|
||||||
| Updated: Wednesday, September 17, 2003 04:46 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
9
وطئت
الشمس سنام السماء، وتفيّأ ظل كل شيءٍ بصاحبه، كأنه يحتمي من
هجيرها به.!.، فانكمشت الأنفس وفتر نشاطها، كذبول شتلات خضر الصيف قبيل غرسها،
فكشط الإرهاق جلّ ما اختزنته قلوب المتفائلين، وسوّاها بتلك المتشائمة، وتذكروا
وقوع "الشيخ شامل" في الأسر، ومن ثم نفيه، وإن تركوا له اختيار منفاه،
فلأنهم يريدون إبعاده كيفما اتفق، فاختار الحجاز لبقية حياته، وتذكروا ما كان من
الحاج مراد، وكيف سُلطت السيوف على الرقاب، ووجّهوها إلى النحور، يقتلونهم
ويدفعونهم ليقتتلوا ويقاتلوا عنهم هناك في الآفاق البعيدة، فيذهبون ولا يعودون،
فيستقدمون حلفاء لهم ومرتزقة من كل حدبٍ وصوبٍ، يحلّونهم بدلاء في الأرض والبيوت. سآمة
ما سلم منها إلا الذين تحصّنوا بما اعتقدوا، فلا ينفذ إلى بياض صدورهم سواد ما
يلقونه، وهاهم سلكوا هذا السراط بلا بديل، فليس من سبيل سواه، وما من خيار، وبرغم
ذلك لا يتركونهم بأمان.!. أما
تبعثر الخلق في شتى الاتجاهات على مدى الطريق، جعل الأذهان تفطن إلى كثرة تستجير
من الرمضاء بالنار، وتنشغل فوق همومها بالذي وراء هذا الفرار الكبير، فإلى أين هم
ماضون.؟!. أئلى خطب، أذهب أولاء متسولين
وشحاذين ملحين، يسألون بلجاجة ويستجدون، وآخرون يعرضون ما تبقى لهم، يقايضونه
بلقيمات، وثمة خيام عليها بيارق حمر، يلجها خلسة من يرغب؛ ويؤمّها العسكر بحرمانهم
تحت جنح الليل.!. تسرّبت
العتمة إلى نفس الضابط كمال، وفي الحين ذاته تكشّف له ما يلفّع بلده وناسه، فقد
تناهى إليه أنهم
قالوا: -:
حلب.!. يا لنبئها الفظيع.!!. ولمس
بعض المتأمّلين أحوال المتسوّلين، فأدركوا أيّ متعسة فرّ منها المساكين، وهم إليها
يمضون.!!. يا للمسخرة.!. وما
نال السائلون ما ابتغوا، بقدر ما نكأتهم جلافة العسكر، يبعدونهم رفساً، وبأعقاب
البنادق شاتمين: -:
"بيس ميلّتْ". وحوقل
بعضهم بأسىً: -:
الموتى لا يشيلون أمواتاً. -:
لا يدفع إلى المرّ إلا الأمرّ قالت
قمر: -:
يا حسرتي.. كلام ضعفاء، وتعلل من لا يملك قوت يومه. وأبدت
دون مواربة، أنها عاجزة عن الإتيان بنافعة، فالأمر أكبر من أن تقتسم رغيفاً بينها
وبين أيٍّ منهم، فكلا القسمين لا يسد رمقاً. * *
* وما
كانت حكاية "سدوم" لتردع "هيلل ويغال"، ولا بؤس الناس من
حولهما منع "جيئولا وغولدا" عن فعل الشذوذ، كما لم يحل كرب البشر والموت
بينهم، دون تمتّع "أستير
ونتيفا" بالضابط عثمان، تتناوبان عليه، أو يستمتع بهما في آنٍ معاً، وفي بعض
الليالي يختلي مع "هدسه" فيشبع ولعه بصدرها العظيم.!. وانعزلت
قمر بعض الوقت، وراحت تنظر فيما ائتمنها عليه كمال، مقلبة صفحات ذاك الكتاب،
وقرأت: -:
(… وأخبرت "تامار" وقيل لها: هوذا "حموك" صاعد
إلى "تمنة" ليجزّ غنمة، فخلعت عنها ثياب ترمّلها، وتغطت ببرقعٍ وتلففت
وجلست في مدخل "عينايم" التي على طريق "تمنة"، لأنها رأت أن
"شيله" شقيق زوجيها الأخوين اللذين ترمّلت عنهما؛ قد كبر، وهي لم تُعْط
له زوجة، فنظرها "يهوذا" وحسبها زانية، فمال إليها وقال: هاكي أدخل
عليك، لأنه لم يعرف أنها كنّته، فقالت: ماذا تعطيني لكي تدخل علي، فقال: إني أرسل
جدي معزى من الغنم، فقالت: هل تعطيني رهناً حتى ترسله، فقال: ما الرهن الذي أعطيك.
فقالت: خاتمك وعصابتك وعصاك التي في يدك، فأعطاها ودخل عليها، فحبلت منه، ومضت
ولبست ثياب ترمّلها، وفي وقت ولادتها، إذ في بطنها توأمان وضعتهما فكانا "فارص"
والآخر "زارح"…). -:
(ماهذا يا قمر.!. ألا تخجلين.؟. ولِمَ الخجل.؟!. إنما تقرئين وتعرفين… ويالك من أفّاك نجس يا عثمان.!. أية أفعى في رأسك، وأي أقنعة تستر
بها حقيقة وجهك.؟. مخيف أنت؛ لا يؤمن جانبك. ألا ما أشبهك بالأفعوان، يبقى السم في
رأسه، وإن هدأ إلى حين. فنحذرك مهما أظهرت من نعومة، ومهما كانت سلطتك، فإنا نصبر
عليك، ولا نثق بك.) وأخذتها
كثرة القبور المتناثرة على حافتي الطريق، والكواسر والجوارح تملأ الفضاء، وتحجب خط
الأفق المديد، وروائح أجياف تفسد الهواء زاكمة الأنوف، ثم انشغلت عن نفسها بحال
صديقها الصبي، فهو لم يبك لكنه كبت، ووحده حمزة الصبي لم يقنع، وقالوا: -:
إنه لا يصدق أن يموت الجبّار ضيف الله، دون مقدمات.!. وقالوا: -:
لأنه ما أدرك بعد جبروت الموت. ولم
يخرجه من وجومه حنان أمه وعطف إخوته، فالأمر في رأسه كالنجم الطارق. كان يحسّ بتوفيق
وما يكمن في نظراته الكتومة، وليس فيها ذاك التسليم، كما في عيون أمّه وأخيه عبد
الله، فكان يلجأ إليه في سمره وأصلان، وكثيراً ما ساهرهما، وقضى الليالي ساهداً في
حضن توفيق، يسمع وجيب قلبه، وكم داهمه السؤال الكبير، فيهمّ أن يطلقه، لعله يلقى
إجابة تذهب عذابه، أو تؤكد هويسه، وتجلو الشك باليقين، وكان يخاف التأكد مما وسوست
به نفسه، وما يتخبّط في رأسه الصغير، حتى إذا ما غلبه النعاس، نام وهو مهموم، وسرّ
معاناته أنه أحبّ أباه، وشذّ عن تعلّق الصغار بأمهاتهم، واجداً بأبيه خير متراس،
فسيرة حياته فوق المألوفة أضرمت خياله، وعلّقته بسير أبطال الأساطير، وما ملّ
سماعها، حتى أضحى "سوسروقه" الخارق مثله الأعلى، ذاك اللامحدود، ابن
"ستناي" من نطفة على صخرة، تصدّعت عن كائن لا مثيل له، ربما إلا آخيل،
كما حدّثه أصلان، وكم تأسّف لنقطة ضعفه في ركبتيه، كما لآخيل نقطة ضعف في كعبيه، وظل
السؤال يشغل باله: -:أيهما
السلف الفعلي.؟. وهل المصادفة وحدها جعلتهما متشابهين.؟. كانت
غصته بموت أبيه مؤثرة، فلجمته عن البوح بما يفكر به؛ وزادته انشداداً إلى مَنْ هم
أكبر منه، فهو لم يعش طفولته كأترابه، فعانى من غربته بينهم، يتهمونه بالتعالي،
وينعتونه بما لا يفهمه، وفي قراره نفسه لم يكن ذلك يزعجه، ولعله كعصفور تخيّل نفسه
بازاً، وكم اعتدّ باسم أمّه "ستناي"، ففي ذلك ما يقرّ به من بطله المثل،
وأنى لأترابه أن يحسّوا بخوالجه، ووعيه أموراً لا يدركونها، وليس فيهم من يجيد
ركوب الخيل كما درّبه أبوه؛ ومن ثم أصلان، هذا النزق إلا في معاملته للأطفال،
يجذبهم إليه بصرامته المحببة، يخاطبهم كما لو كانوا رجالاً، يعوّض فيهم النقص،
ويرمم في قلوبهم، ما تعرّض لخدوشٍ أحدثتها الظروف. يعرف متى يزجرهم، ومتى يبدي
رضاه، لكنه لا يزيد، ولا يطلق مديحاً فضفاضاً، إذ يكفي أن يعرفوا أنه راضٍ عما
أنجزوه، ولعله حفر في أذهانهم ثوابت الموروث، وعلّمهم الكثير. إلا الصبي حمزه، فقد
جعله في مكانة لم يخص بها سواه، لا حاجزاً بينهما، ولا موعداً للقائهما، يراه
بمكانة الابن الذي طالما تمناه. أصلان الذي نغّصه تعلّق قمر بكمال، كاد غير مرة أن يشي بها،
فيردعه نفوره من الدنايا والوصاية، ولاعه انتهاء آية إلى إبراهيم، ولم يحسد قط
نعمان وأبهى بقدر ما غبطهما، وما تلبث مغبّة بقائه دون أليفة تؤرقه، فهو أكبر العزاب، ألهته عن
عمره غيريته،
وفقره نكّد عيشه، فهل للفقر أن يلجم قلبه عما فُطرت عليه القلوب.؟. أليس من حقه أن
تكون ثمة أنثى ملاذه.؟. علق جموح قمر في تفكيره، وهو يحسّ أنها الأسرع إلى خياله
ساعة الصفا، هو الجانح الميّال نحو التفرّد. لكن كمالاً اقتلعها من باله وتركه
كاسفاً، وتبدّت له أمينة باتزانها ودماثتها، وجلنار بتهتكها، وألفت الفارعة
وتعفرتها، وجلبهار بتبرّجها المغري، وفاطمة الشجية على الدوام، و… -:
(… إيه أيها الكهل الشبوب. نسيت فؤادك ردحاً فلم يعشق، وشغلت بقومك
أن قالوا في الملمات: من فتىً.؟. وتعمى بصيرتك إن التفتوا إليك، غررتك المدحة،
فتذهب وأنت يقن من أنك قد لا تعود. وها قد ذهب من عمرك أنضره. أمروءة هذه أم حمق.؟.
وإجابتك دائماً أنك هكذا خُلقت.). خطر
لـه أن يقصد الجدة نور، ولكن… أيطلب مريومة الظالع.؟. أم هوريك
الأليفة.؟. برغم أنه لاحظ من مريومة توددها، وسمع تلميحاً من آيه بأن عين البنيّة
عليه، ونفسها تهفو إليه. -:
(إذاً مريومة يا أصلان. ولكنها… تباً لحظي.! أما هوريك فمثل عود
الخيزران، وفي عينيها بريق وزرقة بحر عميق. إذاً هي، بيد أنها… تباً لحظي مرة أخرى.!. ولكن.. لا بأس إن سألت الشيخ الإمام، عساه
يحلّها لي. إليه في الحال). ثم ثناه البلبال، فتريث متسائلاً: -:
(المرأة أم اللقمة أولاً يا هذا.؟.). فترت
همته؛ وإن لم تهدأ نفسه العاصفة. تمنى لو يصبح "جاويشاً" مثل الفتى
السّكيت، فإلى أي من الضابطين يذهب.؟. أئلى عثمان، وقد ينفر منه الناس.؟!. أم إلى
كمال.؟. وقد يعلو معه؛ أو يهلكان ويدقّ الضابط التمساح عنقيهما.!. -:
(بئس هذا وذاك، فلن تبقى "أصلان" يا أصلان إن رحت إلى أيٍّ منهما.!.
صياد أنت، وما حويت كلباً سلوقياً أبداً.!.). همز
حصانه، فعدا به نحو رهط الوجهاء، وليكن عبد الحميد، أو رجب، أو عبد المجيد، أو حتى
سليمان. فجأة شدّ الرسن، فلجم حصانه فشبّ شبوباً عارماً، ثم استوى على قوائمه؛
يبحث التربة بحثاً، قبل أن يسكن ذاعناً لا يتحرك. -:
(خادم يا أصلان.. له يا رجل.!. ما الذي دهاك.؟. تباً لك وللمرأة وللقمة العيش
معاً.). وبّخ
نفسه واتهمها بالهوان، ثم عاد واستنكر مكابرة ليست بموضعها وهادن ذاته إذ لم
يزلقها في عيبة، بيد أنه ظلّ لائب القلب إلى قلبٍ يوحّدهما التحنان. جادل
أعماقه جدلاً عقيماً؛ فغايته لا تدرك في ساعة هيجان؛ مهما جاهد وحشة الوحدة. كاد
يقتنع أن العشرة تولّد الألفة، وتحقق المودة، فتأتي المحبة، كنمو الجنين، وكما
تشبّ للنبتة غصون تزهر فتثمر، وتخيّل مريومة ولطائفها، وفي أخذة عنفوان اهتزّ عمقه
وهتفت سريرته: -:
(وأين هذا برمّته من العشق.؟.). واجه
نفسه دون مواربة قائلاً: -:
(ما كنت تخرج إلى الصيد إلا وقصف الرعد يبرق، والأمطار تنهمر، فتغنم وترجع والليل
مدلهمٌّ. كنت تجسّ نبض الرجولة في شخصك، فعلام تخفض هتمك إلى ضعة الاصطياد بالفخاخ
والدبق.؟.). وجد
عواطفه عصيّة على التطويع. حاذى عربة الشيخ الإمام، يعلّم الصبية والرجال القرآن،
وخلفها عربات يغصّ بعضها بشيوخ وشباب، وفي بعضها نسوة وفتيات، تلك هي فاطمة، وذاك
هو عمر بن الحكيم إدريس، هذا المنقطع إلى الدرس، لا يكل ولا يكتفي. الأصوات تردد
إثر قراءة الشيخ في حماسةٍ؛ وفي استكانةٍ وراحةٍ عميقة، وضعتهم ضمن برزخ عزلهم عما
في أعماقهم من وساوس وأحزان، فذاك عباس الممسوس، وجلبهار الغاوية، ورمضان اللص،
ومحمود الغِرّ إلى حدّ المسكنة، والوجيه عبد المجيد. وألفى نفسه يردد معهم
مهمهماً، ثم صار يسمع صوته، ردد بانكماشٍ؛ ثم فصاحة وبحماس. أفاق
من أخذته، فهصره مرآهم، هتكت الأهوال قلوبهم، فسكنهم الكمد، ولوّعهم فراق الديار،
ومحقت المآسي هفيف أرواحهم، برغم أنهم ما فطروا على تهويلٍ واختلاق المنغصّات،
وليسوا ممن يذرفون الدمع كيفما اتفق، لكنهم مزجوجون بديجور لا قبس فيه، كنفق لا
آخر لـه، فلاذوا بعصام آي الذكر الحكيم. وافقه
إبراهيم فيما هجس، وأنهم ظلال موتاهم، ودخان احتراق قراهم، وأثر عائلاتهم. شهودٌ
على الإفناء، وأدلّة التطفيش والتهجير، وهم محار الهول وأصداف المراعب وقواقع
الإهمال، وكناية طيور البطريق المبددة في القفار. هزّ
نعمان رأسه موافقاً متأسياً، ولم يحاورهما، فهذه بدهيات يجترّانها ولا طائل.
مختلفاً عنهما، فلا يقع بشرك الأمر الواقع، ما وجد إلى ذلك سبيلاً، وليس هيناً ما
قام به من رأب صدوع الأنفس، فأبهى شحنت شاعريته وأرهفتها، وأحسّ أنها ركن يلجؤه؛
يلتحم به من وجع التشريد، مستلهماً من قسمات وجهها، وتضاريس قدّها، جغرافية أرضه
وأركان البيت، فانبثقت
أشعاره بتدفقٍ حارٍّ، وليس دافئاً فحسب، وسرعان ما ألفها الناس، وجعلوها أغنيات. وما
برح الإسكافي يعقوب يردد بصوته المشروخ، عقب دفن ميت ما: -:
حذار من الرضوخ للشدّة، فهي إلى زوال. رتيمة
تذكير يقولها المتماسكة نفوسهم، للذين عقصوا خيوط الأمل، كلما مدت الأمراض
كلاليبها، تنتزع أرواح الغوالي. هتفت
الجدة نور إثر دفن الميتة: -:
لعلها استراحت، والويل لموتى الأحياء. لست أسامحك بحليبي يا رجب.!. وجمعت
صبية وصبايا، تحدثهم عن أسطورة تقول: -:
(إن الخالق قسّم الأرض على البشر، وأبقى مساحة هي جنته في الأرض، تعانق البحر
وتتسلق السفوح، ماضية على بساط أخضر، تزيّنه قمم بيضاء هناك وهنالك، فينتشر الجمال
رائعاً في ربوع المنطقة. وأنه أحبّ أولاء الناس، فأعطاهم جنته الأخاذه تلك.). حكت
الأسطورة مرات، وهم يمرون بهضابٍ، ويصعدون سفح جبل، ثم يستبطنون وادياً. طريق طو..
يل طويل، وسير بطيء. أيام وأسابيع متشابهة، لا سبيل لاتقاء ثقل وقتها الممطوط إلا
بالصبر، أو التحايل على وطأتها، فيتحلق الشباب والرجال من الأعمار كافة، وغالباً
ما حضر الشيخ وكمال والوجهاء، مستمتعين بحكايات لقمان الحكاء البارع، يجذبهم
مثيراً اهتمامهم، بتعابير وجهه، وحركات يديه، وتكوينات جسده، وتلوين صوته وهاهم
يقضون ليلة بين أنفي جبلين، فيحدثهم بأسطورة جبل إلبروز: -:
(وإنه شيخ الجبال.. كأنه شيخ من شيوخ قبائل عريقة، أحب "معشوقة"
المختالة بحلتها الخضراء على الدوام، تسبي الألباب، والشيخ الجبل المعمم أبداً
بالثلج؛ المسوّر بالقوة والعزم، ينظر من عرشه إلى محبوبته البهية بشوق، يمنعه
الكبر عن الاقتراب منها، وبجانب "معشوقة" هناك، كان جبل آخر ينظر في
عينيها كل يوم، يكاد يلامسها عن قرب، وكان يدغدغها بجداول مما تشتهي لترتوي،
وسرعان ما سرت الشائعات، وهي لا تنبع من فراغ، بأن هذا الأخير يحبها وتبادله هي
الحب، ثم قيل إنهما يتواصلان، ولم لا..؟. أليس الحب كالروح، كلاهما يسكن الجسد.؟.
ومثل كل حكايات العشق، حصل أن نمّ هذا لتلك، وهذه لذاك بالخبر، فوصل إلى شيخ
الجبال المثقل بعمته البيضاء، ووقاره المحترم، وسمعته النقية كالصدق، فارتجف غيظاً
وغضباً، لكنه جعل لغيرته وردة فعله؛ حبكة أقرب إلى اهتمام من هم حوله، فاهتزت لذاك
الغضب الأرجاء كلها، وأحدثت رعدةً في أوصال الأرض، فتشققت أوداهاً ووهاداً وفجوات،
وأومأ إلى غريمه الجبل، فقسم جسمه إلى قطع خمس، بعد أن استطاع غريمه أن يضربه
ضربة.. هكذا.. قسمت عمته إلى فلقتين، ولم تصب منه مقتلاً. واستلّ الشيخ سيفه، فطعن
المحبوبة اللعوب في الصدر.. تصوروا كيف تراخى ذاك الجسد الجميل، الذي كان أبداً
ينتصب فاتناً تحت الشمس، ومع الزمن تجمّدت قطع جسم الجبل الغريم بخمس قمم، وأمسى
شيخ الجبال مقسوم الشفة إلى شقين. أما "معشوقة" ذات الأنوثة الطاغية،
فتفجّرت من صدرها، ينابيع يعجز الوصف عن الإحاطة بمواصفاتها أو يسلّم أنها بطيب
رضاب "رؤى الردفاء" وهذه سيدة العشق والجمال، أنثى متفرّدة بين النساء، عشقها
شاعر غجري وعشقته، فكواهما لسع الألسنة التي لا تأنف الرذيلة، وبالوقت نفسه تمزق
سمعة عشاق تساموا في عشقهم فوق المألوف والسفاسف، فلا يلتفتون إلى مدعيات العفة،
وهي منهن براء. تلك
الينابيع باتت تشفي أمراض الناس، وبالأخص العشاق، وتبكم اللاتي يتمضمضن بسمعة هذه
وتلك، لتغطية عهرهن، وللأسطورة تفرّعات، كحكاية "سعدونه" الملقبة بالحميرة، لاحمرار
وجهها كلما كذبت، وهي نادراً ما صدقت. وحكاية كبرى القوادات خاطفة "زمك
زمان"، وحكاية حشيمات الغفلة؛ التابعات رهط عفيفات المصادفة، أمثال (آفة فيزوان، وآفة نواف، وآفة رندوكه) حكايات ماتعة انتظروها على
مر الليالي
والأيام، ولعلمكم فإن تلك الينابيع أكيدة الفائدة بالتجربة والبرهان، ولنسمع الآن
الشاعر نعمان.). * *
* وفي
البكور خرجت مريومة تستطلع المكان. أشجار الجوز والكرز وكروم العنب والزيتون، وهذا
النسيم الرطب بالندى، ولون تربة الأرض، وصخورها الصفوان. نظرت هنا وهناك، ركضت في
الجهات الأربع، صعدت أنف الجبل، وثبت من صخرة إلى حجر، وهي منذ البارحة تشم رائحة
أمّها في الأرض، مرة إثر مرةٍ، مشغولة بهذا العبق، وله في دمها أثر. تملّت المكان،
أحست بشيءٍ في قلبها يتقصف ويتفرّع في آنٍ، ينتفض ويطير، يصهل كما المهرة الأصيلة،
حمدانية المنبت، علت قامتها سامقة كشجرة سروٍ متناسقة، متأصلة في المكان، وهي
كغرسة أعيدت بعد لأيٍّ إلى منبتها، وطفقت تركض ظالعاً وهي تلهث، كادت تقع متدحرجة
حين همّت بالتوقف قرب "الأومباشي"، تسأله لتتأكد: -:
أومباشي.. أين نحن الآن.؟. -:
على مشارف "كلّس" شمال حلب. لم تسألين.؟. صوتت
لفلاح وزوجته في بطحاء، انتشر فيها الحرّاثون وراء محاريثهم، وانزلقت نحوهم في
المسيل الواسع، تسأل عن اسم الديار، وجاءها الجواب: -:إنها
ضيعات "عمر جيك" ارتمت
يغالبها الإغماء، بهظها قلبها فرحاً بعد غربة مرة، وبرغم ذلك ما فترت بسمتها،
وثغرها يصدر ما يشبه ثغاء الشاة، وما يماثل بغام ظبية، وليس أنيناً، وبعيد الظهر
كانت مع من تبقى من أهلها، جدها لأبيها، وأختها الأرملة. أمها ماتت بعد أن خطفوها،
وبعيد أن طفش أبوها إلى القارة الجديدة، وأخوها لم يعد مذ ساقه رجال الجندرمة إلى
الخدمة العسكرية، هو ذا محراثهم العتيق، وفي الحظيرة معزاة وحمار وبغلة، وهناك
دجاجات ينبشن
روث المزبلة. -:
وبعد يا مريومة.؟. أطرقت،
ولم تجب عن سؤال الجدة نور، فقال جدها: -:
مريومه ابنتنا.. وإن كنا لا نجد ما نقتاته، فلهم أكثر المحصول، ولنا التعب من
بعدهم والجوع. سئمت العيش وأكاد أكفر بالسلطنة والسلطان. ابتعدت
الجدة نور خطوات، ثم استدارت لتتكلم، فوجدت مريومه في أثرها تحضنها: -:
أمي نور.. هما سرّان، أفضي بهما إليك. -:
مريومه يا بنيتي.. إني أسمعك. -:
الضابط عثمان. -:
ما به.؟. -:
هو الذي… -:
قد علمت من هوريك بالأمر. هه.. ما سرّك الآخر.؟. -:
قلبي يا أمي نور. -:
من.؟. -:
أصلان. أرسلت
بطلبه، جاء على حصانه دونما إبطاء. -:
أتصاهرني ببنيتي مريومة يا ولد.؟. وعقد
الشيخ الإمام قرانهما، وقدمت الجدة نور، ثوب زفافها للعروس، ثم سألت أصلان: -:
أباقٍ مع مريومة؛ أم نأخذكما معنا.؟. نظر
إلى المحراث، وتطلّع نحو أرض المسيل، محدّثاً جدّ زوجته: -:
أرى أن سكة الفدان قد صدئت أيها الجد. -:
وكيف لا تصدأ، ونحن لم نحرث الأرض هذا الموسم.!. -:
إذاً دلني إليها، فلم يدركنا الوقت بعد. ضمّت
الجدة نور مريومة إلى صدرها قائلة: -:
أترك لك –يا
بنيتي- رجلاً مقطوعاً من شجرة، فازرعيه في قلبك، كما يزرع أرضك. استدارت
نحو أصلان وقالت: -:
تركت لك بنيتي المحبة، فاقتلها عشقاً يا ولد. قالت
هوريك ممازحة: -:
تركت لهما مالم ينله غيرهما يا أمي. -:
وماذاك يا بنت.؟. -:
ثوب زفافك الحرير. -:
حين تفضين ليس بسرٍّ كسرّها، لك مني ما يلزم زفافك وليلة الدخلة. مريومه.. أصلان،
أريد أحفاداً بعدد شعاب هذا الجبل. * *
* وكان
نعمان في البكور والضحى والهاجرة والأصيل، وفي الغسق والعتمة والسحر، وكلما ضاقت
صدور الناس حرجاً، وحلكت سواداً، متقهقرة في الظلال القاتمة، ينشدهم وأبهى تغني
لهم أشعاره: -:
(يا شعبي.. لست أنت من يُشبّه بالفولاذ. إنما
الفولاذ هو الذي يُشبّه بك. إذا
صدئ الفولاذ يمكن إعادة البريق إليه. أما
إذا اسودّ وجه الإنسان فلا يمكن تنظيفه أبداً. أيتها
الريح لمَ هذا الضجيج كله الذي يراكم الأفكار. سوداء
على صفحة الروح.؟. تلبدي
ما شئت أيتها الغيوم الدكن فوقي فمن
سمائي يُطل هلال مضيء.). * *
* أوضحت
"نتيفا" أنها حصلت عليها من "فلا ديمير جابوتنسكي"، ولم يكن
ذلك سهلاً البتة. -:
ومن وضعها.؟. -:
المرجّح أنه "أشر غنزبرغ". -:
إلي بها -:
اعلم أن القتل هو جزاء كل من توجد بحوزته صفحة منها. اسمع بعض ما جاء فيها. -:
[مستعدون أن نعدم "الـ.." إعداماً يخفي خبره عن الناس جميعاً، ولا يدري
بهذا أحد، حتى المحكوم عليه نفسه، فيظل على جهلٍ من مصيره المدبّر له حتى يلقاه،
فيموت بالوقت الذي يُحدد له، فيبدو كأنه مات ميتة طبيعية، أو من مرض ما..]. كاهانا..
ألم يقشعر بدنك.؟. -:
نتيفا.. يجب أن أقرأها. -:
ولكن "أستير" تكاد لا تفارقك. -:
وما علاقة "أستير" بالأمر.؟. نتيفا.. كيف تخاطبينني بهذه الطريقة.؟!. -:
مهلك.. لا أريد وضع سرٍّ لي عندها، أو عند هدسه الوطباء. -:
بل قولي إنك تغارين منهما. -:
بلى أغار. ولن تقرأ سطراً دون ثمن. -:
وما الثمن.؟. -:
أقرأ معك كل ليلة فقرة، وتبقى معي وحدي طوال المدة. -:
موافق. -:
إذن رتّب أمورك لنبدأ الليلة. الليلة
الأولى: [لا ينبغي لنا أن نتردد في استعمال الرشوة
والخديعة والخيانة...]. الليلة
الثانية: [هذا الذهب قد جمعناه مقابل بحارٍ من الدم؛
والعرق المتصبب، وقد حصدنا مازرعنا، ولا عبرة إن جلّت وعظمت التضحيات، فكل ضحية
منا، تضاهي "ألفاً" من الغوييم…]. الليلة
الثالثة: [الغوييم قطيع غنم، ونحن ذئابهم..]. الرابعة: [سنمحو
من أذهان الناس، جميع ما وعوه من وقائع القرون الماضية، مما لا نرى فيه الخير لنا،
وسنلغي حرية التعليم في جميع الوجوه، وتقضي برامجنا بأن يعمل ثلث الناس في التجسس
على الثلثين الآخرين..]. الخامسة:
[جواسيسنا من مختلف الطبقات؛ العليا والسفلى، ومن رجال الإدارة العاكفين على اللهو
والأطايب، ومن محرري الصحف والكتّاب والناشرين، وباعة الكتب، وموظفي الدوائر
والدواوين، ومن الذين كثر اختلاطهم بالجمهور، عن طريق الأخذ والعطاء، والبيع
والشراء، كأنهم بوليس بلا سلطة، يشاهدون ويسمعون وينظّمون التقارير..]. السادسة: [الحاجة
إلى رغيف الخبز كل يومٍ، تُكره الغوييم على أن يخلدوا إلى السكينة، ويكونوا
خدّاماً لنا طائعين..]. السابعة:
[نكنس الأديان الأخرى جمعيها، ونحن دائماً حريصون على ألا نبوح بأسرار ديننا
لغيرنا...]. الثامنة:
[نضع في أيدي الناس ضروباً من مادة الآداب المنشورة بالطباعة، وهي غاية في التفاهة
والقذارة والغثاثة..]. التاسعة:
[نكثر من المحافل في بلدان العالم جميعها، ونشجع الغرور والفردية..] العاشرة:
[إن القدرة الحقيقية لا تسالم حقاً من الحقوق، حتى لو كان حق الإله، ولا يستطيع
أحد أن يدنو منها..]. الحادية
عشرة: [نعمل على زيادة صرف أذهان الجماهير، بإنشاء
وسائل المباهج، والمسليات والألعاب الفكهة، وضروب أشكال الرياضة واللهو والغذاء،
للملذات والشهوات، والإكثار من القصور المزوّقة، والمباني المزركشة، ثم نجعل الصحف
تدعو إلى مباريات فنيّة رياضية، ومن كل جنس، فتتوجه الأذهان إلى هذه الأمور،
فتنصرف عما هيأناه، فنمضي بالناس إلى حيث نريد..]. وعلى مر الليالي ظلت نتيفا تتفنن بضروب الإثارة، مبتدعة لكل ليلة فرادتها،
فلا تكرر ما أتته في سواها، وفي الليلة الأخيرة همست له: -:
الليلة لك.. تصرّف كما تشاء، فقط أريدك أن تهمس لي بكل ما تعرفه من شتائم وسباب
وأقذع الألفاظ، أسمعني الكلمات البذيئة همساً. * *
* وكلما
قصرت المسافة، بدا كمال لائب الفؤاد، والشوق مثل العطش، يلهب روحه توقاً لأهله
وحلب، وما فتئ يردد جهاراً وفي سرّه:
سمعته
قمر يرددها، فأنصتت تتملى المعنى معجبة، وبالآن نفسه منقبضة مضطربة، غير قادرة على
إخفاء قلقها، مما راح إليه بذينك البيتين من الشعر: -:
(تغلبك الأنثى التي فيك يا قمر، وتنسين أنه بشر، في قلبه ركن لأهله.!. وجهك مرآة
روحك، وهاهو قرأ ما دار في رأسك، فترينه يبذل ما بوسعه كي يقنعك أنه وجد فيهما
سلوى تخفف الكرب، نطق بها مجرّب ذاق لوعة الظلم والغربة. إيه..
يا الجدة نور.. يا من دعكتك التجارب غضة، وأنضجتك امرأة غنية الوجدان، فلاحظت ما
ألمّ بهوريك، عقب افتراق مريومة عنها، وأنت لا توارين ولا تعدمين لباقة.).: -:
هوريك يا بنيتي، ألن تفضي إليّ بسرٍّ صغيرٍ، كما فعلت الغالية مريومة.؟. -:
أمطت لك اللثام عما في قلبي يا أمي. -:
عسانا نمر في طريقنا على منبتك، فتجدين أهلك. -:
قد بعدنا كثيراً عن "ضالفوريك" .(حين سبوني يا أمي، لمحت حرابهم تنغرز
في صدور الغوالي، قطعوا أثداء أختي، وبقروا بطن والدتي، ومزقوا أوصال أبي وجدي،
وأسقطوا أخي الصغير، من سطح الدار، على حرابٍ مشرّعة كشوك القنفذ إلى أعلى. وحده
أخي "يراونت" احتمى بالجبال، يقاوم مع الرجال كتائب الحميديّين. ضربونا
بالمدفعية، بينما "البنباشي كيوسا" يردد قرار الصدر الأعظم "كوتشوك
سعيد": -:
إن أنجع وسيلة لإنهاء قضية هؤلاء، هي القضاء عليهم. رؤى
جهنمية لا تغيب عن ذهني. جمعوا القتلى والأوصال المقطّعة، والمطعونين والمنازعين،
وأحرقوهم حرقاً. مازالت رائحة اشتواء لحومهم تملأ خيشومي.). ضمتها
إلى صدرها، وربتت على كتفها، وفي مقلتيها دمعتان جامدتان كحبتي برد: -:
أصابنا مثل بلواكم يا بنيتي. القتلة هم القتلة حيثما كانوا. فليلطف الله بمن
يجعلونه بعدنا وبعدكم. -:
أمي.. لمَ لا يتوحّد الطيبون، كما يفعل الأِشرار.؟. -:
لشدّ ما أخشى عليك مما أعرف. فالذي مضى لم ينته، وربما كان أسهل مما هو آتٍ. -:
أمي.. ليس فيّ ما يزيدني ألماً، فقد أنغلوا قلبي وخرّبوا عمري، وإن كان لي ما
أطلبه، فرجائي ألا تشعريني أنك تريدين التخلص مني -:
لا.. لن يحدث. اطمئني. -:
(إيه يا أنت يا نور.. تعدين البنية بأكبر مما تقدرين، فعمرك يذوي دانياً من منحدر
سفحه الآخر. لو أنك تنفّذين ما دار في خلدك، لضمنت لها الخير، وأنّى لنا أن
نجمعهما، والشيخ الإمام أكد غير مرة أن "لا إكراه.."). جال ذلك في خاطر
العجوز داود، وهمست قمر منقبض قلبها: -:
(بعدك أبقى بلا أحد.!.). اختلت
بنفسها يخنقها عجزها عن نفع والدها. قد غفا فلعله يرتاح، بعدما خثّر دمها في
عروقها، إثر صيحة ألمٍ حادة؛ انثنى لها وتلوى، وبقي إدريس الحكيم إلى جانبه، حتى
كاد الليل أن ينجلي، وما غمضت لها عين. قلّبت صفحات الكتاب متلفتة إلى أبيها
وقرأت: -:
(أدوني صادق ملك أورشليم. هوهام ملك حبرون. فرآم ملك يرموت. يافيع ملك لخيش. دبير
ملك عجلون.. اختبؤوا في مغارة في مدينة مقيدة، فأمر "يشوع" جماعته أن
يغلقوا المغارة بحجرٍ كبير، حتى يموتوا، وقد فعلوا ما أمر، ومن ثم فتحوا المغارة،
وأخرجهم أحياء، لأن "يشوع" أراد أن يذلّهم، فأمر عدداً من رجاله، أن
يضعوا أرجلهم على أعناقهم، ففعل الرجال ذلك، ثم قتلهم "يشوع"، وعلّقهم
على الخشب، وبقوا معلقين حتى المساء، فأنزلوهم ووضعوهم في المغارة، لتكون قبراً
دائماً لهم، ووضعوا حجراً كبيراً على فم المغارة..). نقزت
مقشعرّة، وظلت قلقة وقتاً غير قصير، وأنّى لها بكمال لتخبره بما انبثق في ذهنها،
فحجة ألكسندر
وعثمان للتخلّص من أولئك الفتية، تلفيق وحجة واهية، ما كان لها أن تجعلهم درايا وإعدامهم رمياً بالرصاص، وهم جلّ
المتنورين، والحرب قذفتهم نصف قرنٍ إلى الخلف، وإفناء أولاء يحتاج لجيلين قادمين
كي يتم تعويضهم. إنه إطفاء سُرج النور، لتزداد حلكة الغيهب فتنعدم الرؤية، وتتقهقر
الأحلام إلى دهاليز الكوابيس.!. سيطر
هذا على تفكيرها، وجعلها تتغاضى عن وضع والدها، وراحت في الغلس توقظ الصفوة صائحة: -:
إننا عرضة لمؤامرة ضمن مؤامرة في مؤامرة أكبر. وانطلقت
إلى كمال موضحة ما سطع في ذهنها وسألت: -:
ما غايتكم، وإلى أين تمضون بنا يا عسكر السلطنة.؟. أئلى مغارة مثل مغارة
"يشوع".؟!. صمت
مطرقاً، حتى حسبته لم يكترث بكلامها، لكنها أصغت إليه تماماً، وقد فرد صفحات
للكواكبي وقرأ لها: -:
(المستبد عدو الحق، عدو الحرية وقاتلهما، والحق أبو البشر، والحرية أمهم، والعوام
صبية أيتام نيام لا يعلمون شيئاً، والعلماء هم إخوتهم الراشدون، إن أيقظوهم هبّوا،
وإن دعوهم لبّوا، وإلا فيتصل نومهم بالموت.). أتدرين
أني بت على يقين، من أنهم دبّروا قتل قائل هذا الكلام، ولم يمت حتف أنفه. وأنهم
سيدبّرون قتلي إن علموا أني أنقل لك كلامه.؟. ظلّي حذرة يا قمر. سمعهما
عثمان متجسساً، شعر بالفخر مغترّاً أنه رجل المهمات الصعبة. أولم يكن في مجموعة
لاحقته في القاهرة، ودسّ بيده السمّ للرجل في فنجان القهوة، ثم عاد وكوفئ، ثم نال
ترقية لتخلّصه ممن ساعدوه بطريقة بقيت سريّة، وحسبت له فذة عبقرية.؟!. تركهما
ومضى إلى "جيئولا"، يؤنس وحشتها، ويدفئ دثارها، مبيتاً لكمال زلّة
تذهبه، فلا يقف على رجليه بعدها. وطوى
كمال صفحاته الأثيرة، وتعمّد الصمت طوال الوقت. أدركت
أنه رمى على عاتقها مهمة جسيمة، حدّقت إليه مصوّبة البؤبؤ في البؤبؤ، وليس الكلام
بأبلغ مما وصل العين من العين. وأكبّت
تقرأ بنهمٍ، قبل أن يطرأ طارئ فينكشف أمرها، أو تضطر إلى إعادة الكتاب، وهو أمانة
عندها، وتمعنت دهشة: -:
(… وأمسك ثلاثمئة ابن آوى، وأخذ مشاعل، وجعل ذنباً
إلى ذنبٍ، ووضع مشعلاً بين كل ذنبين في الوسط، ثم أضرم المشاعل ناراً، وأطلقها بين
زروع الفلسطينيين، فأحرق الأكداس والزرع وكروم الزيتون…). -:
العمى..!!. شهق
والدها وحشرج، هبّت إليه، أمسك يدها واجتسّ رسغها، ابتسم لامساً وجنتها، ثم قطّب،
ابتسم ثانية ثم تجهّم، فرد قسمات وجهه فانقبضت، جعل طاقته برمّتها في عضلات وجهه،
فلاحت انفراجة كسلى على أساريره، حينئذٍ نبس: -:
ضيف الله كان واثقاً من كلامه عن "مائير"، وهناك غموض رهيب؛ فثمة من
دبّر ميتتهما في الليلة ذاتها، وإلا فإنها مصادفة جدّ عجيبة. ثقيل عليك ما تسمعين،
لكنها أمانة احرصي عليها، لعلكم تمحّصونها ذات مرة. قمر.. ظلّي شامخة، ولا تتخذي
لك رجلاً، إلا أن يكون نضراً في القلب؛ من رتبة الحب ومرتبة الشغف، وقلبك في هذا
وحده الحكم. أملقتنا الخطوب فلا تفرّطي بنبضة من قلبك. بنيتي.. فرسك
"سيمازه" أصيلة مثلك، فلا تدفعي بها إلى مهانة. قمر يا غالية.. اعلمي أن
"نور" عشقي الأول، فانظري إليها ترين بعضي فيها، قولي: هذه التي مات أبي
وهو مغرم بها. تمتم
بالشهادتين، وانطفأ ألق الحياة في محياه. لم تبكه. ظلت ذاهلة برهة، تنظر إلى الجسد
المسجى؛ كجذع سنديانة رمته ريح قاصفة، وتقرّت على قسمات وجهه مالا يمحوه الصمت،
فما كان بينهما أكبر من النسيان. طبعت قبلة على جبينه العريض، وتملّت تينك
العينين، كأنّ مشاعرها تلج هاته الأحداق إلى الأعماق، قبل أن تسبل عليهما الجفون،
وهمست وهي تقبّله عند حبل الوريد: -: "نور" سرُّ عمرك ولم ألحظه؛ وأنا
منك كحبل الوريد.!!. يا لجبروت العماليق.. أيها الرجل البسيط.!!. |