حدائق الغرام السومرية- مجموعة قصصية - نعيم عبد مهلهل - من منشورات اتحاد الكتّاب العرب دمشق - 2001

Updated: Sunday, September 21, 2003 01:55 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

يامة إبراهيم

الأرض الخضراء التي يسيل منها الخمر لعاباً من فم الآلهة هي الأرض التي أتحدث عنها‏

هكذا بدأ كاتب اللوح مدونته، ثم برع في الوصف عن الأشياء التي ندركها بأرواحنا فسنجد لها‏

أشياء كما الأطياف تسبح في ذاكرة عارية، وتقربنا من أنو، من الوردة، من صدر امرأة لم‏

تكتشف بعد فستان الزفاف، وقال الكاتب وقد ذيل نهاية اللوح باسمه أود- ماري- بأنها أرض‏

تضيء كما النجوم في أمسيات عزف القيثارات، حيث أرى عشتار ترتدي ثوباً من العشب،‏

وبرز نهداها مثل كرتي البلور وقد ركبت سيارة فورد فارهة بيضاء ومسكت ناظوراً لتشاهد‏

سباق الخيول السومرية في الواحات الصافية والواقعة جنوباً في الأرض المباركة التي خطط‏

أنو بقلمه المدبب ليضعها ويرسم مدنها الفخارية، أور، أريدو، لكش، لارسا أوروك، مدن‏

أخرى، ولكن دلمون كما قال الكاتب لن تفتح أبوابها إلا للقادمين من أور حيث يسمح لمن‏

يجعل من ننار ملهمة أن يدخل الجنة دون تأشيرة ويرى رجل شرطة بواباتها الحدودية، وأول‏

القادمين كما روت الأسفار الأولى كان أبراهام وقد ترك وراءه عمرا بمئات السنين ليدخل هذا‏

الفردوس المزدحم بالألوان، لكن ثمة كآبة ما لازمت الشيخ، وقال وهو يحن لعصاه التي أخذت‏

منه حيث لا تتقوس ظهور من يعيشون هنا. أن هذا الفردوس مثل القفص، جنة بلا مدن لا‏

أحبها، ودلمون دون صحارى لا تطيب لها نفسي، لكن أحداً لم يسمع أول الداخلين وحين سأل‏

وأين جدي آدم؟ ألم تكن دلمون مثواه؟ كان الرد: أن آدم اختار وبمحض إرادته بيئة متروكة‏

فوق قمة الثلج في هندرين.‏

قال إبراهيم: أنا عكس رغبات جدي. ينبغي أن يكون فردوسي جنوبياً، أن كان هذا العالم‏

الأخضر المليء بالطواويس تسمونه الجنة، وبعيداً عن حزن الشيخ استمر أود- ماري –‏

يصف الموجودات السحرية لهذا العالم، وكتب: أن الموجودات التي فكرت الآلهة بصنعها‏

عجنت من ضوء وعشب وموسيقى، فالجميع هنا يعزف بعذوبية ومهارة، حتى الفراشة‏

الصغيرة تستطيع أن تصفر بفمها المدبب لحناً أوبرالياً كالذي عزف يوم فتحت قناة السويس‏

حتى بات الجميع لا يصدق بقدرة عصا موسى على شق البحر.‏

تغرد الطيور في هذه الأرض بشدو طلسمي، لا تفهم معناه سوى الآلهة التي يمنعها‏

غرورها وكبرياؤها أن تفسر ما تنطق به الكائنات الأخرى، ولهذا ظل أبراهام صامتاً لا ينطق‏

سوى بما تعلمه من أسواق أور ومدارسها، وعندما فكر بأن يجعل لغة سومر هي لغة الآلهة.‏

اعترض الجميع، وفضلوا الإشارة المبهة والنظرات العميقة لتكون اللغة المدرسية وهي ذاتها‏

التي تطبعها الآلة بسبابتها على ألواح الاسترحام التي يقدمها ساكنوا دلمون عندما ينقطع ضوء‏

مصابيح القراءة عن البيوت بسبب عطل فني وفسر السبب أن أنو كان يطارد واحدة من‏

حوريات الفرات ليفعل بها ما يشاء فعثر بالكيبل الرئيسي وقطعه فمن يجرأ كي يعيد ربط سلك‏

عثر به كبير الآلهة؟ وبقي دلمون مائة عام من دون ضوء، وكان ليلها، ليلا للشموع والنجوم.‏

وفي المائة عام هذه أنجبت ملايين الشعراء وكتاب الألواح والقديسين كل هذا كان يحزن‏

أبراهام، ولكن ما العمل؟ أن دلمون المثوى الأخير لكل قديس، ورغم هذا ففي دلمون لغة‏

واحدة، والكلمات التي تقرأها مدونة على أوراق الشجر أو على الجدران الرخامية لقصور‏

الصفوة الميتين من البشر تحمل في معانيها حمداً لا ينتهي للرجل الذي ألبس الهدهد ربطة‏

عنق وعلمه نقل التحايا الخاصة من سليمان إلى بلقيس، وهو ذات الرجل الذي اكتشف طريقة‏

إضافة الماء البارد إلى الطحين كي يمنع سقوط الخبز من تنانير أمهاتنا النحيفات اللائي تركن‏

أزواجهن في حيرة الحجابات ومارسنا النواح والغناء عادة مزدوجة لقضاء الليل بدون رجل،‏

وغير هذا فالمكان يتسع لكل ما يقال، حتى الصمت يحسب هنا على أنه صراخ من أجل شيء‏

نريده، مزيداً من الحلوى مزيداً من الخمر، مزيداً من الخبز، مزيداً من النساء، لكن أحدهم‏

خالف هذه النداءات المعتادة وصرخ: مزيداً من الحزن. في ذات الوقت كان أبراهام جالساً‏

تحت سدرة المنتهى يذرف دمعاً زجاجياً نقياً كالذي يصنع منه قلائد الماس المزيف.‏

قال: وقد وصف المدون بكاءه على أنه تناغم أشياء ساحرة. أصوات مثل هديل الحمام‏

يقاطعها صوت قطرات المطر على معدن أملس. بكاء بحجم اللوح الذي أكتب فيه إليكم يا‏

أجيال أور القادمة ليصل إلى آخر بيوت المدن السومرية.‏

-وأنت يا من ترغب بحزن، ما الذي فعلته بدنياك؟ تساءل إبراهيم.‏

-لقد قضيت كل حياتي مبتسماً، لأن أنامل الجواري الزنجيات والأرمنيات يدغدغن‏

خاصرتي في كل حين، وكانت أمي تسقط حبات العنب في فمي المفتوح من بعد ثلاثة أمتار،‏

وأنا مستلق دون حراك. أدخلوني هنا لأني السعيد الوحيد في أور، وكل الذين تستقبلهما دلمون‏

يحملون على أكتافهم أحلام الحروب، وبعضهم تم تصليح الثقوب التي فتحت في صدورهم من‏

شظايا تلقوها في حرب مع أيلام أو مع جيوش الروم حينما اندهش الفرس والسومري من‏

طائر الحديد الذي يطير فوق رأسه، فقد كان يرمي ويختفي ورغم هذا ثبتت خيول سومر في‏

الميدان وأهدت على نساء أور وأريدو والمدن المتمتعة بحب الآلهة رغبة بالبقاء خالدين هنا‏

في دلمون أو على أسطح البيوت الجنوبية للمدن التي عرف الله كيف يضعها في صدر‏

الخارطة الكونية حتى تتألم ومن ثم تستطيع أن تبدع.‏

وقال المدون: أن السعيد الذي طلب مزيداً من الحزن كان يرتدي سترة موشاة بخيوط من‏

ذهب لامع وقمص فان هاوزن وفي معصمه ساعة سويسرية. سأله أبراهام عن الوقت؟ رد‏

السعيد السومري. حسب التوقيت الصيفي لساعة بيغ بن هي الثامنة إلا ربعاً حيث تطلق‏

المغنيات رتابتهن من المذياع فيدمدم سواق السيارات في الطريق الإسفلتي بين أور وأكد‏

عندما يمنعهم جنود السيطرات الباحثين عن الشطب المتعمد في دفار الخدمة من السماع‏

ويرغمونهم على جلب أشرطة الساهر واحد لمتعة المسافرين وآخر لمتعة آمر السيطرة.‏

ابتسم إبراهيم تذكر الوقت في سفره الأسطوري بين أور وحران. لم تكن هناك ساعات‏

رادو. كان منشغلاً بصوت جبرائيل وهو يحثه على التجوال الدائم وعندما أضاع في واحدة‏

من جولاته دفتر خدمته احتجزه فرعون مصر مائة عام ولم تخرجه سوى رؤيا صادقة كان قد‏

أخذها من يوسف الذي سيأتي بعده بمئات الأعوام، فأطلق سراحه وعاد إلى تجواله الأزلي‏

يرفع اسم (الله) وسط كفيه فتضاء سماوات وسماوات فيستغني عن الطاقة التي كان أنو يولدها‏

لتضيء حياة البشر فلم تعد حاجة لإصلاح الكيبل الذي تعطل بعثرته فما دام أبراهام حل هنا،‏

فالنور معه أينما حل وارتحل، ونحن معنا التأمل:‏

كتب المدون حيث راح مرة أخرى يبدي اندهاشه من هذه الموجودات المنتظمة بتراص‏

متقن حيث البيوت تستقيم مع نظرات العيون وتلغي زوايا النظر، الكل واضح أمامك، وعندما‏

ترغب أيها الساكن بممارسة طقس توحد أو الكتابة فليس المعبد هو من تأوي إليه، لقد ألغيت‏

فكرة أن يكون هناك مكان تقترب منه إلى الصرح العلي وعوض عنه بظل النخلة، ذلك الظل‏

البارد الذي افترش عليه أبراهام عباءته ووزع حصاه وقرأ بخته أولاً: ومرة أخرى أطلق‏

دمعتين من مقلتيه، ولا أدري لماذا يبكي رجل في الفردوس وقد اكتمل كل شيء هنا وتعلم‏

أصول الحياة بأبهتها؟ كانت هناك دروس عن كيفية مصاحبة النمور في النزهة، أو ارتداء‏

ملابس السهرة والرقص الكلاسيكي، الرسم بدون ريشة، ودروس التجميل والعناية بالأظفار‏

عندما رغب إبراهيم بتعلم صلوات الناسك المنعزل.‏

أجابوه برد قاس: أترك الأشياء الأرضية، أنها لا تصلح نمطا لحياة دلمون، قال: إذن لقد‏

فقدت الفردوس الحقيقي. ومرة أخرى رمى الأحجار على القماش الخشن، فلم يجد بختاً‏

يخلصه من رتابة القديسين عندما يحالون على التقاعد، ففضل موتاً آخر، لكن من يدخل دلمون‏

كما قالت اللوحة الضوئية الهائلة: لن يموت مرة أخرى، ويبدو أن أبراهام أيقن أن الموت‏

الآخر هو ولادةأخرى وبهذا اليقين كما يقول المدون: اجتمع مجلس الآلهة لهذا الحدث الخطير،‏

فالرجل بعصاه، وبرفضه ارتداء ملابس السهرة يحاول أن يخرق الأنظمة ويولد إحساساً لدى‏

الساكنين برتابة ما يسكنون. وقالت عشتار وقد انتهت للتو من مداعبة أفخاذ واحد من حراس‏

أبيها: أن أبراهام وإن سكن الفردوس فنحن لم نخلقه حتى نستطيع أن نغير مداركه والخطأ‏

ينبغي أن يتحمله من أذن له بالمجيء. انظروا إلى آدم ونوح. لقد اختاروا أمكنة غير دلمون‏

لأنهما يعيان ما سيحدث وهو ما حدث لنا مع إبراهيم، أقترح أن تزال دلمون عن الوجود،‏

ومن توده الآلهة من البشر وينتهي قدره الزمني. نسكنه في حانة وسط حديقة أرضية لا يراه‏

فيها أحد. نعم نسكنهم منفردين حتى لو كلفنا ملايين الحانات فوجود أبراهام في هذا الفردوس‏

