|
||||||
| Updated: Sunday, September 21, 2003 01:54 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
حبة رمل من أور حبة رمل من أور تساوي في ذاكرة المسافر السومري حديقة باريسية بكل زهورها وعشاقها، في الضوء الأزرق الذي يشع من عيون بو - آبي، ملهمتي وقارئة أحلامي، التي تعرف متى تدخل القلب ومتى تستأذنه بالخروج لحضور صلاة المعبد أو لجلب ألواح لعزلتي التي أثمرت وصرت من خلالها كاتب الملك الأول وسمح لي أن أحتفظ في خزانة بيتي بنصوص الشرائع والتعاويذ وأسرار الأمراء. كان ذلك فيما مضى، واليوم حبة الرمل ذاتها تضيء في الذاكرة والعيون وتومئ لي بأصابع من الدهشة كي أحرك جسدي، وأذهب إلى الغروب الجميل وراء الزقورة متأملاً الطقوس الساحرة لعودة الرعاة وهبوط الطائرات والعزف المنتظم لشبعاد، وهي تأذن للملك بشرب القدح الأول. تذكرت عندما مسكت القدح الأول. لم أتذكر بو- آبي ولا الفتاة الجميلة التي سكنت مخيلة طفولتي في محلة السيف، وتعلق واضحاً قلت وقد صفق لي الأصدقاء: في صحة مريام ماكيبا. -من هي مريام ماكيبا؟ -قال بو- آبي بعد سنوات، وكنت عائدا من رحلة طيش في مدن الضياع والأفيون. -مطربة زنجية. -وهل كنت تفهم أغانيها عندما أهديتها كأسك الأول؟ -كلا، ولكن الجرائد كانت تمدحها لأنها تغني عن الإنسان الجائع، والذي سرقوا منه حريته. -في أور؟ -كلا. في أفريقيا. ضحكت بو- آبي وهي تكتشف حماسي الفطري حركت أصابعها صوب واحدة من الجواري الزنجيات، وقالت: أعزفي لنا لحن النمور فهذا الشاب يحتاج إلى جرعة من الحب والشجاعة ليكمل كأسه. ليلتها شربت كثيرا. وكانت المدينة تحت زحام ليالي الصيف والمقاهي المنتشرة على الفرات. المشهد تكرر بالثمالة ذاتها ولكن على شواطئ الرمل في أزمير. قالوا لك: القدح يؤمن لك الأفكار الجميلة، أما الصحو فيعني لك الجوع، ونظرات القنصل وهو يرفض أن يجدد لك جوازك. -لماذا؟ -قالت: في كل مرة لماذا. ربما لأنك ابتعدت عن أور كثيراً، ونسيت أن الأحلام الرائعة لجنوبي مثلك لا تصنعها حبة رمل تركية بل حبة رمل سومرية. قلت: أنت أجمل من جارية السلطان، ولكن جمالك بالنسبة لي لغز فأنا عندما أريد جارية السلطان، أومئ لها برموشي فتغير أسوار قصر الحريم، حتى في اللحظات التي تكون فيها مشغولة بتدليك أكتاف الخليفة، وأنت أدعوك بالرسائل، بالتوسل، بالتهديد بأنني سأقطع من أجلك شراييني، بأقداح من دموع مرة ولا تأتين، رغم أني ما إن فتحت عيني أول مرة حتى شاهدتك ممدة قرب أمي التي تئن من ألم المخاض.. وكبرت وكبرت معي. رأيت في ثمرة الحزن التي عوضت بها عن حلوى العيد في الخامسة من عمري. رأيتك في قراءة الصف الثالث وأنت تضحكين على تأتأتي وأنا أقرأ في الصف حكاية (القرد المقطوع الذنب) رأيتك في كتب الوعي الأول يوم قادني جنوني لأبكي حزنا ألف ساعة على موت نيرودا وسلفادور اللندي. رأيتك في زنزانات التوقيف، في غرف النساء الماجنات في ساحة الميدان. وآخر مرة رأيتك تجلسين أمامي في المقصورة النصف المضاءة بقطار طوروس الصاعد مع همومي إلى أوروبا. كل هذا ولا تأتين عندما أناديك، وحتى عندما تكونين لا أنت فلدقائق فقط. يا لهذا الحب السومري. إنه يشبه المنفى تماماً! هي لم تجبني بل انتصبت مثل عمود رخام يرتدي ثوباً بلون العشب كان فوقها يطير سرب من طائرات الميراج تأملت في التشكيل السداسي صورة فصيل لجيش الملك أورنمور. ابتسمت رفعت شالاً من حرير صنعته الأنوال الذهبية لعذارى أور وقالت: السلام لكم أيها الأحباب.. إن عدتم أحياء فبيوتكم وزوجاتكم تنتظر، وإن حدث العكس. صدري سيكون بيتاً وقبرا. قلت: وأنا؟ -أتت اللحظة التي أحس فيها أني امرأة، وعندما أتأمل فيك الخوف الجنوبي أحس ان تحولا ما يقودني من أنوثتي إلى حبة رمل بيضاء، أشعر معها برغبتي لأن أنام عارية تحت الشمس، وفي الضفة الباردة من فرات عينيك وهما تودعان مراكب اللازورد الذاهبة إلى عمان أو بلاد السند لتجلب لي حجر الحظ الذي يجعل الملك يهيم بي دون سواي. وهام بك الملك الذي يملك مطحنة وأسطولا من السيارات اليابانية. اشترى لك عقداً بمليون دينار وبيتاً في الجادرية. تصوروا أن أميرة من أور تركت رمل أشواقها يلمع مع ظهيرة التمني وروايات ماركيز وذهبت في صندوق مبرد صنعته خصيصاً لأجلها شركة تويوتا. نزعت صندلها الخشبي. ورمت بعيداً تنورتها المدرسية السوداء، وقالت لأمها الباكية سأرسل لكم حوالات كثيرة، أما ابن الجيران فلا تدعوه يتذكرني فإن فعل سأرفع عليه شكوى لأنه يزعج حرم رجل أعمال. أسمعتني أمي تهديدها. تذكرت من قال: (إن بداية كل عشق هي شمس مضاءة على روحين، والنهاية في أحيان كثيرة ستكون رمادا لروح واحدة) وكان الرماد من حصتي. أيتها المدينة المشعة بطقوس الوهم، وشهوات الكهنة، وذكريات الحروب وعربدة الآلهة، اليوم يصفر قرب زقورتك قطار الرحيل. كلانا يرحل إلى قدره. هي إلى أطيب أصناف المعجنات، وأنا إلى الحزن البارد في مدينة لن تؤوي بجسدي سوى رغبة بموت رائع، موت تكتب عنه الصحف بإعجاب. كان قطار طوروس يسير بخطوات ماعز الجبل. يئن بألم لوجع مسافريه عندما فتحت جليستي حقيبتها وأخرجت خنجراً طعم غمده بأحجار كريمة فعرفت أنها هي. قالت: تتمنى موتاً أسطورياً لأنك خسرت معركة وجودك. علتكم أيها السومريون أنكم لا زلتم تؤمنون أن عشبة الخلود ما تزال موجودة. وظننت بخبرتك الماهرة أنها هي. وهي الآن تراقص صديق زوجها في حفل عائلي. بنات أور لم يكن يفعلن هذا، ولكن العصر الذي يشوى فيه الخبز تحت الوسائد وليس في الأفران تنقلب فيه الأشياء، ويفقد الجنوب بعضاً من رمله ليتحول إلى رماد سيجارة أسبين. وهذا واضح نعم. أنت لا تدري أين تستقر، في أور، أم في المدينة الحاضرة ويبدو أنك ستفقد الاثنتين معاً عندما تمرر هذا النصل على واحد من شرايين يدك. -سيكون موتي انتحاراً عادياً. -بالنسبة لك، ليس مهما ما يحدث بعد أن تموت. إن أور زمن للجميع، وهي لا تحتفل بك الآن لأنك أدرت ظهرك لها وصعدت إلى الشمال، أور تنظر إلى مجد من يحتفظون بضوء الجنوب في أحضانهم حتى لو هجرتهم حبيباتهم. في حياة البشر هناك من تهزمه مأساته ويموت، وهناك من يحيا لينتصر على هذه المأساة بعد حين. -وتترك الثراء، أزياء وأزياء القرش، وتعود إلي. -تعود حتى لو كانت ملكة بتاج. في قاموس العشق هناك ما يطلق عليه (صحوة الهوى) وعليها أن تصحو ذات يوم لتتذكر أشواقها السومرية، لأنها مهما تكن فهي امرأة من أور. حبة رمل تصور المال أنها فيروزته وجالبة الحظ فسرقها منك وكان عليك أن تكافح لتعيدها. -براتبي كمعلم؟ -الحب لا يعود بالرواتب، يعود بفعل أسطوري، بمعركة حقيقية، بقصائد جريئة، بعربدة وصحو وجنون، بالجلوس أمام نافذتها وإطلاق الأغاني والمواويل، ويعود أيضاً عندما نعلن موتنا لأجل امرأة. كان القطار يطوي سجادة الطريق الخضراء ويحاول أن يجلب لذاكرتينا النعاس وحتى نستيقظ نكون قد وصلنا آخر محطاته فنفترق، وهي التي صارت بالنسبة لي مثل مذنب هالي لا تظهر إلا بعد سنوات طويلة. آخر مرة شاهدتها فيها كانت سكرتي فيها لا تطاق. لقد شربت بنقودي كلها. لأن شكل الحانة أعجبني فهي ذات الحانة التي جلبت منها الغانية التي أقنعت أنكيدو بترك البرية ليكون ندا لفتى أوروك. حانة بحجم القلب مرسومة على جدار من الرخام. قالوا إن بونابرت توقف عندها ساعة وشرب من نبيذها الفاخر ثم قرص إحدى النادلات من مؤخرتها وسألها: هل سأعود بقيصر روسيا أسيراً إلى باريس؟ ويقال أن النادلة كانت فتاة غجرية، ولم تجب الإمبراطور إلا بابتسامة استهزاء، فعرف القائد أنه سوف يهزم أمام الجليد المسكوفي. مهزومان لا غيرهما في هذا العالم. أنت وقائد الحملة. أنت تركت دفء معابد الصمت وخيال الآلهة وتمددت هناك لا أحد يشعر معك بألم الأمعاء ولا أم حنون تغسل رأسك من ثمالة المنفى وبقيت تئن لوحدك. وعندما لاح شبحها أمام عينيك لم تميز الشكل الذي ولد مع ولادتك. تصورتها النادلة الغجرية وقلت بروسية مكسرة: هاتي قنينة فودكا أخرى. قالت: لأجل أن أتلاشى تماماً ولا تعرفني. يبدو أنك تخجل عندما أكون حاضرة أمامك. لقد أوغلت في التيه وأن الجنوب لم يعد يصلح لينشد أغانيه في شفتيك المترهلتين، وهذا الزبد الذي يندفع من منخريك يعني نهاية كل شيء. مرة أخرى. أقول لك أيها الثمل. أور كانت تؤوي في حاناتها الشعراء والقديسين، وعندما تصعد خمرة التمر إلى الرأس تنهال على الموائد الأساطير والأبوذيات الرائعة، وما تفعله الآن ليس سوى تأمل معطف غوغول وتتمناه رغم ثقوبه الألف ليقيك من البرد، ما الذي يدفع صبياً مثلك نال حظوة منادمة الآلهة وشرب الخمرة معها وشد ضفائر عذارى المعبد إلى صدره، وحرر مدن السلالات من ظلم عيلام، وأوقد شعلة معابد أريدو وأكد ولارسا، وطعم بالفسيفساء بيت حبيبته ليخلد فيها روح الفن والموسيقى. ما الذي يدفعه ليسقط في هاوية الافتراض بأنه سيعيش من أجل الحرية؟ الحرية أن تمسك نايا وتقود أغنام أبيك في المراعي المتوجه غرباً صوب أريدو ونازلة شرقاً على أهوار الطار والجبايش والفهود. هنا مملكة الحلم. وهناك مملكة الوهم. والحانة التي أحس فيها بونابرت بأنه سيهزم من الثلج الموسكوفي هي ذاتها الحانة التي هزمتك وهزمت غيرك من الذين تركوا أوطانهم ليعيشوا العوز رغم مواهبهم. أتذكر أن جارا لنا توفي ذات ليلة. كنت طفلا عندما سألت أخي، كيف مات؟ قال: قتله البار. البار اليوم هو الحانة. خليل جارنا قتلته حانة، ونابليون أيضاً. ترى هل ألاقي نفس المصدر؟ في أور من يقتل بحرب تجلسه الآلهة على جانبها وترفض امرأته رجلا من بعده. ومن يموت في حانة سيفقد حتى متعة أن يوضع على دكه المعبد ليطمئن الكاهن روحه بمتعة الحياة الأخرى. وفي سومر من يموت بحانة لا يسمى ميتا بل يسمى (كائن وهم) ترى هل أنا وهم؟ وأمي نذرت لي أن أكون عريفاً في الجيش. ويوم صرت معلماً قالت أنه حلم لا أظن أنه قد يتحقق في يوم ما. ويوم صرت قالت: ألآن تتكحل عيوني وترتفع سلالتنا عشر درجات. الدرجات العشر صعدتها ببطء متسلقاً زقورة الحلم، وأنا أفكر بهذا الكابوس الذي جلبته بو- أبي لذاكرتي. الأزمنة ترقد في المخيلة ورمادها الأيام الذاهبة فقط وما يأتي مرهوناً دائماً، ولأنه حبة الرمل ستبقى تحمل رائحة الغرين الرمادي لمجرى نهر قلبي. فينبغي لي أن أصمت وأنا أسمع لومها لرأسي المتعب من عفونة الحانات الصدئة. فلقد رميت على صدور محظيات السلطان ليرات من ذهب وعلى أفخاذ نساء الفولغا روبلات من ورق رديء وتوهمت أنك اكتسبت صلابة العود ولكنك في الآخر لن تجد نفسك سوى شاعر لا يفهم من هذيانك حتى الذين قالوا لك في بدء السهرة أنهم إخوان لك من المغرب. لن يفهمك سوى سومري مثلك ابتلى بمجون آنو وأوامره القاسية بسلب حقوق غيره من آلهة. سومري مثلك يستطيع أن يكلم الغروب، بلغة الحزن فيجعله يبكي مطرا، مثلك يمسك الرمل ويحوله كرات من بلور تضيء في عيون الليل لتأتي إليك عارية، وتمد لسانها الشهي إلى صدرك الضامر فتحس كم من يقظة ينبغي لنا أن نعيشها. وذلك الوهم إنما هو مجرد وهم. والتفسيرات الأخرى لوجودنا تبدأ من الجنوب حيث أنزل الله آدم إليه قبل كل الجهات، وحيث ابتدأ إبراهيم رحلة التعب الأولى ليكتشف ذاته بعد أن اكتشف الله. عودة أخرى على الذي حدث في البدء، فقصص المسافرين لن تنتهي، وأنا سندباد، وهي الجنية التي أوصلت سفينته إلى بر الأمان، واختفت. الخفاء لعبة لا يدركها الثملون، لأنهم مختفون أصلاً في قعر كاس التردد والوهم بأنهم في هذا السائل سيكشفون دلمون التي اختفت عن أنظارنا جميعاً، وطافت على السطح بدلاً منها مدينة والت ديزني. وقرار لن يكون قراراً إن لم أقرره أمام أمي البصيرة، ولأن المشهد الرائع لموتي الأسطوري لن يكتمل إلا وأمي تنظر إلي بعينين دموعهما دم وفيروز. وما دامت هي لا ترى الآن فلن يكون هناك موت. فما تقولين؟ لقد راجعت نفسي، وخيارات المسافر في لحظة عنفوان القرار ستكون بطاقة إياب. أنا لست محروماً من الإياب، ولكني حتى في وطني أحس بمنفى القلب الذي تعلم منذ طفولة حرف الحب المعقوف على وسادة جدتي وحكاياتها الألف. والحب اشتروه بما ملكوا من الأوزان الناقصة، فكيف سأقف أمام أمي وقد نسيت حتى ارتداء جوربي المثقوب؟ إني مفلس تماماً، ورغم هذا أعود، ولكن شرط أن لا تكوني أنت موجودة. عودتي مرهونة برغبتي لإثبات شيء ما يمت بصلة للرمل الذي دونت عليه بداياتي كعاشق وها هو طوروس ذاته يعود بي ولكن بدونها. وعلى أن أكمل عودتي من الجسر العباسي وإلى نينوى على ظهر بغل، لأن سائقي شاحنات الزيت يطلبون أجراً بالعملة الصعبة. وصلت نينوى تأملت ما في نمرود من طبائع شمالية. أردت أن أشتري لأمي شالاً فلم أستطع، فمضيت متوجهاً إلى الجنوب. وهذه المرة سيراً على أقدام رغبة مني أن أصل إلى أور كمحارب لا كراكب سيارة أجرة وعندما لاح لي أفق الزقورة الشاهق كانت هي هناك الأميرة الخضراء المزينة بضياع أعوام كذبت فيها أمي قسراً ودرجت اسمي المهاجر في البطاقة التموينية وكان اللقاء الأخير. رؤى مبتكرة لحدث سقراطي.. الفلسفة فيه ما حدث في غرف المعبد السرية. تعريت حتى من جلدي وهي فعلت ما فعلت تماماً. وعندما اقتربت مني وحدث العناق. ارتجفت هي وصمدت أنا. كنت أشم فيها رائحة أمي وذلك الفيض الأبوي لطياري تشكيل الميراج السداسي. أحدهم سقطت طائرته في مياه الخليج ورأيت قرص هويته يتدلى من صدرها. قلت: عشيق آخر؟ قالت: شهيد آخر. قلت: ما أكثر الشهداء في الجنوب! قالت: ومعهم يقف القديسون والشعراء والمعلمون. هزتني المفردة الأخيرة. قلت: -من يعيدني إلى وظيفتي؟ قالت: -خذ كف الرمل هذا، وتوجه صوب الناصرية، واذهب إلى مديردائرتك. أره كف الرمل هذا. وسترى. سيهمش على طلبك بأن تعاد إلى وظيفتك فوراً. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |