البشر.. وحتى الشجر.!. - سامي حمزة

رواية - من منشورات اتحاد الكتّاب العرب دمشق - 2001

Updated: Wednesday, September 17, 2003 04:46 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

11

11‏

الطريق طويل طو.. يل، بطيء ممل ثقيل، وهو أثقل وطأة على أولاء، وما برحوا لأيامٍ خلت، ينتظرون وصبرهم يتساحق ويتآكل، أن ينطق الضابط عثمان تلك العبارة، فبقدر ما تحاشوها، صاروا يريدون سماعها. فليتلفظها كما يشاء، وبالنبرة واللهجة التي يختارها، المهم أن يقولها، فخطتهم برمتها مبنية على استجرارها من بين أنيابه، وإلا.. ما من سبيل للتحرش به.‏

-: سأذهب إليه.‏

-: لا. اربصي.‏

-: فاض بي.‏

-: اصبري.‏

ذهاب قمر إليه من تلقاء نفسها، قد يجعله يرتاب، وهو أكثر حذراً من عصفور الدوري، وليس مستبعداً أنه ينتظر ذلك، وربما بيّت ما لا يتوقعونه، وهيّن عليه أن يتواقح، أو يدعي أنها جاءته، عارضة عليه نفسها بدل المال، أو لشبقها وفحولته.!.. أما إن شعر، أو شك قيد شعرة، فلا يتوقع أحد كيف تنعكس ردّة فعله، ومن المحتمل أن يقلب الأمور عاليها سافلها، أو يتراجع بغمضة عين قائلاً:‏

-: (وهل كنت مجنوناً لأودع "متليكاً" عند ذاك الـ...).‏

توفيق.. يا صاعقة ساكنة قدّك، فاض بك، فسألت محتداً:‏

-: وأبونا القتيل.!؟.‏

صبروه يا ناس، فهذا الفتى دمه أحرّ من زيت على نار، والسكوت على اغتيال والده يعكّر بؤبؤيه، لكن حماوة الأجواء وبرودتها بين آنٍ وآن، تميّع الدم وتخثّره بين لحظة ولحظة، ولا أحد يأبه يا فتى، تفتت.. تجمّد.. ذب.. تبخّر.. تجلّد، سيان.. فالباب دونك مغلق مقفل، والمفتاح عند الضابط عثمان، وعثمان لاهٍ ساكت، وسكوته مريب ملغوم يمزّق الأعصاب، والأعصاب عارية ليس يسندها حديد، وهي لم تقدّ من صخر، لذا تتوتر وتنشدّ، وانشدادها يثير غيرها، وغيرها ينتظر حجة، والحجة هينه جاهزة مثل الهم على القلب، فما من مستبدٍ إلا وفتاويه في جيوبه، وموقفك مهما علا على قمم الحق، لا مناص له من تهدئة.‏

ألا ما أقوى شكيمتك أيتها الجدة نور، ومعك الحكيم إدريس ورشاد، تتحمّلون نزوات هذا النزق وذاك، فلم يكن أحدهم يوماً كالشيء أو النبت أو الحيوان البليد، لذا لا خلل بما تمَّ الاتفاق عليه، وإدريس الحكيم يجاريكم، برغم أنه يغلي في داخله، وكم ودّ لو تحرر من الحكمة المسربل بقيودها ووقارها، مثلما يتحرر من ثيابه، فيفلت جموحه كما الزعّارة صعاليك زمانهم، فيجعل الضابط الحرباء يحسد عباساً الممسوس، لكنه محكوم بالحكمة مذ تعاطى التطبيب، وها هو يملأ السؤال فمه، يلح عليه كسعال جاف أثارته حنجرة ملتهبة، يريد أن يوجهه إلى الجدة نور، وما لبث أن ابتلعه، ربما للمرة المئة، ولكأنها قرأت سؤاله في إنساني عينيه، فازدادت إصراراً على ألا يعرف ابن أنثى، ما خلّفه موت "داود" في أعماقها، وكيف لم تظهر دمعة في عينيها عليه، كأنهم لا يعلمون أنَّ الحبَّ كلما كان كبيراً، ازداد الحرص على إخفائه، فهو بخصوصية ماهية الروح.‏

-: ماذا.؟.. أنفار يهربون.. عال.!!. كيف فرّوا.؟. رُعيان غنم أنتما، أم ضابط وأومباشي.؟.‏

ها هو يكررها للمرة العشرين. أيكون حانقاً إلى هذا الحد.؟. أم أنه وجدها حجة يلعب بها متسلياً بأعصابهما.؟. لكأنه من جماعة تحت الأرض؛ من الصعوبة بمكان تمييز جدّه من هزئه.‏

-: ضابط آخر زمن.‏

طاشت قمر لمرارة السخرية، وكادت تصفع كمالاً، وما زال يتقبّل الإهانة تلو الإهانة.‏

-: أتفعل شيئاً لأجل كرامتك، أم أردعه.؟.‏

-: صبراً يا قمر.‏

-: صُدّع رأسي بصبرٍ لا جدوى منه مع هذا النمس.‏

مرّت أمامه ذهاباً وإياباً مرات، لعله يناديها فيفقأ الدمّل، لكنه جعل مرورها أُلهية يروّح بها عن نفسه، وهي فرصة لإيلام كمال، فزاد جرعة الإهانة، والأومباشي ما عاد يستطيع دوساً، تورّمت قدماه، إثر شدّه إلى الفلقة، يجلده بسوط ذيل ثورٍ، وظل يجلده حتى لهث وعرق، متخيلاً أنه يجلد كمالاً، ثم أمر الجاويش ألا يتركه حتى يتقطع السوط على تينك القدمين المدورتين كخفي بعير، أو ينفر الدم منهما.‏

اقترب كمال من رئيسه، فبادره دون إمهال:‏

-: فرار العسكر مسخرة.‏

-: ولكنهم لم يفروا.!.‏

-: كذاب. أين هم إذن.؟.‏

-: أكلهم الذئب.‏

-: العمى.!. كيف.؟.‏

-: مثلما أكل "أنينو".‏

-: أنينو.!. ما قصدك.؟.‏

-: الذئب ضارٍ مفترسٌ، وأنت أدرى. مساكين. ومسكين أنينو.!.‏

عصفت برأسه أحداث تلك الليلة، وتشمرخت في مخيلته:‏

-: (أَعرف هذا الجرو شيئاً مما جرى.؟.).‏

بدا مأخوذاً، فلم يمهله كمال؛ فالضرب المتوالي يزيد الدوخة.‏

-: أتذكر أنَّ لي عندك أمانة.؟.‏

-: أمانة.!. أية أمانة.؟.‏

-: كيس الذهبيات.‏

-: أتهذي يا كمال.!؟.‏

-: أنسيت.. أم تتناسى.؟.‏

-: ليس صحيحاً ما تقول كي أنسى أو لا أنسى.‏

-: أظنك تذكر ليلة رأس العريف.‏

-: ليلة سيئة.‏

-: إذاً تذكر الأمانة.‏

-: لا بأس.. هي لك، ولكن ستعينني يا كمال.‏

-: على ماذا.؟.‏

-: الأمانة ومخصصات المسير، وبعض مالي تركتها عند داود.‏

-: داود مات.!.‏

-: ابنته لم تمت، ساعدني فنستعيد المال كله.‏

-: وكيف أساعدك.؟.‏

-: تشهد أني تركت الذهب وديعة عند أبيها.‏

-: كيف أشهد على ما لم أقف عليه.؟!.‏

-: تشهد على كلامي. أم أنك لا تثق بي.؟.‏

-: بل أثق.‏

-: "عفارم". ذكي.!!. لم يفتك أننا نقترب من حلب. لو تدري كم اشتقت إلى جناب الوالي.!.‏

-: (أيُّنا الثعلب، وأيّنا ابن آوى.؟. كل منا يلعب لعبته.!. براعة أم خبث ومكر ودهاء.).‏

-: كمال.. نتبادل الأمانات. أسلّمك وتسلمني.‏

-: وماذا أسلمك.؟.‏

-ولو.!. الكتاب والشمعدان، فندخل حلب كما السمن على العسل.‏

-: والذين هربوا.؟.‏

-أكلهم الذئب. أترى أني ظلمت الأومباشي.؟.‏

-: ليتك تعفو عنه.‏

-: أومباشي "عكروت" عفوت عنك.. هيا افرح. كمال أوقف القافلة.‏

أبدى كمال طاعة وحماسة؛ لم يعهدهما الضابط عثمان منذ أمد. سرّه ذلك، فبالذهب يتم كشف معادن الرجال...‏

-: (وما أنت سوى صعلوك يا كمال، يا بن صانع الطرابيش والنابلسية.).‏

قال ذلك في سرِّه، ودهش وهو يسمع قول مرؤوسه:‏

-: لئن رغبت، أرسلت العسكر يأتونك بها.‏

-: (يا للذهب من طاغية.!!. يفعل كما السحر وأعظم، فلا يصمد أمام إغرائه قلب ادعى نبض الحب. وأي حبٍّ هذا الذي زحلقه طمع.؟. لن تستطيع إنكاراً بعد الآن مهما حاولت، واصبر قليلاً، فإني محطمكما معاً).‏

دار ذلك في خلده، ثم ابتسم مقترباً مجهراً قوله:‏

-: أئلى ذاك الحد تحسبني جلفاً.؟!. لا تليق معاملة أنثى بالخشونة التي تقترحها. ألا يرضيك أن أكون لطيفاً معها.؟.‏

-: (ماكرٌ أنت، حتى لو ظهرت بنعومة ريش النعام، وإني أُحِسُّ بلسانك أحدّ من موسى الحلاقة وشوك القنفذ.).‏

دار ذلك في ذاته، وردّ مراوغاً:‏

-: منك نتعلم اللباقة.‏

أرسل عثمان حارسه ليبلغها رغبته بمقابلتها. تمنى الفتى السِّكيت لو ذهب إلى الجحيم في الحال، مقابل أن يُعفى من هذا المشوار. لم يبدِ تردداً، لكنه مضى مبهوظاً بما حمل. سأله كمال وهما في طريقهما إليها:‏

-هل الوديعة كثيرة.؟.‏

-: ليست قليلة.‏

-: هل لي أن أسأل.؟.‏

-: ها أنت تسأل.!.‏

-: ما الذي جعلك تضع مبلغاً كبيراً عند ذاك الرجل.؟.‏

-: اعتبارات كثيرة، أولها خشيتي على المال منك ومنهم.‏

-: مندهش أنا مما أسمع.!.‏

-:يا رجل..!!.‏

-: صدِّق.. كلامك شدهني، أو أني لم أفهم.‏

-: حين "جحّشت" وتحالفت معهم، توقعت منكم كل سوء، وهداني تفكيري وأنا متألم منك، أنّ أحدكم لن يخطر له سرقة رجل، تعرفون أنه فقير لا يملك شيئاً.‏

-: بهتّني وزدتني إعجاباً بطريقة تفكيرك.!!. سؤال واحد وأخير.‏

-: سل قبل أن نصل ولا تُطِل.‏

-لماذا داود بالذات وأغلبهم فقراء.؟.‏

توقف وتلفّت حولـه، ثم ضرب عنق حذائه بسوطه، وتطلّع إليه بنظرة موّارة بالخبث، وغلّف وجهه بعلائم اضطراب، وبرقت في خاطره إحدى بنات دهائه، وجدها كالسم في الدسم، فتركها تتسرب إلى مسمع كمال همساً:‏

-: مرة أخرى تجدني أؤكد لك ثقتي بك. داود كان عيني عليهم.‏

-: (يا أيها الذي لو وجد أكذب منه لانتحر).‏

قال ذلك في نفسه، ثم تصنّع الاستغراب ونطق:‏

-: العمى!!.‏

-: ما بك.؟.‏

-: مبهوت ونادم على ما كان مني. تفضل.‏

وأشار بيده مفضلاً رئيسه على نفسه، وفي الوقت ذاته لمح رشاداً وإبراهيم وعبد الله وتوفيقاً، والصبي حمزة وأمهم، وتلك هي الجدة نور، وهناك آيه وهوريك، وذاك هو إدريس الحكيم يقترب مستقبلاً، دانياً من مطرح قمر.‏

-: (إذن هي هيئة المحكمة أيها الضابط، وها هم المدَّعون والشهود، وها أنت قادم لتدّعي.!. فهل آن أوان البت فيما بيّت.؟. وهل تعقد المحكمة جلسة دون متّهم.؟!‏

أم أنها قضية تُحلُّ بالتراضي.؟.).‏

استقبلتهما وفي عينيها كثير من التهيؤ، فلطالما انتظرت هذي اللحظات، تنفست الصعداء وقد لمحت الجدة نور ورشاداً يقتربان، واختصر كمال عليها وطأة اختلاق الكلام إذ قال:‏

-: قد يمنعك لطفك أن تسألينا عن سبب مجيئنا، وحقيقة الأمر إنها زيارة عمل.‏

ثم ازداد عدد القادمين؛ بل بدأ يكتمل، عندئذٍ سألتهما قمر:‏

-: بأي شيءٍ أستطيع خدمتكما.؟.‏

لم يعد بد من أن يتكلم، وقد تركه كمال وتشاغل بما ليس له أهمية، فقال:‏

-: جئتك لأستردّ الوديعة.‏

-: حقك.‏

ذهل.!. وللوهلة الأولى لم يصدق ما سمع، إلا أنه ما عاد ممكناً غير أن يُكمل ما بدأ.‏

لكنه في حيرةٍ. كرر تلك الكلمة التي لفظتها مشدداً على حروفها، فلم يجد لها تأويلاً، كأنه ما انتظر هذا.!.‏

تدخّلت الجدة نور قائلة:‏

-: لئن أتينا في وقت غير مناسبٍ، فإننا ننسحب.‏

لم تترك قمر له مجالاً إذ أردفت:‏

-: ليس من سرٍّ نخفيه عنكم، فللضابط وديعة جاء يطلبها.‏

وسرعان ما التفتت إليه وقالت:‏

-: الحق حق أيها الضابط، لذا أستفسر منك لأتأكد، فالمرحوم خلّف ودائع كثيرة، أخشى أن يختلط أمر بعضها ببعضها الآخر، فيذهب ما لأحدهم إلى غيره.‏

أكد الحكيم إدريس من فوره:‏

-: أصبت فيما قلت، فقد عُرف المرحوم بأمانته، فاستودعه الناس ودائعهم.‏

تلقَّفت قمر ناصية الكلام قبل أن يتدارك الضابط لوثته، فسألته:‏

-: هلا أعطيتني علامة وديعتك.؟.‏

طينة يلطخها بذا الجدار، ما دام الأمر متاحاً، ولا يهم إن لصقت أو لم تلصق، ولتكن كبيرة، فليس فيما يكون خسارة تذكر.‏

-: أحد عشر كيساً، في كل منها مئة ذهبية.‏

صاح إدريس الحكيم بجدٍ لا يدانيه تأويل أو ريب:‏

-: صدقت.‏

ذُهل مما سمع، فأعادته قمر إليها إذ سألته:‏

-: أمتأكد من أنها أحد عشر كيساً فحسب.؟.‏

جمدت عيناه وهما بأقصى اتساعهما، ولم ينبس بكلمة، فأدركته كأنها تلقَّت إيماءة، فنبست متصنعة الحيرة:‏

