدرك بشهامته إباء حرة.!. وزن الصبي وتملاّه، متخيلاً كيف أنه لو عالجه من دمامله، ونظّفه وداراه، ثم باعه في سوق استانبول، حسب ذلك خلال لحظاتٍ، فوافق وأعطاها ما طلبت، وإن تردد حيال هذا الطلب، وأنقص من صنف آخر. استأذنته لتخلو بالصبي فتوصيه على طاعته بما يرضيه، وتودّعه للمرة الأخيرة، أوليست أمّه التي ربّته وإن لم تلده.؟. ذكّرت حمزة بما اتفقا عليه، ثم حملت ما استطاعت، واستعانت بمن ساعدها، ونشجت باكية فراق الصبي، ثم أقفت تظلع في مشيتها، والصبي لاهٍ بما وضعته في حجره من أطعمة. * * * وخاب رجاء رشادٍ في الحلول مكان الفتى السّكيت عند الوجيه، فتركه وقد أغضبه وحرّك كوامنه: -: (لمَ تنكّرت لي يا ولد.؟. ألم آخذك قطعة لحمٍ أحمر؛ من بين الحرائق وجثث عائلتك.؟. وقت دمّر عسكر القيصر نصف القرية، وأحرقوا نصفها الآخر؛ ومنها بيتكم، فصرت لي بديل الولد، ولم أكن قد خلّفت بعد، ورحت تنمو بيننا، وما من أمرٍ أخفيناه عنك، لم تبدِ قبولاً بالتي اخترتها لك، ومذ صارت "قمر" كنّة البيت، ما عاد يفرحك أو يحزنك شيء، صرت تسكت ولم تصرّح، حدسي نغزني، برغم أنك ما اقتربت منها، اشهد، وأنك كنت عفيفاً وهي في العدّة وبعد انقضائها، وكم تقت وقتذاك لو أنك تكلّمت أو لمّحت، وكم كنت سأفرح فلا ندعها تغادر البيت، فيكون لي "حفيد" منك. جعلتك يدي، سلّمتك خيولي والبقر، وما ظلمتك وإن قسوت أحياناً عليك، فعلام كان سكوتك، ولمَ تحرّك لسانك أخيراً كحدّ السيف.؟!. وما الذي دهاك وصيّرك "شاطراً" إذ صلب عودك، والأولاد مازالوا في حاجة الفتوت؛ ولم يقفوا للحياة على أرجلهم بعد.؟. كيف لم تلحظ وأنت اللمّاح أن الزمن أوهنني، وأني كليم الفؤاد؛ وحاجتي إليك تشتد.؟. ألا ما أكبر فجيعتي بولدي البكر وبك.!.). ولج البريّة مبتعداً، مفلتاً دمعه ينذرف لتفتّق مواجعه على بكره القتيل، وموت زوجه الأولى كمداً، آنذاك تجبّر فلم يره أحد يبكيهما، والآن حزّ في نفسه حاله وهذي الغربة، فكسّرت همومه قيودها، وفرّت من أعماقه العاتية، هاربة من معتقل أطال حبسها فيه ونبس: -: نعم فللطاووس قلب أيضاً. واغتنم رشاد الأزمة، فأتاه قاطراً حصانه، ترجّل وهمّ بالكلام، لكنه تهيّب، فظلّ متنحياً صامتاً، إلى أن سأله الوجيه دون أن ينظر إليه: -: ما الذي أتى بك.؟. -: الناس في حاجة كبيرهم. -: ما الخطب يا رشاد.؟. -: مشاجرة ياسيدي. عندئذٍ تنّبه إلى أصوات الطلقات، تصله خافتة، فأدرك أنه أوغل في البريّة وتوغّل في غور همومه، مسح مقلتيه وعقف شاربيه مستعيداً هيبته، ونظر فرأى مثار النقع، وبرغم ذلك تكبّر مترفعاً وقال: -: مشاجرة. يفضّها سيدك رجب؛ أو ابنه سليمان، هيا اذهب إلى أحدهما. -: هي معركة يا