البشر.. وحتى الشجر.!. - سامي حمزة

رواية - من منشورات اتحاد الكتّاب العرب دمشق - 2001

Updated: Wednesday, September 17, 2003 04:46 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

13

13‏

سرى نبؤهم في الحمّام، ثم انتشر في حارات المدينة وأماكن التجمّعات، وفي حوانيت الحلاقين وشراذم العاطلين عن العمل. وأثارت الأقاويل فضول الرجال والنساء على حدٍ سواء، فحرّكت الكوامن وأيقظت الهواجس، وكانت مثيرة داعبت أخيلة الناس وكشفت قناعات غير مصرحٍ بها، ونبشت رغبات مكبوتة، دفعتها إلى السطح، فأمست تسليةً ومحور أحاديث في البيوت وقارعات الطرق، وتحوّلت إلى حكايات مجنّحة، تحرّض على المتابعة، فتسللوا خلسة إلى مفيض السيل وعلى استحياء، ثم تقاطروا بلا مداورة، والتموا حول النزل متوجسين، فراقبوا وتهامسوا متقوّلين مهتابين، ثم تنادوا علانية لتلمّس الغريب العجيب فتنادروا وتداولوا الطرف وتخيّلوا، وتداعوا إلى الفرجة على أناس ليسوا كالناس.!!.‏

-: ماذا يريد هؤلاء.؟.‏

-: إنهم يتغامزون كأنهم ما رأوا بشراً من قبل!..‏

-: كثرتهم مبعث ريبة، لكأنهم يبحثون عن شيء بعينه.‏

-: ليس لدينا شيء لهم.‏

-: يتهامسون وعيونهم علينا.‏

-: أمرهم غريب.!.‏

-: يراقبوننا عن كثب.‏

-: فلنكن حذرين.‏

-: عيونهم تتابع النساء.!.‏

-: ضعوا في الحسبان أسوأ الاحتمالات.‏

تمطّط الوقت، فذهب بعضهم وأتى غيرهم، ولم ينقطع غدوهم ورواحهم، ثم إن بعضهم لبث في مكانه، كأنه نوى الإقامة.!.، والقادمون يزدادون يغشاهم اكتشاف المجهول المثير.‏

-: أضحينا فرجة.!.‏

ينظرون إليهم كأنهم مخلوقات نبطتهم سراديب خفيّة، أو ذرأهم الخالق فجأة مثل ذرّ النمل، فتناصحوا باليقظة كيما يستجلوا مراد أولاء المنفغرة أفواههم، وعيونهم تبرق زوغاناً، وتوالدت تساؤلات وكثر اللغط، فهذا زمن العجائب، وشاع في الأنحاء أنّ في مفيض السيل، أناساً لا يدري أحدٌ من أين أتوا. لعلهم يأجوج مأجوج، يشبهون النور وما هم بغجر.!. لهم أذيال كذيول الخنازير. يعبدون الفرج ويقدّسون دم الحيض.!. وبحبح بعضهم الأقاويل بأنهم يستقدمون الجن فيعيدون للشيوخ صباهم، وحريمهم فاجرات داعرات، لكل منهن أربعة أثداء، وفي ثرثرات أخرى هم سحرة مشعوذون. إباحيون متحللون من قيود الأخلاق تضطجع النسوة للراغبين حيثما كان، ورجالهن يتفرّجون مسرورين، ومن نسائهم من تأكل أولادها مثل القطط، ومن رجالهم من يأكلون زوجاتهم.!.‏

-: أئلى هذا الحد أوصلتنا الأقاويل؟‏

-: ما أقسى أن نضطر للبرهنة أننا أوادم.!.‏

-: يا حيف.!!.‏

نفر الدم من أنف يوسف فجأر:‏

-: هذا ما لا يُحتمل.!.‏

واستلَّ سيفه وانتحر. صاحت الجدة نور:‏

-: ما تبقى لنا شيء. لست أسامحك بحليبي يا رجب.‏

-: ويلاه...‏

-: وماذا بعد.. الألسن تلوكنا وتبتدع ما يشوّهنا.. يا للخجل.. ما العمل.؟.‏

-: فتشوا عمن وراء تلكم الشائعات الخبيثة.‏

-: حاقد مغرض لا شك.‏

-: فمن يكون.؟.‏

-: يا له من وغد.‏

-: لو عرفته لقتلته. دلّوني عليه.‏

-: كائن من كان فإنه يستحق القتل.‏

تدخّل الوجيه عبد المجيد قائلاً:‏

-: هذا علك. علينا مواجهة التقوّلات والردّ عليها.‏

-يبدو أن وراء الشائعات من يروّجها.‏

-: نلتقي الناس ونحدّثهم.‏

-: وهل نلتقي أهل المدينة كلهم.؟!.‏

-: شيءٌ أفضل من لا شيء.‏

سكنت بعض النفوس المضطربة، وعلى صعوبة المهمة التي جنّدوا لها حلماءهم ومتفوّهيهم، تعارف رجل برجلٍ، ونفر هذا من ذاك، وتحفّظ أحدهم واجترأ هذا وتجاسر ذاك. تدانوا.. ثم اختلطت زمرة بثلة، وجالس نفرٌ لمةً، والتقى رهطٌ بشرذمةٍ، تساءلوا واستخبروا متنابئين، وجسّ أحدهم نوايا محدّثة، واستقصى بعضهم خواطر بعضهم الآخر، وبرغم التقارب الظاهر، بقي الشك قائماً، ومهما كان الحوار متبسطاً، فالأمر يبدو عسيراً.‏

صحيح أن بعض الطمأنينة سادت بينهم، إلا أنّ قلّة منهم نظفت خيالاتهم مما علق بها، ففي الخرافات إغراء، وفي الشائعات غواية، مثلما للفضائح جاذبيتها.‏

-: لقد أجدى الحوار.‏

-: لكنها جدوى بطيئة محدودة.‏

-: وما العمل.؟.‏

-: الأوهام المزدرعة، نمت وتشمرخت في أذهان خاملة لسنوات مديدة، مشكلتنا الآن مع الوقت.‏

دقّت الجدة نور الأرض بعصاها فاستنفر الديك، قالت:‏

-: أين أنت يا إدريس الحكيم.؟.‏

-: لبيك.‏

-أين حكمتك.؟.‏

-: أمتحنها.. والامتحان عسير.‏

-: ريث أن تتوقد، أطلقوا أشعاركم وأغانيكم، حدّثوا بتاريخكم وأساطيركم، دعوهم يرون فروسيتكم وفنونكم وجميل تراثكم. هيا.. واجهوا التشويه.‏

تيقن بعضهم من بهتان الأقاويل، ولكن هيهات أن يفعل النفي مثل الذي أثارته الشائعات، وهي شرار وهذا هشيمها، والذي عصف بالمدينة، عصف بالمستنبت فيها، ودغدغ إرث تجهيلٍ ترعرع على جسد الزمن المقتول.‏

لم ينتظر الصبي حمزه وأترابه انبثاق حكمة الشيوخ، فتراكضوا بين الناس زرافات مرددين:‏

-: أوادم نحن مثلكم بلا ذيول.‏

ثم إن بعضهم وجد فيما شاع باب ارتزاق، فالعربات تنقل الناس، والسقاؤون يتكسّبون، وبائعو الحاجات يربحون، وأضحى مفيض السيل ملتقىً وبازاراً، وصار مشوار المتسكعين المتطلعين إلى فرجة تسلّيهم وتكسر رتابة أيامهم المتشابهة، وفيه تعويض فراغٍ وبطالة، وغايات أخرى.‏

-: طال الوقت ونحن في العراء، عرضة لفضول من هبّ ودب.‏

-: كأننا حيوانات نادرة.!.‏

-: يبحثون عندنا عن الرذيلة.!.‏

-: أدركنا أيها الحكيم إدريس.‏

-: إلي بالشيخ الإمام. إذّن للصلاة، وليتوضأ أو يتيمم الجميع. أقم صلاة جامعة.‏

وقفوا صفوفاً بخشوع. صلّوا طوال الوقت. خيّم الصمت من حولهم، كأنّ الطير على رؤوس الناس وهم في ذهول.‏

-: أسأنا إليهم وظلمناهم.‏

-: اتركوهم وشأنهم وعودوا من حيث أتيتم. عيب.‏

-: بل نساعدهم.‏

لم تنته البلبلة دون ذيول، كأنهم أسرى معارك لم يخضها أيٌّ من الطرفين، فالخلق مأزومون، استوحشهم القهر وألّبتهم المظالم، وها هم يردون عليها خبط عشواء، فيصيبون أبرياء بمثل ما أصابهم، وقد فتنتهم الشائعات فغيهبت البصائر، ودلهمت الأفئدة أسىً ينداح مرارة، ويفتّق الوجع المتراكم فوق هشيم الروح، ينكأ الجديد ويجدد القديم.‏

وظلت أخبارهم موضع رصد واهتمام الضابط عثمان، تابعها وجاسها وحرث نارها، وها هو يظهر امتعاضه إن همدت، وينتشي إن اضطرم أوارها:‏

-: هل أعجبك شغلنا.؟.‏

-: لا بأس، وإلى المزيد. جننوهم. اجعلوهم مضحكة ومسخره. ارشقوهم بكل ما يعيب، خرمشوا ما يعتزّون به، احبكوا حولهم شرانق الظنون. وليكونوا عبرة كي يرتدعوا.‏

حثّ فئته لتوجّه الضربة تلو الضربة؛ بدقة وقوة، والغاية فوق الوسيلة، ولتتحقق الغاية، فهي لم تقتلهم لكنها صرعتهم وحقّرتهم، وزعزعت ثقتهم بمن حولهم وبالسلطنة والسلطان نفسه، سيعيشون مع هؤلاء شكاً وريبة، وإن ناداهم السلطان لا يناصرونه، فما تعهّدهم رأفة أو حباً بهم، فالأرض ذهبت للقيصر وهم أولياء العظمة السلطانية فيما يرى وينتهج، يفيد من فروسيتهم وبراعة استخدامهم السلاح، ومآربه الأخرى.‏

-: نفّذنا ما يمهد لضربة أخرى، فما هي.؟.‏

-: أما الضربة التالية يا هاجر، فتجرّدهم من شعرة وضعها في أيديهم كمال الممقوت، واليوم موعد نبأ عظيم. يموت قضاءً وقدراً صانع الطرابيش، ولا علاقة لنا بخير القضاء والقدر أو شرّه.!.‏

احترق الحانوت وتفحّمت الجثة، وصنّفت الجندرمة الحادثة بأنها نتيجة اختناق بغازات فحم المكواة والمنقل، ولسعت النار الحوانيت المجاورة، فذهبت فعلة الفاعل، مثلما ذهبت محتويات الدكان نهباً قبل ألسنة اللهب. وكمال قابع في سرداب سجن "القشلة".‏

زفَّ الضابط عثمان البشرى إلى الخانم "فتنت" فأكدت له الترقية، وخيرته بين قيادة الحامية ومناصب أخرى في البلدية والسراي، ووعدته بتعيين صاحبه محصّلاً لأموال "الدفتر داريه"، ولها نصيب من ذلك، وحثته أن يكون جاهزاً لمقابلة الباشا كأنه فرغ للتو من مأموريته الصعبة، جدد لها ولاءه وتملّق منافقاً، فامتدح ألقها، فبدت جذلى تزقزق بضحكها، هميمة رشيقة الحركة؛ انبثَّ الفتاء في كيانها انبثاث الشرايين في الجسد، وحين لانت وتغنّجت، ابتدرها سائلاً بإثارة عن حسن أداء الفتى السِّكيت فماءت دون تحفّظٍ مثل هرّة في شباط، ونبست:‏

-: يسلم لي، عصفور دوري، ومثل ذكر حمام الورشان، يضرم النار ويطفئها في آن.‏

انتهز نشوتها فسألها أن تعيره عربة التشريفات لسويعات، فردّت بمكر إثر ضحكة مدغومة:‏

-: شريطة أن تعيدها غير ملوّثة بأي نوعٍ من دم.!.‏

أذهب من ينبئ الوجهاء بقدوم رسل الوالي إليهم، ثم تهادت العربة الفارهة بأبراهام وداود، على أنهما من كبار بطانة الباشا، أوفدهما لتقصي أخبارهم والوقوف على حقيقة ما تناهى إليه عن حيف أحاقه بهم الضابط عثمان، فاستمعا لتظلمات وشكاوى مشينة، لكنهما محقونان بمضادات تصونهما من تحرّق الناس واندفاعهم في رواية تفاصيل ما أصابهم، وما فتئا يهزان رأسيهما ويبديان دهشة، ويدمدمان بأن ما يسمعانه لا يرضي جناب الوالي، وهذا يفوق ما صرّح به الضابط كمال...‏

كان لذكره فعل السحر في بعضهم، فأغدقوا بمديحه، وأكدوا إدانة الضابط عثمان، ولم يزيدوا عما كان منهما، وإن جمّلت عواطفهم هذا، وقبّحت سيرة ذاك، بينما رأى أبراهام وداود عكس ما يروون، فامتداحهم الضابط كمال يزري‏

مكانته عندهما، وذمّهم الضابط "كاهانا" يذكيه ويرفع شـأنه لديهم، ثم انتهزا ممدحة ابن صانع الطرابيش، فدسّا سمّهما في دسم أولاء، فقال أبراهام؛ وهو "بايزيد" حسب مهمته الآن:‏

ـ : حضرات الأفاضل. جناب الباشا الوالي، سمع من الضابط كمال مثل ما تقولون الآن، لكن جنابه يتوخى العدالة، فلا يأخذ بمجرد ادعاء، لذا رأى جنابه أن يقدم المدعي البيّنة، وكان الضابط كمال ذكر أنّه خبّأ عندكم ما يدين الضابط عثمان، فهل هذا صحيح، أم محض افتراء..؟!.. هذا ما يريد جنابه التأكد منه..‏

تهامسوا، وبيّن بعضهم أنه يقصد الكتاب والشمعدان، وتحمّس الوجيه عبد الحميد فأكّد قائلاً:‏

ـ : الضابط كمال صادق، وله أمانة عندنا، لعلها ما قصده، وإلا فليس لدينا له غيرها.‏

قال داود، وهو "أورخان" حسب مهمته الآن:‏

ـ : هاتوها.. فهي التي ستنفعكم وتدعم ادعاء الضابط كمال. ولا نظنكم تقصّرون بمساندته. أليس كذلك يا حضرات..؟..‏

تنادهت العيون من حولهما، ثم انحزمت نظراتهم كالضوء، فالتقت في وجه قمر المتنحيّة جانباً. فهمت قصدهم، ولم تكن مرتاحة تماماً، شيء ما يُقبض قلبها، فبدت مترددة، لكنها خشيت التخرصات، فسيرتها و كمال لا تحتاج لمزيدٍ من الغمز واللغمز، حاولت تلبية طلب نظراتهم الواضحة، فانقبض قلبها أكثر، اقتربت من الجدة نور مستجيرة، فبادرتها:‏

ـ وقلبي مقبوض أيضاً يا قمر، ومامن أحدٍ سَيَفْهَمُ الآنَ معنى إيحاء القلوب. الموقف مأزوم يا بنيتي، ولا بدّ مما ليس منه بد، عساه خيراً.‏

اقتربت من الوجيه عبد الحميد، وهمست:‏

ـ : أبتاه... روحي تختنق، وقلبي منقبض..‏

ـ : إلا قلبك الذهب. ماذا تريدين..؟!..‏

ـ : لو أننا سلّمنا الأمانة لصاحبها.‏

ـ : وها نحن نفعل. إنه ينتظر مساعدتنا، إذ يبدو أنه ورّط نفسه لأجلنا، ثم... يجب وضع حدٍ لما نحن فيه. أين الوديعة..؟!..‏

أومأت للصبي حمزة فهرع، ولم يلبث أن عاد بصحبة عزيز الممسوس، فوضع الكتاب والشمعدان بين يدي قمر، فوضعتهما أمام رسولي الوالي، وسألتهما بخفرٍ:‏

ـ : كيف حال الضابط كمال ..؟؟!..‏

ـ : بخير.. ستتعزّز مكانته لدى جناب الوالي، إن ثبت ادعاؤه ضد الضابط عثمان. ألست قمراً.؟؟..‏

ـ : بلى..‏

ـ : لقد حملّني لك السلام وتحية خاصة..‏

تلفّت عزيز مستعرضاً الوجوه، بمفاجأتها به، قال:‏

ـ : نعم.. أديت ما عليّ، ولم يعد ما يسوّغ ادعائي أنني ممسوس.‏

نظر إلى أمينة بدفءٍ، فتنهّدت بخفرٍ، ثم ذهب إلى أمّه، وانثال على يديها يقبلهما، فضمته إلى صدرها بشوقٍ رقيقٍ، كأنها ولدته من جديد.‏

قال الوجيه عبد الحميد:‏

ـ :أيها الفاضلان... أوصلا الأمانة، وأبلغا الضابط كمالاً تحياتنا، ولكن متى يقابلنا حضرة جناب الوالي الباشا....؟!..‏

ـ : سيبلغكم جنابه في حينه، ولن يطول انتظاركم برغم مشاغله الجمّة، وسأُلمّح له برغبتكم هذه. أعدكم أيها المحترم.‏

مضت العربة المترفة، والناس يتطلّعون إليها، كأنها بعض أمل يرجونه، وتنهّد بعضهم بارتياح، والتفَّ رهط حول الأومباشي حين قال:‏

ـ : العمى.. خازوق..!..‏

ـ : وما ذاك..؟‏

ـ : أكلها الضابط عثمان..‏

شكت قمر قلقها إلى هوريك، فهوّنت عليها مداعبة بأنّه الشوق للحبيب. فحاولت إقناع نفسها. لكنها لم تنم ليلتها.‏

***‏

أوجز الضابط عثمان أخبار المسير، وأطنب في تفاصيل كبده كيما يوصل المهجّرين، وما فتئ يغمز بقناة كمال ملمّحاً بمكر إلى شكه بولائه، بينما الخانم الكبيرة تضرب على فخذها زاعقة:‏

ـ : أمان..! بيس ميلت.‏

مؤلّبة ابنها الباشا، مشيدة بالضابط عثمان، فلا يتركانه يلتقط أنفاسه. وما زالا يوغران صدره، ويضرمان غضبه، فزاغ بصره لهول ما يؤكده الضابط، وما تفنّده الخانم من عواقب وخيمة، إن وصلت تلكم الأخبار إلى قصر يلدز، فأولئك قوم مناجيس؛ وإلا لما رماهم القيصر خارج مملكته، وما الضابط كمال إلا واحداً ممن يكرهون أسيادهم الترك، فجعلاه يرغي ويزبد مهدداً متوعداً، وأوصلاه إلى حد الهوج، ثم ختما مكيدتهما بأن وضعا بين يديه الكتاب والشمعدان، دليلي إدانة، وزادت الخانم الأمر هولاً، قائلة وهي تشهق ارتعاباً:‏

ـ : أمان. أما.. ن.. إن لم يعلم السلطان..!..‏

جأر الوالي مهتاجاً:‏

ـ : الويل للمندسّين. سأعدمه في الحال...‏

ـ : لا... إياك. فالاستياء على أشده، والحال في غليان.‏

ـ : نرسله مخفوراً إلى الأستانة، فيلقى عقابه، فالسلطان أولى برعاياه، كذلك يعلم بيقظتك ويلمس إخلاصك، عصفوران بحجر واحد أيها الباشا.‏

وهبّت لتخرج فجأة، مثلما أوهمته أنها حضرت دون سابق نيّة، وها هي قد سمعت ما غمّها. وليتها ما أتت، والتفتت إليه موصية:‏

ـ :احذر المندّسين وقرّب المخلصين.‏

غامزة نحو الضابط. ولم تكن لتزور الباشا إلا لماماً، أما هو فيزورها في دارها، وقد خصّته بساعة من قبل ظهر أيام الجمع، يأتيها كالضيف فلا يتجاوز "الليوان" ليأمر بتلبية طلباتها، ثم يمضي في طريقه لتأدية صلاة الجمعة، طالباً رضاها..!..‏

ـ : لا أخالف الخانم الكبيرة؛ وقد أوصتني بك، فهات ما تبقى لديك.‏

صوّر له خبث المهجّرين، ونصحه ألا يأمن جانبهم، وذلك لا يعني عدم إيوائهم، فأوضح الوالي أن قصر يلدز أمر بتدبير إسكانهم، ريث يتم نفيهم إلى قرية تبنى لهم.‏

ـ : فليكن... ولا بأس... إن مننتهم أنك تبنيها من كيسك..‏

شخصت عينا الباشا لفطنة الضابط، وهزَّ رأسه إعجاباً، ورنا إلى محدّثه فحذّره منهم ثانية، وليدعهم يتمنون مقابلته، فلا يحظون بها، فيضمن خنوعهم دون أن يطمعوا بغير رضاه، ويكفيهم الأومباشي ليسوسهم، وتتولى قيادة الحامية شؤونهم، فتخفّف عن جنابه عبأهم وتكفيه لجاجتهم وإلحاحهم.‏

ـ : لكني سألتقيهم، فقد سمعت بخيولهم الفارهة.‏

ـ : إذن ليتك حين تلقاهم، تتأمل من نسائهم امرأة أقرب ما تكون إلى أمازونيات الأسطورة... اسمها قمر..‍!...‏

ـ : قمر.. اسم بديع لا ينسى..!..‏

ـ : بل إن حدث ورأيتها انسها في الحال.‏

ـ : كلامك مثير..!.. والوقت غير مناسب. لا تنسَ ما لديك لسمرنا في سهرة قريبة.‏

ـ : بقي أمر "الدفتر داريه".‏

ـ : أمره لك، ولي منه الثلث.‏

ـ : كرم وتواضع منك.!..‏

ضحك مبالغاً؛ مسروراً لطواعية الضابط وحسن استجابته. ثم تسلّم عثمان الحامية، واستهلَّ عمله بتسيير سلفه؛ خافراً الضابط كمالاً إلى الأستانة، وطفق كمال يفكر بمآل الضبّاط العرب في جيش العثامنة، ونهاياتهم المتشابهة على مدى القرون المنصرمة، مستذكراً خلاصات ما قرأه للكواكبي..‏

*****‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244