البشر.. وحتى الشجر.!. - سامي حمزة

رواية - من منشورات اتحاد الكتّاب العرب دمشق - 2001

Updated: Wednesday, September 17, 2003 04:47 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

16

ضرب النافذة، فانكسر الزجاج، وانسحجت قبضته.‏

ـ : كاهانا اهدأ..حريٌّ بنا أن نحافظ على مظهرنا المسالم.‏

ـ : وأنت.. احذر الخلط في وعظك، فذلك يتمُّ باسم عثمان، وليس باسم كاهانا. لن يفطن إليكم أحدٌ، ولابدّ من قتله.‏

ـ :سيحصل. إنما ليس بطريقتك في غضبك هذا.‏

ـ : وكيف إذاً..؟!.‏

ـ : القتل هو القتل.. اهدأ وتذكّر معي غرامه بـ"عثليا"ـ وداد خانم ـ..‏

ـ : مخلصة لا يُنكر إخلاصها..!..‏

ـ : عثليا .. تعالي، مغفورٌ ذنبك سلفاً، ستقضين ليلة مع الوالي أو ليلتين، تسقينه دم الحيض مع شراب يفضله، فيموت لاحقاً، أو لا يتعافى أبداً... هه... وماذا بعد يا كاهانا العزيز..؟.‏

ـ : أرض البادية..‏

ـ : "طوّبناها" باسم اسحق وابنتيه، ونبني عليها نواة قريتنا، لكننا احترنا فيما نسميها.‏

ـ : "القرباطية". فليكن هذا اسمها.‏

وتخيّل أن يكون فيها ماخور وحانة وأنموذج مرصد، وخازوق ومفسدة، فالزمن يهدر قادماً لا محالة، ومن لا يذهب إليه، حكم على جدواه وأداً بكثبان الأيام ذات الظلال القاتمة، وكان يشتمهم بقوله: "سيكان ـ قرباط" ليكسر حدة إحباطه من هشاشة جذور انتمائه، ولطالما أرّقه أن يتكرر في أضغاث أحلامه، أنه يسبح في ماءٍ لا يجد فيه غير الأشنيات..!!..‏

ويسبّهم غيرة من نقاء دمائهم ودفئها، غنية بكرياتٍ محبّة وردية، ولرغبة غائرة في أعماقه، أن يقضوا حياة لا تعرف استقراراً، نكاية بشعوب الأرض، حاشا من هم فوق الخليقة ممن يمّتون لأمّه بصلةٍ، ولتتنكّر لسواهم الأصقاع، فلا يحرثون، ولا يأنسون داراً، يردمون موتاهم حيثما كان، يوهنهم الجوع، ويجفّفهم العطش وتقتلهم الأوبئة، يسكنهم الخوف دائماً، ويمحق الهول ماء ظهورهم، وتتقصف فروعهم كالحطب، ويذروهم الهواء الغاضب مع غبار البوادي، فيذهب بهم كما ذهب بالرومان، وبما كان لعمر بن عبد العزيز حين اتخذ تلك البقعة محطة له، ويتمنى ألا يعرفوا ما تركه الرومان منقوشاً على حجرٍ هائل من البازلت، وقد أبرزوه بأزاميل مبدعين:‏

ـ : (مررنا من ههنا فبنينا وعمّرنا، فابنوا وعمّروا.. يا من تحلّون في هذه الديرة من بعدنا.).‏

يريد لهم أن تعصف بهم النوائب، فإن مالأتهم الأيام، فليعيشوا كخنافس جبل الأحص، حشرات سوداء قميئة، لم ترتوِ من ماءٍ أبداً، فهي جافة متخشّبة يابسة لا طراوة فيها، وكان قاسياً عدم ردّهم عليه، وياللإهانة من صمت مقصود، ويالطيور البطريق الثلجية؛ وطاقتها على صبر صموت لا يجارى..!!..‏

من علّم أولئك البُؤَّس.؟. أهي الجبال الصقيعية وكمون الخليقة في فصلها الشتوي الطو... يل...؟!.. أم هي الخبرة المكثّفة في الملاحم والأساطير (الضاربة في الأزل)؟!..‏

أم أنهم تعلّموا من أمثال الجدّة نور... تلك الشجرة المتجذّرة المتشعبة..؟!.. أم من أغصانٍ متفرّعة بقوّةٍ، أمثال إدريس ونعمان وقمر ولقمان.؟..‏

ـ : (تراني خلعت عليهم أسماء كي أمسخهم، فإذا بهم يتمثّلونها ويعملون بإيحائها.؟!.. أكان الأجدى أن أتركهم بأسماء حددها لهم السلطان.؟!.. أم كان غباءً عدم إبادتهم مع أولئك المتنوّرين على تلك الهضبة..؟!..‏

تباً لك في مرقدك يا ألكسندر الأبرص، لو أنك أشرت أو همست.!!!... أما كنا قدرةً وقدراً والتهمة كانت جاهزة.؟. ومن بدأ اللعبة بتسعة قتلى، سهلٌ عليه أن يعدّ تسعة وتسعين أخر. الصمت يا ألكسندر.. أتعرفه.. قل لي كيف يُقهر.؟!.. وهو أحدّ من سيفٍ وأمضى من طلقة..!!..))..‏

صعقه عدم ردّهم على فرصة أتاحها لهم، حيّره كيف لا يخطف المتضوّر لقمة مُدّت إليه.!. أتاح لهم أن يكونوا حوله مثل كلابٍ مرهوبةٍ، يقضّ مضجع الوالي بهم، ويلهب ظهر المدينة ببأسهم، يطلقهم في أثر الوالي مثل كلاب الصيد السلوقية، ويمسون في أعين أهل المدينة (قبضايات) تصدّوا لجلاوزة طاغية الأستانة، لكنهم "قرباط ـ سيكان"، وهذا أس الكلام. العمى.!!. الهذا الحدِّ شدهوا بدعوة الراعي الأميّ الجلف.؟!.‏

ربما..أو ليس جلّهم رعاة جلفاء.؟!..‏

لم تهدأ نفسه وأجيج غيظه، لكنه نفَّس عن كبته الغضب، وإلا لتخلخل قحف رأسه، ثم إن رسول "نتيفا" خفّف عنه، وأسعدته إشارتها إلى أنهم يأكلون الزيتون.!. لكنه قلب شفته، وقبّبَ كتفيه لأخبارهم، وطمأنته أنّ خمساً من المخلصات عوّضن فقداء الطريق، فوضعن خمسة مواليد، هم أول المباركين، وأنّ بعض المتنفّذين في الطريق أظهروا تعففاً، وبعضهم كانوا شديدي الشبق، وأن المواليد الخمسة ينمون على صدورٍ مدرارة..!.... ويحظونْ بعطفٍ فائقٍ وعناية كبيرة من ذكورٍ كثر، يخالج كلٌّ منهم أن أحدهم قد يكون ابنه..!..‏

ـ : (ولعلَّ أحدهم يشبهك، عدا عن أنه شديد التعلّق بصدر أمّه..! فلا يسكت إلا به..!!)...‏

اختلى بنفسه ولم ينم ليلته تلك.. تحلل من كل قيدٍ ومهمة، وظلَّ يغني إلى أن صفا رأسه، فغفا كفتىً غرير دوّخه السهر، وداهمه الصبح على حين غِرَّة.‏

***‏

وظلَّ الوالي يتابع أخبار الأستانة.. جافاه النوم وأرّقه تهريب أمواله وشغله تحويل ما جناه إلى ما خفَّ وزنه وغلا ثمنه، وحرص على تفويت ما أمكن على شريك الأمس عثمان، فتقرّب من الناس، وبذل وعوداً سخيّة، وأمضى رمضان ورعاً، يصلي العشاء والتراويح في جامع زكريا، وأمر بمائدة إفطارٍ على مدار الشهر لمئات الأفواه، وحبس قططه في القفص، وأرجأ تحصيل الأموال، وجعل بعض المحابيس في خدمته، فكسب ولاءهم وتأييد ذويهم، ووجّه (الجندرمة) إلى التخفيف عن الناس، وصبَّ جام اهتمامه على مراقبة "القشلة"، وذهب إلى بعض ضواحي المدينة، فأنهى مشكلة عقّدتها ـ من قبل ـ تعليماته، بين فئتين من مهجّرين ومقيمين، وطفق يبدي وداً لشيوخ العشائر ورؤساء القبائل وزعماء الأحياء، كأنّه ما ظلم أحداً ولا تجبّر يوماً!.. ملقياً الملامة على كاهل قائد الحامية، وكانت الشائعات تنمّ عن نفسها، وما من دخان بلا نارٍ، فالمدينة قبلة الوافدين من شتى الأصقاع، وعلى رأسها الأستانة، والناس بين مشدوهٍ ومكذّب، ومن ذا الذي يصدق أن جلالة الملك الأعظم، في الدولة العظمى، قد استدان وأنه مفلس..؟!.. وهو ركن السلطنة، وعماد المملكة، السيف القاطع، والنجم الساطع، سيد البرين والبحرين، درّة الشرقين وغرّة الغربين و...!؟.!...‏

وشكري كنيدر نشطٌ، لا يتوانى عن نشر ما يعلم به، إن لم تمنعه إحدى قوتين باتتا تتنازعان التصرف بالمدينة، يُضطهد وتُحجز نسخ الصحيفة إن ورد نبأ لا يعجب أحد الطرفين، برغم أنّهما لا يعرفان تماماً كفة من منهما سترجح، وبرغم أن كلاً منهما يدرك بيقين، أن نهايته مرهونة ببقاء الآخر، فالمكان قد ضاق بهما، ولم يعد فيه متسع لكليهما معاً، فالخطط نضجت وتتهيأ لتعطي أكلها، تأخذ بآمال الضابط عثمان إلى أقصى مداها، وتجعله يكاد يلمس مكانه بين أمثاله ، في كوكبة تتسنّم السدّة، فهم الحكام وهم الظلاّم، وكلٌّ منهم سلطان زمانه، وإنهم يمرّغون خطم البعير في الرمل، ليكون لهم الجمل بما حمل، حلم كبير يبدو شبيهاً بالسراب، وإنهم حين بدؤوا، حذفوا مفردات محددة، وعلى رأسها ـ الاستحالة ـ وإلا كيف يتحقق الحلم، ولمن يتركون ترِكة المعضول، وهم يرون أنهم أحقّ بها، ورأفة به فإنهم يعجّلون بوضع حدٍّ لتباريحه..!..‏

بينما يتمنى الوالي أن يدوم العهد؛ وإن فني الخلق. وكان يحدس:‏

ـ : (وإن كنت ـ شرّابة ـ في خرج دابتك، فأنا راضٍ، وإنني تابعك... أدامك الله... آمين.).‏

مرعوب ترتجف روحه، لا يظهر خوفه، أحسَّ بالعطب ولا يريد أن يُصدّق، متشبث بأظافره وأسنانه، حتى الرمق الأخير؛ يهرب إلى أمام، كأن شيئاً لا يحدث، فحرث حارات المدينة بجولات اعتباطية، ولسانه يكاد لا يستقر في فمه، ولا تستقر يده إلى جنبه، يصافح مَنْ هبَّ ودبَّ، دؤوب الحركة لا يركن في مكان. دخل بيوت أناسٍ؛ لم يأذن لهم أن يقابلوه من قبل. وهاهو فجأة يوجّه موكبه إلى خان الصابون، واستأذن بدماثة أن يكون نزيلهم ريث يستريح، فقد أرهقه التطواف، وله عندهم مطلب، ولم يذكر عزيزاً وكيف ردّوه خائباً، ولم يعاتبهم لردّهم هديته وأعطياته، وسأل عن الحكيم إدريس والجدة نور ونعمان، وعيناه تجولان في وقبيهما باحثين منقّبتين هنا وهناك، وما فتئ يجامل الوجهاء، ويلاطف الرجال، فشرب شاي السماور، وطلب خبزاً وملحاً، فغمس قطعة في الملح ومضغها، وأعلن أنه بذا تقرّب منهم بقدر ما يستطيع، لكنه يطمع أن يكون أكثر قرباً، ناور ثم قذف إليهم بطعم لا يقاوم، فخمسة من أولادهم يدرسون في "الخسرفية" والمدرسة العثمانية الدينية، على نفقته الخاصة، ويقبل بمن يزكّيهم الشيخ الإمام، وأبدى توقاً لسماع تلاوة من آي الذكر الحكيم، من الفتى عمر بن الحكيم إدريس، أطرق منصتاً، وأفاض من مآقيه دمع تقوى وورع..!.. ثم همس سائلاً عمن عساه يخاطب، والوجوه من حوله سَمحة، يحار المرء بينها وكلها رزينة.!..‏

ـ : عدّنا من بيت واحد تعددت غرفه، كبيرنا يسمعك، وصغيرنا منصت إليك..‏

أزفت لحظة الاندفاع هرباً إلى أمام، ولا مناص من إزاحة الوشي والنمنمة، وهاهي ذي غايته بادية، مثل دودة تحرر نفسها من قزٍ أفرزته ناعماً حولها:‏

ـ : جئت أناسبكم.. طالباً القرب منكم..‏

ران صمت مباغت، فالكلام أزّ في الآذان، ودقّت قلوب عذارى خفّاقة.‏

ـ : فمن أكلّم بشأنها.؟‏

ـ : من تقصد يا باشا.؟.‏

ـ : ذات العفاف قمر.‏

التفت الوجيه عبد المجيد نحو الوجيه عبد الحميد، وأشار الشيخ الإمام ناحية الجدّة نور، فخاطبهما وانتظر جوابهما.‏

ـ : لا زواج عندنا دون قبول العروس يا باشا.‏

ـ : سلاها.‏

لم يمهلهم وبدا ملحاحاً؛ برماً بالمدة التي طلبها الوجيه لاستمزاج الرأي، وبرغم إصراره، وجد نفسه ينصاع لتمسكهم بتقاليد لها مكانة الشرائع، وغادر راضخاً، إلا أنه أوحى بتلهّفه؛ ولمَّحَ إلى أنه سيكون صهراً نافعاً؛ مبدياً أسفه وامتعاضه لأوضاعهم، ولم تفته الإشادة بطاقات شبّانهم والإفادة منها، وجعل في كلامه إشارات إلى منفعة يبذلها لهم إن هم أحسنوا إجابة طلبه، وأمضى الطريق يحدس معللاً حسن رأيه وصوابه:‏

ـ : (بلى.. وإن كنت مزواجاً، فهذه مختلفة، وبها تصيب مرامين، تنعشك وتجلو غمّتك فتجدّد شبابك وتنسيك همك، سيد أنت معها وباشا ما حييتما، تبدد حرمانها وعوزها، فلا تنسى فضلك وجميلك؛ لاسيما أنك ستنتشل ناسها من بطالتهم، يبلعون الطعم ويقولون صهرنا أفادنا، فتضرب حولك سوراً من رجالٍ تمرّسوا القتال، لن ينفروا فابنتهم في فراشك، تدفع عنك سوء الظن إن وسوس في صدورهم شك، إنك تستخدمهم درعا، فتردع بهم ذاك الأرعن، فيرضخ لك، وتعيده إلى حظيرة الإذعان ذليلاً، فتتعزز مكانتك، وتقدّر الأستانة صنيعك، ويأتيك تجديد الولاية.)..‏

***‏

أحجمت الجدّة نور عن بيان ما يدور في خلدها، بل إنها اعتكفت جانباً لا تكلّم أحداً، برغم محاولات إدريس ونعمان الاستئناس برأيها، فقد تطوّر الأمر، ولم يعد يعني قمراً وحدها، فالجدل محتدم، ومامن أحدٍ إلا وجد جانباً يعنيه من شأن قمر .! كأنها ليست حرّة في أن تقول كلمتها..!...‏

إن رفضت حاججوها أنّها تحول دون عمل موعود ينقذهم من سوء حالهم، وإن قبلت تكون قد باعتهم وذهبت إلى من لم يلتفت إليهم، إلا لينال امرأة منهم، ألم يقل لقمان أنَّ كليهما غول..؟!...‏

وجاء عزيز غير مرةٍ، يطلب الردّ لسيده، وقمر حرون..!..‏

ـ : هذا باشا يا قمر.!..‏

ـ : لن يصبر طويلاً على دلالاك وتمنّعك.‏

ـ : تعيشين مكرّمة. قمر خانم حرم الباشا، أمرٌ ليس بقليل..!‏

ـ : يجد شبابنا عملاً فيتيسر زواج صاحباتك.‏

ـ : أتنسين ذلنا وقتلانا يا قمر؛ وهو أحد رؤوس التنين.؟!..‏

ـ : كيف ينظر أهل المدينة إلينا، وبنتنا في "حرملك" جلادهم.؟!..‏

ـ : طال الأمد يا قمر ‎.. سينصرف عنك فتندمين.‏

ـ :إن قبلتِ؛ ثم رجحت كفة عثمان، سينتقم منا شرَّ انتقام.‏

ـ : كمال ليس بعائدٍ يا قمر ..!.‏

ـ : مقطوعة من شجرة يا مسكينة، وإنك تكبرين..!.‏

ـ : أبتاه.. أيها الوجيه عبد الحميد. أنقذني من تصدّع رأسي.‏

ـ : أخشى أن أظلمك.‏

ـ : أبتاه قل شيئاً... الصمت مرير.‏

ـ : زواجك فيه منافع لنا جميعاً، وقد يضرنا، ولا أدري..‏

جلست قربها ووضعت رأسها على الصدر الحنون، وهمست سائلة:‏

ـ : أمي.. ابنتك في عذاب قاتل.‏

ـ : لولا أبهى لكان نعمان أجدرهم بك..إنما..!..‏

ـ : وكمال يا أمي..؟!..‏

سقطت على جبينها دمعتان بدفء حبة القلب، من تينك العينين الصادقتين، لمستهما غير مصدّقة، فهي لم ترَ للجدّة نور دمعة من قبل، بيد أنهما ها هما كلؤلؤ حقيقي، ومثل ماء السماء.!.. فهبّت بجلجلة مثل شجرة رمان كثيرة الجلنار، هزّتها ريح مفاجئة، فوحوحت وهرعت؛ وفي رأسها ضجيج مآسي المسير، وفي صدرها مناحة وعويل، واندفق الدم في كيانها، لكأنه هدير سيلٍ؛ يجرف وجع الروح والحب الحزين.‏

واعترض الفتى حمزة طريقها. لم يتكلم برغم أنه علىحافة الانفجار، سألته:‏

ـ : وأنت.. ما قولك..؟‏

انفجر باكياً بكاءً غامضاً صعب التفسير. ربتت على ظهره، ونادت:‏

ـ : نعمان... أيها الحكيم إدريس، رافقاني إلى الوالي.‏

تسمروا في أماكنهم كشجرٍ عرّاه الخريف، شيّعوها وقوفاً وعيونهم شبه أعين الصقور.‏

ـ : باشا... إنني موافقة...‏

ـ : حقاً..!!..‏

ـ : بشرط.‏

ـ : ذهب أم أرض أم ملك..؟!..‏

ـ : رأس الضابط عثمان..‏

ـ : ذلك ليس شرطك، إنما هديتي لك، فلنتحالف لتحقيق ذلك..‏

حدّثوه بماجرى، فأيقن أنه كان لعبة بيد حاوٍ، وازداد إصراراً على المجابهة، بادئاً بما يمكن تداركه، وحاول الوقوف على حقيقة الوضع في الأستانة، لكنه فوجئ بالسبل مسدودة في وجهه، ولم يوفّر جهداً لإقناع قمر، فالأمر يستلزم أسلحة الرجال، فوجدها متمسّكة بمطلبها، فاستشاط غضباً، وكاد يهدد ويتوعد، بيد أنه كبت غيظه والنار تلسعه، وصمم أن ينالها، ورأس الثعبان عثمان بين براثن قططه، ومضى يؤلّب الحسباء وشيوخ العشائر على غريمه وينشد ودّهم، فلم يحصد غيرما زرع..‍..‏

***‏

أتته الخانم أمه متوتّرة، لعلها تجد تفسيراً لما حلّ بها، فاستشفّت مالا تريد تصديقه، وأنّى لها أن تفصح وفي فمها ماء علقم، والمستحيل ذاته هو أن تتكلم، فقفلت راجعة وحنقها يخنقها، وقد فقدت أُلهيتها والذهب والمجوهرات وترياق الجسد..‍‍!...‏

ثم إنه وجد الناس في بلبلة، فاستبسل كي يمنع غراب البين أن يحطّ على السارية، ولم يألُ جهداً لإخطار قصر يلدز بما خمّن وإن لم يتأكد، فباءت محاولاته بالفشل، وهو لا يدري أنّ الأمر كان مقضياً. استنجد واستغاث ولا مغيث، وازدادت حمى الاندفاع هرباً إلى أمام، متغاضياً عن دخان النار ولو إلى حين، وطفق يلحّ أن توافق قمر ، ولها ماتشاء مما في يمناه ويسراه، فوجدها أشد إصراراً، قاطعة دابر المساومة، وحين تأكد له أن قائد الحامية غادر سرّاً إلى الأستانة، اغرورقت عيناه بدمع القهر فاقترب منها وهمس:‏

ـ : فات الأوان.‏

ومضى ينوء بالإخفاق، باذلاً قصارى طاقته كي يبدو متماسكاً، وفي قرارته، أحس أنه كتلة خيبة تتدحرج كيفما اتفق، ولم يهن عليه أن تراه مغلوباً، فأمر بنزوحهم عن المدينة إلى خناصرة عمر بن عبد العزيز، هناك في جوف البادية، حيث ثمة قرية تنتظرهم، وقد بنيت على دوارس وأنقاض، وُجدت في بعض بؤرها ست خرزات على أعماق مختلفة لفوّهاتها.‏

وأرّقه ضعفه وقلة حيلته، فهدّه التعب، لكن صلفه لم يهجعه مستسلماً، فاندفع هارباً ـ مرة أخرى ـ إلى أمام، فوجد راحة عند الخانم وداد، وفي الوقت الذي كانت فيه هوريك وعصبتها في أثر الضابط عثمان، كانت وداد تسقي الباشا شرابه المفضّل!..‏

***‏

حين قطعت القافلة تخوم قرية السفيرة؛ موغلة في دربها ما بين أقدام الجبل وأطراف مملحة الجبول، كانت الجدّة نور ترتعش مرددة:‏

ـ : عثمان... أيها الباغي.. نحن لن نُقهر، ولسوف نتزنّر بجذورنا كالشجر..‏

وكان شكري كنيدر في مطبعة صحيفته، ينضّد حروف خبر خلع السلطان عبد الحميد، وبدء عهد يكتنفه الغموض!...‏

ونهر الذهب يدفق المزيد من مائه العذب، فيزداد امتداد جسد بحيرة المملحة، وتلك جنباتها فاضت على السبخة، تغمرها بماء أُجاج، مثل ملوحة ذاك البحر المغلق في أرض الزيتون، فيمتد ماء البحيرة في سبختها، ليغمر حضيض جبل الأحص عند موقع ((مطكْعة الجحاش))، وذاك هو رابض على صدر الفلاة، كجثة مخلوق أسطوري، قتلته غضبة بركان نفث ما في جوفه ثم استكان.‏

وحين استقبلتهم حجارة سود عند أطراف الجبل، وبدأت دوابهم تطحر وتزحر من وعورةٍ ووحلٍ وحفرٍ وماءٍ وحجرٍ، كان الضابط عثمان قد أحسّ بمن يتعقّبه، وكان شكري كنيدر يودّع الشاعر نعمان؛ في طريقه للقاء الشيخ سيد درويش، القادم بجوقته من المحروسة مصر إلى برّ الشام، وقد أودع أبهى في كنف الجدّة نور ريث أن يعود؛ أو يأتي ليأخذها معه إلى أرض الكنانة.‏

ولما خاضت القافلة في السبخة إلى منتصف المسافة، كان إسحق وابنتاه يتعقبونها في طريقهم إلى "القرباطية"، تراود (زليخة وهاجر) هواجس وأحلام، مخافة إخفاق وأملاً بتحقيق المهمة، فتبدو لهما سهلة بقدر ماهي من صعوبة، يحدوهما طمع جعلهما تتطلعان إلى مكانة مرموقة بين جنود "يهوه"، فيما إسحق يشنّف أذنيه مستغرباً صياح ديكٍ في هذا المكان، وقت انتصاف النهار..!!‏

وقف الديك على ظهر بغل العربة، واستمر بصياحٍ كالنحيب، ثم قفز وجرى يتخبّط في الوحل موغلاً في السبخة، داخلاً في الماء الغريق، تطيّرت قمر فرفعت هدب ثوبها راكضة خلفه، باذلة طاقتها لإنقاذه، لكنه استسبسل في الابتعاد إلى عرض الماء، ومازال يكافح نحو اللج، وما برح يطلق صياحاً كما لم يفعل من قبل، وقمر تركض وتقع وتتخبط، وهو يبتعد، ثم أخذ الماء يغمره، ولم يعد يظهر منه غير رأسه، فصاح صيحة كالنعيب، وغطس إلاّ عرفه، وحين أدركته كانت حوصلته قد امتلأت بالماء المالح، وعادت به جثة وقد لوى رقبته، ونفق، وخاض إليها حمزة يساعدها، فتقتلع قدميها من الوحل واحدة إثر واحدة، وحين خرجا كان الناس في وجوم، وقد ترجّلوا خائضين في الماء والطين، وخبرٌ أبحٌّ خلخل هواء الفضاء، وذهب فيه يرتطم بالسفح والشعاب وحجارة الجبل البازلتية الكالحة، كحفيف آلاف الطير.‏

ـ : الجدّة نور..!..‏

وإسحق يلتفت إليهم فيتشفى متمتماً:‏

ـ : دونكم المملحة، عيشوا فيها كسمك لم يحيا فيها قطّ، ودونكم السبخة، انغرسوا فيها مثل شجرٍ لم ينبت فيها أبداً.‏

"ولم تتم"‏

الرقة‏

(1997 ـ 2000).‏

***********‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244