سيدي، التاجر الحاج أمير و... امتطى حصانه فعدا هذباً، ولما وصل كان الضابط كمال والوجيه رجب والعسكر، قد فصلوا بين الطرفين، وسأل: -: ما الذي حدث.؟. * * * كانت قمر قد أخفت الكسوة والقوت، وظلت ترقب التاجر حتى غادر المكان، وصار على مقربةٍ من نزل الرهبان والزّهاد، سمعت استغاثة حمزة، فاستنجدت بدورها منبّهةً أهله والفتيان، وفوجئ التاجر بهم، فأشهر سلاحه، وتبادلوا إطلاق النار، ولما رمى الصبي نفسه في حضن امرأة أخرى صائحاً: -: أمي.. كاد يخطفني.!. عرف أنه خدع، ولن ينفعه ادعاؤه أن أم الصبي قد أبدلته بمتاع وحاجات، أو أنها باعته إياه، لكنه عرف عبد الله وتوفيق ممن هاجموه، وتأكد من إبراهيم وسليمان، وتيقن من أنه رأى "مريومة الكيليكية"، فتلك هنّ النساء لا ظالع بينهن. ليس كابوساً أو مناماً، فأبدا تسليماً، وهمه أن ينفذ بريشه، وقد قطمت هوريك أذنه وصفعته صارخة: -: أيها النخّاس.. خنزير أنت. لحظتئذٍ لمحها الضابط عثمان، فأدار وجهه وابتعد متخلياً عن حماية صاحبه، فالأمر فوق أن ينتصر لـه، متذكراً كيف قضم حلمة ثديها، والتجأ التاجر إلى خيمة "القندلفت"، وحال الضابط كمال وعسكره، دون وصول أهل الصبي والفتية إلى غريمهم، وتدخّل الوجيه رجب مستقوياً بمرأى الوجيه عبد الحميد يقترب رافعاً يديه مبسوطتي الكفين، مشيراً إلى وجوب أن يثبت كلٌّ في مكانه، ريثما ينجلي الأمر، ويرى فيه وأنداده رأياً صائباً، برغم أنه ما فتئ منشغل الفكر بمن تكون تلك الشرسة التي قطمت أذن الرجل.؟!. وكانت الجدة نور ترى المحشر مختلطاً، وأن الفاقة والقهر والغربة، جائحات عصفت بالخلق، من غير رجعة إلى فكر وروّية، ودفعت لأن يرى المرء في حادثة تخصه، أو لا شأن لـه بها، حجة يفش بها خلقه، منفّساً عن ضيقٍ رتع في الصدر، وهل بينهم من لا تغمر روحه بلوى الغم والكمد.؟. أليسوا من رأوا سنوات جعلت الولدان شيباً.؟. ومنهم من لم يعرف غير موت الأحبة والترعيب، وحيثما اتجه واجهته مراعب بددت أنسه.!. -: (كنا نتنفس الموت مع كل شهيق، ونعرف أن في الموت حصة لكلٍّ منا، وإن لم ينلها بعد. قد حلمت متمنية ألا تكون ميتة شنيعة، تخيفنا شناعته أكثر من مخافته. وأنا أيضاً أخافني، ليس موتي، إنما موت الأحبة، إنهم جعلوا أن تشرق الشمس على المرء حلماً، وأن تغيب وهو حيٌّ أمل دونه الأماني، وأن تشرق وتغيب دون أن يفقد حبيباً أعز من معجزه.!.). وخرج "القندلفت" ساحلاً سلاح التاجر، ورماه بين أقدام الوجيهين والضابط، متصنعاً صفاء السريرة، وثغره ينم عن بسمة طافحة بدعوة إلى تهدئة الأنفس، وما إن لمحه ضيف الله، حتى أُخذ، فاقترب مندهشاً، ولما تأكد هتف: -: مائير.!!. صُعِقَ الرجل واهتز، سدرت عيناه وكاد يقع مغشياً، فاستدركت "القديسة نتيفا" متقدمة برصانة وتماسك بالغ، وحولها الرهبان، وخلفهم الزهاد، والأسلحة مخفيّة في الأردية، ونبست بما يشبه الهمس: -: فليسا محك الرب إذ أخطأت، والقندلفت يعذرك إن شُبّه لك، فليس بيننا من يحمل الاسم الذي نطقت. ودنت من الصبي حمزة في حضن أمّه، فمسحت على رأسه متمتمة أن يشفيه يسوع الابن روح القدس، ثم رنت إلى الضابط والوجيهين ونبست: -: الأمان أيها الأفاضل، فالتاجر يدعى "الحاج أمير" كما علمت، وبذا هو أقرب إليكم؛ بل هو منكم، أجرناه ولسنا مع الخطأ، فإن شئتم رفعنا عنه الاستجارة، إلا إذا جبرتم خواطرنا، فيكون لكم فضل لسنا ننساه في حجنا لمهد اليسوع بيت لحم. تفعل امرأة مالا يفعله عدة رجال ومعهم بضعة مثلهم في بعض الأحايين، فكيف وهي فتّانة، حليت وسامتها بكساء لا يحجبها، بقدر ماهيّبها في أعين الرجال، مخاطبة رشدهم، مشنّفة آذانهم بذياك الرنيم في صوتها.!؟. نمّت عيون الرجال عن اقتناع مشوب بعدم حماسٍ لأي إجراء، سوى فضّ المشكلة عند الحد الذي وصلت إليه، فالموقف معلّقٌ، ولا مناص من كلمة تحسمه وهذا ما أناطته العيون بالوجيه عبد الحميد، فأخذته الحيرة، ثم وجد في الشيخ الإمام ملاذاً. -: ما فتوى مولانا.؟. -: كلمتان. المسامح كريم أولاً، وثانياً: إن جنحوا للسلم، ولا أزيد. وتمّ فضّ الاشتباك، وتردد أنه بقدر ما هُلع أهل الصبي، فقد لحق بالتاجر ما يكفيه، فهذا بذاك. -: لا. صاحتها الجدة نور وسط دهشتهم، واحتمالات ما يكون منها، وهي من نسفت توقعاتهم مرة إثر مرة، آتية بما لا يحسبون، فالعيون شاخصة إليها، ولهواتهم جفّفها تنفسهم من أفواههم، كأن أنوفهم ضاقت عما يكفي صدورهم من هواء يبرّد لهفهم، وزادتهم شداً إليها بإشارتها لهوريك ومريومة، كي تلبثا حيث هما، مومئة للحكيم إدريس أن يتقدم معها، شادّة للأمر حزامه، مصرّة على مداواة التاجر وتضميد جراحه. -: ولكن في البلدة طبيباً أيتها الجليلة.!. -: وفيها جندرمه أيضاً، وبرغم ذلك الأمور مشينة، الظلم بشع وكوابحه متردية. ودخلت خيمة القندلفت، آمرةً الحكيم أن يؤدي واجبه، فيخرج الرصاصة من فخذه؛ ويضمّد أذنه، وهددت التاجر بفضائحه، أو يعوّض الفتيات الثلاث، بما يهوّن عليهن حيفاً ألحقه بهن. ضاق صدر ضيف الله بالمجريات، وأسقط في يده، إثر تدخّل الجدة نور، فأخذ صاحبه العجوز، وابتعدا مسايرين النهر منفردين. وبعد لأيٍّ خرجت الجدة من الخيمة، وأمام الملأ وضعت كيس نقود في يد كل من الفتاتين، واحتفظت بكيسٍ يخص "آيه". ثم صحبتهما داعية لانفضاض كلّ إلى شأنه، فانشرح صدر قمر، وسارعت توزع الغذاء والكسوة عليهن وعلى الممسوسين، غير مؤثرة نفسها بشيءٍ، وخصّت حمزة ببعضها، ثم