البشر.. وحتى الشجر.!. - سامي حمزة

رواية - من منشورات اتحاد الكتّاب العرب دمشق - 2001

Updated: Wednesday, September 17, 2003 04:47 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

14

هشّوا الذباب وهم يتثاءبون، تناوموا وأجفانهم تختلج تأبى الاسترخاء، فأهدلوا رؤوسهم على صدورهم، جالسين بلا حراك، ينتظرون دونما لهفة، قانطين بتسليم عميق، لم يبق لهم غير ما يستر هياكلهم من أسمال متهتكة، شديدة الشبه بأنفسهم الواجمة، وتمرّسوا منذ أمد افتراش الأرض والتحاف السماء، يلتقطون أنفاسهم بصمت، غير متحمسين لشيء، ولا فرق بين أن يقتل أحدهم ذئباً، أو ينهش الوحش بعضهم، منفصلين عمن حولهم، سجناء أنفسهم، منغلقين لا تندّ عن أحدهم شكوى أو مطلبٌ، فلا يدرك من يلحظهم إن كان ثمة ما يدور في رؤوسهم وأعماقهم، أم أنها صماء..!.. كأنهم في سبات، ولشدّ ما يشبهون أهل الكهف..!.. وماتوقفت الحياة من حولهم، فلا نملة استنكفت عن سعيها، ولا الوالي أرجأ احتساء قهوته التركية لأجلهم، وهاهم الفتية يزاولون ركوب الخيل، وصبية حول عمر بن إدريس الحكيم يستذكرون دروس الشيخ الإمام، والنسوة لمّة هنا وزمرة هناك، يثرثرن ويلكن همومهن، وذوو القتلى يتحرّقون لتلبية صراخ طيور الهامة، وقد تمثلت لهم خارجة من رؤوس فقدائهم، صارخة في وجوههم وملء أسماعهم، تكاد تزلزل الأقحاف:‏

ـ : (اسقوني... اسقوني...)..‏

والصدى يستثيرهم حارقاً أعصابهم، والعجز يكبّلهم، وياله من ترتيب خارق، فغريمهم الشخص ذاته..!...، والطيور تملأ جوانحهم إلحاحاً، فهل ينتهي الأمر إن قتله أيّ منهم..؟!.. أم يتحتم عليهم كلهم أن يفعلوا ذلك..؟!..، وكيف يتسنى لهم هذا..؟...‏

دار الخاطر في فكر توفيق، فانشغل به، لعله يهتدي إلى قناعة، قبل أن يشرك الآخرين بما يئز في رأسه.‏

وما فتئ إدريس الحكيم يهوّن على المفؤودين؛ المسدودة آفاقهم بتضخّم ويلاتهم، وقد تفتت تماسكهم، فطفق يشد أزرهم مردداً:‏

ـ : كل شيءٍ يبدأ صغيراً ثم يكبر، إلا المصيبة فإنها تبدأ كبيرة ثم تصغر.‏

نشجت (آية) ملتاعة، وهي تمسّد بطنها المتكوّر، متمتمة:‏

ـ : إلا مصيبتي أيها الحكيم... إلا مصيبتي..‏

ولم تكن قد بتت بأبوّة جنينها، برغم زعمها أنه ثمرة زواجها، ولعلها رغبتها فحسب. فما استطاعت أن تؤكد ذلك لإبراهيم، مصرّة ألا تظلمه، فدفعته دون أن تدري إلى حتفه، كي لا تغشّه..!...‏

وظلّت نهباً لتمزق مؤلم. حاولت مواساة نفسها والاقتناع أنه جنينها وخاصتها، ولكنها ما فتئت تحسّ أن تصالحها مع نفسها هزيل، يغشاه شك كبير في إمكانية إحلاله..‏

ونضب صبر رشاد المتزن، فاقداً السيطرة على غضبه، فشتم لاعناً، واتهم الحكيم بالهرطقة، وسأل بتحدٍ:‏

ـ : دلني على واحدة من مصائبنا؛ صغرت مذ اقتلعونا من أعقار بيوتنا..؟..‏

رمقتهما الجدّة نور وهي تمضغ لعابها، مؤثرة الصمت فلا تؤيّد أحدهما، برغم أنها لا تخالف حكمة الحكيم، وتوافق رشاداً على حجته، بيد أنها كانت واضحة فيما أبدته حيال قول قمر:‏

ـ : ما نحن فيه ليس هو ما نريد، وما نريده ليس محالاً، والمحال أن نقبل امتهاننا، ونحن سجناء هذا العراء، فما نحن بأسرى، ولسنا لقطاء، أو أرقاء، ولسنا غباراً في هذه الحياة، فعلام يصرّون على نبذنا، وأن يكونوا نخاسين..؟!..‏

ـ : لأنهم الأقوى أيتها الطفلة..‏

ـ :بل لأننا نقابل سفالتهم بدماثة.‏

قالت الجدّة نور داقةً الأرض بعصاها:‏

ـ : خاسرون... خاسرون...‏

ولعل ظهور موكب الوجهاء عائداً من المدينة، أسكتهم وفاقم توتّرهم في آنٍ، فهبّ كثيرون في استقبالهم، وبرغم أن هيئاتهم أوحت بخيبتهم، فإن رغبة الاستفسار خضت القلوب، وخشيتهم من قسوة نبأ الإخفاق أرتجت الألسنة، فلم يسأل أحدهم عن النتيجة برغم اللهفة، حتى اخترقت الجدة نور هشاشة حُجبٍ يحاولون اتقاء الصدمة بها، فسألت ممتعضة ساخرة:‏

ـ : هه.. أَخَرَجَ الوالي إلى الصيد ثانية يا عبد الحميد..؟!...‏

ـ : لا.. إنما هو مشغول، عنده وفد مفتشين من الأستانة.‏

ـ : لو كان الكذب إصبعي لقطعته يا عبد الحميد..‏

ـ : لا بأس يا أمي، فالصدق مثل الحق، يشبهان الوردة التي لا تبدّل ثوبها الوحيد..‏

ثم امتطت صهوة فرسها وأردفت:‏

ـ : لعله يسمعنا على نحوٍ أفضل بوجود الوفد.‏

دارت الفرس حول نفسها دورة كاملة، ثم ثبتت قبالة الجدة نور، ونادت:‏

ـ : رشاد... نعمان، أيها الحكيم إدريس، وأنت يا سليمان، سنذهب إلى الوالي في الحال.‏

هرع الصبي حمزة هاتفاً:‏

ـ : خذيني معك يا قمر..‏

نظرت إلى من نادتهم وقد مطلوا بردّهم، فقالت:‏

ـ : يبدو أنكم تحبّذون انتظار عودتنا أنا وحمزة..!...‏

هتفت الجدة نور:‏

ـ : سأكون معك، ويكفينا عن الرجال هذا الصبي...‏

حثّت الصبي أن يصعد العربة إلى جانبها، قائلة:‏

ـ : قمر.. هيا بنا..‏

اقترب الأومباشي وهمس لها:‏

ـ :يقولون إن الوالي لا يردّ لأمه طلباً، فلو ذهبت إليها...‏

هزّت رأسها بحركةٍ لم يفهم معها أوافقته أم أنها لم تكترث باقتراحه، وما إن تحركت العربة حتى اكتملت كوكبة من اختارتهم قمر، واتجهت إلى المدينة، وعزيز خلفهم ينادي صائحاً:‏

ـ :خذوني معكم. لدي ما أقوله للوالي يا قمر...‏

ثم تبعه آخرون، دفعتهم حميّة ورغبة لفعل شيء غير الانتظار الممل، ومنهم من مضى اقتداءً بالجميلة قمر أخت الرجال، أو تأثراً بشخصية الجدة نور، وبعضهم سعى إلى واجب من المعيب أن تسبقهم إليه نساء..!...‏

خرج الوجيه عبد الحميد عن الجماعة، ميمماً وجهه شطر النهر،عاقداً يديه خلف ظهره، راكلاً الحجارة بقدمه، وعلى مبعدة كان الوجيهان رجب وعبد المجيد يتبعانه، وهما في خلخلة الخيبة، خلع عبد الحميد نعليه، وغمس قدميه في الماء. حركهما ومسّدهما بتؤدة، ثم غطّهما، لعل ورمهما يخف، وعسى الصداع يهدأ، فرأسه يكاد ينفلق. إنه يتجرّع الهوان ومرارة الخيبات المتعاقبة؛ قاسية الظروف وحرون، فلقد ضعضعت أبّهته غير مرة، كما هزّت زعامته عنيفاً، تكاد تقذف به بين العوام، وأيَّ زعامة هذي التي لم تقف وقفة متكاملة منذ بدء المسير..؟!!...‏

ومن على بعد خطوات بادره الوجيه عبد المجيد:‏

ـ : أتوصّل كبيرنا إلى ناتج ضرب أخماسٍ بأسداس..؟!...‏

أحسَّ بما يشبه الصفعة على قفاه، ولم ينبس ببنت شفة، وجلس الوجيهان على مقربة صامتين، ثم فاجأ عبد المجيد سائلاً:‏

ـ : ماتراك فاعل إن أتى الفرج على أيدي المرأتين..؟!..‏

خبط رجله في الماء، دون أن يكلّف نفسه عناء الالتفات، لكأنه اكتفى بما فعل جواباً لسؤال رديء اللباقة، فصاحبه لا يقيم وزناً، إن أتى حديثه فجاً يعكّر المزاج، فقد اعتاد تسمية الأشياء بمسمياتها، وهذا في عرف عبد الحميد عرف عبد الحميد نقص خبرة، إذ حريّ بالوجهاء أن يستخدموا لطيف الكلم، في أشد الظروف حلوكاً؛ بحيث يُخرجون الأفعوان من حجره بحسن الملافظ وطلاوة اللسان، وإلا فهم والرعاع سواء بسواء.‏

ـ : وأين كان لسانك إبّان لوص الضابط عثمان..؟!‏

ـ : دعونا من سيرة إبليس.‏

ـ : أين هو يا ترى..؟!..‏

ـ : جنيٌّ هو، قد ينبط أمامنا الآن من هذا الماء..‏

تنهدّ رجب وقال:‏

ـ : أشعر أنني تعبت ومللت. ليت الفرج يأتينا ولو على يد عباس الممسوس.‏

ـ : فيصبح وجيهاً ويأنف منا الناس...!!‏

ـ : إنني أتنازل لـه، أُقسم على ذلك. كفانا رياءً. الوالي تجاهلنا ولم يعرنا اهتماماً.‏

ـ : كأنك مُسست يا رجب..!!.. يبقى والياً لا يلج بابه كلّ من هبّ ودب، ونحن في حاجة أن يرانا بكلتا عينيه، اذكر ذلك ولا تنساه...‏

ـ : وأنت.. انظر حولك. ما زالوا يأتوننا للفرجة. واليأس أخذ من ناسنا كل مأخذ..‏

ـ : انتبه إلى شأنك أولاً، ودعك من شأن الناس.‏

ـ : هذا كلام يغيظ الحمار. أتحسب أننا ملكناهم أقناناً..؟!!..‏

ـ : أتقول ذلك لأنّ أمك تدفع بابنك إلى مكانتك. أم أنك حقاً جننت..؟!..‏

ـ :أقسم .. أن فيك قيصراً مخبوءاً.‏

ـ : هوناً أيها الملاك.. ولتسسنا أمك على هواها، وإنني إخالها تحسب نفسها مثل (كاترينا العظيمة)... !..‏

ـ : ولم لا..؟!.. وإنني أدعوك أن تفرغ لها ما ضاقت به حوصلتك...‏

ـ : عبد المجيد.. صاحبك يخرّف. خذه وامضيا كي لا أقول ما لا يرضيكما...‏

ضرب عبد المجيد كفاً بكفٍ قائلاً:‏

ـ :وا أسفاه.. ضعنا ما دمنا ثلاثة فقط.. ولا نتفق...‏

ـ : ياويلنا إن لم نتفق يا عبد الحميد...‏

ـ : رجب... فلننس لحظات كان الشيطان خلالها بيننا. ولا تنكر البتة أنّ الوجاهة رأس مالنا..‏

ـ : حسنٌ... مازال في صدري متسع.. سنتركك عساك تراجع نفسك.هيا بنا يا عبد المجيد...‏

تركاه وابتعدا. هبّ وشرع يصلي. واقترب عبد المجيد من رجب وقطع حبل الصمت الذي طال بينهما:‏

ـ : كم أخشى ألا يكون حالنا أفضل مما رأيناه من أحوال أهل المدينة. شيء يخوّف..!..‏

ـ : وصاحبنا مستعصم بالوجاهة ولو في مقبرة..!..‏

ـ : وما العمل..؟! لا نستطيع شيئاً كما ترى..‏

ـ : يخطر لي أن نتمرد ونعلن العصيان؛ نمسي قطّاع طرق ـ جتا ـ نشلّح الجندرمة... نكمن.. نغير... نسلب العسكر؛ والضبّاط منهم على وجه الخصوص...‏

ـ : فنحقق للضابط عثمان ما أراده لنا..!.. ونضع بين يديه مبرراً لتعليقنا من عراقيبنا. ما الذي دهاك يا رجل..؟!..‏

ـ : اسودّت الدنيا في وجهي. ضاقت بي. لِمَ لمْ يقابلنا الوالي..؟!‏

ـ :ربما لإيصالنا إلى ما قلته، وربما لغاية ألعن وأنكى.‏

ـ : أوضح كي لا يتفجّر رأسي أو أُجن.‏

ـ : لله درّك أيها الشاعر نعمان..‏

ـ : نعمان..!!‏

رفع حاجبيه ولوى رأسه كناية ـ بلى ـ ودندن بصوتٍ أجش:‏

ـ : "مع أننا خسرنا الكثير... فنحن لن نخسر إنسانيتنا أبداً...".‏

أطرق رجب لحظات، وجبينه يتفصّد عرقاً فاتراً، ثم اختلجت شفتاه وانضبطت حركتهما مع حركة شفتي عبد المجيد، فسمع لنفسه دمدمة، وما لبث أن انطلق صوته واشتد، فحثّ خطاه نحو الرجال والأطفال والنساء، فجاراه بعضهم على مهلٍ، ثم ارتفعت أصوات غفيرة، والتمعت في العيون مواشير من دمعٍ عصيٍّ على التفسير، عكست في المآقي ألوان الطيف، وسرت فيهم مثل العدوى موجة انعتاق، رفعتهم.. فإذا بهم وقوفاً؛ وأعناقهم مشرئبة صوب الشمس.‏

تحمّس الأومباشي فأنشد معهم منتفخ الأوداج، ثم انتبه أن الشيخ الإمام يرمقه، فهرع إليه وجلاً وسأله:‏

ـ : مولانا.. صفحك إن أخطأت...‏

ولاح على وجهه طيف ابتسامة، وبرقت نظراته جوّالة، ووضع سبحته في جيبه، وردد منسجماً مع الصوت الجماعي، فانخرط الأومباشي في الإنشاد، وألفى هوريك تشارك بصوت عذب رقيق. تقدم بعضهم فتحرّك جمع في أثرهم، ومضوا متابعين إنشادهم، غاسلين قلوبهم من هباب الكبت، سالكين الطريق إلى المدينة.‏

ـ : يالغواية الغوغاء..!...‏

تنبّه عبد الحميد إليهم، فتوجّس نذير مالا تُحمد عُقباه فهتف:‏

ـ : نشاوى بما قاله نعمانهم، ولم يفطنوا لما قاله الآخر:‏

"مادمنا ربحنا المعركة... فلننسَ الخاسر..".‏

وثب مثل فهدٍ يتحدى كهولته، وجرى بكل ما يختزنه جسده من طاقة؛ عزّزتها غريزة البقاء وشعور الخوف، مشحوناً بخطورة وقوعهم في براثن الجندرمة، وقد أفرطوا في حماستهم وهم بهيئة متذمرين، دونما كرّة إلى عقل،غافلين عن ضراوة الضبعان الهرم وشراسته، وهم لا يدرون أن "يلدز. وجارٌ بقدر ما هو قصر منيف..!..‏

ناولته (آية) رسن حصانه، فقفز إلى صهوته كما لم يظن بنفسه، وراح وراءهم كالريح، وبذل جهداً لثنيهم عما هم فيه، فلم يأبه أغلبهم له، حتى رجب ما استجاب ولا أبه لندائه، بيد أنه لم يترك عبد المجيد إلا وأخرجه من بينهم على مضض:‏

ـ : لِمَ خرّبت انسجامي...؟!..‏

ـ : جعلتك تصحو من سكرتك؛ كي لا تخرّب كل شيء.. أوقف أولئك الثمالى، قل لهم أن يرجعوا...‏

نظر نحوهم فألفاهم يهدرون، وأعاد نظره إليه وهو يهزّ رأسه باستحالة تلبية طلبه.‏

ـ : أعدِ الأهوج رجب على الأقل.‏

ـ : رجب في أوج نشوته. صعب.‏

ـ : أومباشي ... أعدهم، أيها الأومباشي..‏

ـ : ليسوا عسكراً. صعب ـ جاتين ـ يا سيدي، يعفسونني بأرجلهم..‏

ـ : مولانا. مابك تقف كشاهدة قبر..؟ أثبهم إلى رشدهم. استخدم منزلتك عندهم، دع جبّتك وعمامتك تفعلان شيئاً فالأمر حرج.‏

مضى الشيخ هامزاً بغلته، منادياً بصوته الصداح، والأومباشي في أثره، وجلس عبد الحميد لاهثاً؛ يمسح عرق جبينه، وقد انسرب في شعيرات حاجبيه متقاطراً إلى المحجرين، فاقترب عبد المجيد وقال:‏

ـ : ليتك ترفع العصابة السوداء عن ناظريك، فقد يربح رجب الجولة...‏

ـ : هيهات..! وسنرى إن كان سينجو من بطش الجندرمة، أم أنك مجنون مثله، تحسبهم يتلقونه معانقين..؟!..‏

ـ : لم أعهدك يئساً مرعوباً كما أنت اليوم..!..‏

ـ : لو كنت تدري يا صاح..!، يا لشناعة ما عرفت ورأيت في الأستانة..!..‏

ـ :أفضِ لي بما في صدرك فترتحْ. إنك ترهق روحك بتكتمك..‏

ـ : آخ... يا عبد المجيد وآه.. من علة العلل وداء الأدواء..‏

ـ : وما ذاك؟!... قل. تكلم...‏

ـ : هو الذي يصمّ آذانهم، ويعمي قلوبهم عن سواهم أجمعين..‏

ـ : بلا ء عويص..!...‏

ـ :فلنحذره مبتعدين عنه إلى يوم الدين. وصيّة احفظها عني يا عبد المجيد.‏

ـ : على رسلك، ولنفعل شيئاً قبل أن يفلت الزمام.‏

ـ : إلامَ نظل نرتق ونرقّع..؟!..‏

وقتئذٍ خرج الوفد من عند الوالي، مودّعاً بحفاوة لم يُستقبل بمثلها، فقد تركهم ينتظرون فينة، وهو (لاهٍ) بمداعبة قطط مختلفة الألوان والأحجام، يُخرجها من قفصها، فتموء وتتمسح بساقيه لاعقة نعليه، مغمضة عيونها مسالمة متمسكنة. فرقع سوطه فأتته زاحفة، تدفع رؤوسها في الهواء الملامس وجه الأرض بتؤدة، ثم فرقعة ثانية فزحفت عائدة إلى القفص، لكأن فأراً سلبها طعامها، مستغلاً حلمها وضبط نفسها عن سفاهته وطيشه...!...‏

التفت نحو وجهاء الحي قائلاً:‏

ـ : مطيعة مؤدّبة كما ترون، فكيف لهذه المخلوقات اللطيفة الأليفة، أن تكون عدوانية، تهاجم زغاليل الحمام و"نمليات" الطعام...؟!.. فلا هي ضّالّة ولا عيونها شاردة، وقد ربيتها فتأنّست طباعها، ثم: "إذ جاءكم فاسق".. وهذا ردّي يا أوادم..‏

استدار مفرقعاً سوطه ومضى، فأُسقط في أيديهم، تمتموا منكفئة رؤوسهم على صدورهم، يكاد العسكر يدفعونهم، وهرير كلاب الوالي يفزعهم، فأُخرجوا شبه مطرودين، مطعونين بصدق ما نقلوه من شكاوى الناس، وما كادوا يصلون بيوتهم حتى سبقتهم إليها القطط. وقد فلتها الكَلاَّّّبُ في عقبهم، فعاثت في مطابخهم وأبراج حمامهم وخممة دجاجهم بطشاً وفساداً..!‏

ثم إنه رافق الوفد إلىعتبة الباب، وصافحهم منحنياً للجدة نور، وشدّ على يد قمر، مبحراً في لجج عينيها، مأخوذاً بألقهما وبريقهما الفتّان، ففيهما نمٌّ ببهتان وبيان، ومزيج خدر النشوة مضمّخاً بسحر بوح الخلوة والأحلام، ويا لصيحة الديك فيهما، منبّهة للاغتسال بفيوض عمقهما الدافئ، في غير حالٍ موجبة؛ قبيل انبلاج الصبح؛ وانقضاء وقت الأذان..!..‏

ـ : (أكنت اهتديت إلى هذا الضلال الشّفيع أيها الضابط اللوذعي..؟!)..‏

وقف وسط القاعة يعيد ترتيب فسيفساء حديثها، وهو كافٍ شافٍ بوشيه ومعناه:‏

ـ : وأنت على رأس الولاية، فإنك الدولة أيها الباشا، أو ليس على الدولة تأمين الناس على أرواحهم وأعراضهم وأموالهم..؟! لا أذكّرك ـ حاشا ـ بما لا تنساه، ولا أطلب ما لستَ تمنعه عن الناس ـ ونحن فيهم ـ إنما أسوقه لأنه يليق أن نرفعه إلى مقامك الرفيع، فسمّو خلقك يأبى لنا أن نذهب إلى وضيع ابن وضيع، لا يستوجب وجودنا في كنفه.‏

داخ بهذا الصوغ، وبهت بدررٍ انحكم نظمها بلسان الجدّة، تلك المهيبة الودود، فجعلته في حضرتها يشعر بصغره، فحنَّ إلى طفولته، يتشهى غفوة في حجرها الطهور، فيسمع مثل الذي سمعه منها بعيد دخولها وصحبها عليه:‏

ـ : مادمت تحب أمك، فلا تهن أمهات الآخرين، لسنا طمعاء، وماء وجوهنا ثمين، ولشدّ ما يؤرّقنا المصير المبهم، ويريبنا الصمت المطبق عمّا حلَّ بنا..‏

هتفت نفسه وطيف الضابط عثمان يتجسد في خياله:‏

ـ : (لِمَ هذرت مبالغاً بما وشيت عنهم وهرفت..؟!...).‏

قضت قمر طريق العودة مفكرة كيف لم يتح لها معرفة شيء عن كمال، ولم يفتها اهتمام الوالي بها، بل أحسّت بخلجان عينيه، ورجفة دالّة في يده لكنها تأنف من رجل يكاد يندلق من نفسه متهافتاً؛ وبالآن ذاته يتدرأ بجاهه، متوقعاً زوغان عيني ناظره بلمعان "نياشينه"، فلا هو جريء صريح، ولا متماسك معتد.‏

وأمضى الصبي حمزة وقته وعيناه تتقافزان، تحطّان على ما يتشهى من أطعمة وحلوى، سال لعابه لهما، وتمطّق كاسفاً، ثم طاش بصره، بحثاً عن وجهٍ ليس يتوه عنه، فإن رآه، جعل ضيف الله يرتاح في مرقده، إلى أن يوقظه النفخ في الصور. وبقي رشاد شارد الفكر ساخطاً، إذ لم يتح له أن يفشّ خلقه بكشف فظاعات ذاك الألعبان، والباشا في شغل شاغلٍ بقططه المدلهات..!...‏

وبقي نعمان منقبضاً من حذر الباشا وعدم ارتياحه له، إثر معرفته أنه شاعر..!.. وحدس أنَّ الكرسي يجعلهم كلهم سواء...!..‏

وبدا إدريس الحكيم هازئاً، وبسمته المائلة عند طرف فمه تقطر سخرية، لاهتمام جنابه بالهررة أكثر من سواها، لكأنهن أوْلينه أمرهن..!... وانتبه أثناء خروجهم أن وجهاء الحي والناس من حولهم في خيبة، فالباشا نصر قططه عليهم إذ كذّبهم، فتأكد لهم أنها ستظل عابثة بأرزاقهم، مادام يغض الطرف عن أفاعيلها، ويتقوّل بوداعتها، والويل لمن يتجاسر عليها من حرّاسها..!...‏

وكان سليمان مستغرقاً بمدى سلطة الوالي وعلوِّ مرتبته، مفتوناً بفخامة قدره، وانصياع الناس لأمره، أُبّهة استحوذت على مكمن طموحاته، وشغفت قلبه بالمطامح، بيد أنه استأنف تقبّض تلك الأبّهة أمام هيمنة قمر المبهمة..!...‏

أما عزيز... فمبتهج لأمرين... أولهما أن الوالي صافحه، شأنه شأن الحكيم إدريس، ثم إن لديه ما يسر الباشا ويُدخل البهجة إلى قلبه. ألم يمضِ معظم الوقت متحدثاً عن اسطبلات خيل أهله، واهتمام أسرته بها كابراً عن كابر..؟!.. إذاً سيعرف قيمة حصان من خيول "كباردين" قويّة التحمّل، ولا يريد أن يخمّن فيفسد متعة الترجي، ففي انتظار ما لا يتوقعه، نشوة لا تدانيها متعة الحصول على شيء سبق أن حدده، وقد يفكر بطلب دون ما نوى الباشا مهاداته، فيزفّ إليه ما يفوق تمنياته، برغم توقه إلى جعله "جاويشاً" أو لم يسارره الأومباشي أنَّ "البرطيل" بات يقرّب البعيد ويكبّر الصغير، ويفلّ حديد المستحيل، في هذا الزمان الأعوج..!..‏

كانت الجدّة نور ترمقهم مشفقة، ففي زمنهم الشاحب هذا، اختلط محّ البيضة بآحها، وأمسى أوغاده في علوِّ أشرافه، يتقلبون في أعمال السلطان وفي نعمائه، يبسملون باسمه ويعملون أيديهم في مقدرات الخلق..! ومهما يكن فقد سُفحت مياه وجوههم دون المأمول، وليس في الميزان قسط وماهو بقسطاس، أولم يرجّح مخالب قططه على ألسنة الناس..؟!...‏

ـ : ("خاسرون... خاسرون...")..‏

وكان الفتى السِّكيت لمحهم من خرمٍ جعله في خشب الشباك العالي، يرى خلاله ما يروّح به عن نفسه، وقت يتخلّص من تلك العلقة الشبقة، ولمحهم ثانية عند خروجهم من دار الولاية، خلال انشغالها مع "الحفّافه"، فنكست قمر صيرورته نكساً، وهو يقارن بينها وهذه المدوّدة التي لا تكتفي، فلا تضمّ فخذيها بعضهما إلى بعضٍ، مادامت يقظةٍ؛ وقلّما تنام..!، وصار ديدنه معرفه سبب قدومهم إلى الوالي، برغم أنه خمّن فأصاب دون أن يدري، فوراء نفاذ المسمار في الجدار الصلد، مطرقة تقرع رأسه، ولم يكن صعباً عليه الوقوف على حقيقة ما آلوا إليه، فإن كان الوالي مارداً، فأمّه القمقم، وسرّ القمقم عنده وبيده، ولديه ما يضمن أنها ستقوله له:‏

ـ : (شبيك يا عصفوري ‎... لبيك...‏

ـ : يجاب طلبهم دون تأخير...‏

ـ : أمر فتاي.)..‏

سيحرف الوتيرة بعدما استمرأت تقصي لذة مصّ قصب السكر، وسيشدّ وتر القوس إلى ما دون التقطّع، فيتركها على السفح قبيل القمة، ويظهر نفوراً دونما عجز، ويدفعها لتهذي، فيشترط فترضخ وتوعز للباشا فيلبي، كل ذلك بصمت أيها السِّكيت، فلا يعلم أحدٌ من قومك أنك خدمتهم وقد ظلموك...‏

****‏

ولم يستطع الوجيهان إيقاف جحافل الناس، إلا أن ظهور كوكبه الوفد سمرّهم وأسكتهم:‏

ـ : أقابلتموه..؟!..‏

ـ : بلى..‏

ـ :وهل أجاب طلبكم..؟!..‏

ـ : لا..‏

ـ : إذاً رفض.‏

ـ : لم يرفض.‏

ـ : ألغزٌ هذا أم هو أحجية..؟‏

ـ :أمّلنا ولم يَعِدْ. لكنه ماقطع رجاء..‏

ـ : "طيط"..!..‏

بهذه اللفظة اختصر لقمان تقصّف رجيّة بخلاصٍ طال انتظاره، انتظار نبتٍ لمُزَيْنَةٍ تنقذه من يباس محتوم، فقد افترسهم القلق، وعدم الاطمئنان إلى غدٍ علاه الصدأ سلفاً.!..‏

كان على الجدّة نور أن تتكلم طويلاً، لعلها تسوّي انكسارات نفوسهم، وترأب تصدعاتهم المتوالية، وبالوقت ذاته تصدّت للوجيه عبد الحميد وتهكّمه، تشفياً منهم، ولعله شامت مرتاح في أعماقه، فهذه أسوأ من إخفاقة، ولا مزية لأحدٍ عليه، بيد أنه تألم وأحسّ بثقل الخيبة الشاملة، إثر فشة الخلق الأنانية، وقد دملت خدوش كبريائه، وهاهو وإياهم يدخلون ثانية برزخ الانتظار، حيث لا سحر ولا شفق..!..‏

ودعا بعضهم إلى اقتباس فكرة الوجيه رجب، فيعلنون التمرد والعصيان، ويمسون ـ جتا ـ يستهدفون الجندرمة والعسكر، وذهبوا يستقطبون من راقت لهم الفكرة، والذين اقتنعوا أنهم رهائن الطريق المسدود، وماهي إلا سويعات وينطلقون مع قدوم الليل...‏

وحده عزيز في برج لا يشاركه فيه أحد، فما زال منذ عاد يدور حول حصانه، يعلفه ويغسله مرة إثر مرة بماء النهر، وقد تخيّل الباشا ممتطياً صهوته إلا أنه أحسّ بالحرج، فالسرج عتيق لا يليق بمقام الوالي، ثم وجد الحل بسرج حصان إبراهيم، فالرجل تركه ومضى إلى حيث لا يحتاجه، مثلما ترك أشياءه الأخرى و......! ياللصحوة...! كيف غفل طوال الوقت عن هذا..؟!.. لا داعي للتفكير بسرقة السرج المطهم، مادام السبيل لامتلاكه وسواه ميسور بالحلال...‏

ـ : (شهامة تسجل وتحسب لك، ثم لا تكون لطّخت سمعتك بسرقة.).‏

حدّث نفسه بهذا ثم سارر قمر:‏

ـ : أتحبها ياعزيز..؟.‏

ـ : (....)‏

فراستها أغنتها عن الجواب جهراً. لم تستنكر طلبه؛ لكنها لم تستسغه، فهي مخلصة لعقيدتها، بأن ينبثق الشعور من أغوار النفس، بغضاً كان أم حباً، و الحب دون سواه ليس موضع مساومة.‏

ـ : ساعديني يا قمر..‏

ـ : أعرف رأيها فأخبرك..‏

ـ :كوني في صفي..‏

ـ : لست ضدك..‏

ـ : أبلغيها أن وليدها سيحمل اسمي؛ إن رأت في ذلك ما يطمئنها.‏

ـ : قد يشفع لك هذا العرض عندها، لكنه يمغمغ شعورها نحوك، فما بغيتك يا عزيز..؟!‏

ـ : الستر.‏

ـ :إذن اذهب إلى الجدّة نور، فهي أجدر بهذا الأمر..‏

ـ : قمر ..!!..‏

ـ : لو كنت محباً لما قصّرت معك. ثق يا عزيز.‏

ـ : (جحّشت ولم تجد اللعبة، فهذه قمر يا ولد..!..).‏

برى لسانه ونمّق كلامه، فوصل إلى إقناع الجدّة نور بأن تعرض طلبه على (آية).‏

ـ : (أجدت المراوغة يا ولد. ستصعد، وسيلمع نجمك ويسطع. امخر هذي الحياة وعبابها المصطخب، بحّاراً أو قرصاناً، فإن لم تقدر؛ داورها وافعل على منوال الثعلب، خذها من حيث أدبرت، خير من أن تموت كما ينفق جرذ، وخير من أن تبقى مثله، احرص وتكتّم، ولا تفلّ خيط خطتك حتى لأمك، فتسلم ولا تضعف لرجاءٍ لها، أو نصيحة حرصها عليك، وتنجو من شر حاسد ومتطفّل، فلا ينافسك أو يقلّدك كسول أو مقتبس. فزْ وحدك وانفذ بجلدك، كن جسوراً واخرج عن السرب الهالك، واحذر الكثيب المهيل، لا تقعد مادمت عزمت، واسبح مادمت قادراً، فأمر سفينة نوح لن يتكرر، وعبث أن تضع رأسك بين الرؤوس في المخنقة، وما حكمة أن تفنى معهم، أو ليست كل شاة من عرقوبها تعلّق.؟.).‏

اشتدت حرقته مستعجلاً، ولكن "ربّ عجلة وهبت ريثاً"، فأبطات آية ردّها وفي نيّتها ألا تردّ البتة، لكنها تحت الإلحاح قالت:‏

ـ : دعوني ريث أن أضع مولودي بسلام..‏

وتعمّدت جلبهار أن تلتقيه، مبدية ارتياحها لعدم استجابتها، وغمزت في قناتها، ولمّحت أنها لن تتذرع لو طلبها، فهي لا تنتظر مولوداً، فأطرق وحدس:‏

ـ : (ولا تملكين نظير ذاك السرج، أيتها الجسورة الجميلة...!)...‏

ومضى مسوّغاً لنفسه سرقة السرج، دفعته (آية) إلى الفعلة دفعاً، وشعر أنَّ ذنبه بات نصف ذنب، وفي البكور أسرج حصانه، ونخره بمهمازيه في طريقه إلى المدينة، والرؤى ترفرف في خياله كأسراب طيور بأجنحةٍ ناعمة.‏

ثم إن أموره سارت دونما إبطاء؛ إثر تدخّل الخانم الكبيرة، ملبية طلب فتاها، على أنها سمعت أخبار أولئك الناس، في حفل استقبال نساء "آل فستق"، وهي تجد في ذلك فرصة ليدٍ بيضاء تسديها، سبّاقة لفعل الخير، فتمسي حديث المدينة، أكابرها وسكان حواريها، كما أنه فعل يشفع للوالي لدى علية القوم والدراويش على حدٍ سواء، وطلبت أن يوعز لخطباء المساجد في أن يأتوا على الإشادة بذلك، ثم إنها استعجلته ليصدر "فرماناً"، فيسكنون خاني (الصابون وقرطبة) وبعض المساجد القريبة،إضافة إلى دور المياسير الزائدة عن حاجتهم، ريث ينتهي بناء القرية، فذهب مشياع الوالي يشيع أنّ جنابه تكفّل إقامتها من كيسه الخاص، على أرض "الجفتلك" فضلة خيرات عظمة السلطان، ابتغاء مرضاة وجهه قربان اسمه، وهنيئاً لفاعل الخير..!‏

وحين شيّع أمّه الخانم بحفاوة ملتمساً رضاها، لمح عزيزاً يكافح الحرّاس ليصل إلى باب دار الولاية، فأمر أن يفسحوا له، وفي حقيقته أن يفسحوا للحصان وقد بهره، وأزاغ السرج النادر بصره، فقبل الهدية، وبات عزيز عزيزاً، فقرّبه وضمّه إلى مجلس سمره، يحدّثه عن الخيل وأحوالها، فلا يملّ سماع سيرتها، وصار عزيز كبير السّواس الخاصين.‏

*****‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244