البشر.. وحتى الشجر.!. - سامي حمزة

رواية - من منشورات اتحاد الكتّاب العرب دمشق - 2001

Updated: Wednesday, September 17, 2003 04:46 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

10

10‏

وقعت الواقعة، وحدث ما ظلّت تهجس به منذ أمد، صمتت مسلّمة منذ لحدوه، وما برحت تردد في ذاتها المقفرة:‏

-: (ها أنذا بعدك بلا أحد.).!.‏

عزّاها، وذكر أنه افتقده، فقد كان أميناً؛ أنيساً طيب المعشر، وأغدق عليه من حسن الشمائل الأجمل، ونسب إليه مالا تعرفه حتى قمر.!. بعضهم تلفّت إليها غير مرة، يكاد يقفز من أفواههم وعيونهم السؤال:‏

-: (أكان منه هذا، ونحن لا ندري.. عجبٌ عجب.!؟!.).‏

تابعته منصتة، وعلى طرف فمها بسمة مبهمة، تكاد لا تظهر، برغم أنها تنزّ سخرية، لا يتوه عنها من يدرك مبالغة الضابط عثمان، لاسيما أنه يغفل اسم أيٍّ ممن قد يُسأل عما يقوله، بينما أقسم وأغلظ الأيمان، على دقة ما يروي، وأشهد الشيخ الإمام مراراً، فلم يخذله، ودون أن يجزم، طفق يردد:‏

-: بلى.. نعم.. صحيح. أي نعم.‏

وتابع الضابط مؤكداً أنه ما أتى إلا بغيضٍ من فيضٍ، وحثّ السامعين على ذكر محاسن موتاهم على الدوام، وبين فينة وأخرى يباغت الشيخ الإمام، سائلاً:‏

-: مولانا.. ألا تشهد.؟.‏

فنقز من إغفاءته، مجيباً:‏

-: أشهد.. أشهد..‏

ثم استحلب لعابه متمتماً:‏

-: .. أنْ لا إله إلا الله.. أستغفر..‏

وعاود التماس إغفاءة تكاد تتبدد. وكادت قمر تنفجر ضاحكة، حين أردف الضابط، أن المرحوم أوصاه بها، ثم إنه لن يكتم مكانتها الحميمة في نفسه، وفيها شبه عجيب من أمّه.!.‏

اصطبرت، وسمعها من بجانبها تنبس:‏

-: يا لك من مدلّس.!.‏

فما والدها إلا واحداً من بضعةٍ يطويهم الموت كل يومٍ، سواء فقيد أهله، أو من لم يبق من شجرته أحد. وإنها تتقزز لقذارة يديه، فتلك أصابعه تقطر دماء الذين قتلهم غيلة، كوحشٍ لا يجارى فتكاً، وها هو يخرط مثرثراً، وهي تضغط اشمئزازها، كي لا تبصق في وجهه أو تتقيأ:‏

-: (تجمّل بما أُتيح لك أيها الضاري، فليس بين الوحوش قاطبة، أشد توحشاً، من آدميٍّ فقد إنسانيته مثلك. بئس حقيقتك؛ وبئس غايتك يفوح دنسها جيفة، كذوب أنت، ومحال أن أثق بك، ولأنك الأقوى فخذ امتدادك، وإني الأنقى؛ ولي أبعادي الأعمق، وشتان يا ذا المخالب). وذهب بعضهم إلى الإعجاب بموقف الضابط المتواضع، وغرّهم لغوه المتتابع، مكبرين أن يشارك في عزاء رجلٍ من عامّتهم، وتهامس بعضهم:‏

-: الكبير كبير، والتواضع زينة الكبراء.!.‏

ولفت انتباههم كيف أنّه ألحّ موصياً، أن يسمى مولودهم القادم باسم "داود".!. وكيف أنه لمّح أن تكون قمر وفيّة لذكراه، فتعطي اسمه لسّبطه منها، فهو بديد الحفيد، فنصيبها آتٍ لا ريب عما قريب، ولشدّ ما شدهم إذ ناداها:‏

-: يا أم داود.‏

فأثار زوبعة تساؤلات -لماذا "داود" بالذات.؟!. طرحوا ذلك ببراءة وريبة وطيبة واستنكار وثرثرة، وبعض الهزء أيضاً.‏

وتماسكت دون القيل والقال، مخفية ضجرها من كذبه ووجوده بينهم، حريصة على تخبئة أساها في حبة القلب. صحيح أنّ مرحها قد انجذر، بيد أنها لم تركن إلى الحزن المتفطّر، فليس لها على من هم حولها أن يحتملوا كربها، وفيهم ما يكفيهم ويزيد، وها قد ماتت طفلة بالتجفاف، ولحق بها عبد الغني الممسوس، ذاك الذي فقد عقله، مذ مزّقت قذائف عريف ألكسندر، زوجه وابنته وولديه وأخته، وهاهو نوح، لكأنه ثكل ببرذونه الأبرش، ولسوف يمضي حفتاً على قدميه، إلى ما شاء قدره.‏

اقترب ووقف قبالتها صامتاً، حتى قدّر أن أغلب الموجودين يسمعون ما يختم به مواساته، وبرغم أنه تداهى إذ أوحى أنه أخفض صوته، إلا أنه تكلم بنبرة لم تفت أحداً:‏

-: لا بأس سيدتي.. فإني مرجئ مسألة مالٍ تركته وديعة عنده، فليس الآن وقته. أشاطرك افتقاده، ولك البقاء من بعده.‏

حوقل.. ثم زجر الحوذي ليبعد العربة، فلن يصعدها تقديراً للفقيد، وطلباً لمثوبةٍ من تفكّره بالموت، وطفق يردد:‏

-: (ألهاكم التكاثر حتى زرتم المقابر..).‏

ابتعد ولم يعد صوته مسموعاً، أو أنه سكت دون ما بدأ.!. لكنه كان يدحض أقواله كلها، مفرجاً عما كتمه:‏

-: (كبّلتك بدينْ تعجزين عن ردّة، فيكون مهرك، وأنالك صاغرة، فإن أبديت حرداً، قسرتك بأسلوبي؛ وهذا مشتهاي ومنتهى مبتغاي، ولا مفر.).‏

والقلّة من حولها في حيص بيص، أولاء الذين همهم أمرها، وحسبوا أنهم أقرب إليها من غيرهم، وما بعضهم إلا فضوليين، جذبهم ذكر الوديعة، يرنّ رنيناً متنوّع الإيقاع، تردده الحواس جميعاً، ارتدّ لمعان بريقه عن مرايا صقيلة، في مخادع أُجيد إعدادها لضروب من الطقوس الخصوصية، وهاهو رمضان اللص ذو الأمزجة العجيبة، يقترب مندسّاً بينهم، لعل أذنه المرهفة تلتقط ما ينفعه، فهو أولى بوديعة الضابط وبمال أمثاله، الذين يكنزونه دون حاجةٍ أو إفادة، ولكثرة ما ردد مقولته هذه، صارت قناعته الرئيسة الراسخة فأمسى لصاً انتقائياً، مشروعة أفعاله، له في الحياة مثلما للساعين فيها من نصيب.‏

ولم تلبث الشائعات أن تناثرت.. العيون في ومضها تسأل، والآذان بانتظار حرفٍ يُنبس، فبحيرة الحزن الراكدة لُجبت بحجرٍ رماه الضابط فيها، فترك الرؤوس والأنفس مضطربة، ومضى لا يعبأ بالذي أحدثه؛ بل إنه مغتبط لعسعسة البلبلة، وقد دسّها في كلامه معسولة.‏

أية وديعة تلك وما مقدارها.؟. ومثله لا يحكي عن "براغيث ومتاليك".!. قيل إنها ثروة طائلة، وقيل إنها ما خصصته السلطنة لنفقات المسير. أين تخفيها النمرودة.؟. أكنت ووالدك تتشدقان بغير ما تأتيانه في الخفاء.؟.‏

هاقد افتضحتما، ويا لخزيكما.!. هكذا إذاً.!!. فالأب صاحب الضابط ذي المال، وابنته صاحبة الضابط ذي الفتاء. جاهٌ ومالٌ، وشابٌ بأول العمر.!. يا لنا من غُفّل.!. سقط برقعك يا قمر، وأميط اللثام عن لحية والدك البيضاء. فيا لسواد وجوهنا بعيبكما.‏

-: (أين أنت يا وحيد قلبي.. أواه يا كمال.؟!).‏

رأت الصبي حمزة فأومأت له، نظر إليها فبكى وطفش.‏

-: (حتى أنت يا صغيري.!.).‏

-: ما الذي تناهى إليّ يا قمر.؟.‏

شعرت كأنه أنشوطة المشنقة انحلّت عن رقبتها، بعد أن كادت تخنقها، حضنت الجدة نور ونشجت.‏

* * *‏

رضخ الضابط لرغبة "نتيفا" وصحبها، فخرير الماء في الجدول الصافي، مغرٍ إلى حدٍ لا يقاوم، والمكان مناسب لإحياء طقسٍ - بتكتمٍ يتطلبه ظرفهم - يعوّضهم عن عيد "الهانوكاه"، وقد فاتهم الاحتفاء به.‏

ناور مرؤوسه كمالاً، وأوجد ممرقاً لإصدار أمرٍ باستراحة في المرج قرب الجدول، لكن ارتفاع نقعٍ من جهة الشرق، ثم ظهور كوكبة فرسان على التلة القريبة، والتفاف جريدة من المسلّحين، وتقدم رعيل خيّالة من الشمال، ومن خلفهم بدت شرذمة مشاةٍ، وفي الجنوب وقفت ثلة متأهّبة، ودرداب طبل علا، كأنما ينذر بحربٍ ومقارعة، كل ذلك لفت الانتباه، ودفع إلى توترٍ وعدم ارتياحٍ. فهاهم في حالة حصارٍ، ثم سمعوا:‏

-: يا.. هوو.. أنتم هناك. عيروا آغا يأمركم باستئناف سيركم، والخروج من أرضه في الحال.‏

حاول الضباط عثمان تأليب الناس، واستنفر عسكره واضعاً الشر بين عينيه، شاتماً عيرو آغا، خصمه اللدود، بأقذع السباب، لكنه خنع إثر اطلاعه من "حمو" ابن الآغا، على كتاب صريح بتوقيع وختم والي حلب، يمنع العسكر من الحلول بأرض الآغا.!.‏

انزوى مجترّاً سخطه، وتراءت لـه أفاعيله المتكررة، وقد أذاق الآغا وجماعته المرائر.!.‏

ولم يستطع الضابط كمال إقناع "حمو" بشيء، إلا أنّ الوجهاء التقوا ابن الآغا، فأبدى تعاطفاً، متأثراً بأحوالهم المزرية، فنقل صورتهم إلى والده، ثم عاد بالجواب:‏

-: أما أنتم فعلى الرحب والسعة، وأما العسكر فـ.. لا.‏

حمي وطيس النقاش، واحتد الخلاف، بين رأس العسكر وجماعة الوجهاء. ووجد كمال نفسه على الحياد، في نزاعٍ حادٍ؛ بين صفته الرسمية، وما تمليه عليه، وبين خلجات الوجدان وما تأخذه إليه، وكان الفصل بين الناس وطوق العسكر، يحتاج إلى قرارٍ من صاحب قرار.!.‏

وآل الحلّ إلى الضابط عثمان، فسأل عن "ضيعات فوزي بك" فأحيط علماً أنها المتاخمة، وسيكونون فيها مع الغروب، إذا أغذّوا السير دون تلكؤٍ، ولا شيء يجعلهم يتباطؤون بشدّ الرحال.‏

فنظر ناحية قافلة "نتيفا"، ودمدم:‏

-: (لكأن الحظ يحالفكم أيها الأعزاء، بقدر ما يجافي أولاد الكلب هؤلاء.).‏

وجرّ الناس أرجلهم المتعبة إلى هناك، والشمس تمارس طقسها المألوف، منسحبة بتؤدة عن أطراف النهار.‏

* * *‏

-: هي ذي حالتي يا أمي نور.‏

-: هكذا إذاً .!.. سليمان... تعال.‏

أتاها عجلاً، فأعلمته أنها تريد الحكيم إدريس على انفراد.‏

وانفردا في عربتها، وأمضت الدرب معه مستفسرة، تسأل مستفهمة تنصت مستوعبة، تستوضح.. تستمع. فأدركت معرفته بحال جثة الميت مسموماً، ووجدها مطرقة متسارعة الأنفاس، سادرة العينين، تداري كآبة داست تجبّرها ووطئته، وصمتها مطبق عميق... فتركها ومضى دون أن يفهم ما تنوي، وظلّ راغباً لو سألها سؤالاً ليس سواه. ولمّا يزل منشغلاً بحال الجندب النطاط لأتفه الأسباب، وبعض الطير تُقتل حاضنة بيضها، راقدة عليه والخطر يحيطها محاصراً من فوق وتحت، وباقي الجهات.!!.‏

وتضيّفت الشمس غرباً، تستعد لقضاء الليل والمبيت الحالم؛ أو السهر مع حبيب الروح والقلب والعين. تتحفى عن أقدام مخضبة بحناءٍ ليلة العرس، تبدّل ثوبها، فتستحم بمنقوع أوراق شجر الجبال، حملتها معها مخلوطةً بقرمزٍ وتوابل الشرق، تعطر به جسدها، وترشقه على عتبات مخدعها المترف.‏

* * *‏

-: وأنت.. أيها الماء.. أي سرٍّ فيك.؟!. رقراق سلسبيل، تناتل النبت على جانبيك، تنوّع وتشكّل أشكالاً وتلّون، قصب ونعناع الماء وسماق، والبقلة الحمقاء، وأقاحٍ تمجّد مبدعها، ونجيل مجدول، وعشب غض، ومرج لا تضاهيه سجاجيد قصور الأكاسرة والقياصرة والأباطرة.!. الطرخون حيثما كان والنفل، وحشائش وأزاهير لا تخطر على بال؛ عصيّة على الخيال.!. وفي الخصور الهادئة شبه الراكدة، يستحم النّيلوفر وروداً وأوراقاً جدّ عريضة، طفت مستجمّة. إنه يعشقك يا نهر، فحياته منك وفيك، يتبرّج لك ويزيّن نواحيك، وعلى حافتيك تتباهى نبتات الحلفاء والبردي، ترنو إلى الصفصاف والدردار، وأعشاش طيور على الأفنان، سجع القمري يهاتف زقزقة عصافير، وتغريد تنغّم به طير تنوّع شكله ولونه، وبعوض يطنّ وذباب وجنادب وفراشات، وضغيب أرانب تتربّص بها بنات آوى، وضباح ثعالة تحاور ثعلباً هناك، كأنما تدعوه ليتيقظ لبطيطة بطات سمان؛ غائصات عائمات فيك جماً وضحلاً.‏

ويدعو إلى العجب، نقيق متقطّع متناوب متواتر مختلط متواصل، متوحّد محتد، كأنه لمخلوق خرافي هائل، تزداد شدّته كلما اقترب المرء منك. عجيبة شبابيطك وحيّاتك وسلاحفك، وأعجب منها ضفادعك المخضوضرة. أيمكن عدّها.؟. أهي آلاف.؟. أم أنها أكثر من الحصى.؟.‏

سألوا عن اسم النهر، فتفاصح "الأومباشي" قائلاً:‏

-: تلك هي الضفادع تجيبكم.‏

فبدا كلامه مسخرة، لم يغضب. إنما دعاهم أن يضبطوا إيقاعها.‏

-: (قويق.. قويق.. قويق..).‏

-: بلى.. إنه نهر قويق.‏

تناققوا مقلّدين، وأضحك بعضهم بعضاً، وراحوا يتراشقون خائضين، مراقبين طائر القِرلي، وهو يخطف صغار السمك بحركة رشيقة، ثم يذهب إلى حيث يزدردها مطمئناً.‏

وأمسك بعضهم السرطانات، قاذفين بها إلى الشط، مراقبين مشيها الغريب إلى هذا الجنب أو ذاك.!. والأومباشي يداعبهم:‏

-: أيها العلاجيم.. كأنكم ذكور الضفادع والبط.!. حذار أن يجرف الماء أحدكم، فيصل قبلنا إلى حلب.!.‏

وراحت النسوة يملأن الأكواز والجرار، مستمتعات بمجمل ما يحيط بهن، ونبهتهن جلبهار إلى بقبقة أوانيهن في الماء، وعقعقة ذاك الطائر المسرع بطيرانه فوقهن وفي أنحاء الأجواء، ومدى تشابه الصوتين:‏

-: بلى.. إنه طائر العقعق.‏

تنفّست أمينة بعمق وهتفت:‏

-: تبقى الحياة جميلة مهما كان.‏

وتنهّدت "أُلفت" متحسرة وقالت:‏

-: لو ما بلّدوا مشاعرنا، ومسخوا أحاسيسنا.!.‏

ودغدغت قمر عزلة هوريك قائلة:‏

-: إن لم يكن من وقت للسرور، فلا وقت أيضاً للحزن. نفّسي عنك أيتها الجميلة هوريك، وها نحن معك نحاول الرضى بالنصف المملوء من الإناء.‏

قفزت أمينة إلى قمر تعانقها بلهفة وود، لكأنها عليلة برئت من مرضها للتو.‏

***‏

آنئذٍ بدّلت قافلة " نتيفا" وصحبها مكانها، ملتفةً شمالاً، منعطفةً حول مجرى النهر، وإلى بعدٍ، لا تسمع خلاله إحدى القافلتين أصوات الأخرى، وتلك هي تستقر قرب قصرٍ موقعه غوطة غنّاء، بين أشجار الدغل المحيط بـ "قناق" فوزي بك.‏

اطمأن الضابط عثمان إلى أن "البك" فهم رسالته، وهو بهذا قرن القول بالفعل، مؤكداً صدق حماسه المفرط، كلما جمعهما المحفل.‏

بينما أمضى الناس مساءهم يشوون الأسماك، وكميات هائلة من الضفادع، وقد هدتهم هوريك إلى طريقة تحضيرها، فجعلتهم يتخمون بعد ضور...‏

وهناك، أقام "البك" احتفالية لنتيفا وصحبها، وأوقدوا "المنورة -الشمعدان"، ولبسوا القفاطين والمعاطف الثقيلة، وأردية عباءات "الظلت"، والقلانس الوبرية السميكة والزنانير، وعلى رأسهم الحاخام، بقلنسوته المثبتة على مقدمتها حلية ذهبية، محفور عليها "مقدس الرب"، مخيطة بخيوط الحرير البنفسجية، يحفّ به الحزّان ونافخ البوق وخادم المعبد وحارسه، فأخذ من خزانة -قدس الأقداس- التلمود وسفر أستير، وقرأ منهما على رؤوس الجمع، لكأن المكان تحوّل إلى "كنيس".!.‏

وفي الجانب الآخر أعدوا مائدتهم الخاصة، من "المنّ" مما خبؤوه من إفراز ذاك النبات السكري، وأضافوا إليه "السلوى" من طيور السُماني والفِري، وقد وفّرها فوزي بك بكميات كافية، بينما علّق "شُوحِيط؛ المأذون لـه بالذبح"، ذينك الكبشين، ورأساهما إلى أسفل، فذبحهما وغطى آثار الدم بالتراب، وتولى مساعدوه السلخ والطبخ، فبذخت المأدبة حافلة بالأطايب، فخر "البك" بها، لكن متعتهم منقوصة لتخلّف الضابط عنها، فوافقوه مجاملين، وتلمّست نتيفا له عذراً، فهو يغطي عليهم، ويلهي الأعين عنهم، فموقفه دقيق الحساسية، ومهمته عظيمة الصعوبة.‏

وأطنبت أستير بمدحه، مثمّنة مقامرته بحمايتهم، ريثما يبتعدون عن وجار الضبع.‏

قال صموئيل:‏

-: ضبع وجراء وجيف، هكذا هم، نخنعهم؛ بل نطهّر البسيطة منهم.‏

ردّ هيلل:‏

-: ولكنهم أغلبية كثيرة.‏

-: حين نعطب الرؤوس، لا أهمية للحثالة المتبقية في القعور، فنسخّرها للخدمات الوضيعة، أما العليا فلا يرقى إليها إلانا‏

كبتت (نتيفا) غيرتها؛ إذ لمست في كلام أستير مؤايدة، لكنها لم ترتح لطريقتها في الإطراء، وتمنت لو جاء ذلك من آخر، ولحظت أستير غيرة غريمتها، فناكدتها وجعلت من سيرة "كاهانا" مآل حديثهم، على أنها أقربهم إليه، وهي فرصة لم يفوّتها "البك"، فزايد ممتدحاً الضابط واصفاً إياه بالصديق، أما فعله فلا يتعدى الواجب، وإلا كيف لـه أن يكون من جنود (يهوه)، مخلصاً ليشوع وتعاليم التلمود.؟. وحمس حتى كادوا يحسبوه حبراً من أحبارهم الكبراء.!.‏

* * *‏

-: ... نعم.. هذا ما أكّده قبيل أن يسلّمها.‏

بذا ختمت قمر مكاشفتها، فوجم الحاضرون، ونظر حمزة وتوفيق أحدهما إلى الآخر، وفي عيني كلٍّ منهما نمٌّ صريح عما كبتاه طوال الفترة المنصرمة.‏

وتكررت في ذاكرة توفيق لحظات قصقصها ذهنه من مجمل أحداث ذاك اليوم المشؤوم، فبرزت له لحظة نادى أبوه ذلك الرجل:‏

-: (مائير.!.).‏

دقّت الجدة نور بعصاها، فطبطب الديك جناحيه، وصاح صيحة واحدة، ثم اعتلى طرف الخيمة، محركاً باصرتيه في الجهات، واستمرت الجدة بدقاتها، كأنها تزيح شكاً عن يقين. لحظتئذٍ أشاحت هوريك وجهها رابطة خيطاً بخيوطٍ، صورٌ تقاوم النسيان، تجرّح الذاكرة وتخدش الوجدان، تفتق ما كاد يندمل.. سلعة في ماخور التاجر النخاس.. قضم الحلمة.. وليلة القبض عليها، إثر محاولة هربها من "قناق" أحد البكوات.. الحراب المشرّعة كشوك القنفذ.. بطنٌ تُبقَر.. جنينٌ يندلق ساقطاً كومة لحمٍ يختلج هنيات.. الحبل السري يتأرجح بين رحمٍ ومحتواه. كان ذكراً.!. وكان أبوها وافقها أن يسموه "هوسيب"، و "سيرانوش" إن كانت أنثى. وتكاثفت في مخيلة الحكيم إدريس، مجمل حيثيات السويعات التي سبقت وليمة الضابط، باسم الشيخ الإمام. تلك التي حمس مصراً على إقامتها، وموت ضيف الله على إثرها، والحرج الذي عرّى مفاصلهم لعين متقصدٍ، بأن يضعوا صليباً على قبر "القندلفت"، أو لا يضعون.!.، كانت إشارات متتالية، إنما الملامة على صفاء سريرة، وطيبة قلب إلى حد الغباء.!. أواه من الظن بالآخرين كحسن الظن بالنفس.!.، إلام النظافة في زمن لوثته القذارة.؟.‏

وقتئذٍ كان الإسكافي يعقوب يجوب المكان، رافعاً عقيرته بقولٍ طالما كرره:‏

-: أيها الأنقياء من البشر، تزنزوا بجذوركم مثل الشجر، وقت الأعاصير والمحن.‏

سأل رشاد:‏

-: أيها الحكيم. أمتأكد أنت.؟.‏

-: سترون العلامات ذاتها على الجثتين.‏

-: جثتان.؟!.‏

-: أي نعم، فإن كان ضيف الله مات مسموماً، فإن مائير -القندلفت- مات بالسم أيضاً، وبالتالي فإن تلك الأمارات إن ثبتت، تجعلني أصر أن القاتل واحد. وثب توفيق كنمرٍ غاضب وصاح:‏

-: الويل له.. سأقتله، ابن الحرام.‏

أمسك به رشاد وعبد الله، وأجلساه، وطلبت الجدة نور أن يهدأ، ثم قالت:‏

-: دعونا نجعل الخيوط تتجمع في عقدة واحدة، فلا سبيل للتهوّر، والأمر برمته يحتاج إلى دهاء.‏

هتف الصبي حمزة:‏

-: تذكرت.. إنها هي. أتتنا هناك وسألت. لم أعد أذكر عمّ سألت.‏

-: عمن تتكلم.؟.‏

-: نتيفا.‏

-: القديسة.؟!.‏

-: لم تكن قديسة. أقصد لم تكن ترتدي حلة القديسة.‏

-: متأكد يا ولد.؟.‏

-: نعم، وأقسم.‏

-: ما معنى ذلك.؟!.‏

قال سليمان:‏

-: هذا خيط آخر.‏

سأل إبراهيم:‏

-: أتذكرون الشمعدان والكتاب.؟.‏

نظر بعضهم إلى بعضٍ، وفي عيونهم ماهو أوضح من الكلام.‏

قال إدريس الحكيم:‏

-: لو تسنى لي معرفة إن كانوا مختتنين.؟.‏

ردّ رشاد:‏

-: هل أراقبهم إن اغتسلوا في النهر.؟.‏

-: حاول.‏

-: ما الذي ذهبت إليه أيها الحكيم؟‏

-: أشك بنصرانيتهم.‏

-: ليس يهمنا ذلك في شيء.‏

-: ولكنه خيط قد يحل اللغز.‏

-: علمتني الحياة أن حل الألغاز، تزيد تعاسة الضعفاء أمثالنا. يعرفون.. ولا يقدرون، وفي ذلك متعسة.‏

-: ما الذي قلب الأوادم إلى وحوش.؟. وما الذي جعل القتل هيناً، وصيّر الدم مألوفاً.؟. وإزهاق الأرواح فعلاً يومياً.؟.‏

ردّ الحكيم إدريس متأسياً:‏

-: كأنها علل شيطانية. أتساءل: أهي حرب خفيّة.؟. مريعة تلك التي تناهت إلي، في سفري إلى وارسو وإزمير وبوخارست وأدويسا.‏

سأل رشاد متعجلاً:‏

-: وما ذاك.. أفصح.؟.‏

-: الأطفال الذين أخذوهم من أهليهم، وضعوهم في مراكز تدريب سريّة، محوا فيها ذاكرتهم الطرية، وجعلوهم آخرين، جنوداً أجلافاً يحبون بنادقهم، يبيدون الخلق، بمن فيهم ذويهم، كأنهم يصطادون الأرانب.!..‏

أكد سليمان أنه قرأ عن مثل هذا، إبّان دراسته، وأنهم بعثوا من هؤلاء، إلى أولئك، ومن تلك البلاد إلى غيرها.‏

-: إنهم مسوخ لا يمثلون أصولهم.‏

-: تقول ذلك جزافاً، بينما يمشي أولي الأمر بالنميمة، فيوغرون صدور المجني عليهم، على أصول أولئك المسوخ.‏

-: هذا يعني أنهم يعترفون بحقيقة أولئك الأدوات.!.‏

-: ليس اعترافاً بالحقائق المخفيّة، وليس لردّهم إلى أهليهم. إنما..‏

-: اللعنة.. شرٌ جاسوا به شراً.!. إنها الفتن ونعر العصبية.‏

-: قد يكون بين العسكر ممن حولنا، من هم منا.‏

-: وربما بعضهم من ذوي هوريك.‏

-: ومن أهل مريومة، ومن بلد الضابط كمال. ربما..‏

-: ليسوا كلهم على ذاك المنوال، فثمة آصرة تربط غالبيتهم بآباء وأمهات.‏

-: صحيح.. فمنهم من له أهل يعرفهم، ويقتله الشوق إليهم.‏

-: "القابي قول" لا يعرفون سوى أنهم عبيد السلطان.‏

-: ولِمَ تذهبون بعيداً.؟. دونكم تبديل أسمائنا.‏

-: وهل نسيتم السّكيت.؟. ذاك هو.. انشقّ عنا، وأمسى أداةً طوع الضابط التمساح.‏

نبر سليمان غاضباً:‏

-: سافل. رخيص. حقير.‏

نظرت الجدة نور إلى حفيدها، نظرة إشفاق مترعة بهزءٍ ومرارة، ونبست:‏

-: أحقاً.!.، وكيف إن دللتك على من هو أحقر منه.؟. قلبي يحترق أيها الغرير، وفي فمي وحل.‏

همست أمينة في أذن قمر:‏

-: أخشى أنها قصدتك، فالسِّكيت على غرامه بك، لم تأبهي به، ولعلها ترى أن ذلك سبب ضياعه.‏

-: الحق معها إن عنتني حسب ما تهجسين، لكنها قصدت ابنها الوجيه.‏

استدرك إبراهيم قائلاً:‏

-: بعدنا عما بدأناه، والمشكلة قائمة.‏

-: بل نحن في صلبها، فهذا من ذاك، ولعلنا لمسنا ما أرجأناه طويلاً.‏

امتلأ فم الحكيم إدريس بسؤال ملحاح كبير، رغب أن يوجهه إلى الجدة نور، لكنه تريث فأرجأه.‏

-: والآن... ماذا ترون.؟.‏

أعلنت قمر أنها ستقرّ للضابط بالمال، فحدّجتها عيون ثبّتتها الدهشة!‏

-: نشّفت أرياقنا، أيتها النمرودة، والمال عندك.؟!!.‏

-: لا مال ولا صداع يفجّ رأسه، وإياكم أن تصدقوا خرطه.‏

-: فكيف إذاً تقرّين به.؟!.‏

-: أيّدوني، وسترون حقيقة مغيبّة.‏

قالت الجدة نور غامزة مبتسمة:‏

-: ثقوا بها، فهي شموس لا جدل، لكنها صادقة.‏

-: والضابط التمساح ليس سهلاً.!.‏

-: لذلك أريد الضابط كمالاً معنا.‏

سأل إبراهيم:‏

-: أية أفكار شيطانية تحرّك رأسه نحوك يا قمر.؟.‏

-: ها نحن نسعى لنعرف ذلك. حمزه.. اذهب إلى الضابط كمال، أخبره أننا قادمون بأثرك.‏

كان رمضان اللص، نوى أن ينهي المسألة، قبل أن يقرر أولئك الحمقى، إعادة الوديعة، إلى ذاك الضبع الأغبر. فتّشَ ونبش، قلّب كل ما حوته خيمة قمر، استشاط وشتم، أعاد الكرّة دون طائل، فحنق وتسلل مقهوراً.‏

وكان الوجهاء وبضعة عشر رجلاً متحلّقين، والشيخ الإمام يشرح، وعمر ابن إدريس الحكيم يقرأ، عن سراقة بن عمر، وسلمان بن ربيعة الباهلي، وكيف أنهما حملا الرسالة من أم القرى، إلى ذاك الشمال القصي، جلس رمضان متطرفاً ضجراً، بينما الوجيه عبد المجيد يسأل عن الهجرة إلى الحبشة فأسهب الشيخ وهم منصتون، فانسحب بهدوءٍ. مشى. حبا. زحف، راقب، غافل ودخل الخيمة، نظر باحثاً عن موضعٍ لم تصل إليه يده، فوجد أنه ما قصّر في المرة السابقة. تناول بعض ثيابها وآثارها، قلّبها، شمّها، ضمّها، عضّها، استنشقها، شعر بنارٍ تتقد في كيانه، اختلج محموماً، خرج كيفما اتفق، تعقّب شباناً تسللوا خلف النهر، حيث رايات حمر فوق بعضٍ من عشرات الخيام هناك.‏

***‏

وكمن وضعوا قدميه في حذاءٍ ضيّقٍ، وجد كمال نفسه بينهم محرجاً. اتَّضحت الصورة أمامه بتفاصيل مرعبة، فوقف مشتتاً بين نوازع فكره وقلبه وبزّته التي تكبله، فبدا متصدعاً مشطوراً، وإرادته منغلقة بأغاليق عصية، فما الذي يفكّ أغلاله ويدفعه لإطلاق مشاعره، فيعمل بأفكاره.؟..‏

وإلى هذا رأى نعمان أن العقبة الكأداء في بداية تفككها، ولا بأس، فكلٌّ منشغلٌ بما يهمه، ولعلها الحياة أفاقت عائدة إلى مجراها، تروح بالناس إلى مشاربهم في تشعباتها. هناك تستحم جلنار مغنيّة، وفتيات يتنظّفن مرددات معها:‏

-: (في الجدول الصافي اغتسلي.. في الجدول الصافي‏

حذار من عيني الراعي البراقتين.. حذار حذار).‏

وجوقة البياطير انزووا في خصر منعطف النهر يستحمون منتعشين، وعزيز مروّض الخيل، ذاك هو.. ينسى نفسه وينظف حصانه "الكبرديني". يغسله، يضّمخه بنبتاتٍ خاصة. وأولئك عدة أنفار يتحينون الفرصة الأنسب ليفروا إلى أهليهم في جنديرس ومنبج وجرابلس...‏

هذان وذاك وهؤلاء، كلٌّ مشغول بحاله، وتلك زوجة ضيف الله تحاور مشاعرها المغمودة، يتراءى لها الأبهى.. الأجمل.. الأصفى.. الأنقى، الأقرب والأبعد، أواه.. قد مات.. ذهب بلا عودةِ.. تلك حاجاته وسرج حصانه، وها هي ذي عيناه تحدقان، فيهما قوة ألق محرج، نظراته جذّابة تبعث الخدر فيمن تقع عليه، تحرّض على نعاسٍ لذيذٍ. عشقته عشية قدومه وأحبها، تعايشا عمراً؛ وما أثقل عليها بشيءٍ، لم تعرف لِمَ جاء ومن أين.!. ولم تقطع عليه شروده المتكرر. تنتابها الآن ندامة، فهي لم تعرف اسمه الحقيقي قط.!. أتى ضيفاً، وها قد مضى مثل نسيم لطيف. سألته مرةً علام يطيل النظر إليها ويطول شروده.؟. ظلَّ محدّقاً في وجهها؛ ثم ابتسم دون أن يتكلم، وبعد لأيٍّ قال لها دون أن تسأله:‏