أرسلته إلى كمال ليلقاها عند صخرة الشط. وبينما عربات التاجر تغادر نزل الرهبان، ظهر الضابط عثمان وحارسه بحذرٍ، وحرص ألا يزيد ظهوره الطين بلّة، فليس يناسبه أن تتعرف إليه أيّ من الفتيات، اللاتي فتّق عقده معهن، وأذهب حارسه يدعو كبراء الرهبان إلى الوليمة المزمعة، فأتيح له الانفراد بـ "القديسة"، فواجهته متعصبة: ×-: لن نطاعمهم. -: ليس وقت التزمت. ×-: ولا مبرر للمعصية. -: هو طعامي يقدمه "عوبديا" كبير طهاتي. ×-: هكذا إذاً.!. يا لك من جنديّ مخلص وداهية.!. قال: -: تقتلين مائير بالسم. نبرت: ×-: بل تقتل ضيف الله. همس: -: أتشهاكِ. نبست: ×-: تثير شبقي. -: إذاً مائير يُقتل. ×-: ويقتل الآخر. -: بعدئذٍ نلتقي. ×-: ستجدني متلهّفة. أفضى ضيف الله بسرّ مائير لصديقه العجوز، فهو تاجر الذخيرة في أدويسا، وكان قد ساومه لينضمّ إلى المحفل، مقابل ذخيرة بلا ثمن فرفض، وبحث عنها فجوبه بوجوب حصوله على موافقة مائير، فهو راس شبكة، ما توانت عن محاولات إيقاعه بحبائلها، ولأنه أصرّ رافضاً، دفّعوه ضعفي الثمن، وأعطوه الصفقة الأخيرة التي لا تنسى، وهي سبب مقتل ثلاثة وأربعين من أشاوسهم، حين خرجوا لإغاثة قرية، استباحها عسكر القيصر، فكان بارودهم فحماً مطحوناً، وطلقاتهم خلبّية، وياله من ثمن فادح.!. *-: وكان ذلك سبب لجوئي إليكم. بدوت خائناً بين أهلي. يا للمرارة.!. -: أمتأكد منه.؟. *-:ألم ترَ أنه أشرم.؟. -: بلى. *-: فأنا منَ شرم أنفه. -: كيف.؟!. *-:دع الحكاية إلى وقت آخر، ولا تنسَ أنك الأوحد الذي ساررته، بما لم أبح به لغيرك. -: ولِمَ ظلمت نفسك.؟!. *-:ما كان لأحدٍ أن يصدّق. -: والآن.. ما تراك فاعلاً.؟. *-:الأمر مريب يا صاحبي ومعقّد. -: إذاً.. ليتك تنسى. *-: ولكنه "مائير" المجرم، وأنا متأكد.!. -: تحفظ، فقد اقتربنا من الناس، ولنتحرز. واقترب الوجيهان من الجدة نور، فسألها عبد الحميد عن الفتاتين، فأجابت: -: ابنتاي يا عبد الحميد. -: لكنهما.. قاطعته بلا هوادة: -: قد سمعتَ ما قلت فاحذر. وإني ألتمس بهما حسنة، تذهب سيئة أن يكون بطني قد حمل صاحبك العاق هذا. هيا.. خذه وابتعدا في الحال. * * * وجلس كمال قبالتها تحت الصخرة، متفرّساً بملء عينيه وجهها، لكأنه لم يحفظ قسماته.!. إنه يقرأ في كتاب سحرٍ وأحجيات، وأذهلته جرأتها، وشدهه تدبيرها المحكم، وأكبر حصانة قلبها من خوفٍ وخشية.!. ويالها من متفرّدة.!.