-: المشكلة أنها اثنا عشر كيساً. أليس كذلك أيها الحكيم.؟.‏

لم يكن إدريس الحكيم قد هيّأ نفسه لمثل هذا السؤال المباغت. تلكَّأ لحظة، فناجده كمال متدخلاً دونما إبطاء:‏

-: كنت استودعته كيساً، لعله الكيس الزائد.‏

قالت قمر:‏

-: مجرد الإدعاء لا ينفع، فهو ليس لك إن لم تؤكد قولك. ما لونه.؟.‏

-: أسود.. وفيه سبع وثمانون فضية وعشر ذهبيات، هي كل ما ادخرت.‏

نظرت إليه وفي نظرتها لمعان فضة، وكادت تقول معجبة ببداهته:‏

-: يا ولد.!!.‏

والتفت رشاد نحو إدريس الحكيم شبه لائم:‏

-: أسمعت.؟. كدتم تفرّطون بالكيس. قلت لكم صاحب الحاجة سيدلنّا عليها، وها قد حصل. إنها الوديعة الوحيدة التي حيّرتنا.‏

أنهت قمر الجدل قائلة:‏

-: إذاً الكيس للضابط كمال. لا بأس.‏

استعظمت الجدة نور ما رأت وسمعت، فاللاعبون تفوقوا أكثر مما توقعت، وتابعت لعبهم الخطر، فإن لم يبق في الجعبة غير سهم، رافقته خطورة أن يتساءل حامله: [أينتحر به كي لا يرى العدو يغلبه؛ أم أنه يطلقه.؟. وما الذي لا يكون قد خسره إن انتحر.؟. وما تراه فاعل إن أطلقه ولم يصب من عدوه مقتلاً.؟.].‏

همس كمال في أذن الضابط عثمان:‏

-: ألا تطلب ما لك.؟.‏

-: هه.!!. بلى‏

-: وتعطيني الكيس الذي وعدتني به.؟.‏

-: هه.!!. بلى.‏

-: هيا إذاً.‏

وقف ماداً يده مبسوطة الكف نحو قمر، آمراً:‏

-: هاتي الأكياس.‏

-: أعدْ مال الضابط عثمان أيها الحكيم، ولا تنس مال الضابط كمال.‏

-: تفضلا معي أيها المحترمان. جهّز الخيل يا رشاد.‏

سأله عثمان:‏

-: إلى أين.؟.‏

-: إلى قبر ضيف الله.‏

-: ما هذا الهراء.؟!.‏

-: بل هي الحقيقة، ما لك وضعه داود في قبر ضيف الله، وقد ساعدته في ذلك، وتمَّ هذا بحضور عبد الله وتوفيق.‏

قال رشاد:‏

-: وبعلمي.‏

وأكد إبراهيم:‏

-: رأيت ذلك بأم عيني، هلما أيها الضابطان المحترمان، نسلّمكما ما لكما ونرتاح نحن، فالأمانة ثقيلة كما تعلمان.‏

قال الضابط كمال:‏

-: هيا بنا؛ لا داعي للانتظار.‏

-: سأذهب أنا وإخوتي معكم.‏

-: وما داعي ذهابكم يا توفيق.؟.‏

-: نسوّي قبر والدنا. ألن تنبشوه.؟.‏

-: صحيح.‏

-: هلموا بنا.‏

صاح الضابط عثمان:‏

-: كمال.. إلى أين.؟.‏

-: نسترد المال. تفضل.‏

-: أمجنون أنت.!؟!. لن نذهب.‏

-: والمال.؟!.‏

-: بئس المال.‏

-: لك الاستغناء عما يخصك، أما أنا.. فلا.‏

-: كمال.. اسمع نصيحتي، الطمع ضرّ ما نفع.‏

-: أعجوبة أنت.. وأنا مخيول.!!.‏

دمدم شاتماً، وهمَّ أن يتركهم مغادراً المكان، فوقفوا في طريقه، ثم التفّوا حوله، طوّقوه، بادلهم نظرات موّارة بنفاد صبر، فرفعت الجدة نور صوتها سائلة:‏

-: إدريس أيها الحكيم. هل من أثرٍ يظهر على جثة المقتول بالسم.؟.‏

-: أجل.. بوضوح.‏

انقبض قلبه وأحسّ بمعطبة، وسأله إبراهيم:‏

-: ألن تذهب معنا.؟.‏

هزّ رأسه نفياً بأنفةٍ، ودسَّ لفافة بين شفتيه، وقد أتعبه السمع.‏

قالت قمر بشيطنةٍ منمّقة:‏

-: وديعتك ثروة.!. كيف تفرّط بها.؟.‏

تحسس "طبنجته" وهزّ سوطه، ولم يتكلم، لكنه تنهّد بتقطّعٍ متحسراً، وبصق نخامةً.‏

قالت آية:‏

-: ليس من خبيء إلا ويظهر.‏

تمتم:‏

-: تباً لكم "سيكان-قرباط".‏

وقف رشاد قبالته معلناً:‏

-: لا بأس.. سأجلب لك مالك، ويكشف الحكيم إدريس على الجثة فنتأكد.‏

-: تتأكدون.!!. مِمَّ تتأكدون.؟.‏

-: من أنَّ ضيف الله مات مسموماً.‏

-: هذا "علك". لن يذهب أحد منكم، فالمسافة باتت طويلة، وإني أمنعكم.‏

رفعت الجدة نور عصاها إلى أنفه سائلة:‏

-: لماذا قتلته يا عثمان.؟.‏

-: كفاكم مسخرة، لم أقتله، هرم فقضى نحبه.‏

-: والقندلفت.؟.‏

-: أي لعين هو الآخر.؟. ربما مات حتف أنفه. أنا لا أعرفه.‏

-: لا تعرف "مائير" يا عثمان.؟.‏

-: لا أعرفه، ولم أفعل شيئاً مما يهيأ لكم.‏

دنت قمر منه متمهلة فسألته:‏

-: وما الذي لم تفعله.؟.‏

صفعته، فأخذ بعضديها وهصرهما، كازاً فكيّه بقوةٍ، وتحرك البؤبؤان المعكّران بغضب ضبعان تجاسرت عليه ثعالة، فكتّفه توفيق واضعاً ركبته تحت أليته ورصرصه، بصقت هوريك في وجهه، واعتلى ديك الجدة نور كتفيه، وراح ينقر شحمتي أذنيه، وصاح خافقاً جناحيه، وقفز دائراً حولهم، وأعادت قمر السؤال:‏

-: ما الذي لم تفعله.. هه.؟.‏

-: لسعت ولدغت.‏

-: نهشت وقتلت.‏

-: أمتَّ وسممت.‏

-: تآمرت وتجبّرت.‏

-: فجرت فوق فجور السفلة.‏

عجز عن متابعه رشقه بنبال أفاعيله من كل حدبٍ وصوب، فصرخ متفجّراً:‏

-: كذب.. كذب.‏

طبطب الديك جناحيه وصاح، ثم قفز ونقره من أرنبة أنفه، وتابع دورانه حولهم، باحثاً التراب برأس جناحه مستنفراً. اقتربت (آيه) ترتجف مجهشة، وجاءه وسط دهشٍ مرعبٍ، صوتها الراعش:‏

-: لِمَ نهشتني أيها الوحش.؟.‏

-: من تكونين.؟. أنا لا أعرفك.!.‏

تقدمت (هوريك) تهتز غضباً، فتحت بنيقة ثوبها عن ثديها المعطوب، وزمجرت بين قهر وغيظ:‏

-: وتنكر يا صفيق.!. انظر أثر فعلتك أيها الحقير.‏

ردّت الجدة نور البنيقة بعجلٍ على الثدي المكشوف. رآه الصبي حمزه، مثل حمامة مقطوعة الرأس، فركض من خلفه وعضَّ أليته، ولمّا يزل حتى كاد يقطع نهشة، أبعدوه فهجم صائحاً بلوعةٍ:‏

-: كما..ل، لا تحمه، ابتعد عنه، الوغد.. ذبح الحمامة وقتل العملاق.!.‏

صرخ الضابط عثمان خارجاً عن طوره:‏

-: جاويش.. أطلق النار.‏

أطلق مرة في الهواء، وبقي جامداً كأنه ينتظر أوامر أخرى.!!. دفعوه جانباً فوقع، فلم يبد رغبة بتبديل وضعيته، صفقه الديك بجناحه، ولطمه بجناحه الآخر، ثم بحث التربة من حوله، ورشق بها وجهه حتى عفّره، أغمض عينيه متحاشياً الغبار، كأنه يحوّل قدرتهما إلى أذنيه، فملأ سمعه عويلٌ كدويِّ الرعد، وعصف ريح تعوي مزمجرة، كقطعان سباعٍ ألّبها الجوع والثلج والبرد. لكن الثدي المعطوب ظلَّ شاخصاً في مخيلته.!.‏

حمأة الغضب فوّارة تمور بها القلوب، كلُّ يتجسد في ذهنه، ما ناله من تينك اليدين اللتين عكفتا على قهرهم وتلويعهم، قاصصوه، ووقف كمال دون قتله، لكنه لم يحل دون ركله ولكمه وعضّه وتعفيره بالتراب، وبرغم ما يناله من مذّلة وهوان، ما فتئ يفكر كعهده:‏

-: كمال.. أنت خائن ستنال جزاءك. انتظر ريث تصل إليك يدي.‏

ردّ بغضبٍ، مسيطراً على تفاقمه، فبدا أقرب إلى هدوءٍ مهزوز:‏

-: جاحد أنت.. كأنني ما أنقذت حياتك.!. فلو تركتهم لامتلخوا لحمك عن عظمك.‏

-: لأنهم وحوش. اذهب معهم؛ خذ المال كله، أحد عشر كيساً كلها لك. خلّصني.‏

-: أحد العجائب أنت.!. كذبت كذبة فكنت أول من صدّقها.!. وبرغم أنك أخفقت في لعبتك، ما زلت مصراً عليها.!!.‏

-: وبشٌ أنت مثلهم. أين الكبراء.؟. أريد الوجهاء. إليّ بالشيخ الإمام. تعالوا إلي. امنعوا عني السفهاء، خلّصوني من أولاء "القرباط".‏

حيّد كمال العسكر بإبعادهم، ووضعهم بأمرة الأومباشي، فشغلهم وانشغل بهم، وفشلت وساطة الشيخ الإمام، ولم يقترب الوجيه رجب، ما دامت أمه وضعت العربة المقفّصة بأمرتها، وحاول الوجيه عبد الحميد مع الجدة نور ولمّا يزل دونما جدوى، وما فتئ الوجيه عبد المجيد يحاول إقناع أولاد ضيف الله وزوجته. أما سليمان فقد رفض أي تدخلٍ لصالح الضابط عثمان، ونأى بنفسه قريباً من قمر وهوريك، مفكراً بتلميح جدّته لافتةً انتباهه إلى مزاياها.‏

استرق النظر إليها مرة إثر مرة، وتراءت له ظلال إيماءة وابتسامة، تشجّعه قمر بهما ليقترب من البُنيّة، عسى ولعل يستهويان بعضهما، وتملأ قلبه الذي ما برح يدق حالماً. انتبه إلى نفسه، كأنه وقع عليها متلبِّسة بما لا يجوز، في ظرف كظرفهم الصعب هذا، فوبّخ نفسه لائماً بخجل، فذهن قمر ليس صافياً لمثل ما تخيّل.‏

وتناهى إلى القافلة الأخرى بعض ما حدث مشوّشاً، ودخلت نتيفا وصحبها في بوتقة قلق، إلى أن أتاهم كبير الطهاة (عوبديا) ليلاً بتفاصيل الخبر، فتداولوه ملياً، ثم كلّفوه برسالة شفهية ينقلها لكاهانا، وجهّز بعضهم سلاحه.‏

وإثر إلحاحٍ وضغوطٍ متوالية، أعلنت قمر أنها تعفو عنه إن صدقها وبيّن دوافعه لإدعاءٍ كاذبٍ بوديعةٍ وهمية.!.، فجوبه عرضها من أولاد ضيف الله وبقية ذوي القتلى بالرفض جملةً وتفصيلاً، وأُسقط نهائياً في أيدي الوسطاء، لحظة أنقذوا حياته، وقد كاد أحدهم أن يصل إليه، وبدوا عاجزين عن الرد على قول عبد الله:‏

-: تساوموننا لأننا لم نقتله.!.، وما الذي كنتم تقولونه لو أننا فعلنا.؟.‏

وصرخ توفيق:‏

-: لا مناص.. فإني قاتله.‏

لم يكتمل سرور عثمان برفضهم طلب قمر، حتى نغص بما أعلنه الفتى.. هذا الأرعن، طالباً رأسه، وفي لحظة حرجة غاص في أعماقه ونبش سائلاً:‏

-: (سرّك ورأسك في كفتين، فأيهما ترجّح.؟.، معضلة.!.).‏

أقنع نفسه بقبول وضعه الراهن، يصبّر نوازعه إلى حين، لعله ينجح وصحب نتيفا، بنسج خطة تخرجه من مأزقه، أو فليوطد مشاعره ليدخل حلب حبيس هذا القفص الخشبي، مثل زنجيّ اصطاده البيض. لا.. لا.!.، مثل أبيض وقع في فخٍ نصبه المتوحشون الهنود.. نعم.!.، فالمحال عينه أن يبوح بمرامه من إدعاء الوديعة. وطفق يسلي وقته ناظراً إلى أثيره السِّكيت، مربوطاً إلى العربة مثل كلب يُخشى انفلاته، أو مثل برذون (احتياط) يساعد بغل العربة عند الحاجة. ولمّا يزل يعلله ببطرٍ ينسيه كربته، ويجعل لحياته طعماً آخر.‏

فليصبر قليلاً، فبين ليلة وضحاها يصلون تخوم حلب. وبرغم حالته المزرية، وجد متسعاً ليعجب من سرعتهم بتصنيع القفص على العربة، وتمنى لو جعلوه بغطاءٍ يكيفه رؤية وجوههم المقيتة. ثم إنه كابر فلم يذق طعاماً، وهو الأكول النهم. ومنع باصريه عن لقمة من طعامهم الرديء، مشترطاً أن يُطعم بيد كبير الطهاة، أو يتحمل كمال العاقبة.‏

اقشعر وهو يرى بغضه في عيني رشاد، هذا الذي أوكلوا إليه حمايته.‏

كلمة شرفٍ هي كل ما يلزمه أمام (...) نور وشرذمتها؛ أن يصون حياته.!!.‏

أي عهدٍ واهن هذا الذي يمنعه عن مواطأة أحدهم، فيدسّ له السم، أو يخنقه.؟!‏

أليس هذا ما سيفعله، لو كان مكان رشاد أو غيره.؟.‏

-: (ويا لك من فتّانة أيتها الرخمة القميئة قمر.!.، ألّبت علي من تبقى ممن يمتّون بصلةٍ إلى أولئك الذين (...) على تلك الرابية. ما الذي ذكّرك بهم والهم يحيطك فلا تجدين متنفساً.؟.، لقطتِ خيط حقيقة إقدامي أنا وألكسندر على تنفيذ نزوتنا، فكيف اهتديت إليه.؟!. يا لذكائك الوقّاد.. أيتها البغيضة.!!.، وبقدر ما تضرينني، أجدك بعض الأحايين نافعة، فها أنت أنطقته بعد لأيٍّ، فكشف فكره وما يشغله. أولم يؤكد لكم أن الإماتة بالسم إحدى سمات الحقبة.؟.‏

وما همني إن كره السلطان والكواكبي بعضهما بعضاً، ولست مكترثاً بما أشيع من أنه قضى على أيدي رجال "عارف باشا" أو غيره، ماداموا غفلوا عن أنّ لا أحد يجارينا بمثل هذه المهمات السرّية، فلم ينتبهوا إلى اليد المنفذة والعقل المدبّر، مكتفين بمعرفة ما طاف على السطح؛ عن الجهة التي يهمها إسكات الكواكبي وتصفيته، كأنها جهة واحدة فحسب.!.، قد سرني صاحبك بزلّة لسانه الرائعة تلك، فوصلني دون عناءٍ ما عجزت عن إثباته بمحاولاتي الدؤوبة. إذاً هو ممن ينتقدون السلطنة.!!. يكفيني من الأمر برمته، أنه وضع يدي على سلاحٍ بحدين، استخدمه معه أو ضدّه، حسبما يكون رأسه ليناً أو يابساً، ولك أن تنصحيه أيتها الدودة العنيدة البائسة، وإلا فبئس ما أنتم عليه وفيه من تعاسة وحمق. غوغائيون تهرفون ولا تجيدون سوى اللغو والفخفخة، حثالة تقيأكم الزمن، وشتان.. شتان بيننا، وإن كنا الآن أشتاتاً).‏

فتح عينيه بعد استغراقٍ قضاه متفكّراً يجترّ حقده، ونظر بغتة إلى أثيره السِّكيت وتساءل معجباً:‏

-: (أيها المبهم.!!. أكنت أدركت عظمة الصمت فسكت.؟. صمتك جعلني أراهن عليك، فانظر -لو أنك تعرف- كم وكم تختلف عن قومك، كأنك لست منهم.!.).‏

مدَّ لفافة تبغ إلى حاميه رشاد، فلم يأبه بها، فأشعلها لنفسه، وامتصّ دخانها على دفعات دونما انقطاع، وتلفّت مطمئناً إلى سير القافلة في الاتجاه الصحيح، مقدّراً المسافة المتبقية، وتأكد من أن القافلة الأخرى على مبعدة، تغذّ السير، فارتاح وهان عليه ما هو فيه، لكن رسالة كبير الطهاة حيّرته بين خياراتٍ عليه تفضيل إحداها. فهل يوافقهم على استخدام السلاح.؟.، أو تحاول بعضهن إغواء حاميه وغيره إن تطلّب الحال.؟.، أم تسميم الطعام والماء.. وكلها أسلحة.؟!.، وإن ما لا يخلّصه، يربكهم ويكون انتقاماً له.!!.‏

-: (نتيفا.. ما أنت إلاّ المنتظر ذاته.!.، يا لسطوة الأنوثة.!.، وأيّ ابن أنثى يتنكر لما يتغلغل منها في لبّ عظامه، كما الهواء في الدم، يسكنه بين شهيق وزفير، إلا إذا كان شيئاً كالرمل، وما رشاد إلا رجلٌ يكابد من كبح ذكورته. وذي هي التضحية المغتفرة يا إناث (يهوه). بوركت ثم بوركت تضحيتكن أيتها المخلصات الناصعات).‏

***‏

-: (أقبل الليل، وقويق ماؤه منساب، وها هم المناكيد حطّوا رحالهم، أسمع نمائمهم الصغيرة والكبيرة، وكيف أوقدوا غليل عبد الله وتوفيق، فحاولا قتلي.!.، ورأيت كيف ازدجرهم الوجهاء، والخرتيتة نور، ليس حباً بي، بقدر ما هو خوفهم من عاقبة؛ وإن لم يعرفوا تفاصيلها، فهم يتوجّسونها كقبض الجمر، وحين أقفوا، داناني عبد المجيد وفحَّ في أذني:‏

-: نتصرّف معك خلاف قناعتنا وما تستحق.‏

وأتركهم أسرى الغموض، فخوفهم من الآتي المجهول، يفتت ما يتبلور في أنفسهم، ويزيغ أبصارهم، كما يرتج على ألسنتهم).‏

هجع الناس، فأتى الصبي حمزة متسللاً، لكنه تعثّر بحرصه فانكشف أمره، وجرّحه السيف قصير النصل. (الجرو يُنشد بطولة.!!.). وإبراهيم ساوم، ثم توسّل بحرقةٍ، ورشاد رفض بشدةٍ ولم يتزحزح عن موقفه، فمضى إبراهيم، ثم عاد مطأطئ الرأس مختنقاً بهمّه، وهمس:‏

-: لو تعلم أي نارٍ مضرمة في جوفي.!. دعني أخنقه قبل أن يخنقني عذابي.‏

-: لو كان أمره بيدي، لما تركت رأسه لأحد. ابتعد يا إبراهيم.. ابتعد.‏

التفت إبراهيم راجفاً، بصق ملء وجه الضابط، ومضى مختلجاً، فإن هو كتم وجعه تورّم في صدره، وإن أفضى بما يقضّ مضجعه فهذه كارثة، وكيف لا يُجن وفي رحم زوجه جنين؛ صعب عليها أن تجزم إن كان من صلبه، أم هو سفاح ازدرعه الضابط تلك الليلة في رحمها.؟!.‏

سكن الليل، وفرض النوم سلطانه على الخلق، ملامساً جفون الأغلبية بأنامله السحرية، كأنما غُمست بخلاصة نبتة البنج، وما بقي إلا موجوعون ومفجوعون، هدّمهم التأسي والأنين، ويئسوا من الشكوى والاستغاثة فهمدوا مستسلمين، ومحتضرون يمهدون بالاستغفار لاستقبال الموت بسكينة وتسليم والمتناومون تهرّباً من عذابات مستعصية، وعشاق تلاقوا ملتحفين عباءة الليل الساترة، وخفافيش العتمة يتدبّرون ويتداولون ما يمكن وما عساه يكون، مؤدين ضريبة التكتم، فيتهامسون غاضّين الطرف عما حولهم، مقابل ألا تلتقط كلامهم أذن؛ أو تقع عليهم عين. كمال والجدة نور وقمر وسليمان والحكيم إدريس و...‏

وهناك نتيفا وجيئولا وغولدا وأخريات وآخرون. ورمضان اللص، ذئب الليل، يجوب الأنحاء متصيداً، وفي مقلتيه وجل وحذر. رأى جنيتين رشيقتين تتهاديان منسربتين مثل سحليتين، تتدهديان في الممارق، دبّ نحوهما، ثم لطى فتبعهما منسحلاً. لبثت إحداهما وتقدّمت الأخرى، عبرت إلى العربة المقفّصة كاشفة عن مفاتنها. تهافت قلبه كأنه هبط إلى وسطه. لهث فاركاً عينيه، وقد أطاشه ما يرى على سنا النار هناك. نادت بهمس وغنج:‏

-: رشا.. د. رشاد.‏

تعرّت تماماً. تمددت بجانبه. تلوّت بدلالٍ. تقلّبت في الجهات. انشدت وارتخت بلا عظام.!. فلتت منه آه حرّاقة، فأخذته الأخرى. عانقته. ضمّته. هصرته في حضنها تستنزف ذهوله وجهده وما فيه، تزيد توحّده بهذا الجسد الناري، فتخلبه لبّه وقلبه.‏

في البكور، كان الضابط عثمان واقفاً وسط حلقات متواليات من عسكره، لا ينفذ منها إليه ذبابة ولا بقّة. حليق الذقن، يشع نظافة، رافلاً بأناقته، والجاويش والأومباشي يطلقان النار في الاتجاهات كافة، دونما هدف محدد، وطفق ينثر "المجيديات" على عسكره الأعزاء.!.‏

وكان قد قبّل غولدا وجيئولا قبلة الوداع، ووجّه كبير الطهاة (عوبديا) أن يكون دليلهم، فيمضون في الحال، يغذون السير، ليقطعوا أطول مسافة قبل الشروق، منحرفين غرباً من حلب، فيتابعون جنوباً، متاخمين الحضر والبادية، يستبدلون بملابسهم ملابس غجرية، فيمارسون الغناء والرقص تكسّباً وتمويهاً، يكشفون "البخوت"، ويبيعون "البطم" والحنّاء والأخياط والغرابيل مثل "القرباط"، يضربون الدفوف ويحرقون البخور، مرددين الأوراد والذكر كالدراويش، يمدون أيديهم طالبين من مال الله، كما شحاذو "النور". يحتمون بـ "القبضايات" ورؤساء القبائل وشيوخ العشائر والبكوات. يقبرون موتاهم ليلاً، فلا يظهر لها أثر، حتى يصلوا تخوم الأرض الموعودة، فيدخلونها أجراء حرّاثين زرّاعين حرفيين.!.، مستفيدين من ثروات تكتنزها أجساد هذي الحسان، فلا تنضب ما دام فيهن غواية وعرق ينبض.‏

وكان الشيخ الإمام قد أذّن لصلاة الصبح، عندما وجدوا جثة رمضان قرب النهر، وتحتها جثة رشاد، منزوعة عنهما السراويل، في وضعية شائنة.!.‏

دفنوهما واجمين كيفما اتفق، وأبى كثيرون المشاركة، يعمهم الصمت كأن على رؤوسهم الطير.‏

واستأنفت القافلة المسير، والعسكر يهتفون للضابط عثمان، منددين بعصبة الأوباش، محيطين به كما السوار يحيط بالمعصم، وما زال يرشقهم بالمجيديات.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244