حدائق الغرام السومرية- مجموعة قصصية - نعيم عبد مهلهل - من منشورات اتحاد الكتّاب العرب دمشق - 2001

Updated: Sunday, September 21, 2003 01:54 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

ميثولوجيا معاصرة

" في كل مكان كانت توجد تيجان ملكية مذهبة، وكان بينها ما هو شديد الثقل بحيث يتعذر رفعه ".‏

كارل ريتر‏

في قصر المشرّع أورنمو وقبل الخروج إلى حربه مع العيلاميين، جلست الآثارية كاترين وولي منبهرة من جمال الملك وسائله إياه عن معنى أن تكون الحرب بدلاً من الجلوس في الظل وارتشاف كاس من الكونياك والبدء بكتابة يوميات تبدأ من العضلات الخشنة لعامل التنقيب "حمودي" وتنتهي بلهاث أنثوي ملدوغ في غرفة بفندق الهلتون في لندن.‏

ولكي يجيب عليه نزع خوذته الحديدية، وعندما فعل، همس لـه كبير الكهنة: مولاي لا يصح لملك خلع عدة الحرب من أجل امرأة!‏

-ولكنها ضيفتني، دع الحرب الآن ولنرد على تساؤلها.‏

همس الكاهن إلى مساعده: سينسى الملك جيشه المتأهب أمام بوابات السور وينشغل بعيون هذه الصبية، من دعا رجال الآثار إلى هنا؟‏

عرف الملك همس الكاهن، وقال: القدر واحد لأي سومري ملكا كان أم من عامة البشر حتى الآلهة لها قدر فدعني أتمتع بهذه العيون.‏

ولكنها عيون غريبة يا مولاي؟‏

-فنيت نصف كنوزي نذرا للآلهة لتمنحني شيئاً غريبا ولم تفعل، أرضى أن تقتلني عينا امرأة جميلة ولا رمحا يرمى عليّ من الخلف.‏

ارتبكت كاترين وقالت بأدب فكتوري: لست قاتلة يا مولاي، أنا زوجة رجل آثار.‏

قال الكاهن: وما هذا المعول الذي بجانبك؟‏

-إنه لزوجي ليوناردو وولي، وقد جاء لينقب عن سلالة كان مليكك مؤسسها وسر أسطوريتها.‏

أحمر وجه الملك من هذا الإطراء. انتفخت وجنتاه، تمنى ما يتمناه كل رجل شده عطرها وزرقة عينيها. كان في يدها كتاب. تلمسه بأصابع مرتعشة وتساءل: ما هذا؟‏

قالت: هذا لوح من ورق دونت فيه مسرحية لكاتب اسمه "شكسبير" تراجيديا تؤدى من قبل البشر.‏

نحن لم نكتب في ألواحنا سوى ما نشعر به تجاه الآلهة حتى لا تظن بأنا نخونها.‏

-وتلك هي مصيبة هاملت، خيانة وموت.‏

-خلعت درعي كي لا أموت، فيا سيدتي ابعدي هاجس الموت بشيء من غرابة عينيك وما مكتوب في هذا اللوح.‏

قال كبير الكهنة بشفتين مرتعشتين: مولاي لا يحق لملك أن يقول سيدتي سوى لجلالة الملكة.‏

الملكة لاهية بقيثارتها وأحجارها الكريمة. إنها لا تعرف إني خارج للحرب اليوم، قالت وقد تضايقت من تدخلات الكاهن:‏

-أأمره يا مولاي أن يبتعد عنا عشر خطوات.‏

قال الكاهن: همس النساء يؤذي الذاكرة وسومر لم تعتد إلا على همس الآلهة. أرجوك يا مولاي لا تلبي رغبة الغريبة.‏

وبحركة رشيقة باعدت ساقيها ليظهر بعض من لمعان نجوم لذيذة. أغمض الملك عينيه وقد رسم الحياء على وجنتيه خطوطاً وردية مرتعشة.‏

-ابتعد يا أبي- سين ودعها تهمس. قد يجد مليكك في هذا اللوح الذي تمسك أشياء جميلة.‏

قال الكاهن: وسأظل أراقب هذا الهمس بنظراتي وإن لم أفسره سأشكوك إلى الآلهة.‏

ابتسمت كاترين، وبدأت تفرك بين أصابعها دمية فخارية.‏

قال الكاهن بذعر: ما الذي تفعلينه أيتها الغريبة؟ دعي تمثال ننار، لقد صنعه أطفالنا لحماية ملكنا في حروبه.‏

وبحركة أكثر رشاقة من عازفة قيثارة مدت أناملها إلى عنقها الرخامي وداعبت أحجار قلادتها اللازوردية، وقالت: لا عليك أيها الملك ستكون بأمان معي.‏

ثم أخذت بيد الملك ومعا تسلقا سلم الزقورة.‏

"هناك ستكون خلوتي معك بعد أن مللت غطيط زوجي. سأجعلك هاملت متحضرا يرتقي بهواجسه إلى تلك الغرائبية التي أبحث عنها لتكون عنوان مذكراتي.‏

ومعا صعدا متلاصقين كشجرتين بجذع واحد. وقفت عذارى المعبد يمسكن شموع الابتهاج لملك قرر بدل الذهاب إلى الحرب مؤانسة هذه المرأة التي لا ترتدي ثوباً سومرياً بل فستاناً أبيض شفافاً. عندما شاهد الكاهن ما خلفه لعق يده بلسانه وقال لمساعده: هات لي يا أوتو جرة الخمر.‏

ترنح الكاهن من أول جرعة، وفي الثانية أفرغ كل ما في الجرة وقال بصوت عالٍ: لتمت عيلام وليعش الملك والسيدة الغريبة. ثم مال على دكة الزقورة وغفا، وأطلق من منخريه صفيراً عالياً، ذكرها بصفير منبه سيارة الدوج البطيئة التي أقلتها إلى هنا وتلتقي بمن تحلم بمقابلته. الملك الذي شيد هذه الزقورة.‏

قالت كاترين وقد جلسا ليستريحا منتصف المسافة، وهي مليئة بنشوة مصاحبة ملك سومري: مولاي. في هاملت هناك حب قاتل خلق لديه مأساة اقترنت برائحة المرأة.. مأساتك أنك ستقترن بالحرب.‏

-هذا حديث عرافين. هو ملك. ربما تزاحم أحلامه عيلام أخرى.‏

-مأساته اجتماعية صرفه، ومثلما دونت في شريعتك يكون للسيف الفصل بعد التأكد من الجرم.‏

-كنت أظن أن الأشياء الشريرة لا تدوم مع البشر ما داموا يكتشفون أشياء جديدة.‏

-إنها أزلية دائمة. الخير والشر سيظلان يلازمان حياة البشر.‏

-أجدادنا دونوا مثل هذا في ألواح الخليقة. آه قيثارة الملكة ازدادت طرباً. ما الذي يحدث في القصر؟‏

التفت إلى الأرض حيث الكاهن غارق في سباق الثمالة .‏

-هي ألحان الغيرة يا مولاي. لقد علمت إنك معي‏

-هذا لا يهم. والآن أسألك: جميلة هي أور؟‏

كان الهواء البارد يضرب الخد الأحمر فيزيده توتراً، وكان وقوفها بانتصاب على قمة الزقورة يثير شهوة الليل، ويدفع النجوم بزحمة مضطربة لتختفي بين طيات الثوب الذي حركت الريح أطرافه وصار يرسل كما ورق الشجر إلى مسامع الملك حفيفاً موسيقياً، وهو يسرح بنظرة صوب أسواره فيما بدأ الجند يطفئون نيرانهم استعداداً للنوم. وبقيت مشاعل الخيمة الملكية مشتعلة منتظرة الملك ليضع مع قواده خطط المسير القادم ولكن إله القمر وقد سحره وقوفهما فتح باب الغرفة الإلهية وبإلهام مقصود دعاهما للدخول وهناك نشطت في ذاكرة الملك أمنيات فوق مستوى الزمن، وهاجت بين فخذيه رغبات طائشة جعلته يترنح نشوة وهو يخبئ رأسه في صدرها ثم يمارس إطلاق الأوامر إلى تلك الجهات المعجونة بالثلج والزبد. ورائحة زهور غريبة، ومع أول نفس هاج من فم كاترين المنتشية نهض الكاهن فزعاً وتساءل: أين أنا؟‏

قال المساعد: كنت نائماً يا سيدي. والملك وضيفته ذهبا إلى الأعلى.‏

-هناك سيقتربان من آنو وسيعجب ننار جمال المرأة وسيعاقبني وأطرد من المعبد. وستعود آبي- سين مثل عامة البشر، لا نذور، لا خمر، وستشرب الماء المالح، ما الذي فعلته هذه الشقراء؟ اربكت الحياة في سومر كلها. سأذهب إلى الأعلى وأغرز خنجري في خاصرتها الزجاجية وإلا لن تكون هناك كهنوتية ولا حرب.‏

ولكنهما الآن في مكان لا يحق لرئيس الكهنة الدخول إليه.‏

-ستلومه الآلهة لعدم توجهه إلى ساحة الحرب وستمنحني البركات لموقفي وسأرقى وأصبح أنا الملك. أوتو يا كبير الكهنة هات للملك آبي -سين جرة خمر أخرى.‏

لكنه عاد وقد تملكه الحزن. أبعد عن فمه جرة الخمر، وأطلق نحيباً خشناً وقال: ما دام قد سمح لهما ننار بالدخول فقد أعجبه صعودهما ملتصقين في غرفة الآلهة حيث يجلب دفء النار إلى الأكتاف شعوراً بالتجاذب.‏

جلس الملك على كرسي صغير يتأمل كما الأطفال من نوافذ المطر قرفصاء النار المتشكلة أحزمة زرقاء في فضاء الغرفة المعطرة.‏

قالت كاترين: الشرق هو أن تبقى دائماً مع الخيال، ملك وعطور وتحف ثمينة. وهل كان هاملت شرقياً؟‏

-من الغرب من بلاد أبعد من أرمينيا التي هي أقصى ما يعرف جلالتكم.‏

-أقصى الأماكن نصل إليها عندما نطلب من الآلهة، ولسوف تلبي رغبتي بالتعرف على هاملت.‏

-هو من صنع خيال شكسبير، ولكنه موجود دائماً في كل عصر. أن تكون أولا تكون ذلك همه.‏

-وأنا جعلني تدخل الكهنة وعيلام أفكر بهذا الهاجس وما هذه الجيوش إلا لأجل أن أكون وغداً سيكون لي صراع مع عيلام لأحفظ سومر من شرها.‏

وبخجل وارتعاشة مفضوحة نهض الملك وتقدم صوبها وقد أرخت ساقيها باتجاه الموقد ولتردد بكلمات ممسرحة عبارة هاملت "طوبى للذين امتزجت فيهم نار الدم برجاحة العقل، فيما عادوا كالناي تحت أصابع ربة الدهر تعزف لهم ما تشاء.. أعطني امرءاً ليس عبداً لشهوته أضعه في حبة قلبي. في القلب من قلبي"..‏

على الصدى العذب لألقاء السيدة نسي أورنمو الملك والآلهة وبسهولة خلع ما تبقى من أردية الحرب وبحنو وهدوء تمدد قرب المرأة وليتحسس معها عذوبة أن يكون الرجل مع المرأة، وفيما كانت مخيلة آبي- سين تطيح بها مشاريع مجنونة وبقرار جريء قرر الصعود إلى أعلى الزقورة، واقتحم عزلة الملك، وهو يمسك خنجراً لم يجرب في جسد أي إنسان بعد، وبعيداً عما يحدث أبدى الملك رغبته بتدوين كلمات هاملت على حجارة المعبد، وقال وقد قربت إليه كامل جسدها:‏

إني أهيم بما تمنحه ربات الدهر تلك التي نسير بحكمتها إلى أقدارنا، نحن المبتهجين الآن لا نعلم ما ستكون أور كلها مرهونة به في الغد. أيتها المرأة يا من ملكت حظوة الملكات في منادمة ننار. أنا لست عبداً لشهوتي. أنا عبد للآلهة وهذه البلاد. خذي لوحك الجميل ودعيني أطف في بحر ذكراك، وستظل عيناك أرقاً لأجفان ملكٍ لها لحظة عن شعبه لأنك جئت لتفتحي القبور، وعندما أيقظتني بشيء من خداع الجميلات لتقولي: أيها الملك جئتك بمرآتك الثانية - هاملت- لا أريد.‏

لقد أغضبت الكهنة وأحزنت جنودي، وستغتاظ الآلهة أيضاً، وأفقد رعايتها، وتضيع سلالة بنيتها بعرق الجبين.. أغلقي الكتاب وعودي.‏