-: (واجهتني أسباب الموت كلها، كل منها يفني رهط رجال، وبأم عيني رأيت أنواعه، كل نوعٍ مرٌّ زؤام. وها أنذا أراك سبحان من أبدعك، فكيف لا أتفكّر بالذي أحسن ما خلق.؟!).‏

لا شيء مما قالوه أو قرروه الليلة، يبدّل من حالها، وما نووا لا يقدّم ولا يؤخر، فالضيف نسيم الروح نأى، وما من شيءٍ يعوّضها فقده.‏

-: (نعمان.. ما هذا.؟. هذيان.!. حقيقة.!. أم هو جنح خيال.؟. أهي بذرة قصيدة يكوّنها خيالك.؟. أم هي صورة تراها وكلام تسمعه.؟. أرأيت وسمعت فنسجت من لدنك ألوانها.؟.. أنائم أنت أم يقظان.؟.‏

أو ليس ذاك الضابط عثمان.؟. يبدو حذراً، يسرق نفسه ممن حوله، ويدفع كبير الطهاة قبله، تلفهما الظلمة فتخفيهما. ومن ذاك وتلك.؟. عاشقان يبحثان عن لوذةٍ.!.‏

ساهرون ونيام. لاهون ومتعبدون. صامتون وباكون. متألمون يئنون ومرحون يثرثرون. أهذه رؤيتك أم رؤياك في صحوة أم غفوة يا نعمان.؟.‏

وما بال أبهى تتقلّب.؟. تحثّك لترقد متدثراً، تنبّهك إلى برودة آخر الليل. أتحلم أم هي مشغولة بواقع الحال.؟. إذاً ليست رؤيا خالصة.. إنما الحياة في مسارها، كما الماء في مجراه.).‏

دثَّرته فوسَّدها ذراعه، فأغمضت عينيها حالمة أن تطفل.‏

***‏

سامرهم الضابط عثمان ونادموه، وكان محطّ الأنظار، متيقظاً يسمع الهمسة ولا تفوته حركة، حريصاً على مكانته، مؤدياً ما يدعّم أبهته، ممتثلاً للشعائر، جدُّ رهبوت، وإن علاه بعضهم درجات على سلم الصعود، وما فتئ يؤكد لنفسه، أنّ الاستقرار في حالة ما، لا يعني عدم اختراقها مزاوغة.‏

وبدا واضحاً لكمال أنَّ لجوءهم إليه، أكد مكانته عندهم. سرّه هذا، وحريّ به أن يظهر شهامة حيال ذلك، بيد أنه ردد في داخله:‏

-: (الشهامة والشجاعة لا تفترقان، والشجاعة والسعادة لا تترافقان).‏

حاول تذكر أين ومتى قرأ هذه العبارة، ووجدها معبّرة تماماً عن حاله الآن، فلم يتخذ موقفاً حاسماً، وأمضى وقتاً مستمعاً، يصبُّ لهم الشاي. تحدثوا متحمسين، أبدوا اندفاعاً، ومضى بعضهم إلى حدِّ الانفعال على حافة التهوّر، ولم يعد في حاجةٍ للتأكد من أن عثمان عالَ عليهم عَوْلاً جائراً، وها هم يحسون بالمظلمة إحساساً مريراً، واطمأن إلى صدق مشاعرهم، لكنّ أغلبهم لم يرجح العقل، فوجد نفسه يمتص فورتهم رويداً رويداً، فإن جاراهم فالعاقبة عليهم، أكثر مما يمكن أن تأتي لهم، وفي هذا رأى بعضهم أنه غير متحمسٍ لهم كما ينبغي. توقعه بعضهم مندفعاً، فلم يرقهم أخذه الأمور برويّة، فخابت بعض آمالهم، كأنهم ما انتظروا إلا أن يشهر سلاحه، فيلقّمه، ويضع الضابط عثمان إلى سارية، يعصب عينيه قائلاً:‏

-: (حكمنا عليك بالإعدام رمياً بالرصاص).‏

"طاخ.. طاخ.. طاخ."، ويخرّ صريعاً، فيلتفت إليهم قائلاً:‏

-: (ارموه للكلاب).‏

ويمضي ماسحاً بندقيته، نافخاً في ماسورتها، لا يلوي على أحد.‏

ومنهم من غالب نفسه وإن تململ، فلا يكون ما يندم عليه فيما بعد، فالتريث معقل من خطل، أو هكذا عللوا أنفسهم، ثم إنه ليس بأخٍ أو شقيق، أو ابن عمٍ لازم ملزوم، فلا يُطالب بما للجذع على الفرع، أو ليس هذا التعليل أهون من خيبة الرجاء.؟.‏

لاحظت قمر برودة منه لم تعجبها، ولمحت غلالة عدم الرضى في عيونهم، نمَّت عن انكماش قلوبهم نحوها، فتحيّرت مُحْرَجَةً، وشطّت مشاعرها إلى حدِّ أنه ليس الذي أمَّلتهم به.!.. تصارع داخلها وحمي أوارها، وانفلت جموح عواطفها:‏

-: (ما الذي تفعله بي أمام أولاء العميان.؟!. إني جعلتهم يغبطوني -إن لم يحسدوني- لانحيازي إليك. أتدعهم يتقوّلون إن الحب أعماني عن عيوبك.؟. أو أن المشكلة كشفت معدنك. لِمَ وضعتني وإياك موضع شماتة وشك.؟. أية خيبة؛ بل أية فجيعة تهدّني وتدمّرني؛ إن كان قرارك سلباً.؟.. حين مات أبي بتُّ بلا أحد، فهل حقاً بتُّ بلا أحد حتى أنت.؟.. فإن لم تكن كما أنت في قلبي، يطير عقلي، انضمّ إلى الممسوسين، أنوح كما لم أفعل، أُقيم مأتماً وليعزيني الناس بك وبقلبٍ أحبك. أم ترى أقتل نفسي فلا يدري مخلوق أنك السبب.؟.. قل شيئاً، لا تبقَ كسيفٍ في غمده.. تجرّد.. المع.. أسمعهم صليلك، لا تدعهم يرونك مثل الضابط عثمان سواء بسواء. اجعلهم لا ينظرون إلينا تلك النظرات الشزر، كأنهم وقفوا علينا بفعلةٍ شنعاء.!. اجعلني أندم على شكي، ارفع رأسي فإنه يتطأطأ. تكلم.)‏

قالت الجدة نور داقة عصاها، دقات نفاد صبر:‏

-: أراك أطلت التفكير أيها الشاب.؟.‏

حينئذٍ تهيأ كمال متأنياً، وبصوت جهوري قال:‏

-: أغلب الظن أننا بحاجةٍ لمزيدٍ من التمحيص.‏

-: أهذا ما تراه.؟.‏

-: وأتوق لمعرفة رأيك.‏

-: دعني أعرف طريقة تفكيرك.‏

-: لا بأس.. يبدو أنَّ مَنْ أوْصل الأمور إلى هذا التعقيد، لم يتسرّع، بقدر ما جّهزها على نارٍ هادئةٍ، بعناية فائقة، ولم تأت خبط عشواء. ما قولك.؟.‏

-: أكمل.‏

-: حسنٌ.. لعل مواجهته تكون صائبة، إذا ما رتبناها بالأسلوب نفسه.‏

-: ما قلته يرضي العقل إلى حدٍ كبير، فالذي دبّر ما حدث، ذكي لا شك، تراه أمعن نظره فيما يفعله، في حال كشف أيٍّ من خططه.؟.‏

-: الاحتمال كبير. وإلا فإن احترازنا ليس خسارة.‏

قال عبد الله:‏

-: إنك تعرفه حق المعرفة، أليس كذلك.؟.‏

ابتسم كمال وعقّب بهدوء:‏

-: نعم أعرفه، وربما لا أكون عرفته جيداً. لذا أقترح أن نعيد النظر بمجمل ما نعرفه عنه؛ من غير أن نهمل صغيرة، ولا تربكنا كبيرة.‏

هزَّ الحكيم إدريس رأسه مؤمّناً مؤيّداً. وسأل إبراهيم على حين غرّة:‏

-: أيها الضابط كمال، أصدقنا.. ألست تكرهه.؟.‏

ردّ كمال بوضوح:‏

-: لم أستطع أن أحبه.‏

-: أتعتبره عدواً.؟.‏

-: دعونا نبحث إلى أي مدى جعل من نفسه عدواً لنا.‏

ضربت قمر على جبينها وأطرقت خجلاً، وفي حلقها غصة ألم، تلوم نفسها على ما دار في رأسها، عن هذا الذي ما نطق إلا بعد تمحيص ورويّة.‏

سألتها أمينة همساً:‏

-: ما الذي جرى.؟.‏

-: حمارة أنا.. تسرّعت.‏

دقت الجدة نورٍ بعصاها على طرف المنضدة وأعلنت:‏

-: فلنبدأ.‏

تحركوا وهمّوا، وكادوا يشمّرون عن سواعدهم، تنحنح بعضهم، وتحسس أحدهم سلاحه. لاحظ كمال ذلك، فصبَّ الشاي للجدة نور وسألها مبتسماً:‏

-: لن تقبلي أن نبدأ بخطأ. أليس كذلك.؟.‏

ردّت كوب الشاي إلى موضعه ونبرت:‏

-: أوضح.‏

-: وجودكم في خيمة ضابطٍ، ليس محبذاً، لا سيما أنّ التهم جاهزة لدى الذي لا داعي لذكر اسمه، ولستم غافلين عن عيونه من حولنا. هذا عدا تأويلات وجود إناث ههنا. أليس كذلك يا قمر.؟.‏

هبّت نحو الباب قائلة:‏

-: إني آخر من يحق لها أن تتكلم.‏

همّت بالخروج، فمدّ ذراعه كحاجزٍ دونها والباب، وهتفت الجدة نور عن قناعة:‏

-: رؤية أنثى خارجة من عند عازب في ظرف كهذا كارثة.‏

هبت أمينة لمرافقتها، فنبرت الجدة نور بهما:‏

-: يقول من في نفسه مرض، إحداكن قوّادة.‏

صراحة الجدة نور جارحة، كما يراها الحكيم إدريس، إلا أنها لا بدّ منها، فليس الوقت يناسب أية مجاملة، وقعدت قمر قرب الباب كاسفة ساخطة تلوم نفسها، واستدرك رشاد محاولاً تجاوز العقبة:‏

-: إذاً نلتقي عند الحكيم إدريس.‏

وأضاف كمال:‏

-: أو عند الجدة نور إن استدعى الأمر.‏

حسمت الجدة نور الموقف بقولها‏

-: عندي، وعلى هذا اتفقنا.‏

قال الحكيم إدريس لكمال:‏

-: دعنا نستعيد الثقة بأنفسنا، ونبرهن أن في ضعفنا ثمة قوة كامنة.‏

رتّب كمال خروجهم، وجعلهم يذهبون في اتجاهات مختلفة، فلا يثيرون شبهة، وأوكلوا لعبد الله المراقبة، فلم يهدأ، دائراً حول الخيمة، متحفزاً، قابضاً على سلاحه، مستعداً أن يغرز سيفه قصير النصل في يربوع أو نملة، أو الضابط عثمان نفسه، فعند الجدة نور تتم الآن مناقشة الوضع، ورسم خطة.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244