البشر.. وحتى الشجر.!. - سامي حمزة

رواية - من منشورات اتحاد الكتّاب العرب دمشق - 2001

Updated: Wednesday, September 17, 2003 04:46 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

*

12‏

بكى الرجال الوقورون، قهرتهم تلك الميتة الضالة، تأثروا بها أيما تأثرٍ، وقضوا الوقت ساهمين؛ غارقين في صمت أصم، لم يرفع خلاله أحدهم نظره في وجه أحد، وبدت وجوههم خاملة، كأنما أدمغتهم ركنت في سبات بليد.‏

الموت هو الموت؛ ما تغير قط. لكن موتهما وحده ليس ما جعلهم شديدي الاكتئاب، إنما انكشاف عورتيهما، وانكبابهما على وجهيهما أحدهما فوق الآخر، وضعية مشينة، فما سبق وعُرفت بينهم تلك المعابة المخجلة، وكلٌّ منهم يشعر أن العار لحق بشخصه دون غيره.‏

النساء واجمات، يلفّهن حزن كثيف، وشعور بنقيصة غير مألوفة، فبدون زاهدات، غير لاويات على شيء.‏

لاحظ الأطفال أن أهليهم في حالة فوق العادة. حدسوا وتهامسوا، ثم ما لبث كلٌّ منهم أن أوى بين ذويه ممتثلاً لطقسٍ ثقيل.‏

وكان الفتى السِّكيت يردد في داخله:‏

-: (بريئان.. أقسم).‏

حثته نفسه أن يكشف الحقيقة، وحضته نخوته ملحّة، فانتحى جانباً خارج السرب المحيط بالضابط، بيد أنه ما لبث أن فتر وانصرف عن البوح، ولم تهمد نفسه، فضجّت سائلة:‏

-: (كيف لهم الخروج من هذه الغمّة، والضابط سادر في غيّه.؟. قد حكم عليهم بذاك العذاب، فكان أجور من قاضي سدوم.!.).‏

وحده هو والضابط يعرفان ما حدث، وتلك القافلة رحلت بعيداً، حاملة جيئولا وغولدا؛ الفاتنتين الضاريتين، وقد رأى منهما ما أذهله، وما لا يتخيله قطّ.!.‏

يكاد يعيد النظر بتباريحه والعشق الذي دمّره، ما دام للجسد ذاك البهاء بلا نظير. وما الخليقة بأسرار مفاتنها قاطبة، إلا دندنات وإيقاعات من بعض موسيقا الجسد. ومهما وصف يظل عاجزاً عن الوصف. إنه الجنون الجميل عينه.!.‏

ويا لعجبه من طاقة خرافية كامنة في رقة الأنوثة.!.، ولم يعرف قدر جمال الجسد، إلا حين رأى عن كثب كيف اكتمل الجمال كله، باندغام أنوثة طاغية بذكورة فائقة.‏

سرٌّ قلَّ أن يتجلى لبشرٍ، فإن تكشّف نبضه في أعماقه، كان سدرة لا قبلها ولا بعدها..!..‏

-: (تراك يا قمر.. تعرفين هذي النأمة الواصلة الفاصلة.؟.).‏

ظلت قمر نهباً لتفكيرٍ مضطربٍ، بين أخذٍ وردٍ، وألفت ذهنها يتناول عنقود التساؤلات، وقد تشمرخ في زورها، فيأخذ منه حبة فحبة:‏

-: (هو أمر مختلف تماماً، لعل التشكيك به سبيل انحساره. ولكن.. كيف أخرق هذا الطقس المهيب.؟. وأنى لي تقديم برهان براءتهما.؟. ومن أين آتي بدليل.؟. وكيف أؤوّل ما رآه الناس.؟. كيف أنقضه لأثبت سواه.؟. ومن أين أبدأ.؟.‏

قمر.. الجدة نور لم تخطئ إذ قالت إنك شموس، ولم (تستطعمي) بعد.؟!.‏

تجرّعت مرارة الهزيمة والخيبة حتى حثالة الثمالة، خُذِلت بنفسك المتصعّدة، وفجعتك الأحلام بجسدك المدلّه، فعرفت طعم العلقم على ذاك وهذا الصعيد، وما زلت تدسّين أنفك في هذه وتلك.!. العمى.. أتكونين سبّاقة في موقفٍ أنف الرجال منه، فضلاً عن أنثى.؟. العمى يا قمر.!.).‏

-: وبعد أيها الحكيم إدريس.؟.‏

-: معضلة أيها الضابط.‏

-: كمال.. أراك مهزوزاً أيها الضابط.؟!.‏

-: اعتاص الأمر علينا يا إبراهيم.‏

ردد إدريس الحكيم بتؤدة وتأكيد:‏

-: لا يذهب بحادثةٍ إلا حادثة أخرى.‏

تمتم إبراهيم القول يتمثّله، بينما كمال يحسُّ القلق بقلبٍ منقبض، فالعد التنازلي بدأ، والمسافة تقصر، والقافلة وإن كانت تزحف؛ إلا أنها تقترب من حلب، والضابط عثمان أهملهم، بل لم يلتفت إليهم، تركهم بلا قوت، حتى أكلوا سحالة الشعير، بعدما هرّب المؤونة إلى تلك القافلة الأعز على قلبه. عجيب هذا الآدمي.!. كأنه لا يراهم، وكأنهم غير موجودين.!. أليست هذه أساليب المهيمن؟ بلى.. وإنه ينطق غير ما يضمر، ويخفي عكس ما يُظهر. تلك خطورته، وهذا سبب قلق كمال، فهو على تواضع خبرته، درى غطرسة أولئك العسكريين المطنبين بالفخفخة، ضالعين في الغرور إلى حد التورم:‏

-: (أرفض أن أكون مثلكم؛ وإن كنت منكم.).‏

فلم يكن فشفاشاً كالضابط عثمان، هذا الذي لا يرعوي، إلا إذا أُقيل مسترذلاً فتفش نفخته، أو.. يموت.‏

اختلس إبراهيم من كمال طلقة، في وقت عزّت فيه الطلقة، وها هي في قبضته، يضغط عليها، يحسسها دوافعه، واستلّ البندقية، غنيمته من معركتهم مع عسكر عريف ألكسندر، ولطالما حرص على إخفائها. مسحها وأودع الطلقة في جوفها، ربت على جيد حصانه وانطلق كرصاصة، شقَّ طوق العسكر المتراص حول قائدهم، تنابهوا وأطلقوا وأطلق. استقرت رصاصته في كتف الضابط الأيسر، وسقط إبراهيم عن صهوة جواده مثقّباً، داسته الدواب فشوّهته. بصق الضابط متشفياً، تركه رسالة جوابية إليهم، وتابع الركب سيره، وجعل الجواد من جسمه مظلّة لفارسه الذي سقط. شمّه فحمحم، ثم رفع خطمه إلى أقصى علو وصهل، كبا وطأطأ رأسه حزناً أو احتراماً، واسترخت أذناه، وقطرت من عينيه دمعة فدمعة.‏

جثمت آية عند رأس زوجها تسأله بعتب مؤلم:‏

-: أأنت القتيل، أم أنا والذي في أحشائي.؟.‏

اتسعت مقلتاها، وتجمدت أجفانها وظلت شاخصة.!. دفنوه بمهابة، وتحسّر أصدقاؤه والنسوة على شبابه، وتساءل بعضهم:‏

-لِمَ فعل ذلك.؟!. لقد أضاع شبابه، ولا شيء يعوّض فقدانه.‏

استأنفوا المسير، ونعمان ينشدهم ويرثي صاحبه:‏

-: (نختار الحياة القصيرة... وليبق صيتنا ذائعاً... دون أن نجانب الحقيقة... فلتكن العدالة طريقنا... ولنعش بقلوب حرّة... دون أن نعبأ بالصعاب.).‏

وانقهر رهط شبان وصبية، وانفجر أحدهم قائلاً:‏

-: لو أنه قتله، لما كان موته بلا ثمن.!.‏

وأجهش باكياً. احتضنت هوريك صاحبتها آيه، وضمتهما الجدة نور إلى حضنها، وتعاضدت قمر معهن مواسية:‏

-: إبراهيم فقيدنا جميعاً.‏

شخص بصر كمال بوجه إدريس الحكيم، فهزّ الأخير رأسه، كأنه يؤكد ما سبق وقال بأن ما للحادثة إلا حادثة أخرى، وأمسك كلٌّ منهما عضدي الآخر وتهازّا، دون أن يسمح أحدهما لابتسامته الحزينة أن تظهر، فليست كل الميتات سواسية.!.‏

ولحق جسم القافلة برأسها، فقد توقف الركب في استراحة طوال مدة دفن إبراهيم؛ ومداواة الضابط الجريح، وها هو يبدو متعافياً، أو أنه يُظهر بأسه، فلا يفتق في غطرسته موضعاً.!. ثم خاطبهم بين جدٍ وسخرية:‏

-: اجعلوا لكم رأساً بدل أن تظلوا جميعاً موضع الذنب. دعوا وجهاءكم في الواجهة، فلا أحد بطرف الوالي يلتفت إلى العجيزة.‏

لكز حصانه ومضى، وقبل أن يتقاطر خلفه العسكر، أدار حصانه موجهاً كلامه إلى كمال:‏

-: حريّ بك أن تأخذ مكانك. كفاك تردياً ومسخرة. ضابط أنت لا راعي غنم. إني آمرك.‏

أطرق كمال هنيهة، ولمح إدريس الحكيم تردده، فنظر نحو الجدة نور كأنما يسألها أن تُخرِج الضابط الشاب من حيرته، فهتفت:‏

-: كمال يا بني، مطمئنون إليك حيثما كنت. هيا.. تصرّف يا رجل، ولا حرج.‏

تطلّع نحو قمر فوجدها وهوريك منشغلتين بآيه. حانت منها التفاتة فابتسمت بدفء، شحنته ابتسامتها ثقة، فمسح رأس الصبي حمزه وترك العربة، عدّل هندامه و تناول رسن فرسه، امتطاها ومضى يحفّه مَنْ أحبّه، ومن لم يرتح له على حدٍ سواء. لحظتئذٍ انقبض قلب أرملة ضيف الله، وسالت دمعتان قهريتان على خديها، وذهب بصرها إلى الفضاء، فتراءى لها طيفه، شكت إليه حمأة الضعف وتضاعيف الفراق، فذاك هو عثمان القتول، يتعنجه متبذخاً بدم قتلاه.!. (وما عاد وجهك يُطل عليّ بالرضا يا ضيف الله.!.).‏

انتبهت.. وقد علا لغط حولها، فالجدة نور أبت أن يكون ابنها رجب في المقدمة بين الكبراء، ثم إنهم ألحوا حتى أضجروها، لأنها ارتأت إنابة حفيدها سليمان، وحاولوا إقناعها بأنه لم يزل في مقتبل العمر، ووالده أولى بمكانةٍ هي في الأصل له، فأكدت إصرارها، وتمنوا عليها أن تقبل ارتقاء المقدمة إلى جانب رجب، فجاء ردّها حاسماً:‏

-: أما سليمان فبدلاً عن أبيه، وأما أنا فإني أُنيب قمر.‏

لحظات وهم في دهشةٍ، فلطالما أتتهم بآراء حيوية لم يألفوها، ولا يجدوا حجةً تبرر نقضها. وكان الشيخ الإمام آخر من حاول ثنيها عن رأيها، وحين لمست أنه يجادل بإيحاءٍ من الضابط عثمان، جادلته حتى أنسته غايته، فانصرف منشغلاً بغير ما جاء لأجله، ثم انقطعت إلى قمر تشجّعها، خالعة عليها أثواباً لائقة، مما كان لها إبّان قمة نضوجها، حافظت بحرصٍ عليها، وما فتئت ترشدها وتعدّها نديدة الرجال، مكرّسة فطرتها المنذورة لمغالبة صيرورتها، من غير أن تنسى نفسها، فهي امرأة أولاً وآخراً، ليست مسترجلة ولا مبتذلة، وأردفت:‏

-: فإن أحسنتِ فلك يا قمر، وإن قصّرتِ فعلينا معاً. الحذر.. الحذر.‏

رغّبتها وحذّرتها مباركة فطنتها في آنٍ، فغبطتها نسوة، وحسدتها بعضهن، وصفّق عباس الممسوس لها، وزفّها صبية وصبايا، وهي ماضية كأميرة على صهوة فرسها، فسبّح الفتى السِّكيت بمبدع ما خلق.!. وأخذته قشعريرة كومض البرق اقتسرته الشهقة خلالها مرتين، وهو يتملى هذي القادمة عروساً بهيّة، تمناها ولم يحلم بغيرها، فأوقف قلبه عليها، وها هو يخفق على هامشها، وتناحرت في ذهنه خيالات بهرته أمسِ، وهذه التي لما تزل في نظره سيدة النسوة.!. أهو عشق يخص ذاتها، أم ولهه بالجمال كافة.؟!.‏

وأطال عثمان النظر متملياً شخصيتها، وقد حرَّكت في قرارته حناناً شفيفاً:‏

-: (أيتها البديعة.. ما أشبهك بأمي.!.).‏

دنت فحيّت الرجال، واتخذت موقعها قرب سليمان، حيث يليق بمن في سنها ثم إنها ما زالت ترهب حماها السابق؛ بل تحترمه، أو لم يقل إنها بمثابة ابنته.؟.‏

واستأنفت القافلة مسيرها مكتملة، فعادت لتبدو كمخلوق فقاري أسطوري، برغم ما أصابه من هزال لكثرة ما نزف، فليس بقلة الذين انتزعهم الموت في الطريق الصعبة، والذين فرّوا منسلخين عنها، وها هي تزحف بناسها ودوابها وعرباتها على روابي المدينة، وكمال يكاد يطير فرحاً إلى حيث بيته، لكنه سرعان ما امتعض لمرأى أفواج الناس يغادرونها بهيئات بائسة، وتلك هي دوريات الجندرمة، تجوب الأمكنة، تطرد وتطارد فلولهم، تنقضّ فتأخذ أحدهم، وترمي بآخر إلى التهلكة، رآهم أشباحاً وهياكل، لكأنها خرجت لتوها من أجداثها، أحاطوا بالقافلة، تراكضوا حولها لاهثين في إثر مضغة.!.‏

-: (أي خطبٍ نابك يا حلب.!؟.).‏

أحزنه أن يرى ذلك. خجل وانكمش. تعرّق واضمحلت فرحته بالعودة، فهو أسير شعور تملكه منذ وعى، فالمدينة بيته، وسكانها أهله وخاصته، والقادمون إليها أضيافه، ولا يخامره شك أن بيته أجمل بيوت الدنا، وأهله أفاضل، فيفاخر ببيته وأهله، ويكرم ضيوفه كرامة حبه لأهله وبيته، فما تراه يفعل، وقد انكشف ستر من أستار داره، شعور سوداوي غمره فأترعه حرجاً، كأن الأضياف أطلوا على بيته فرأوا عورته.!. تذكّر الكواكبي، فزور عثمان وتحسس قبضة سيفه، امتقع لونه وارتجفت أرنبة أنفه. أحست قمر أنه مأزوم يفضحه اختلاج وجنيته، فبادرته:‏

-: وصلنا أخيراً.. أليس كذلك.؟. حمداً على سلامتك.‏

-: بلى.. هي ذي حلب.‏

-: تبدو كما وصفتها لي. ستجد من يفرح بعودتك، إني أغبطك. وما تلك.؟.‏

-: إنها القلعة.. علامة حلب.‏

-: أتستطيع تحديد موقع بيتكم.؟.‏

-: إنه إلى جوارها.. عند طرفها الآخر.‏

-: ليتني أراه.‏

لم يفهم ما رمت إليه، إلا أنها انتشلته مما طغى عليه، فشعرت بغصّة وفرحة معاً، ونظرت في عينيه قدر ما أتيح لها، لكأنها تريدهما أن تنبئانها كيف يراها الآن، وهو على تخوم بيته.؟. وللحظة تمنت لو لم ينته المسير.!.‏

ثم تمنت عميقاً ألا تكون نهاية المسير ختام حكايتهما. تنهدت، ثم رفعت رأسها مبتسمة بإشراقٍ؛ لعلها تخفي هواجسها، وبعثت نظرها في أرجاء المكان، محاولة ألا تكلمه أطول مدة تصبر عليها، لا سيما أنها لاحظت استياء الوجهاء، وقد أثارت حفيظاتهم، فتشاغلت عنهم بالنظر إلى النهر، وكيف يزنّر المدينة، ويلفّ خصرها أُلفةً، ويروي مساكب الخضر على ضفتيه، وجمال أشجار الفستق في الكروم المترامية، وأشجار التوت العملاقة تحفّ بالسواقي، يستظلها هذا البستاني وتتفيأ بظلها تلك العائلة، وتزهو الزروع بين أيدي فلاحٍ وأفراد أسرته أجمعين.‏

وفي السماء، من فوقهم حوّمت أسراب حمامٍ إثر أسرابٍ، هفهافة منسابة برشاقة، وكم رأت في نومها أنها تطير دون أجنحة أو ريش، تسبح في الفضاءات الرحبة، تنزلق في الهواء متى أرادت؛ وإلى حيث شاءت، فصار ديدنها أن تهجع طالبة النوم، لعلها ترى أنها تطير محلّقة فوق الأشجار السامقة، والبيوت ومداخنها، وحرارة العواطف المتخيلة تحت سقوفها، والسهوب ومداها، والجبال وأنفتها، ودروبها الضيقة بمنزلقاتها الصعبة، مستمدة من ذلك انتعاشاً ومتعة وتجدداً، فلم تحدِّث أحداً عن أضغاث أحلامها، خشية تخرصاتٍ تشوّه نشوتها، أو حسدٍ يحرمها متعتها الخفيّة، فربما ذهب الحسد بهذي النعمة، إن كان ما تراه سرّاً لا يجوز إطلاع الآخرين عليه.!.‏

استرقت النظر إليه، فلمحت لآلئ دمع عينيه، وطيف بسمة تهلل لها وجهه رانياً إلى المدينة، باحثاً عن مكانٍ محددٍ فيها، فبدا كطفلٍ أعادوه إلى حيّة بعد إبعادٍ طويل، فشعرت بدافعٍ جامحٍ لتضمّ أصابع يديه، وتلثم بين عينيه، تشاركه اللحظة بندرتها، فتضمه برؤم الأم.‏

انتابها خوف مفاجئ انقبض له صدرها، فماذا لو كانت ثمة أنثى تنتظر أوبته وقلبه يهفو إليها.؟.‏

ردّها صوت الضابط عثمان من شرودها، لحظة خاطبها في جملة الوجهاء:‏

-: أوصلتكم إلى حيث أرادت لكم السلطنة، وعليكم تقدير ما تحمّلته من مشقّة لأجلكم، وما عانيته من سفهائكم وأجلافكم.‏

-: هكذا إذاً أيها العرّاب. سفهاء وأجلاف.؟!.‏

قال عبد الله ذلك محتجاً، فانتصب توفيق وحمزه إلى جانبه. زورهم محمّر العينين، وبالآن نفسه رصد الموقف برمَّته، واضعاً في حسبانه احتمالات شتى، وروَّأ في ردّه على ذاك الفتى الأرعن، ثم قال:‏

-: ها أنت تأبى إلا أن تعلن عن سفاهتك. ارحم نفسك من لسانك يا هذا، فإني مشفق على أمك.‏

وما كاد عبد الله ينتفض متقدماً نحوه خطوة. حتى أشهر غدّارته مهوّشاً، وأطلق على مؤخرة بغلٍ فجفل واشتعل ذنبه، وراح يعدو كالملدوغ، ضارباً الهواء بخلفيتيه، مهيّجاً الدواب فاختلطت ودربكت وارتفعت أصواتها صهيلاً وشحيجاً ونهيقاً، واضطرب العسكر والناس، إلى أن كبح جماحها السوّاس وأصحابها والبياطير.‏

ساد ترقب وعمَّ سكون ملغوم، فالموقف منذر بما لا تُحمد عقباه. عندئذٍ دفعت الجدة نور إدريس الحكيم، فأبعد الأخوة الثلاثة، منوّهاً أن مخاطبة الضابط وقفٌ على الوجهاء، فالمكان والزمان يفرضان سلوكاً مطواعاً.!.‏

خيّم صمت ثقيل، ونظر بعضهم إلى بعضٍ حرجاً وشزراً، فتنحنح الوجيه عبد الحميد قائلاً:‏

-: لا بأس أيها الضابط العتيد. أين تؤووننا، ومتى نقابل الوالي.؟.‏

-: هو ذا المفيد؛ وأنت فيه على حق. سألتمس لدى جنابه ليقابلكم، ولكن ليس قبل أن أرى ما لدى قائد الحامية بشأنكم. أعدك فاطمئن. إليّ أيها الضابط كمال.‏

انتحيا جانباً، وبادره بطلب الكتاب والشمعدان، رفض، فهدده متوعداً.. ولم يرضخ، ثم كرر طلبه بتحبب وتزلّف، بيد أنه لم يستجب، فساومه وفاوضه دونما فائدة، ثم لانت لهجته آخذةٍ منحى الرجاء، وأيقن أنه إنما يسفح ماء وجهه هباءً، فقال:‏

-: لا بأس. برغم سلبيتك سألتمس لدى قائد الحامية لـ.. ترقيتك. أما الكتاب والشمعدان فهما أعطية، احتفظ بهما، أو اعطهما إلى والدك، فقد يُسرُّ بهما، أو قدمهما هدية للوالي فربما كافأك. خذ الأنفار إلى "القشلة" ما عدا الجاويش والأومباشي. هيا.‏

حين ابتعد بالعسكر والعتاد، بصق الضابط عثمان شاتماً:‏

-: "بيس ميلت-غوييم".‏

ومال إلى الوجهاء يجاملهم رياءً، وأضفى على الأوامر صيغة الاقتراح، على أن يحطّوا الرحال -مؤقتاً- ههنا قرب مفيض السيل، فالمكان فسيح والنسيم عليل، والحال أمان، وسيسهر "الأومباشي" على راحة الكبراء، ثم ادعى أنه سيتابع مسألتهم لدى أولي الأمر. وما لبث أن تركهم وانطلق على صهوة جواده، متجهاً نحو المدينة وحارسه في ركابه.‏

تبختر الوجيه عبد الحميد مثل طائر الحباري، مبتهجاً بقيام الأومباشي على خدمته، وأمّل صحبه خيراً، فالضابط لمّح إلى أنّ الوالي يقدّر الوجهاء، وملُؤَ الرجل زهوّاً، كأنه ضابط ما تقاعد إلا للتو، له باعٌ طويل في الميدان، وله من عسكره تلاميذ أوفياء.!. وما الأومباشي إلا أحد أولاء النجباء، يأتمر ويلبي طلباته دونما تلكؤ، واستدرك لافتاً الانتباه إلى الأومباشيين، فغالباً ما يكونون محنّكين، يعرفون قيمة الرجال ومكانتهم. لكن الأهم الآن هو الوالي، أليس يقدّر الوجهاء.؟.‏

لذا فالصعب يهون، والأمور في طريقها إلى خير ما يرام.‏

حاولت قمر استدراج الأومباشي، لعله يدلي بما يفيد عن مجمل أحداث الطريق، وعلى وجه الخصوص، الذهب الذي ادعاه الضابط، ونهاية رشاد ورمضان، وأين اختفت تلك القافلة.؟. وتدخّل سليمان مجاملاً، ودسَّ في يده بضعة مجيديات، إلا أنه ظل متحفّظاً، إلى أن أوضح أنه خائف، ثم ألغى ما نمَّ عنه كلامه، فأنكر أن يكون مطلعاً عما يسألون، وتبرّم لانزوائه معهما، فهبّ متذرعاً بواجب خدمة الكبراء، ولما ألحّت أن تعرف أين كان ليلة موت رشاد ورمضان، تنفس بتقطّعٍ ونفض رأسه مدمدماً أنه لا يذكر، لكنه أكّد اختفاء كبير الطهاة ليلتذاك، ثم استدرك راجياً تقدير وضعه الحرج، فلقمة العيش تلجم اللسان، وليس كل ما يُعرف يقال. ثم هذَّ حديثه وتركهما على عجلٍ، فانتحى جانباً وجلس مطرقاً، فجعلهما في ريبة منه، وشرع يغني:‏

-: أمان أمان. أما.. ن.‏

وطفق يرثي نفسه وضياع العمر، شاكياً حالـه هاجياً الزمان...‏

أشجاهما صوته الطلق، وقد وظّف في نبراته عُرباً عبّرت عن تفتّق المواجع.‏

ولم ترتح قمر لحظةً لغياب كمال، غير قانعة بما يدور، تاركة لسليمان أن يحاول مع الأومباشي ثانية، فهي ذاهبة إلى الجدّة نور جدّ ضجرة. لم تصرّح أنها شبه محبطة، فلا مبرر لحشرها بين الوجهاء، ولا مبرر لعزلهم عن الناس، فاللعبة محض فخفخة جوفاء أحسن الضابط استثمارها، فحمى نفسه بهم، وكان على شفا خطرٍ؛ خطورة ما اقترف بحقهم:‏

-: ويا للهبل إذ وافقناه فنصرناه على أنفسنا.!. وههنا مزيج من غباء وسذاجة وحمق، وإنها كذلك في نظر الضابط الماكر. خدعنا ونفذ سالماً، وها نحن في أفواهنا رماد ومرارة خيبات.‏

***‏

مضى من الليل بعضه، حين خرج الضابط وحارسه من الحمّام، والحارات والأزقة مقفرة إلا ما ندر، وبرغم ذلك كانا حذرين يتوخيان العتمة، في طريقهما إلى سكن (الخانم الكبيرة).‏

-: "عصمان". هذا ولد.!.‏

-: لائقٌ وهو عزّ الطلب.‏

-: أحقاً.. أم تراك تنتهز رقّة أهوائي.!؟.‏

-: استعضت عني بصانع الطرابيش، وها أنذا أهديك ما يغنيك عن الرجال أجمعين.‏

-: أما أنت فلا أستغني عنك أبداً، وأما صانع الطرابيش فلا تذكره البتة، هي غلطة أريد أن ننساها، وليس في وقتي متسع لمثلها.‏

-: (أيتها المتقلّبة.. يا ذات الأمزجة المحيرة.!. إنما تبدين تحفظاً بقدر ما يلزم الأبهة. لن أدعك تتعجرفين، ونفسك لا تعفّ عن كلبٍ، فضلاً عن هذا المتكامل.).‏

واندفق الكلام من فمه، غير لاوٍ على لائقٍ، فقد بلغ السيل الزبى، ولن يدع لمحض ترّهة أن تنسف تدبيره:‏

-: إنه فتي يا خانم وقوي. جلد.. صبور.. كتوم.. سكوت.. نشيط.. غِرٌّ.. عَزب.. مطواع.. لطيف.. وسيم.. مجهول.. عصفور.. سهَّاري.. مؤنسٌ.. سيدتي فتنت خانم.‏

ذابت وهي تستمع، وأجابت كأنها غائبة:‏

-يا للمتع..!. ما اسمه "عصمان بك".؟.‏

-: لا اسم له.. سمّه ما ترغبين.‏

-: هل علم ابننا الباشا بعودتك.؟.‏

-: اطمئني.. لا علم لأحدٍ بالفتى.‏

-: "كاهانا" أيها المخلص. شرطي أن تنساه.‏

-: "تامار" أيتها الفاتنة، نسيته منذ اللحظة.‏

-: ترقية لك "عصمان بك".‏

-: كريمة يا خانم.‏

-: إذاً تريحني من صانع الطرابيش فأطمئن.‏

-: هذا أمر آخر، وأنا طمّاع.‏

-: طمّاع.. نخاس.. سمسار.. ديوث.. ثعلب أنت، وماذا أيضاً.؟.‏

-: مخلص مطيع.‏

-: "عفارم".. قل بِمَ تطمع.؟.‏

ملأ عينيها بابتسامته الرقيقة الماكرة، وأسال إليها من عينيه فيض عسل، فغرقت به ولم تستعجل إجابة، لكأنها تقرأ ما يدور في خلده:‏

-: (نوّلتك ديدنك.. وسأستنزف سطوتك أيها المتصابية المتسلطة، فأستفيد أقصى استفادة من سلطانك الخفي، وهذا حقي لا فضل لك فيه، فإن زدت أستزيد، ثم إن زدت فلأنك تجعلين الفتى يراك "أناهيد"، ثم تشعرين أنك حقاً "أفروديت"، يُفتّح مساماتك فيرطّب جلدك، فتتجدد بشرتك والأدمة، ونفسك الأمّارة تجعله مستلباً فيتفانى، ويُسري إكسير الحياة في أنحائك، يؤلّقك فتبرقين وتصدّقين أنك "فينوس". إني مشفق عليه من صحوة جنيّة تلبَّستِها، فقد أدخلته لحماً، وستخرجينه محطماً، تسلّيه عافيته، فيجفّ نسغه وييبس كالشجر.!.‏

ولن أطلب كل ما أريد. سأترك الأهم إلى حين يحرث الفتى التضاريس، ويوغل المِحرث في النار، عند ذاك يهون عليك طلبي الصعب، أما الآن فتقضين لي أهونها وعاجلها، فمن أموري ما لا أحبذ تأجيله.).‏

يعرف أي منافق هو، وكان يستغرب أحياناً نفاقه، فيردد هاجساً:‏

-: (أنافق فأستفيد، دون أن يدري مبغضي، فأظلّ الرابح الغالب.).‏

خرج وقد ضمن وعوداً، سيلمس ذوي الشأن نتائجها عما قريب، وبدا مطمئناً إلى نتيجة فعلته، ونفسه فيّاضة بمشاعر الرضى، ومضى يضحك سروراً، يداعب حدسه متسائلاً:‏

-: قوّاد من يسهّل النساء للرجال، فماذا عمن يسهّل الرجال للنساء.؟.‏

أأكون سبّاقاً إلى هذا.؟. ما ألذّ الفوز بقصب السبق أنّى كان.!.‏

قلب شفته وقبَّب كتفيه، (وانزلق) في الحارة الضيقة، ويده قابضة على "الطبنجه" يقظاً متنبهاً لصوت قطة تقرفص في زاوية، وجرذٍ (ينزبق) من كنيف إلى مجرور، ودخل (زابوقاً) بعد آخر، حتى دنا من ذاك الباب الناتئة مساميره، مثل مسامير الباب الكبير بمحلّة باب الحديد، واقترب من عتبته الواطئة. ثلاث طرقات... فاثنتين.. ثم طرقة واحدة. انفرجت طاقة مشبّكة في الباب، وتتالت عيون ترمقه عبر قضبان الكوّة، ثم انشقّ الباب فعبره بخطوتين، ووجد نفسه مطوّقاً ببضعة رجالٍ بينهم امرأة. أُرتج الباب على عجل والصمت مخيّم والعيون ترصده، وأسلحة بأيديهم غائصة في قفاطينهم الفضفاضة. مدّ يده إلى علبة خلف الباب. تناول لفافة. أدناها من فمه وهو يفضّها، وعيناه معلقتان بوجوههم، فحنى رأسه وقرَّب الجلد من شفتيه ولثم "المزُوزة"، ثم أعادها إلى العلبة، فسمعهم يحيّونه:‏

-: "بارُوخ هَبّا-مبارك القادم".‏

وأفسحوا له، فخطا نحو الداخل قائلاً:‏

-: "شالوم".‏

دقّاته على الباب كانت واضحة، ثم إن أحدهم يعرفه، وتأكدوا حين مدَّ يده خلف الباب إلى العلبة، لكنهم تركوه يكمل الطقس، فثبت بلا شك أنه منهم.‏

لم يمتعض ولم يعترض، ولا احتجّ على إبطائهم، وهو الذي لا يطيق ذباب وجهه، فهو مثلهم محترز، والشك بمن ولدته أمّه يبقى مبرراً حتى يثبت إخلاصه، باركه الحاخام مرحباً، وقال لصحبه:‏

-: هو ذا "كاهانا".‏

أرادت المرأة أن تقوده إلى مخدعٍ، ليقضي بقية ليلته، لكنه قال مرجئاً:‏

-: ليس قبل أن أبلغكم بما عندي.‏

-: هذا ما نرغبه إن لم تكن متعباً.‏

حدّثهم كيف يسّر لـه الحبر مرافقة "الغوييم" ممن تعهّدت السلطنة أن تبعثرهم وبالتالي تسنى له تأمين "نتيفا" والصاعدين معها، بتدبير التاجر "ليفي"، وحدّثهم عما يدور في الأستانة، ودأبهم على معاقبة السلطان بتنحيته، وكيف أنهم اندسّوا في جماعتي الدستور والترقي، وبحثهم عن قناع يجعلونه واجهة فيتحركون خلفها، ولمّح لهم عن بعض مضامين "البروتوكولات"، وعن نشاط "جابوتنسكي=زائيف) في أوديسا، ثم حدّثهم عن مؤتمرهم وقراراته برفض أي بلد في إفريقية، وعدم القبول بغير أرض (الميعاد). ثم حدّثهم عن الملخص "فوزي بك" والاحتفالية التي أقامها للصاعدين، وأخيراً عن "تامار=فتنت" والمأمول منها، وبحث معهم قضيته مع غريمه الضابط ابن صانع الطرابيش في محلّة بحسيتا، وكيف يمكنهم استرداد "أسفار التلمود والشمعدان" من أولئك "الغوييم" المهجّرين، فعرفوا الكثير عن قمر والجدة نور والوجهاء والحكيم إدريس وأولاد ضيف الله البغضاء.‏

بدأ الفجر ينبثق مبدداً الجهمة، حين نقّطوا حروف عملهم ليومهم هذا، عندئذٍ أخذته "هاجر" إلى المخدع، وتوزعوا كلٌّ في مرقده، وتواصوا أن يهبوا قبيل الضحى.‏

ولم تكن الشمس قد بزغت، عندما دار الوجيه عبد الحميد على الوجهاء، ثم سبقهم إلى الشيخ الإمام، فجالوا متفقدين الناس، واقفين على أحوالهم، عقب ليلتهم الأولى في بطاح حلب، وبدا هميماً عطوفاً، ذهب إلى المرضى، ولم ينس الممسوسين مؤكداً اهتمامه بالصغير والكبير، باذلاً ما استطاع لاستعادة مكانته، بعد كربٍ وظروفٍ ليس له يد فيها، حسبما يقوله الآن لمن حوله، ولم يتأفف من معترضٍ يخالفه هناك؛ وغامزٍ ساخرٍ هنالك. تغاضى عما لا طائل عنه، وتجنّب المهاترة، برغم امتعاضه من قسوة بعضهم عليه، أغاظوه غير مرةٍ وكتم غيظه، وظل حريصاً على الابتسام، ثم بشَّ وتهلل وجهه، لتلك التي رأت في عودته على رأس ناسه فأل خير، فازداد ثقة وحماسة، واقترح أن يذهب بعض الشبان بمعيّة الأومباشي إلى أسواق المدينة، فيجلبون الأطعمة، وحين استعدوا وجهّزوا العربات، أبى إلا أن يدفع كامل الكلفة.‏

لم تدر قمر ما تفعل. أتلتحق بموكب الوجهاء أم تنصرف إلى شأنها وهمّها.؟.‏

لا سيما أن الوجيه رجب بينهم، كأنه يؤكد مكانته وإن بدا وجلاً، بينما ابنه سليمان يتذرع بمساعدة البيطار على حذو بغله، وغير خافٍ عليها انشغاله بهوريك، فتلك هي تبادله نظرة وابتسامة، والجدة نور تدقّ الأرض بعصاها وهي علامة عدم رضاها عن أمرٍ ما، والديك يدور حولها غاضباً لغضب صاحبته، فغافلتها وأسرعت مع المنحدرين إلى النهر. نادتها الجدة نور مرةً عقب مرة، دون أن ترد، مقدّرة أن المسافة بينهما، تمكّنها من ادعاء عدم سماع ندائها.‏

جلست قرب الشطِّ تراقب أحياء الماء، متذكرة ليلة أولمت لهن هوريك شواءً ابتكرته من أفخاذ الضفادع. تنهّدت إثر بسمة خاطفة، أطرقت مستسلمة لوحدتها فكمال لم يعد.!. نخزها شيءٌ في صدرها. نقزت إذ انقبض قلبها فحدّثها أنّ كمالاً لن يعود.!. جفلت فانزلقت، وبقيت قاعدة حيث استقرت في المجرى، يغمرها الماء حتى ثدييها، فبدت كنبتة نيلوفر بأوراقها العظيمة، إنما بلا زهر، وشرعت تحدّث النهر:‏

-: (ما دمت ستضيع في ملوحة البحر، أو يلاشيك عطش التراب.!. ما قيمة مصدرك ومن أين انبعثت.؟. لا شيء البتة يجعلك قادراً على العودة من حيث أتيت. أو استرجاع بعض قطراتك. شيء ما يجعلك لا تستمر، فينفقد ماؤك وينتهي مجراك، فلا يذكر أحدٌ اسمك. ويعزّ أن تنقّ فيه هذي الضفادع.!. إلى هذا الحدِّ تحكمك قسوة العدم.‏

أيا نهر.. أنا مثلك. لي مائي وإن أضاع سريره، ونضارة النبت وعشب المرج، فقلبي وردة كل الفصول.. إلا أني عطشانة ولشدَّ ما أخشى التجفاف. تنقبض عني حياتي فلا يبقى لي غير لوك الذكريات، والعمر ينوس دون استضاءة. فيا أيها المتدفق، تراك تجفّ ذات يوم فتعرف معنى الحريق المنطفئ في كياني.؟. أتراني أجرّب موتي.؟. وهل لأحدٍ أن جرّب كيف يموت.؟.).‏

أدركت أمينة أية أفكارٍ داكنة تغيّم في رأس صاحبتها، فتجعله كهفاً مرصوداً للعفاريت. فخاضت إليها وقعدت خلفها، تصبّ الماء على رأسها، وتمشط لها شعرها المجزوز، منغّمةً أغنية طروبة تستدني الأمل.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244