وكأم حنون نهضت كاترين. لقد فهمت ما يريده الملك. إنه يريد أن يبقى مع عيون ننار والأقداح النذرية وصناديق الموسيقى، لكنها لا تستسلم. لقد أرسلوها لكي لا تستسلم وستلعب ورقة أخرى، وبذات الأصابع الرقيقة، أخرجت من بين نهديها كأساً من الكرستال وزجاجة خمر صفراء أنذهل الملك من دقة صناعة الكأس وصفاء لون الشراب. تراجع مفزوعاً وقال: هذا ثمن رفقتي لك "سم"!؟‏

-مولاي. هذا نبيذ من أجود الأنواع، أتوا به من اسكتلندا خصيصاً بوصية من مدير المتحف البريطاني.‏

-يفترض أنا من يقدم النبيذ لأنك ضيفتي.‏

-الكاهن شرب الجرة كلها، ولم يبق سوى نبيذي، ليتضارب قدحانا. إنه تقليد مجاملة للعصر الذي أعيش فيه.‏

وتبادلا نخبيهما، ولأنها خمرة جيدة قال: لنتبادل النخب مرة أخرى.‏

-هذه المرة وحدك تحتسي ما شئت من الأقداح. الليل طويل ويحتاج كما يقول العشاق إلى الشعر.‏

-في الشعر قلما نمجد العشق. فيه نمجد الملوك والجنود والآلهة.‏

-والمدن. كنت قد سألتك كيف ترين أور؟‏

-هي السحر والأحلام الأولى، ولكنها تحترق في النهاية وستدون لها قصيدة رثاء رائعة تقول: "مر أيتها المدينة طعم رثائك. أيتها المدينة التي كانت ترهب الأعداء. والآن قواك الإلهية نقلت إلى بلدان بعيدة. إلى متى ترثيك السيدة مر الرثاء وتبكي من أجلك، إلى متى يرثيك الإله ننار ويبكي من أجلك، أيتها المدينة أور، مر صار طعم رثائك"‏

دمعة سالت على خد الملك، وقد أبعد عن شفتيه الكأس، وقال بصوت باكٍ ارتجف على أثره الكاهن خلف الباب. لقد سمع لأول مرة في حياته ملكاً سومرياً يبكي: إني‏

أرى أور في عينيك وهي تحترق.‏

-هذا فعل الخمرة مولاي. أور لم تحرقها عيناي بل أحرقتها عيلام ولكن بعد مئات الأعوام من عهد جلالتكم.‏

قال الكاهن بغيظ مع نفسه متمتماً: بل أنت من يحرقها الآن إنك تنسين الملك أداء مهمته.‏

ننار دفع بكلمات الكاهن إلى مسامع كاترين. وقالت وهي تعلم أن الكاهن الذي يتأهب مع خنجره خلف الباب سيسمعها.‏

-أنا زوجة رجل آثار، جئت مع زوجي لأكتشف ما تقوله الأساطير عن سحر الشرق، كان عليك يا مولاي أن لا تخلع عدة الحرب وتغيظ الكاهن المتربص بي خلف الباب، لا أدري ماذا يريد غير هذا المجد. ربما يطمح أن يصبح ملكاً، وهو الذي أنقذته من التسكع في شوارع أور، وجعلته الكاهن الأول.‏

ارتعب الكاهن وقد اكتشفت نواياه. قال هامساً من وراء الباب: لا أقبض على خنجري يا مولاي. إنني أمسك جرة خمرك المفضل.‏

-لا خمر أفضل من هذا الذي أشربه. عد إلى المعبد مع خنجرك، وستحاكم غداً في بيت الحكماء وسأجردك من هذا المجد. ولتعود متسكعاً مثلما كنت لأني لا أرغب بأحدٍ غيري ملكاً.‏

-سقط الخنجر من يد الكاهن وبارتجاف ارتفع صوته الجنائزي فأيقظ صداه أور كلها:‏

-عفوك يا مليكي أتضرع بالإله ننار إليك لم أرغب أن أكون ملكاً، لكن عيون السيدة كانت تقول: إنك الأصلح يا آبي -سين لتكون ملكاً، فملوك سومر في البدء كانوا كهنة ما خذلني غير عينيها، إني أحذرك منهما يا مولاي.‏

-سعدت كاترين، وقد كسبت الاثنين بعد أن ترجت الملك بالعفو عن كاهنه، ونادته وكأنها صاحب الأمر: أعد الخنجر إلى غمده يا آبي - سين وفي المعبد هناك انتظر أوامر الملك الجديدة، اغسل رأسك بالماء البارد لتزيح عنه الخمار.‏

امتثل الكاهن للأمر والحزن يملأ أجفانه ولكي ينزل، عليه أن يتحاشى نظرات الاستهزاء من العذارى حاملات المشاعل ولأنه لم يتحمل فكرَّ بطريقة مجنونة للوصول إلى الأرض دون النزول من السلم. رمى بجسده الثقيل بعد أن أطلق صرخة مدوية نفخ على أثرها بوق النفير لمسيرة الحرب، وما أن لامس جسده الأرض الصخرية حتى تحول إلى أشلاء. تقدم المساعد صوب بقايا الجثة وهو يفرك يديه فرحاً، ونزع عن صدره القلادة وهمس: نهاية سعيدة يا مولاي. وداعاً. كان الملك بعيداً عما حدث.. بوق النفير أيقظه من نعاس العطر الذي تضعه كاترين بين نهديها. قال: كنت أحلم، ولكن البوق أفسد كل شيء. ما هذا النفير؟ لم أقرره بعد. من تجرأ وأمرهم بذلك.‏

-رئيس الكهنة يا مولاي.‏

-مرة أخرى يتجاسر هذا الوغد. لسوف يدفع الثمن وسأقطع رقبته دون محالة.‏

-عد إلى حلمك يا مولاي. لقد دفعه باهظاً. وهو عاقب نفسه، إذ دفع بجسده من أعلى الزقورة. ننار بعث الآن نسراً كبيراً وحمل الجثة بعيداً. وقلادة اللازورد التي تعطي لمن يخلفه أخذها مساعده، وهو الآن يهيئ في المعبد طقوس تنصيبه.‏

-ماكرون هؤلاء الكهنة.. وبالرغم من هذا كله تستطيبهم الآلهة فهم يلبون كل ما ترغب فيه المباركة منها والمشيئة.‏

-ورغم هذا تبقى أنت الأول في المملكة يا مولاي، معي ستكتشف وجودك ثم تذهب إلى الحرب لتنتصر.‏

-إذن لتصبحي أنت كاهنتي، وسأرجو الآلهة لتبارك ذلك.‏

انتشت كاترين فقد استطاعت أن تعيد الملك إليها. وباعدت ساقيها أكثر من ذي قبل وأخذت نفساً عميقاً حتى كاد صدرها المندفع برغبة كهنوتية أن يصل إلى السقف. بدا الملك حائراً. من أين يبدأ لقد كشفت له كل شيء. وقالت وهي تريد إرشاد الملك إلى الطريق: مولاي، في عصرنا الغرام يبدأ من قبلة على اليد.‏

وبشفتين مرتعشتين قبّل راحة اليد الدافئة، ولأن الشفتين ملكيتان فعذوبتهما لا تحتمل سايرتها ارتعاشة قوية، نسيت أنها في مهمة أخرى. أن تلهي الملك وتومئ لرجال البعثة بنهب كل شيء، كان غراماً أسطورياً. دهش ننار وهو يرى الجسدين متلاصقين بعنف غريب كذلك الالتصاق الذي أحدثه العراك بين سليل الآلهة جلجامش وصنيعها أنكيدو في أول لقاء لهما في شوارع أوروك. الآن عراك من نوع خاص بدأ بقبلة في راحة اليد وامتد إلى الساقين العاجيتين ومن ثم إلى الخاصرة، وهنا سرت كهرباء ملكية مشعة اشتعلت مصابيح الكلمات في الكتاب الذي تمسك به وواصلت ترديد كلمات لاتينية، ربما هي صلاة خصب تعلمتها من أيقونات كنائس روتردام، ننار سمع كل كلامها، وطلب من خاصته ترجمة ذلك. لا أحد يعرف سوى زوجها النائم في مخيم البعثة قال الإله: أوقظوا زوجها.‏

آنوا أشار إليه أن لا يفعل ذلك كي لا يفسد ليلة الملك. لم يحزن أنو ولا ننار لفقد الكاهن، هما الآن يملكان حسابات أخرى فيما كانت قيثارة الملكة تضرب أوتارها على صوت مغنية القصر التي أطربها خبر موت آبي- سين. لقد كان شهوانياً في نظراته حتى وهو ممتثل في حضرة الملكة. كان آنو يلاعب أحجاره في ساحة المعركة كي يضمن انتصار الملك، لكن الأحجار لم تتحرك من مكانها رغم أنه أمرها بذلك اندهش شيخ الآلهة وقال بصوته الكوني: ما الذي يحدث. قال ننار وقد مال شجناً بتلك التي تسرح شعرها في مرايا عيون الملك وعلى صدرها ينقل بيادقه وخيوله، حيث تهاوت دفاعاتها مع أول نفحة عطر جلبها إلى أنفها الزجاجي صدر الملك العاري. قال: وحدها، أحجارك ظلت واقفة لأن العالم منشغل حتى عن إله عظيم مثلك يا آنو. هذا فعل النساء أيها الشيخ، لقد جذبت مليكك إلى أحضانها وأنسته خطط الحرب كان عليه في الغد أن يذهب ليلاقي جيوس عيلام، كل أعداء سومر تريد ننار ليزيح عنها الظلمة ويكشف أقدارها ويثبت تيجان ملوكها، حتى هذه المرأة القادمة إلىَّ أنا ولكن بريق عيون اورنمو سحرها ولأنهما الآن في وضع بشري لم أر أكثر سحراً منه في التصاق كائنين فلن أفسد عليهما هذه المتعة، ودع أحجارك إلى الغد عندما يفيق الملك من نشوة ليلته ولتذهب إلى أريدو حيث الإله.‏

-انكي ينتظرنا على مائدة الخمر الإلهية، فهؤلاء البشر في أحايين كثيرة، رغبتهم تفوق رغبة الألهة.‏

قال آنو، وقد أغاظه كلام ننار: اعتبر كلامك هذا عصياناً وانحيازاً للبشر.‏

-سمه ما شئت، وعلى الآلهة أن تعرف أن لا هروب من حقيقة يصنعها البشر، لقد استطعت أن تحد من جموح جلجامش وخلقت ثوراً سماوياً لأن جلجامش سليلنا، هل تريد أن تخلق آخر يمنع لهفة الاشتياق عندهما، ستهزأ منك الآلهة كلها، فليس ثمة ثور في حكايات البشر حال بين اثنين من أن يمارسا الحب.‏

صمت آنو وقد تصدعت كل حواسه، فالابن غير الشرعي لأنليل يمنعه بحجة حكيمة من إيقاف ما حدث الآن في الغرفة الملكية، أطرق برأسه وأومأ للنجوم أن تطفئ قليلاً.‏

-وأنت يا ننار أزح وجهك بعيداً فثمة أمر ارتأي التفكير فيه وحدي. أذعنت النجوم طائعة لأمره، وأطفأت شموع أفئدتها، غير أن ننار انبرى ضارعاً: - لا أريد أن أتركك تفكر لوحدك أيها العزيز كف عن دفع البشر للاحتراب والاقتتال لا بد أن يكون ثمة حد فاصل بين معركة وأخرى وليكن لحظة غرام.‏

-ها أنت لاهب الشهوة كدأبك يا ننار، اقحمت حكمك علي فكسبت لكنك لم تطع أمري ولم تزح وجهك عني، بقيت ناصعاً تفضح نواياي، سأجمع مجلس الآلهة وسنتناقش في أمرك.‏

-أنا سيد الليل وسادنه، إني أدعهما يفعلان ما شاء لهما فلن يرهبني مجلس الآلهة.‏

-في يوم سأجعلك تدفع ثمن تجاوزك، فأنت حقاً سادن هذا الليل، لننس الأمر ولنقصد آنكي، لنكرع الخمرة في معبده.‏

كانت كاترين ترمي بجسدها الثائر في أحضان الملك النحيل وكان تحاور الآلهة يطرق مسامعها وقد حققت انتصاراً، ثم واصلت الاستجابة لعواطف الملك النارية وحين أطلق الفجر خيوط نوره الأولى، دب النعاس إلى أجفان الملك فانسلت بهدوء وغادرت الغرفة ليقابلها الضوء، وأصوات المعاول، وليخاطبها زوجها السيد وولي:‏

-أين كنت يا كاترين؟ لدي خبر يسرك، عثرنا على قبر الملك أورنمو، سأهدي قلادته إليك.‏

نزلت بهدوء من سلم الزقورة يملؤها ارتعاش ليل الغرام، وقالت وقد طفحت على وجهها سعادة زرقاء: حسن أنا قادمة لأرى إن كانت أسناني وقبلاتي لا زالت مطبوعة على صدره الواهن.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244