، لو قرأ عن مثلها لأعظم خيال الكاتب، غير أنها حقيقية، هي ذي أمامه كسرٍ اكتشفه.!. أربكته خواطره فتساءل إن كانت هي التي يمكن أن يركن إليها.؟. وفي اللحظة ذاتها دوّخته صورة أمّه، معلنة رغبتها بأن تكون "رقوش" كنّتها. سألته عيناها أن يبتّ في أمر قلبها، أو يعلن شح وجيب قلبه نحوها، فلم يجد بداً من التسويف، موحياً بالتمهّل ريث أن يصلوا حلب فثمة أمورٌ اختلطت في ذهنه، لا يريد أن يشركها في خوفه منها، قالت: -: كمال.. أبي لن يخلد، فأبقى بلا أحد.!. ومضت خائضة في النهر، علّه يغسل نفسها من زوبعة تأبى الاستسلام لها، ثم غطست ناظرة إلى السماء من تحت الماء، متصفّحة كم هي نقية.!. وانصرف الكبراء عقب الوليمة، وقد ضيّق ضيف الله على القندلفت طوال الوقت، فلم يجد معه فتيلاً، تجاهل وتشاغل ونكر، ثم زاغ وراوغ ومكر، تحدّث ومازح وتضاحك، وهو منخلع القلب، يغرقه في يمٍ عميق، فيجعله كجرسٍ بلا رنين: -: (إنني هو... والآن "القندلفت"، وإني ثريٌّ ثراءً لا يتخيله جمعكم هذا، جنيت من دمائكم ودماء جند القيصر ذهباً، وإني في طريقي إلى غسل أدراني، ثم أنبثق من جديد، فلا تعرفني سوى أمي، أتملّك فأتزعّم، فأكون قارون زماني بجبروت يشوع بن نون، فابتلعْ نخامةً تعرفها عني، فلن يصدّقك أحد). وأمضى العجوز داود ليله مشوشاً، لإصرار ضيف الله وتأكيده، وصارعت قمر سهادها، كأنها ليلة لا تنقضي، تفكّر بالعجوز والدها، وبذاك الذي اختاره قلبها، ويتمنّع، كأنه لا يدرك أن لحظات حبٍ معه، دونها الرجال أجمعهم: -: (فيا إله الخلق وفيهم المحبون، لِمَ ابتليتني بهذا الامتحان.؟.). وقبيل انزياح جهمة آخر الليل، خرج عثمان من خيمة "نتيفا" حذراً، ومع شروق الشمس، ذهب إلى التاجر، لغايتين ليس يبوح بهما أمام ذاته، مراوغاً أن يغطي إحداهما بالأخرى، فالوديعة أولاً، ثم الاطمئنان على صحة هذا الذي جعله مخبأ ثروةٍ، ما فتئ يهيل عليها لتصبح تلّة، كذلك ليقف على حذافير خبر الفتيات الشهيات الثلاث، وخدعة الآفة الشنيعة "قمر" المشتهاة. غير أنه من حرصه خبأ حتى على نفسه، سرّ ابتعاده عن المكان، في هذا الوقت. وحين عاد كان هؤلاء قد دفنوا "ضيف الله"، ودفن أولئك "القندلفت"، فاحتجب عن العيون، معتزلاً لا يتكلم، يأكل بنهم، يشرد فلا يرتد، يعايش الوقائع كما يتصورها، فلا تظهر لأحد، يجول ويصول، يشير بيديه، ويغمز بعينه، ويمطّ ويقلّص شفتيه، ثم يتجهّم ويبتسم، مطمئناً إلى الأمور التي يراها أولئك غاية في السوءِ، إنما تسير -حسب زعمه- على خير ما يروم، ولينفلق "كمال وأوباشه"، فهم لم يعرفوا كل المرائر، فالأدهى إن لم يخذله دهاؤه، مازال في الآتي. وما لبثت القافلة أن استأنفت مسيرها، يتقدمها الضابط كمال، وعلى مسافةٍ تبعتها قافلة "القديسة" نتيفا، وفي البعد بينهما تحرّك موكب الضابط عثمان بأبهة دون سلطة، وادعاً يقظاً في آنٍ، يرقب تلك القافلة بعينٍ، راصداً الأخرى بعينه الثانية.!. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |