|
||||||
| Updated: Sunday, September 21, 2003 01:54 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
سحر سومر سحر سومر عنوان الدراسة التي أعدها القاص العراقي الكبير محمد خضير عن (مجموعة حدائق الغرام السومرية) والتي ألقاها في ملتقى القصة العراقية في 23 نيسان 1998 في قاعة الاتحاد العام للأدباء والكتاب في بغداد. ما زالت في أور خزائن لا تقدر بثمن، ولا بثمن قصة معاصره. في تبادل السرد والتاريخ، ومقايضة حلم العصر بأسطورة الماضي. لكن هذا هو عمل القاص نعيم عبد مهلهل، الذي ينتسب إلى ذوي الرؤوس السود، وقد خرجت قصصه الثملة للتو من حانة (سيدوري). وكما فشلت صاحبة الحانة في ثني جلجامش عن عزمه عبور البحر، تفشل اغراءات السرد في سلب القاص حق التنقيب في أرض أجداده، فيزاحم بهويته- هوية المنقب السردي- منقبين مشهورين أمثال ليونادور وولي وماكس مالون، ويحفر في جيولوجيا الأسطورة بحماسة محارب، ويستخرج من طبقاتها العميقة ما يسند وقائعه اليومية المفعمة بالصدق والمرارة. في المدى الجنوبي، وعلى الأديم المنبسط لسهول اور الخصيبة، تتلاقح الرؤيتان- الأسطورية والواقعية- برعاية عشتار وهتاف عذارى المعبد، لتنتجا أساطير حب عصرية. لكن عندما تتحد شخصيتا المحارب والمنقب في عمل قاص معاصر، فإن الإرهاب السردي يعاني حدة هذا الاتحاد حد التمزق. وأقل ما توصف به قصة تتصادم في بؤرتها شحنات مرجعية متقاذفة الاتجاهات، أنها غنيمة كفاح فتح من الفتوح، إن لم نقل إنها غارات معركة يتساوى فيها الكر والفر بين أمس وحاضر. وما هذا الانطباع بغريب على من يقرأ قصص نعيم عبد مهلهل، فروح المرجع يمسك بخناق السرد، بل أن روح المرجع يطارد روح السارد ليلتحم به في نوع من الصراع والقدرية الأسطورية بمعناها التراجيدي الأصيل. أستطيع أن أصف سرد قصص هذه المجموعة بأنه سرد اعتراف ضحية أمام كاهن، ينتهي بإنزال العقاب بالضحية. ويلي طقس الاعتراف طقس تعويض الضحية ببديل عنها. لذا فإن السرد يرتقي إلى مرتبة التضحية النذرية والطقس الأصلي للمقايضة الرمزية بين الضحية وبديلها. والضحية هنا روح السارد المثقل بوزر الماضي وتوق الحاضر إلى الانطلاق والإشباع النفسي والجسدي، أما البديل فهو إلهام مفاجئ يتخذ شكلاً مختلفاً في كل حين، ويترمز بقناع متغير في كل حال. وحقيقة هذا الاستبدال الرمزي أن الذات الساردة تلعب دوري الضحية وبديلها معا للهروب من الحراسة المشددة التي يضربها القدر حولها. وقد تتلبس الذات هذه قناع الكاهن أو الكاهنة، الحارس المطلق، الوسيط المفوض بين الضحية وقدرها. هذا هو الحل الأخير للصراع القدري، أبسط الحلول أرضاها، أنسب الأدوار وأكثرها خداعا للذات وبدائلها. إن قراءة غير طقسية لقصص نعيم عبد مهلهل هي قراءة سطحية، وتأويلا لا يستعمل مصطلحات علم الآثار لن يصل إلى جهد القاص الحقيقي في إقامة طقوس قصصه في أعمق طبقة شعورية. وقد يكون مثل هذا الاشتراط مرهقاً لقارئ يشارك في عملية التمسرح الطقسية فيتوسل توسلات تموز الهارب من عقاب عشتار، ويشاركه الهبوط إلى سجن ايرشيكيال -آلهة الموت ثم العودة إلى أرض الواقع المعاصر بعد تقديم التضحيات النذرية البديلة. لا بد إذن من إرضاء كاهن السرد للمرور من بوابات الموت والإطلاع على ألواح السفر والخلود، وما من قراءة خالدة، وأفعى الكاهن تتعقب سفرك في بحر الظلمات، بل ما من قراءة طقسية بلا مخاطر، وأنا خائف مثلك. يتمحور المضمون العام في قصص نعيم عبد مهلهل حول شيء مفقود في حياة ناقصة، وذات متمركزة تشعر بنقصان مستمر وحنين دائم إلى طعام وجنس وأمان. فإذا عز السداد وشحت الحاجة وافتقد الأمان وطغى الشر اشرأبت الأعناق إلى موطن الحلم أور، تبتغي من حبة رمل فيها وكأس نذري تعويضاً. وهي تجد بغيتها بعد رحلة خيالية، وزمان استبدالي، تغدو فيهما المرأة المعشوقة كاهنة معبد، والتوق الإنساني طقساً احتفالياً تحضره الآلهة وتسفح فيه الرغبات وتحقق الأحلام. ولا شيء حقيقياً في هذا الاستبدال المؤقت، وقد ترفض النذور وتجهض الرحلة. قد تنتهي القصة من دون تطابق الرغبة مع مرجعها المترفع في قمة معبد لا تطالها يد البشر المتضرعة. لكن مثل هذا الاختبار لازم لفضح وعي الذات المتمركزة شروط وضعها الإنساني وخيبتها المحدقة به، فيزداد حنينها إلى معاودة البحث والترحال. إذن، فالأسطورة في هذه المجموعة من القصص مجال اختبار، والقصة ميدان استعاضة عن المكان والزمان، والشخصيات قرائن استبدال إنسان بإنسان، أو إنسان بآلة أو كاهن وكاهنه، وعبر هذا الوعي السائح سيتخفف السرد من علائقه المادية ليصبح بأكمله سرد تعويض، أو حلم استبدال، أو أكذوبة واقع. أما ناتج هذه الإحالة الافتراضية فهو اجتياز الذات الساردة مواقع الذات القصصية (أنا القاص العليمة) متمركزة في كل مفصل من مفاصل القصة. تحاول أنا القاص اللحاق بأنا الساردة الافتراضية المندفعة بلا قيود، وتزيد الأنا العالمة بضرورات السرد التموضع في طريق الأنا الافتراضية، في هذيانها واعتراضها هنا وهناك كي تشهر أمامها حجة الاتفاق المزعوم: (هذه قصتي، قصة رجل من سومر، وهذه حقيقتي). ولن يتحقق شيء من هذا الإدعاء، فخطاب السارد الساخن، ولغته الحارقة (لغة الخطاب الفجة) تستمر في توجيه اللعنات وتقريع الأنا المتمركزة التي لا تملك إلا أن تستجير بالكهنة وترفع إليهم النذور من أجل تطويع الذات الأخرى المجنونة. هكذا يتسع القول عن مضامين القصص، وينعطف حول لغة الخطاب. تضيق أدبية السرد بارتفاع النبرة المقرعة رغبات الذات المسافرة أبداً، الهاجية عالمها الجاحد، المصارعة طغيان المحظورات. لا نقرأ من بوح الكلام إلا جزءاً من لغة الذات الساردة الغارقة في بحر الوعي الهائج. ما نحسه تدفقاً لا واعياً للخطاب يجرف معه نفايات الغريزة الجامحة وزبد الجمل المتدافعة، بعيداً عن رقابة (الذوق الرفيع). تبدأ كل قصة من قصص نعيم بمقدمة تقريرية قصيرة من واقع الحال الفقير، ثم تغتني حركة السرد بأحلام اليقظة التي تذهب مذهب عشتار، أو تبحث مبحث جلجامش، أو تقترن بنساء ملوك آشور العظماء وتستمتع بنعيمهم، كل هذا في ذبذبة لا زمانية ذاهبة راجعة، صاعدة هابطة، جارفة هاذبة، خارج عن حدود الوعي المكانية والزمانية. ولعل هذا التدفق (الفج) لسحر سومر المحاكي تمتمات كاهن مخمور، مقصود لنفي التصميم المسبق لنسق لغة قصصية لا تمنح إلا شعوراً بارداً بالتاريخ، واستعادة ميتة للأسطورة. أرجح أن (نعيما) كان ينساق وراء نعيم الأجداد ويستسلم لسحرهم، لأنه لم يكن يلاحظ تناقضا نابيا بين لغة الخطاب (غير العاقلة) وقواعد الذوق الأدبي المتوارثة عن أجداد الفن العقلاء. حطم القاص الجماجم الذهبية في تنقيبه اللا شعوري، وبعثر لقاه السردية الثمينة في حفره المتواصل، لأن ما يطفح به شعوره- شعور المنقب والمحارب- كان طوفانا ملهما يجرف أساطير المنقبين السابقين إلى موقع حفره، فتمتزج في كيانه رهبة الموت بشهوة التدمير. لأن من يقع تحت سومر لا يعود يميز بين حدود العقل والجنون، ولا يصلح ميزانه لقياس جمال لا ينطق بلغة الأحشاء والغرائز والرعشات. وبمقاطع هذه اللعنة الراعشة، الموزونة تحت سطح غير موزون، تتفوق القصص على ذات السارد نفسه، ذلك الذي يعلم أقل مما تعلم لغته الساردة لما لم يعلم. محمد خضير -تموز- 1988 |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |