حدائق الغرام السومرية- مجموعة قصصية - نعيم عبد مهلهل - من منشورات اتحاد الكتّاب العرب دمشق - 2001

Updated: Sunday, September 21, 2003 01:54 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

كاهنة ديوان الوزارة

" في اليوم الذي قسمت فيه الأنصبة كانت الحصة المخصصة لي العذاب والألم "‏

شاعر سومري مجهول‏

لكل مدينة رجل، لا أعتقد أني رجل هذه المدينة ولكنها بعض معاناتي، واليوم أدفع خطواتي فوق أرصفتها فلا أجد سوى وجهها الشاحب وقطرات الألم تتساقط من عيون الأنهار، فكل شيء صعب في هذا الزمان ورغم ذلك فنحن نعيش، فتكرم أيها السيد وانظر إلى طلبي فابنتي تريد أن ترى أيامها القادمة مستقرة، ولأني أتخيل بنرجسة شاعر، رسمت شاشة جدار الاستعلامات الرجل بقاطه المستورد ونظراته المحسوبة بدقة كومبيرتر (صخر) وبعد أن دفع من فمه سحابة الدخان كتب على الطلب "لحين توفر الدرجة"، عندها قلت لكن مثل جرأة محارب وادخل عوالم التجريب تشخيص الأيام التي تتراكم فوق برج الذاكرة وأتجانس مع خيالات الماضي بعد أن ينتهي طابور توزيع أحذية جلود الرخيصة لأقتنص وجها سومريا يجعل الذاكرة تهيم في مخيلة من الغرابة، وهكذا شمرت عن ساعدي واستخدمت طريقة صيادي المواهب،وجلست على مدرجات ملاعب النساء وكل واحدة تمر يذكرني عطرها ولون شعرها بالغرب المستورد. الغرب الذي يحاصرنا حتى ونحن نمارس ما حلله الله مع زوجاتنا. ويكاد النهار ينتهي وليس هناك من لها عطر بخور المعبد المشتعل في الزقورة روحي ولا عيون باتساع ما تملكه شبغاد، وهكذا أعود بخفي حنين إلى بيتي وعلى الفراش أرخي ساقي بعد أن أخبر زوجتي أنها وعند إغفاءتي عليها أن تضع كتاب (ألواح سومر) تحت وسادتي، هي لا تؤمن بهذياناتي المثقفة ولكنها كزوجة مطيعة ستفعل ما أمرتها به، لا أريد أن أطيل فبعد حلم أزرق تحقق لصياد المواهب ما أراد فالصباح كشف لي أمورا جديدة وما دار في فضاء الحلم تصورته لا يعود، وأنت ذات العيون الخضر التي مسحت بيديها المباركتين على رأسي وقلت: (غدا ستحصل على خمسين ألف دينار تبرع بألف منها إلى المعبد) وها أنا متوجه صوب اور لأبحث عن المعبد الذي وصفته أنه في الجناح الشرقي من الزقورة عليك أن تنحني وأنت تدلف بابه الحجري تنزل عشرة سلالم ثم تجدني أمامك، ولكن ماذا تفعل بالنقود التي حصلت عليها؟‏

سأشتري جهاز تسجيل لأني أريد أن أتمتع بأغنية جديدة لنجاة الصغيرة عنوانها (أسألك الرحيلا).‏

-نحن هنا نسمع الأغاني من الحناجر والقلوب عندما تكون المغنية سومرية ولكن التي تغني هناك "أسألك الرحيلا" مغنية فرعونية أنت تحلم بصعود المركب لتصل إلى البلاد البعيدة. للسفر أيضاً هناك تعويذة مغناة، هل تريد أن تحملك تعويذتي إلى مصر؟‏

-لا أرغب فلحكومتها موقف من بلادي.‏

-كالذي بين آشور وفرعون؟‏

-ليس بالضبط. اليوم تطورت الحرب، هناك حرب دبلوماسية واقتصادية وعسكرية.‏

-إذن كيف تحب صوت الكاهنة من بلاد لا تود الذهاب إليها؟‏

-الغناء ليس له علاقة بموقف الحكام.‏

-عندما يأذن لي جنوني بالرحيل إلى عينيك.‏

-ولكني أملك حبيبا سيغار ويغرز سكينه في بطنك عندما يسمع.‏

-وأين هو الآن؟‏

-في قبره الملكي مع حليه وملابسه الأميرية. لقد مات بطلا في الحرب ضد العيلاميين. أنتم تسمون الذي يموت من أجل وطنه شهيداً، ونحن نسميه بطلا، ولكليهما منزلة عظيمة فكيف أمنحك عيني؟‏

دب خيط الخجل في عيوني وأغاظني تصرفي الأحمق، أخرجت رزمة النقود وقلت: -لمن أدفع النقود؟‏

-ضعها على المذبح، وعندما تفكر بالحب لا تنظر إلى عيون امرأة مشعة فإنها بالتأكيد لرجل غيرك.‏

- الآلهة نفسها كانت تهيم بالجمال، هل تذكرين عشتار؟‏

-ولكنها لم تحصل سوى على النقد الجارح الذي صبه عليها الفتى جلجامش، لأنها تريد أن تمتلك كل جميل.‏

الجمال في هذه الأيام أن تجد الخبز الأبيض وأن تحصل على سكن وإن طغت فيك الرؤى لا بد من سيارة مبردة توصلك إلى العاصمة لتذهب كمن عجن مِن خجل الجنوب كله وتقف أمام واجهة المخازن وقد بهرتك الأضوية وأدامت في عينيك صلة التمني وأنت تقدم طلبك للحصول على وظيفة في ديوان الوزارة، وقد أعجب خطك موظفة مكتب الخدمة لترفع حاجباً من الكحل وتنظر بطرفي رموشها الماسية إلى الجسد النحيف وقد ارتجف من نظراتها التي أشفعتها بابتسامة حارة أعادت إليها دفء الملاجئ لتنتفض مثل عصفور بلله القطر وتقول بكلمات مرتبكة:‏

-عفواً سيدتي، هل في طلبي جملة غير مهذبة؟‏

-هل هذا خطك وتعبيرك، وكيف جئت من مدينتك؟ ألا يوجد فيها دوائر تقدم إليها طلب؟‏

-في كل مرة يحفظ طلبي لعدم توفر الشاغر. أحدهم نصحني بالمجيء إلى الوزارة.‏

-لماذا لا تعمل في القطاع الخاص، الربح فيه وفير؟‏

-زوجتي تحن إلى امتلاك دفتر أسواق مركزية وأن يقال لها زوجة الموظف فلان.‏

-وشهادتك؟‏

-الإعدادية، وستسأليني لماذا لم أكمل دراستي؟ سأرد عليك بصراحة، الفقر، أولاً انتظرت عاماً لاشتغل حتى أستطيع توفير المال لدراستي الجامعية لكن الحرب جاءت وتعرفين بقية القصة، المهم عدت منها سالماً وبخط جميل وتعبير رائع هذا سيجعل طلبك مقبولاً مع توصية مني، خطوط طلبك لها ميلان غريب وزواياه تبعث ضوءاً خاصاً يجذب أي أنثى. هل تكتب الشعر؟‏

احمر وجهي، فزوجتي عندما تغضب تقول: انهض يا شاعر الإفلاس، فالطحين نفد واشتر لنا الماش لأنني مطلوبة "غداء الزهراء"، قلت: اكتب لنفسي فقط ولا أريد أن أخرج للضوء. أنا أعيش في دائرة الحلم السومري، هو فقط يجعلني أتحمل البطالة، أما كيف أعيش فأبي أورثني علوة حبوب مؤجرة وأمي تركت لنا في واجهة دارنا حانوتين ومساعدات أهل زوجتي وفوق الجميع، كاهنة المعبد إنها تمنحني في كل ليلة وجبة عشاء دسمة، كاهنة زقورة أور ألم تسمعي بها؟‏

-لم أسمع ولكني أرى الكاهنات في المسلسلات التاريخية، المصرية فقط، وحسرتي أن أرى واحدة من ممثلات بلادي تمثل دور كاهنة، وكاهنة الزقورة؟ حدثني عنها.‏

ثانية أعود إلى حلمي معك والآن لا أسألك الرحيلا بل أسألك البقاء. قلت: إنها تشبهك تماماً.‏

شع وسط أجفانها ضوء فيروزي أزرق، قالت بدلال الطيور بداية كل دفء:‏

-وهل أنا جميلة؟‏

قلت وقد أغراني انفراج شفتيها:‏

-جميلة، جميلة جداً يا سيدتي .‏

قالت: وقد أسكرها غرور المرأة:‏

صفها تلك التي تشبهني؟‏

وهكذا عاد بي الإياب لأصفك بعدا عن الحلم، وفي المكان نفسه قرب دكة قاعدة الزقورة:‏

-أنت جسد من ضوء عجن بماء طيني مالح ليصير أطيب وقت مائدة السرير.‏

قالت بغضب:‏

-أنت جلجامش آخر لا يهمك من المرأة سوى سبي جسدها.‏

-إني معجب بجبروت فتى أوروك، هووحده من ألهمني الاندفاع لأصل إلى المرأة، ما رأيت في حياتي سحرا كسحرها، رفعت رأسها، حركت جدائلها، ثم تسلقت سلم المعبد، وأنا خلفها أضع قدمي مع وقع طبول تضرب في الأفق القريب حيث تحرك موكب جلجامش من أوروك إلى أور لينتقي منها فتاة لياليه الملاح. هي مثلي سمعت الطبول أصخت السمع باتجاه اريدو.‏

قالت: لا ليس من هناك اتجاه أكد. لا ليس من هناك، صوب لارسا، لا ليس من هناك.‏

ذعرت وقالت:‏

-أيها الفتى هذه طبول الحرب، خبئني بين ثيابك فهو يريدني هذه المرة .‏

-ولكني لا أرتدي سوى هذا القميص فأين أخبئك؟ سأموت فصدري لن يتحمل ولوج امرأة هائلة مثلك.‏

قالت: لا عليك .‏

ثم بدأت بقراءة تعاويذ سومرية. إنها أصوات مرتبة بدفء وعناية وكأن المفردات تصطدم أولا بشجرة، وبماء، ثم بصدر امرأة ليكون الصدى لذيذاً جداً، وفجأة انفتح صدري دون أن تسقط قطرة دم واحدة ورأيت قلبي صغيراً أحمر ينبض ببطء كمن يسير على سلم موسيقاه إلى المجهول حيث أوقفتني عيون موظفة الديوان، وقالت: -توقف عن التحدث عنها، ألم تسمع بغيرة المرأة، إنك مسحور بها، وكأنها تسلب منك قدرتك على الاختيار، هي وهم تنسق خلفه وعش لهذا الحاضر الذي أمامك.‏

وضعت طلبي في إضبارة خضراء، وقلت وقد وعيت حالة جديدة. إني متعلق بهذه الأنثى:‏

-لوركا يقول: أحبك هكذا. هكذا خضراء .‏

قالت وقد أغرتها العبارة: أنا أم الإضبارة، أم هي؟‏

قلت: أنت.‏

أنتِ فجرتِ في صالة ديوان الوزارة عاصفة ودوياً هائلاً وكأنها الطائرات يوم أنزلت قراصنتها فوق المعبد لتسرق حلي الكاهنة وتبعثر أوراق أورنمو، ومجندة شذت بها الحضارة لتخلع بدلة المارينز وفتحت قبرا ملكياً.‏

ثم مارست جنون العري مع صاحبه.‏

الدوي كاد يحطم كل شيء، ذعر المراجعون وغادر موظفو الوزارة مكاتبهم، وحدها ظلت واقفة بثبات وكأنها تنتظر ما بعد العاصفة خفت أن يكون المارينز قد جاؤوا ليسرقوا كاهنتي الجديدة قلت:‏

-ما زال صدري مفتوحاً لكاهنة أخرى، فتعالي وادخلي لسوف يأسرونك، فعلوها مرة في أور، ولا أريد للمأساة أن تتكرر ثانية يا إلهي، جئت لوظيفة أقتل فيها جوعي، ولا أجد أمامي حلم وسادة آخر ولكنه الآن حقيقة: أيها الرجل الذي مسكته التعاويذ من أطراف ثوبه، كيف لك أن تعيش الوضع مرتين، وفي كل مرة هناك امرأة صنعتها الأسحار وأحلامك، صنعها الجوع والفطرة وانتظار ما تجلبه بطاقة التموين. لقد نسيت أن لك زوجة عجنت بالفطرة كل كلماتها الساذجة وجاءت إليك من أعماق الريف لتقول لك: سأظل يا ابن عمي وفية كل العمر مثل وفاء الدجاجة لديكها الأحمر ولأنهم أتوا بها في عربة ذات حصانين، قلت:‏

-استريحي الليلة ودعي ديكك الأحمر ينام، ونامت المسكينة ليلة عرسها دون جسد خشن، ولتفتح أنت الكتاب تبحث عن كاهنة الزقورة ولتمارس معها ما يتمناه الرجل مع امرأة يهواها، وهكذا يختلط عليك الأمر فتضيع بين عشق كاهنة الزقورة وعشق كاهنة ديوان الوزارة. إن اختلاط الأوراق لرجل مثلك يجلب المأساة لعالم الفضيلة الذي حرصت أن تكون واحداً من سدنته. هذه الفضيلة التي أورثتك الصبر وطاعة الأوامر، وجعلتك منغلقاً على ذاتك التي قرأت في عزلتها اشتياقات آلاف من الذين كتبوا وحكموا أو اعتزلوا في حضارة الإنسانية ليتحدثوا إلى طيب مثلك عن مثاليات أن يرتقي الإنسان بألمه وجوعه أولاً. هذه المرأة التي تنتصب بموازاة الثريا الهائلة في صالة الديوان لن تكون بدلاً عن تلك المقدسة التي مسحت على رأسك ومنحتك في الحلم مالاً ستوفر به لأطفالك طحيناً يستطيعون به أن يكملوا عامهم الدراسي من دون جوع. ولكنك مصاب بسهام الهوى، تخيلت ما يتخيله الشعراء في قصائدهم، وهمست بلغة سومرية: (شكراً لتوصيتك ولكن. لي طلب آخر أهم من الوظيفة، أن يكون لي معك مساء واحد. نحن في الناصرية نسمع بحديقة الزوراء كأجمل ممشى لرجل وامرأة في العاصمة أدعوك إليها إن لم أكن متجاوزاً في أدبي).‏

قالت وهي معجبة بارتعاشة شفتي واهتزاز جسدي النحيف:‏

-حسناً سأكون لك هذا المساء.‏

من الكتب تعلمت أن (لك) تعني امتلاكا كاملاً لكل ما في المرأة، هذا أغراني كثيراً.‏

كي أذهب إلى الباب الشرقي وأشتري قميصاً نصف عمر، وأقف أمام مرآة المقهى، وأتطلع إلى شكلي بزهو، أنا من جاوز الأربعين، وبين مناداة النادل لتلبية طلبات الزبائن، وضجيج المقهى رسمت لي المرأة المخدوشة شكلاً آخر للقاءين لا أظن أنهما تحققا لقد كان كل شيء في الحلم، ورغم هذا تبدو متعة الأحلام مطلباً يحتاجه فقير مثلي في عصر افتقدنا فيه التفاح ولكنا لم نفتقد الحب، وهذا هو الأهم. كان المساء بارداً والشجر امتلك عتمة خضراء، فالشتاء يحمل على أكتافه أمتعة سفر طويل. في المرآة رأيتهما قادمتين. كاهنتان من عصرين مختلفين. واحدة ترتدي ثياب المعبد البيض بكتف عار يضيء بياضه، وأخرى ترتدي فستاناً أحمر تشم فيه رائحة الورد. كانت الأولى بعنق رخامي طرزته قلادة أحجار اللازورد فيما كان عنق الثانية مخبأ خلف ياقة قميص أبيض زينته ربطة حمراء تحيرت إلى أي من الاثنتين أمد يدي، خطوة واحدة. ابتسامة واحدة. تسريحة واحدة. قوام واحد. فقط ما ترتديان يختلف، ولأني توفيقي دائماً أخذت بيد الاثنتين وكانت كل واحدة تشدني إليها بقوة حتى كدت أنقسم إلى نصفين. مع الأولى أعيد استذكار حبيب الأمس حين اقتربت خيول عيلام من أسوار أور المقدسة.‏

-كنت أعشق فيه الفتوة والجبروت. أنانا نفسها كانت معجبة به خلعت أهدابها شعرة، شعرة لتكشف إن كان سيكون لها. لكن أور سرقته منا نحن الاثنتين لتحمّلني سبب موته واتهمتني، أنا من دفعته إلى الحرب، ولأني كاهنة قوية قلت:‏

-أيتها الآلهة المغرورة: نعم دفعته حتى لا يهدم المعبد وتسلب هياكل آبائك من الآلهة وأن تكسر ألواح طوفان أبينا نوح، وأن يهدم بيت إبراهيم.‏

أغاضها أن يكون الأنبياء بموازاتها. أزبدت وأرعدت وقالت: أولئك رسل إنما أنا الآلهة. آلهة شدت على جسدي حبال مودتها عندما تهت ذات مساء بين أطلال بيوت المدينة المقدسة وكانت هي تبحث عني لتنقل إلي شكر كبير الكهنة لهديتي المتواضعة التي نذرتها ذات مساء، الذي حملت فيه الطائرات رجال المارينز بعيداً، وجئت مع نقودي أستعيد فيها بهجة العبور الآسر إلى أور.‏

قالت موظفة الديوان وكانت تسير بأنوثة متحضرة، فيما كانت خطوات كاهنة الزقورة تضرب مع نغمات قيثارة سومرية:‏

-لا أحب أن أتمشى مع رجل شارد الذهن. الحياة هي هذا المساء فقط، والأوقات الأخرى هي ضياع في أروقة الذاكرة. دعك من كل شيء وقل كيف خلق الله المرأة؟‏

قلت:‏

-خلقها من صلصال خلط بالعشب والشعر وقليل من الغيرة. إنه تصوري. هذا التصور أغراني كثيراً وأنا أتجول مع هاتين الأميرتين حتى نسيت موعد عودتي إلى مدينتي لأعيش الزمن برغبة من لم يذق معاشرة امرأة في حياته، ولأعيد مع عطر كل واحدة منهن ذكريات سنين قديمة. كان الماء بارداً، ولكني أدفئ جسدي بجسديهما أشعلت وسط عيونهن رغباتي وأوهمت جسدي النحيف أنهما تحتضنان فيَّ ذكورة كالتي امتلكها الأمير السومري أورنمو يوم اشتهى عشر عذارى في ليلة.‏

قالت موظفة الديوان: مساء العواصم يمنحك اشتياقاً أكثر من مدينة أخرى، ربما لأنها تشعرك بفارق ما، من ثقافتي المحدودة أعرف أن ليس في العالم عاصمة تقع في الجنوب لهذا ستتمتع قدر ما شئت بهذا المساء فلربما لن تراني بعد ذلك.‏

قالت كاهنة الزقورة: نعم النسيان بعض من حكمة النساء. إنها إرادة نفرضها عليكم لنجلب لأجسادنا الرقيقة هيبة ما، حتى ولو في الذكريات وانظر إنها تحدد حجم الزمن الذي تريدك فيه بت أشفق عليك أيها الجنوبي.‏

-ما تقصدين؟ هل ستنسينني أنت أيضاً، هل تتركاني هنا وحدي؟‏

-أنا لا أتركك لأني معك دائماً، تحت الوسادة، بين أوراقك، في جوعك، أما هذه التي تتلاعب في أحلامك فهي غريبة عنك فلا تضيع في غرف عينيها إني أحذرك. لا أريد أن تنسى جنوبيتك لمجرد مساء في حديقة.‏

-ولكنك معي دائماً.‏

ورغم هذا تبدو ميالاً لها أكثر مني قرأت موظفة الديوان الحوار وسط شفتي وقالت:‏

رغبتي أن أجد رجلاً تكتمل فيه الأحلام، هو موجود، واقع أم خيال، هذا لا يهمك.‏

ولكنك تملك خجلاً ورقة لذيذة استهوتني منذ أن ارتجفت ساقاك أمامي وكدت تفعلها برعشتك الخضراء التي لم تنتبه لوجود أكثر من مائة مراجع، ويبدو أن الجنوب لن يتوقف عن فضح رغباته المجنونة حتى في أقدس الأمكنة. خذ بيدي ولنبتعد عنها خلف تلك الشجرة. المرأة عندما تكون مع رجل لن تحتاج ثالثاً سوى الله، والله سيغفر لمن يحب حتى ولو لمساء واحد، ثانية طفح الغضب الوردي على وجنتي كاهنة الزقورة. ورفعت خنجرها مرة أخرى وقالت: لا تذهب معها فأنت لي.‏

لكن اليد الناعمة لموظفة الديوان كانت أرق من ورقة صفصاف تموت مبكراً، وبخيط عينيها الرفيع احترق صدري والتهبت شفتاي وانفجرت في ساقي أنهار غير دجلة والفرات، فرأيت بين طيات الجسد البض كل أساطير الحلم وشعرت أن المرأة اللذيذة إنما هي بعض من بضاعة الآلهة التي تمن بها على البشر، فكان لي أن أنسى أن هناك في العالم جنوباً وأن لي زوجة وأطفالا ينتظرون صرختي لهم وأنا أمسك كتاب التعيين، والكاهنة الأخرى فتحت نهرا من الدموع وسط مساحة العشب، فلم أبال، ومع الطقس المشتعل بلهاثي الريفي ونداءاتي الضاحكة نسيت هي أيضاً ما كان يربطها بحياتها قبل أن تطأ قدماي وزارتها الموقرة، واستجابة لسذاجتي وأنا أحاول أن أتفنن معها بحركات جديدة، كميلان جسدي مثل دوران حمار في ناعورة، أو ادخال رأسي في كهف صدرها كما يفعل الديك وهو يدخل رأسه بين جناحيها، وكنت أردد كلماتي الأولى يوم فضت بكارتي في طفولة مبكرة، عندما صحبني والدي وكان حارساً في مديرية الآثار، صحبني معه لأكتشف ما رواه لنا عن الوجوه المدورة والعيون الغائرة والطيبة العجيبة لعالم الآثار الياباني كيتومارا وزوجته الشابة وقد سمح لهما بمشاهدة ودراسة آثار مدينة أور، وفي الظهيرة التموزية ندم الصبي لأنه جاء فأمره والده بالبقاء في خيمة العالم، مع زوجته الشابة، وأمامها جلس القرفصاء خائفاً من ضحكتها السريعة وعينيها الصغيرتين وقد لبست قبعة من القش وبنطلوناً قصيراً جداً، فكان كلما رفع رأسه ليتأمل جسدها المنحني وصدرها رمته بقهقة طويلة وحدثته بعربية غير واضحة: (ولد عفريت سلمان..) .‏

يرتجف هو. إنه ليس عفريتا، بل حزين فلم يعتد أن يرى في وجوه نساء محلة السيف هذا والصور التي يراها لنساء الأجانب في المجلات هي صور لنساء يشبهن الملائكة في قصص جدته. مارلين مونرو مثلاً، برجيت باردو، هند رستم ، نادية لطفي، ولكن هذه المرأة الأجنبية تكاد تكون بلا عيون. إنها تخيفك يا سلمان، وأبوك لا يزال مع زوجها بين أطلال قبور الملوك الذين سحروك، وأبوك يحمل إليك بين طيات ثيابه غبار أزمنتهم، ولكن لحظات الخوف لن تدوم فبيدين رقيقتين قدمت إليك قطعة حلوى، وشطيرة جبن لذيذة للمرة الأولى في حياتك تتذوق غذاء معلباً. قالت: إنه لذيذ.‏

ولأنني جائع أكلت. لم يكن لذيذا، كان مالحا، حتى الخبز المحمض كان مالحا. قالت مرة أخرى: ها سلمان لذيذ؟‏

قلت وقد ارتجفت الكلمات بين شفتي: لا شيء ألذ من طبخ أمي.‏

-ولد عفريت تتكلم بشجاعة. كم عمرك؟‏

-اثنا عشر عاماً يا سيدتي.‏

-في المدرسة؟‏

-نعم.. أقرأ جيداً، وأتعلم الكتابة حتى فيما لا يخص الدروس، من أي بلد أنتِ؟‏

-من اليابان.‏

-لم أر النساء اليابانيات. أنا رأيت نساء من فرنسا وبريطانيا وألمانيا، أراهن في المجلات. إنهن جميلات جداً. ويلبسن مثلما تلبسين، وخاصة عندما يقفن على البحر للسباحة.‏

-ولد سلمان. أنت شيطان صغير. تحب النساء العاريات.‏

طفح الخجل الوردي، وقلت مع نفسي، وكيف لا أحب وقصص ألف ليلة وليلة حملت إلي في طفولتي جسد ألف جارية عارية.‏

ويبدو أن حديثي أشعل فيها ذات الرغبة التي تشتعل فيّ الآن تحت شجرة حديقة الزوراء فكانت أن مدت يدها إلى أزرار ثوبي، وبدأت تنقب في طفولتي لتجد تيجانا ملكية أخرى غير التي يبحث عنها زوجها الآن بين قبور أجدادنا.‏

وعندما انتهت.. ومعها انتهت طقوس موظفة الديوان قالت، وقد ملأت عينيها الصغيرتين بسعادة غريبة: سلمان انظر إلى تلك المقابر. هناك والدك مع السيد كيتومارا، اذهب معهم واحضر، وجد لي منحوتة صغيرة أو حلية لأميرة سومرية وعندما تجدها سأعطيك مزيداً من الحلوى وما مارسته الآن.‏

رد الصبي: ولكني أخاف المقابر. إنها مظلمة يا سيدتي. الكبار وحدهم ينزلون إليها.‏

ردت بغضب: ولماذا جئت إذن؟‏

قال: جئت لأتأمل وجهك الغريب وهذا البيت الهائل، زقورة أورنمو.‏

ضحكت كاهنة الوزارة: ألم تحن في حياتك إلى مبنى وزارة هائل؟‏

-لا يا سيدتي لم يكن في مدينتي سوى السراي وبيت المتصرف ومنزل الثري الحاج طالب، وتلك المنازل لا يحق لنا حتى تأمل طرازها الجميل، وكان يهود المدينة قبل أن يرحلوا يملكون منازل ذات شناشيل خشبية حين نتأملها يصيح علينا تاجر الفحم: تأملوا يا فقراء،‏

-فأنتم لستم مثلنا...‏

-تعرفون الأرقام وهندسة الأشياء الجميلة تأملوها فقط.‏

فنرد عليه: يا ساسون.‏

-ونحن أيضاً يا ساسون لا نعرف الربا والبخل وغرف الخان المظلمة ومداعبة أولاد جارك حسقيل. فينهض غاضباً ويرمينا بالأحجار، ونهرب.‏

قالت كاهنة الزقورة: إذن أنت لي وحدي .‏

قلت: نعم أنا في الآخر أكون لك وحدك.‏

دمعة سقطت من جفن كاهنة ديوان الوزارة نهضت وهي تعيد أزرار قميصها، وابتعدت خجلة وحزينة وعندما أردت اللحاق بها قالت كاهنة الزقورة: دعها.‏

قدرك معها مساء واحد، أما ما قدر لي معك فهو العمر كله.‏

لا أدري كيف حدث ذلك، قلت. ربما تعود غاضبة وسوف تمزق طلبي غداً وتضيع الوظيفة.‏

-لا تخف هي تعلقت بجنوبيتك ولمساء واحد، إنها على موعد الليلة لتناول وجبة عشاء مع شخص ما.‏

انتفضت بغضب وكأنها ابنة عمي أو زوجتي مع من؟‏

-مع خطيبها طبعاً.‏

-صخرة هائلة وقعت على رأسي، لفني صداع. سمعت صافرة القطار الذاهب إلى الناصرية وتحسرت على المال الذي صرفته على القميص الجديد والبطاقة التي انتهى مفعولها. أشياء كثيرة خسرتها حتى قلبي. إن هذه الخسارة هم يلاحقني في كل مرة. قلت: ولكنها حقيقة. امرأة من هذا الحاضر الذي طالما تمنيت فيه واحدة لا تشبه الدجاجة التي نامت على صدري وكان ريشها بارداً كالثلج.‏

وبحزن وانفعال قالت:‏

-وأنا؟‏

-أنت كاهنة تعرفت عليها بين السطور، ستغيبين كخيال بعد لحظات، يا لهذه الخسارة امرأة ووظيفة.‏

قالت: جلجامش مني بخسارتين، انكيدو وزهرة خلوده.‏

-وماذا تبقى إذا؟‏

-ابتسمت وقد نشرت في الريح أشرعتها البيض، وقالت وهي تبتعد محلقة في أفق مضيء بنجوم خجلة: سيبقى الأمل وأنا وقصيدة شعر.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244