البشر.. وحتى الشجر.!. - سامي حمزة

رواية - من منشورات اتحاد الكتّاب العرب دمشق - 2001

Updated: Wednesday, September 17, 2003 04:47 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

15

زِد الجرعة وأضرم النار، أشعل كدس الحطب هذا واجعله جمراً، فهو غير ذي نفعٍ إن لم يضطرم، وسقر دائماً موقدة، تطلب المزيد كي لا تتفحم، وإنها أدركت هذا فلبت طلبك، وهي طوع أمرك ما دمت تذرّ بخورك في مجمرتها، وها هم ناسك حلّوا في المدينة، يتسكعون في ساحات خانتها، ويتشمسون ورعين في صحون المساجد، ومنهم من أحاط بزنجي مسربلٍ بالبياض، فعانقوه ولثموا أهداب ثوبه على أنه ((بلال المؤذن))!، وكانوا يتقاسمون سراً غنيمتهم لليلة البارحة، ولعلهم استمرؤوا تشليح العسكر والجندرمة، يتشاورون في معاودة الكرّة، وتلك هي الجدة نور توزع الصابون على النسوة في زنابيل، فقضين سحابة نهارهن في الغسيل والاغتسال، تنظفن وقمر بينهن في حمام السوق، أيها الضالع بقتل نفسك، المفرط بتعذيب ذاتك، أنت أكثر من يدرك ضياء قمر-إن تنظفت- كسطوع النجم، وسائر النسوة من حولها كواكب فحسب، يمور هذا في أعماقك، ولست بناكر، ولكنك مجاكر، تسوم ذاتك عذاب الشرك، مذ جعلت الآفة المتلاف شريكة للتي لم تبرحك منذ احتلت كيانك..! تهذي معللاً أن الجسد لهذه بينما الروح لتلك..!.. وتعرف أن هذا لغو تجترّه متيقناً أنه هراء لا طائل منه، ولا مندوحة لك عما سبق وأعلنت بصدق، بأنه في الروح يسكن الجسد.!. !كفاك تخريفاً إلى هذا الحد، يا طاعناً نفسه في النحر، قم للتو كافئ المتصابية فقد جننتها في الليالي الخوالي، أنشبتَ فيها الحرائق ولم تهمدها، استسرتك ليس لتمنع عنها ما يهمها، فلا تتمادى، فهي على قاب قوسين من القتل بجنون، لا تخف من ناسك فقد أضاعوك، ولست من همومهم البتة، فهم في زنقة، وإن يكن الوجهاء وأتباعهم أقل ضنكاً وقد كنت منهم، وقلَّ أن شغلتك اللقمة، برغم هذيانك المتواصل، أن الأهمَّ ينقصك، فهل وجدته..؟!..‏

أيها الأفّاق لا تنكر..!... أما زلت تستنكر فعلات الأومباشي.؟!..‏

راقبته مراراً يركن إليها في مربطها، مرةً وأحياناً مرتين في الليلة الواحدة، ولعلك تسترجع كيف كان تبرمه مما يفعله ليلاً، وما يفعله في ليله تنفيث عما سئمه نهاراً، يتفانى منفّذاً الأوامر هرباً من عادته الليلية، حين ينحو إليها لائذاً من ذل النهار، ويتمسّح بأذيال الشيخ الإمام تطهّراً من رجسه، ومما تراه عيناه ولا تصل إليه يداه..! ماعدت مستنكراً حالته، وصرت ترأف به على أنه مسكين، كأنك لمست عنده بعضك، أو وجدت فيه القرين..!!... أم أنكما أقنوم واحد في جسدين..؟!..‏

لقد عاد الأومباشي العتيد إلى "القشلة"، وبحث عن الضابط كمال، وبرغم حرصه عن خبرةٍ، فقد وقع في براثن الضابط عثمان، فأرعبه بتهمة صلته بالخائن كمال..!... ثم جعله يعترف بما يعرفه عما حدث منذ تركتما مفيض السيل، لكنه للحق تكتّم على رسالة قمر، وتلك هي تنتظر منه خبراً، وأنت أدرى بقسوة الانتظار.‏

أمتشّفٍ بها؟... لست بحاقدٍ؛ وإنما طيب جداً، وجبان وعاجزٌ تماماً عن إسعافها.!.. سِّكيت أنت، وهذا أوان الصمت، فأنت في كمين.. أتذكر بغل الساقية؟.. عبرة لا تنسىَ!.. قم أيها المغلول وانظر أمر علقتك الحجّامة؛ صادية هي، اروِها فتشغلك عما في رأسك الطاحون، وابذل لها من دمك تكنز ذهباً، اكنز ما يتاح لك قبل فوات الأوان، ولا تخف من سائل يستوضحك كيف صرت غنياً، فإن سألوك قل إنك هاجرت وتاجرت... وأغلب الظن أنهم سيحسدونك ويغبطونك وينبهرون بجاهك.. وسينسون، فلا يتقصّى أحدٌ مصدَر غناك، بعدئذٍ تجدهم يجلّونك ويتقرّبون إليك، وفي الملمات يلجؤون إليك، ويا لسمائك ما أعلاها...!... أما أمثالك فيغضّ كل منهم طرفه عن الآخرين، ليغضّوا طرفهم عنه، ثم تأتلقون وتتنادون بالألقاب، وتمسون مرهوبين، فلا تأبه مادمت بدأت. أتفكر كيف لك الخروج ـ ذات يوم ـ من هذا الحبس..؟!... وأنت من ندّت الريح ريش جناحيه، فإذا بك طائر لا يطير، وها أنت مثل ديك الدجاج، وكان أبوك من عماد الطير، وحُكيَ أن أمك وضعتك واقفة، وأنها قطعت سرّتك بحدِّ السيف، بينما والدك يطلق على العسكر، ثم تمترست بجانبه وهمست:‏

ـ : ولد.‏

وشرعت تطلق ريث أن يراك، فلفّك بمعطفٍ موروث، وعهد إلى كلبه يحرسك، فسحبك في النهر، وظلا يطلقان حتى نفدت ذخيرتهما، فداهمهما العسكر وأحرقوهما والبيت، ثم أخذك الوجيه، وذاك هو وصحبه مهيضة أجنحتهم، يغلبهم إحساس أنهم فرائس لقُناص يتماكرون، وضاقوا ذرعاً برجالٍ يقدّمون عرضاً مبهماً، بّرقوا ورغّبوا واستغووهم، ولم يكشفوا سوى عن بعض غايتهم، فذكروا علية القوم والذهب، وأتوا على ذكر باطن وظاهر، وما انقطعوا عن خاني "الصابون وقرطبة"، بهيئة باعة ومشترين، ومحسنين ومؤنسين، وما أحجمهم الرد وقد صاغه إدريس الحكيم قولاً فصلاً:‏

ـ : لا وجه آخر لنا، ولو كنا أظهرنا غير ما أبطأنا، لما اجتثونا من منابتنا...‏

فداورهم أكثرهم مراوغة:‏

ـ : بضاعتكم ستبور في بازار الأيام، أفيقوا قبل فوات الأوان.‏

***‏

حين وضعت آية وليدها، اكتأبت واعتزلت الناس، وغرقت بصمت أخرس، تلقم الرضيع ثديها، مقضوم الحلمة فتستبكيه، لكأنها تعذّب روحها به، وتغطي وجهه كي لا تراه، إنه يذكّرها برعبٍ ما برحت لا تدرك كيف تحملته..! احتضنته هائمة تقتفي أثر العسكر، تحدّق ملياً في وجوههم دون سواهم، تجوب الأمكنة دون كلل، وبقدر ما هزلت ازدادت عزيمة على ما نوت، ثم حطّت قرب "القشلة"، ترقب المدخل، ترصده بعيني بومة، ناوشها العسكر متحرّشين بها، وهي صماء كصخرة، لكنها قبلت من أحدهم خبزاً. ورأته خارجاً يهم أن يصعد عربته الفارهة، فجعلت وليدها على كفيها متقدمة به، ورفعته حتى صار دون وجه الضابط عثمان، أذهله أن يرى نفسه طفلاً؛ فالشبه بيّن بلا لبس..!.. حاول متجبّراً أن يطمس مشاعره ويتنكّر، فسمعها تقول:‏

ـ : ابنك..‏

ظلَّ ينظر وحدقتاه ناتئتان، تكادان تهطلان عاطفة، إلا أنه شكم انفعاله وجأر:‏

ـ : دجّاله.. أنا لا أعرفك...‏

وكاد يومئ لأتباعه كي يبعدوها، فدلقت ثديها مقضوم الحلمة ونبرت:‏

ـ : أتنكر..؟!...‏

ـ : اصعدي..‏

ـ : أشار لمرافقيه أن يلبثوا في أماكنهم، وساط جياد العربة، فراحت تنهب الأرض نحو "المسلمية".‏

ـ : انزلي...‏

أخذ الصغير بيديه، أدار ظهره وضمّه إلى صدره، كاد يقبّله.. لكنه استدار سريعاً ودفعه إليها فلم تأخذه. وضعه تحت إبطه، وسريعاً أطلق النار بين عينيها، وموضع حلمة ثديها المقضومة. سقطت فاغرة الفم ولم تخرج منه كلمة أرادت قولها، ثم وضع الرضيع قربها، وسدّد متمتماً وقد تشنج حنكه:‏

ـ : لن يؤمن جانبك إن كبرت، مادامت هذه أمك.‏

وأطلق... طفق يطلق حتى جعل من رأسيهما شيئاً مقززاً يشبه الخبيصة، وقفل راجعاً دون أن يلتفت، ملهباً بسوطه ظهور الجياد فأدماها، ومن خلفه كانت الغربان تغطي الأفق، والجوارح تحوّم حاطّة فوق الجثتين، تضابحها الثعالب وبنات آوى..‏

***‏

اضمحلّ أمل قمر، وضاقت بها الأرض بما رحبت، حين أعاد الأومباشي رسالتها إلى كمال، وتأكدت مما أخبرتها به "رقوش"، عمّا حدث لعائلته، وهي في جملتهم، وقد ضمّتها أمه إلى العائلة، إثر وفاة أمّها مسلولة، معلنة بين نسوة الزقاق أنها ستكون كنّتها، فور عودة الغالي، فهذه الجوريّة قطيفة أحبّ الناس إلى قلبها، لكن تدابير شيطانية غامضة أفنت العائلة، وذهبت بنور سراجها.‏

ومثل حزمة ضوء في عدسة محدّبة، تجلّت في رأس قمر أسباب شروده المتعاقب، وعدم جزمه فيما يخصهما، فهذه العنّابية عُقدة لسانه، لجمته أمه بها.‏

ـ : (أَخسرته كلتانا أيتها العنّابية..؟.).‏

دار السؤال في مخيّلتها وهي ترمق الفتاة، غير قادرة على تحديد إن كانت غريمتها، أم شريكة حظها بما خبأته الأيام لكلتيهما..؟!.. لم تقنط؛ ولم تجد في الإيثار موجباً، ولا معنى لانسحابها، فالوردة الجوريّة تلوثت، وإن كانت شديدة الجاذبية، وأسقطها عسر الامتحان، فالجوع والضابط عثمان يضارعان بعضهما قسوة، والحب جبّار رائع وطاغية..!..‏

ـ : أتتزوجها أيها الأومباشي..؟.. تدلّهك في القادمة من أيامك..‏

ـ : ولكنها....‏

ـ : تكسب ثوابها. أو كنت بلا خطيئة يا رجل..؟!..‏

ـ : مريضة يا قمر..!..‏

ـ : داوها أيها الحكيم إدريس...‏

ـ :ليس فيما داويت مرضاً كهذا، وما وقفت على مثله قط. أليس في المدينة أطباء..؟‏

تلحلح الأومباشي ناشداً النجاة بجلده،وقال هامساً:‏

ـ : نحن العسكر نجتاب البلاد طولاً وعرضاً،فنرى العجاب، إنه أتاوة الفاحشة، يؤدي إلى عواقب وخيمة...عدا الفضيحة.‏

تناهى إلى "رقوش" هذا الكلام اللاسع، فاستبانت مآلها ومصيرها، ومضت متحاملة على نفسها، غير عابئة بمناداتها، حتى وصلت القلعة، سارت نحوها ناظرة إلى أعلى علوّها، ثم هوت في خندقها، فتراكضت نحوها كلاب ضالة ضارية.‏

***‏

ـ : وبعد يا قمر..؟!..‏

ـ : افعلي خيراً يا أمي نور..‏

ـ : تقصدين أن نزوّج جلنار..؟!‏

ـ : نعم..‏

ـ : وأنت..؟!‏

ـ : لن أقطع الرجاء..‏

ـ :قد يطول غيابه.‏

ـ : إنني جَلِدَة بما فيه الكفاية.‏

ـ : ليتنا نبتّ بأمر سليمان وهوريك؛ ونجد آية..‏

ـ :سنبّت... وآية ستعود، لا تقلقي، وسنجد هوريك..‏

ـ : وماذا أفعل بقلقي عليك..؟!..‏

ـ :ستعذرينني إن تصوّرت خيبة الغائب، وقد عاد ولم يجد أحداً بانتظاره.‏

ـ :أفهمك ملاكي..‏

ـ : ليتكِ كنتِ يا أمي...‏

ـ : لِمَ تُقلّب الشموس المواجع..؟!... صه... لا تزيدي حرفاً، ولنتابع البحث عنهما. أ‏

تعبهم البحث دون جدوى، ولم يقعوا لهما على أثرٍ، فلا يذكر أحدهم وقت اختفاء آية، فقد كانت لفترةٍ حاضرةغائبة، وآخر عهدهم بهوريك، وقت كانت تحاور ذينك الشابين من قومها، قدما متخفيين بحثاً عن أبناء جلدتهما، ممن ذرّتهم ريح الأهوال، وقذفت ببعضهم بين أولاء المهجّرين...‏

وذكر الفتى حمزة أنها ذهبت معهما، متنكّرة بملاءة حلبيّة، وأنها أوصته أن ينقل للجدّة نور قولها:‏

ـ : (... وإنك بمنزلة الأم، وفضلك في ذمتي كبير، وحاشا أن أُنكر عظيم جميلك، لكن ماهو أقوى مني ناداني...، أما الغالي سليمان فسيجد من هي أفضل مني..)..‏

كزّت الجدّة نور على نواجذها مغمضة العينين، وهزّت رأسها أسىً، فلا أحد يعرف كم كبتت تألماً، ثم أعلنت تكفّلها بمعيشة من يتزوج في بحر أسبوعٍ، ريثما يجد مصدر رزقه.‏

شعرت أنها تؤدي كفّارة، فالعتب عليها وحدها، ثم إنها تخفّف عن روحها ضغط غلطة لم تغفرها لنفسها، منذ خالفت قلبها في ذاك اليوم البعيد... البعيد، وهو يأبى أن ينطوي في النسيان، وهاهي تلمّ شمل عشّاق وعواشق، برّحهم الجوى وسهّدتهم لقمة العيش، وبكت جلنار إذ عُقد قرانها، إثر لوعة أوصلتها إلى شفا هاوية...‏

أرّقهم اختفاء آية وهوريك على ذاك النحو، وضاع ما بذلوه لتخليصهما من ماخور النخاس في عينتاب، وزيد طينهم بلّة بسقوط قتيلين ممن استمرؤوا تشليح العسكر والجندرمة، مما حدا بالسلطة تحميلهم تبعة ما لحق بـ"زلمها" من أذى، ثم إنها وزّرتهم مصير أنفار، وُجدوا مقتولين في أنحاء شتى من حواري المدينة وما حولها، فأرغمتهم على دفع ديّة؛ سرعان ماحصّلتها خبط عشواء، مما تبقى لهم من دواب وأسيافٍ مفضضة وأوانٍ نادرة، وتعرضوا لابتزازٍ مهين، وفي أكثر من حالة ضغطت عليهم ليدفعوا "براطيل"، على أنها تخفّف عنهم، فوقعوا ضحايا نصبٍ واحتيال، فتنبّهوا للجور الذي يخنق المدينة عاصفاً بأهلها، فالغلاء يثقل الكواهل، والتجارة بائرة مشلولة، والضغط على أشدّه، يُكرههم على التغرّب، مخلّفين عيالهم ومن لا قوة لهم من ذويهم، ومحصّل الأموال غير مرعوٍ، يزوّر ويقاسمهم رزقهم لكأنه شريكهم..!..، ينهبهم دون وازعٍ، فتنادى حُسباء الحارات، وذهب الوجهاء معهم إلى سراي الوالي يلتمسون فرجة، فحال رجال الجندرمة دون وصولهم إليه، فتسكعوا حيثما قادتهم أقدامهم في المكان ومحيطه.‏

ـ : أما زالت قططه تسطو على أقواتكم..؟‏

ـ : أي منها تقصد. الهررة أم...؟‏

وأشار إلى الجندرمة والحرس المحيطين بالمبنى، ثم لمحوا الضابط قائد الحامية الجديد، يترجّل من عربته بقيافة باشا متأنق، وهمّ أحدهم أن يناديه، واندفع آخر نحوه، كأنهم وجدوا فيه حبل نجاة؛ وفي أفواههم عتب مثل الماء الأجاج:‏

ـ : ( أين هي وعودك يا رجل..؟!)..‏

وإن هي إلا نفثة المعاشرة على قسوتها؛ اختنقت بين الحناجر واللهوات، لاختفائه داخل المبنى بأسرع مما توقع مراقبوه، وما انفكّوا يرصدون تحركاته ويتربّصون به، فنظر بعضهم إلى بعضهم الآخر، نظرة لومٍ وتقريعٍ، لعدم الدقة في تقدير الوقت، وارتبك خطو الحسباء والوجهاء، حين (انزبق) توفيق وحمزه، وعيونهما تقدح شرراً، فأمسكوا بهما ودفعوهما بينهم، يخفونهما عن العيون:‏

ـ : هس.. كفّا عن غيّكما يا ولدي ضيف الله؛ كي لا تثكلكما أمكما..‏

ـ : واحرصوا أنتم على بحبوحة ذلنا هذا..؟!..‏

وثار بينهم لغط متوتر، بأصوات يخنقها الخوف والحرص والحذر الشديد، كي لا ينكشف أمرهم. وعرف الحلبيان الراصدان، أن جماعتهم ليست الجماعة الوحيدة، فيما تطوّعت له، ثم حدث أن أفشل قائد الحامية خطتهم، حين خرج في رهطٍ من مخاتير الأحياء، وهرع إلى عربته نطاطاً مثل جندب، وراحت به العربة مسرعة، يحيط بها المسلحون الأشداء، فأسقط في يد الشاب الملثم، لكنه لم يعتبرها آخر الفرص، متطلعاً، إلى فعل يجعله مثل سليمان الحلبي..! واختلط الحسباء بالمخاتير، فاكتشفّوا أن ثمة وقيعة بين الوالي وقائد الحامية، وفي خلوة الحسباء والوجهاء، قال أحدهم:‏

ـ : إن صدق حدسي فالأستانة في اضطراب.‏

ـ : وما الذي تتوقعه..؟!..‏

ـ : مصائب تنزل على رؤوسنا، فما الذي تأمله ممن ينهش لحمك بحجة أنه يحمي عظمك..؟‏

ـ : لعلنا نفهم من شكري كنيدر..‏

وذهب بعضهم إلى مقر جريدة "التقدم" في محلّة "الصليبة"، وتفرق الباقون يكتنفهم الضجر لغموض ما يدور، وتحرجهم نظرات الخيبة في عيون الآملين، ويؤلمهم تزايد المتسوّلين، ويخجلهم تفشي البغاء، فالفاقة جائحة!...، وهوّن الفتى عبد الجواد علي توفيق وحمزة بقوله:‏

ـ : هناك من صبر على ثأره أربعين سنة. لن ننسى، وحسبنا أن نصبر..‏

ـ : هل أصدق، وأنت ابن..؟‏

ـ : صدق أي نعم، ولا أظنك قصدت سبّة.‏

ـ : أفدت من الحكيم إدريس، فهذا ليس من بدع والدك..!...‏

ـ : ألا يسرّك ذلك.؟.‏

ـ : ألن تعود أنت وأخوتك إلى والديك..؟!..‏

ـ : بلى... في وقتٍ قريب، وأنتما مدعوان إلى الحفل.‏

وقال شكري كنيدر لضيوفه:‏

ـ : نعم... اضطر السلطان إلى إصدار فرمان، أعلن بموجبه الدستور، بعدما عطّله ثلاثين سنة..‏

وأعاد الحكيم إدريس، يوم الخميس ليلة الجمعة، أولاد الوجيه عبد الحميد، ممتطين أفراساً مطهمة، مرتدين حللاً فاخرة، يرافقهم صبية وفتيان؛ طافوا بهم أنحاء الخان وما حوله، ودعا الوجيه حسباء الأحياء، وأئمة المساجد المجاورة، ومن تجدر دعوتهم كما جرت العادة، وأقام وليمة متواضعة وكان نعمان وصحبه الذين يلتقيهم في بعض الغرف الملحقة بجامع زكريا، يشعرون بقسوة المظلمة ووطأة المعيشة، يبصرون أحوال الخلق وأيديهم مغلولة، واعترف بعضهم بضحالة ما يقدّمون، فالكلام لا يساوي الفعل، وغير مرة كتبوا عرائض إلى الوالي والصدر الأعظم، دون جدوى، أو اختلفوا على بعضها فمزقوها، وكادوا يقرون تحالفاً مع الزعّارة، فيحوّلون احتجاجهم ونشاط أولئك، من لغوٍ وسطوٍ وتشليحٍ، إلى لفت انتباه أولي الأمر، لتلمّس أوجاع البشر. بيد أنهم ظلوا مشلولين في جملة المتذمرين، يتماحكون في جدلٍ عقيم.‏

وكان يجد عند شكري كنيدر متنفساً، فيقرأ ويسمع فيعرف، وكان يشعره أن للكلمة المكتوبة أهمية بداية الفعل، وحين ذهب إليه هذه المرة، وجده مغموماً منغمساً في عملٍ دؤوبٍ، بشّ له معتذراً، وأفضى له بما عكّر صفوهما معاً:‏

ـ : الفتاة والترقي بددتا الآمال يا شاعرنا.‏

ـ : كيف..؟.‏

ـ : ثمة نوع من البشر، عندما يمسي الشيطان عاجزاً فإنه يستعين بهم، اندسّوا فيهما يا صاح، وحرفوا دفتيهما إلى وجهتهم.‏

ـ : عانينا من أمثالهم، فلا أستغرب ما تقول.‏

وعاد مغموماً، وعند بوابة الخان خطرت له أبهى، وتساءل إن كان ظلمها بارتباطهما، وهو في مُضْطَرب بين الحال وشرار رأسه، وصادف نفراً من أصحاب طريقة صوفيّة، يستفسرون عمن يحاورون من نزلاء الخان، وسبق أن حضر جانباً من جلسات أرباب شعائر وطرق عدة، وأثار بعض الدراويش اهتمامه بطمأنينتهم الداخلية، وغبطهم على استقرارهم الراسخ، وصفاء نفوسهم؛ ورضاهم عما يزاولونه في الزوايا والتكايا، وتوقّف طويلاً مفكراً بحلقات الزار وضرب الشيش، ثم مالبث أن انصرف راسماً بيده علامة حيرى، وهمَّ أن يدعوا زمرة فتيات إلى جولة خلوية كرمى لأبهى، لكنه وجدهن في طقسِ تعاضدٍ، آسفاتٍ لغياب هوريك وضياع آية، وهنّ يرين الجدّة نور تكاد تنسحق صامتة، لتعاظم شعور الذنب في وجدانها، إذ غفلت عنهما وهاهي تعاني من تبكيت الضمير.‏

مضى مضطرب المشاعر مشتت الذهن، وتبعه فتية، بينهم عبد الجواد وعمر وحمزه، صعد القلعة واستدار مستطلعاً آفاق المدينة، فانتبه إلى الفتيان. أخذهم معه جائلين في أنحائها، حريصين على ما تندّ به شفتاه، ولم يتكلم كثيراً، لاحظوا تأمّله وشروده بين فينة وأخرى، حتى إذا اطمأنّوا إلى سكينته، سألوه عن أقسامها، ولما وجدهم تحت تأثير رؤياه، اقترب بهم من المكان الذي شغله فوق سواه، وحين سُئِلَ أجاب:‏

ـ : إنه حبس الدم.‏

ـ : وهل يُحبس الدّم.؟!.‏

ـ : يبدو ذلك.‏

ـ : لمه.؟‏

ـ : لعله سرّ القلاع.‏

ـ : وأنت.. ما قولك..؟!..‏

ـ : مرة.. رأيت فيما يراه النائم، أنني في قاعة محكمة، وثمة من نطق بالحكم علي حبساً كذا سنة، فأخذت سلاح الحارس وقتلت نفسي، سألني لِمَ فعلت ذلك..؟! أجبته لأنني لا أستطيع تحمّل الحبس.‏

صمتٌ مطبقٌ هيمن على الفتية حيناً، حتى قطعه عبد الجواد سائلاً:‏

ـ : أثمة ما يشبه حبس الدّم هذا في (المسكوب والأستانة).؟.‏

مسح على رأسه الفتى، وهزّ غرّته قائلاً:‏

ـ : كبر مافي رأسك فوق عمرك..!.. ستنال مجداً يا فتى ولن تُعمّر.‏

جنح خيال الفتى وخفق قلبه، احمرت وجنتاه وتجرّأ، فقال:‏

ـ : وإنك القائل: نختار الحياة القصيرة، وليبق صيتنا ذائعاً، دون أن نجانب الحقيقة.‏

أسبل نعمان جفنيه مطرقاً ونبس:‏

ـ : نعم.. نعم..‏

***‏

وكان الرجال دماثاً في محاورة أصحاب الطريقة، واضحين في ردّهم اللبق على دعوة الانضمام إليهم، فكانت صيغة الرد مماثلة لردّهم على من سبقهم:‏

ـ : أحناف... لا نزيد ولا ننقص، ولن نجادل من يختار.‏

ولما أبدى عباس رغبةَ مصاحبتهم، لم يلق معارضة أو تشجيعاً، فهم لم يفتحوا الباب على مصراعيه، ولم يرتجوه بالأغاليق.‏

وكان سليمان قد ضاق ذرعاً بأجواء الخان، وبما يذكّره بالتي غابت مثلما دخلت قلبه، دونما استئذان، فهرب لاجئاً إلى مقهى في محلة باب النصر، فدخّن التبغ، وتعاطى النرجيلة، وراقبه والده وهو يتسلى بلعب النرد، فاطمأن إلى بعده عن الشبهات، وهو أيضاً ملَّ رتابة الأيام وتشابهها، سئم الفراغ وضاق ذرعاً باضطهاده من أمه، وتاق مع الممتعضين من البطالة، إلى الزرع والضرع، في المروج والروابي والسفوح، والانعتاق من الاختناق بين الجدران.‏

وجاءهم الأومباشي في موكبٍ، حاملاً عرض قائد الحامية، بأن يفتح لهم باب ارتزاق يخلصهم من ذلّ البطالة:‏

ـ : ولأيّ عمل يريدنا سيدك عثمان..؟!..‏

ـ : شبه عسكر.‏

أخذه الحكيم إدريس ونعمان جانباً وسألاه:‏

ـ : أومباشي .. كن صادقاً.‏

ـ : عبد مأمورٌ أنا، لكنني لا أكذب عليكم.‏

ـ : ما باطن الأمور..؟!..‏

ـ : يريدكم أداة ردعٍ ووجه مقبحة، فقد اختلفا، ضاريان كشّرا عن أنيابهما.‏

ثم إنه استعوق جوابهم، فاستفسر:‏

ـ : لم أسمع رداً أحمله إليه.؟!..‏

قال الوجيه عبد المجيد:‏

ـ : ولن تسمع.‏

ـ : وماذا أبلغه.؟. تعرفون طغواه.!..‏

ـ : لا تقل شيئاً، فتكن قد أوصلت إليه جوابنا؛ سيفهم فهو لمّاح.‏

ثم سكتوا، فذهب الأومباشي صامتاً، وفي رأسه جعجعة رحى الطاحون.‏

وقبيل انقضاء أسبوع، كان عزيز وطغّام الوالي يقتحمون الخان، في موكب نعماء وتبرجٍ، محمّلين بأقواتٍ وعطايا وعرضٍ خاص، يندرجون بموجبه في خدمة الباشا مخالب خرمشه، فينالون مرضاته، ويصيبون من فضله.‏

وكان الأومباشي قد سرَّب إلى طرف الوالي محاولة قائد الحامية معهم، فمنذ عاد استدرك ما فاته، وبدأ اللعب على حبلين، مقلّداً حركة المنشار، لاسيما أنه أدرك تماماً نهاية الضابط كمال.‏

وقضى عزيز وقته مختالاً أمام أترابه، وتلطّف أمام الصبايا وأمام أمينة وقريباً من جلبهار، وقد غرّه امتداح حلّة يرفل بها، وهناءة واضحة على وجنتيه، حدّثهم عن الباشا وأبّهته، وفي لحظات كان ينسى نفسه خلالها، فيحدثهم كما لو كان الباشا ذاته أو نداً له، وتزيَّد في تبجحه التفاف الفتيات حولـه، وهاهي ذي أمينة، ترنو إليه بِولهٍ، ولطالما انتظر التفاتة منها، فناغاها بهمسٍ جعلها تشهق غبطة، أضفت على أنوثتها عذوبة الماء الزلال، وعرض عليها زواج الدخيلة في الآن، وإنه يجيرها عند الوالي بالذات، ريث أن تسوى الأمور وعقد القران بالحلال، فشعّ وجهها فرحاً كأنها في حلم، واختفت خفراً بين الجدّة نور وقمر، برغم أن أمه نادتها، لكن الجدّة نور استعجلته سائلة:‏

ـ : أتريد أمينة حليلة يا ولد..؟.‏

ـ : إذا رأيت أنني أستطيع إسعادها، أيتها الجدّة المهيبة.‏

ـ : إذاً قل ما وراء عرض الوالي..؟!.‏

ـ : يبغي أشاوس يردعون المارق.‏

تسارع فتية ورجال يعلنون موافقتهم، لكأنها فرصة أنزلتها إليهم السماء، ومنهم من ردد:‏

ـ : مكرهٌ أخاك...‏

وهي ذي سانحة لا تعوّض، ليقتص ذوو القتلى من غريمهم القتول، ثم إنها على حدِّ قول أحدهم، تؤمّن لهم لقمة الزَّقُّوم.‏

وفي اجتماعهم وقت جنّ الليل، علا صوت الحكّاء لقمان قائلاً:‏

ـ : كلاهما غول.. فحذار..‏

وحكى لهم حكاية مناسبة، وردّ عزيز حانقاً:‏

ـ : لقمان أيها الثرثار.. هلاّ صمت..‏

زجره الوجيه عبد المجيد قائلاً:‏

ـ : بل تتأدب وتسكت أنت.‏

وتمتم الحكيم إدريس:‏

ـ : ويلٌ لمن لم يتعظ بعد.‏

وقال نعمان بصوته الجهوري:‏

ـ : "إذا قاتلوا الضبع فنحن عصاهم.‏

وإذا خافوا فنحن حماتهم.‏

وإذا انتهى عملهم فنحن كلابهم.".!.‏

خيّم الصمت والرؤوس مطرقة، ثم دقّت الجدّة نور بعصاها، قائلة:‏

ـ : ما قاله نعمان للأسف صحيح، ابقَ معنا يا عزيز، ولا تعد إلى حيث كنت، فأزوّجك أمينة للتو.‏

ـ :هذا شرط تعجيز..!..‏

ونظر إلى نعمان شزراً، ثم أخذ أمّه، مقسماً ألا يعود إلى الخان ثانية، ولن يعرفهم بعد الآن، ومضى ضارباً الأرض بنزق.‏

غافلت جلبهار أترابها، ولحقت بهما خلسة، وهي تنظر إلى أمّه على استحياء، ونظر إليها منجذباً، كأنها التعويض عما أخفق به، فأخذاها على عجل، ودلفوا المسجد القريب لعقد القران، وكان بعض ذوي القتلى قد تبعوه، لكنهم تسمّروا إثر صيحة الجدّة نور قبل أن يصلوا باب الخان، واستأنفوا جدلهم بوتيرة حامية، وما فتئت أمينة تنشج ساهدة.‏

**********‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244