مع الحشد الهائل من الذين قدموا لأور الخدمات الجليلة يعني أن ثمة نفساً متحمساً صوب‏

التغير.‏

قال: أنو وقد ملأه الغيظ والكبرياء: ما الذي يريده أبراهام غير هذه الحياة السعيدة اسألوه‏

إن كانت أوشليم وأريحا وبطاح الجزيرة قدمت لـه فطوراً من أجبان لافاش- كريه وعسل‏

النحل الملونة. اسألوه هل ارتدى في ترحاله إلى مصر بنطلون جينز أو انتقل من بيته إلى‏

بابل بسيارة بورش سوداء هنا نوفر له ما حرم منه بالأرض فليحمدنا وبصمت.‏

لكن أبراهام لم يصمت. ظل يردد أنه يرغب أن يعود حافياً وقد رسمت له الطرقات وحدة‏

الهاجس والتكوين الذي أشار إليه أود- ادد- با ووصفه بأنه الضياء الذي يكسونا الرغبة‏

ويمنحنا الرؤى ويأخذنا بعيداً إلى عالم أكثر صمتاً من قبر قديم. هذه الصورة التي وضع‏

ليوناردو وولي تحتها خطا أحمر يوم اكتشف اللوح ضمن ما وجده في المقبرة الملكية بأور.‏

وكأن المدون كان يعلم بتساؤلاتنا فأضاف إلى المعنى رؤيا مقنعة وتحدث عن قبر قديم لم‏

يلتفت إليه أحد في الأرض ففضلت الآلهة أن تخلد من سكنه فحملته بتحدبه وتابوته إلى‏

دلمون، وليتأمل ساكنوها الرفاة الصامت ويتذكروا الهدوء الخالد لحياتهم الثانية حيث أمر أنو‏

هذا الصباح بخلط الحليب بالكاكاو في وجبة الفطور وأن يقدم الديك الرومي مشوياً بعدما كان‏

الفطور عصافيراً صغيرة تجلب من الأرض بحجةأنها ستخلد في دلمون، لا يغريك فيها سوى‏

ريشها الملون ودموعها المضيئة في الصحون المقدمة على الموائد.‏

أمام هذا القبر وقف إبراهيم فلقد كان يعرف ساكنه. إنه السومري الأول الذي تحدى‏

جلجامش يوم أراد أن يتخذ من حبيبته خليلة له، فكان أن هوى على رقبته سيف الملك القاسي،‏

وبعد لحظات كانت هي تمزق شرايين معصمها بشفرة حلاقة نوع جولييت وعندما سمع‏

جلجامش طلب أن يحلق ذقنه بذات الشفرة التي قطعت فيها شرايينها. تلك حكاية القبر والموت‏

الأسطوري لأول عاشقين من الجنوب وتلك هي حكاية القبر القديم فدلمون مليئة بالحكايا وهي‏

لا ترغب بمن ليس لديه حكاية. أن قيمة الحياة فيها تكمن في حدث ما لأي من ساكنيها، ولهذا‏

ترى ليلها مليئاً بالمسامرات وبين حكاية وأخرى هناك مجرى لدموع الجالسين، فسرت على‏

أنها دموع فرح يستفاد منها بعد تعبئتها في قنان بلاستيكية وتصدر إلى الأرض مياهاً معدنية‏

مباركة، وحدها دموع أبراهام كانت تجمع في أوان من ذهب، وتباع على الحضرة البابوية‏

بالعملة الصعبة فالآلهة عرفت كيف تغزو السوق، ولهذا قرر إبراهام أن لا يبكي لكنه لم‏

يستطع، فكل حكاية في دلمون تدفعك إلى البكاء، فمن حكاية القبر القديم إلى ذلك الذي وجد‏

من يشارك زوجته فراشها، إلى الذي احترق حقله وبعضهم دفع ظلماً إلى سراديب مظلمة‏

لإنتمائه إلى حزب الخضر والحفاظ على البيئة. بعضهم بحكاية غامضة لكن الوضوح يبان‏

عندما يأتي ذكر امرأة ما، فكل شيء في دلمون يعود إلى امرأة ما، حتى إبراهيم في جلسة‏

الظل هذه كانت تنتصب فيه أشياء تصور أنها خمدت مع تقادم العمر، لكن دلمون تمنح البدن‏

الفتي ولهذا ينبغي لك أن تفعل هذا بعد كل وجبة طعام، وكل حورية تقدم إليه كان يدعوها‏

لتعزف له وتغني وبعد هذا يقول شبعت. الآلهة طلبت منه يوماً ما أن يتوسط هذا الصدر‏

العاجي الذي اعتنت بتكويرة نهديه عشتار عناية خاصة طمعاً في ذرية جديدة.‏

قال لقد: جعلت ذريتي في الأرض، لأن أشواقي لم تكن يقظة في ذاكرة الآخرين، ولكنه‏

على كل حال ليس خطأ أن تنشأ مدينة وبشر يولد بين الألف من أبنائها شاعر واحد، وهذا‏

يكفي، فلا أريد أن أمتحن مرة أخرى وأقرب نصل السكين من رقبة ولدي، دعوني، قال‏

المدون فتركوه، بقي أبراهام مائة عام منشغلاً بصوت الحورية الساحرة وفجأة، وفي ليلة‏

عاصفة لم تشهد لها دلمون مثيلاً، وكان سببها شجار سكر بين الآلهة.‏

قال أبراهام وبصوت خجول ومتردد: اقتربي إلي فقد انتصب فيَّ ما يدعوني على إنجاب‏

ملة أخرى، فهذا الشجار بدأ يقلق خلوتي، ونامت من تفننت في خلقها عشتار، وفي الصباح‏

وقد انطوت في ليلة واحدة تسعة شهور خرج إلى عالم دلمون طفل يضيء كقمر صاخب وقد‏

نمت تحت أجفانه أنواع الزهور الغريبة، وعندما حرك أصابعه تحركت أفلاك عشرة ورقصت‏

قرب رأسه وقيل أن مذنب هالي أهداه ضوءه كي يحميه من الخلف أينما ارتحل. إنها الولادة‏

الأولى في هذا الفردوس الذي لا يتوالد الناس فيه، فكيف حدث هذا؟ فعندما طلبت الآلهة ذلك‏

من أبراهام كانت تمازحه، فالظن أن شيخا بعمره لا ينجب أبداً حتى لو كان بدنه بدن شاب في‏

العشرين، فكانت هذه الولادة كارثة الكوارث.‏

فغدا ينتهي كل شيء في دلمون وتعود الحياة أرضية كما حلمت بها أجيالنا يوم أرادوا أن‏

يخلقوا لعالمهم السومري حياة مفعمة بالحب والاشتياق إلى الأفعال النرجسية، تلك التي نحسب‏

بها أننا نمتلك جنوباً أجمل من لوحات رسامي عصر النهضة. الارتباك الذي أحدثته ولادة‏

الطفل جعل الآلهة تكف عن الشجار وتعيد ترتيب أوراقها بهدوء لتقرر ما يجب عمله.‏

قال أبسو: ننزله إلى الأرض ونرميه في الفرات ليصبح القاع قبراً له، لأنه لا يملك‏

حكاية.‏

قال ننار: أرميه على سطح قمري حيث لا هواء فيختنق.‏

قالت عشتار: أرضعه من ثديي فيعشقني وأعشقه، وسرعان ما أمله مثل الآخرين فأدس‏

له السم في واحدة من قبلات السرير فيموت.‏

قال أنو: كلكم تفكرون بالموت طريقة للتخلص من الرضيع، ماذا لو كان فارساً قوياً مثل‏

أنكيدو؟ ما العمل؟ ستقولون: سيبارزه جنود الآلهة ويهزمونه، في ذلك مهزلة بالنسبة لنا كآلهة،‏

اتركوه ينمو ولتكن المسألة تحديا، سيكبر في كنف والده وسيعلمه الحكمة وهي ليس لها فعل‏

السيف وتسرق عروشكم. سوف أرسل إليه في هذا الصباح آنية مليئة بالحليب الطازج من‏

ضروع جواميسي المقدسة حتى ينمو سريعاً ولنراه ماذا سيفعل؟‏

قال المدون: أطرقت الآلهة رؤوسها مذعنة لرغبة كبيرها وفي أفئدتها شعور ما، أن هذا‏

الطفولة سيبقي على كل شيء وبعيداً عن سني الطفلة القادمة، راح المدون يسجل في سياحته‏

مشاهدات ساحرة، فالرؤى هنا تكمل بصورة حسية فكل ما نراه يختفي في لحظة، ولكنه بعد‏

ثوان يعود بصورة أجمل. أن دلمون تعي قدرتها على سلب اندهاشنا فهي تعني جمالاً يسعد‏

القلب ومن ثم يمنح الجسد قدرة على التحرك في الاتجاهات التي ترغب بها الآلهة، فالحياة هنا‏

تبدأ في منتصف الليل عندما يكتمل تجمهر النجوم فوق رؤوسنا، وعندما يضرب الوتر أغنيته‏

المفضلة فتنساب الأضواء على الأجفان حبالا من حسرة ووجع إلى الشيء نرغب به فدلمون‏

لا تعطي كل ما نريد إنها وإن كانت تسقينا الخمر واللبن، لكنها تمنعنا عن بعض ما نحتاجه.‏

الورق والحبر مثلا لأن هذا يعني أفكاراً جديدة، وحتى أبراهام كان يدون على جدار قلبه‏

ويحفظه غيباً. وحده الطفل خط بأنامله الصغيرة على الرمل ما رأته الآلهة أمراً مخيفاً. لقد‏

كتب كلمات حمد ولكن ليست لانو الذي أرضعه من حليب جواميسه المقدسه ومما دونه نقرأ:‏

(أيتها الرؤى وحدي مع الرمل قواك وابعثي إلى أور الإشارة ثمة أضواء علينا أن‏

نخمدها وأن نقترب منها وأنتم أيها المفرطون بحساسية الغناء الصلوات من أجلكم معجزة‏

والحنين إلى جنتكم فراغ. الذي يأتي ينبغي أن يعود في الذاكرة طيبة يكون خلوده رائعاً الحمد‏

لمن قال أنني أولد لأصل. الحمد لمن مسك الموجة. وصنع منها شراع الحمد، لمن وفق‏

بالجمع بين الحلم والوسادة، وأثمر ليلة حبا أزلياً يشارك الأرغفة حنينها إلى الجوع. وما هذا‏

الزبد والعسل والزيتون إلا خديعة توهمناً ببطلان الولادة، فالإنسان يولد كي يولد من جديد‏

وليس يولد كي يموت في دلمون خالدا.‏

أيتها الرؤى أقيمي مجد الرمل على صفحة الماء والشمس ودعي مجدك يرتقي إلى منصة‏

الروح. أقيموا الصلوات لمن يموت بجرح، لا لمن يموت بكاس. ضعوا دلمون وراءكم،‏

أضيفوا إلىالجنوب جنوباً آخر ليكتمل العد التنازلي لإكتمال وجه أور القمري، وليفتح الضوء‏

على أجفانكم قارة أخرى تستقبل من سومر ضياء الكلمة البهي، ولنقدس إبراهيم عندما يعيش‏

في واحدة من بيوتنا. لا تتركوه في المنفى وحيداً. إن الحياة التي اكتسبها هي حياة ناقصة إذ‏

حرم عليه أن يسمع غناء الصيادين ونواح أمهاتكم اللائي فقدن أنصاف قلوبهن في الحرب‏

الأخيرة لأميرنا الجميل أور نمو.‏

أيها الرمل هي قيامة إبراهيم فقف بذرات من ضوء وعجين، واسكب على أقداح نذور‏

المائدة الملكية ماء الوجه. أطرد من مخيلتك صورة الآلهة المتغطرسة، واشكر من حرك‏

الريح على مثوى الكلمة وجعلها تنمو مثل السنبلة. القمح لمن يأتي معي والدمع لمن يبقى).‏

إبراهام ذاته ارتعب من ذلك الخطاب الخطير ولكنه عاد وشعر بسعادة. لقد حقق في نقطة‏

واحدة ما لم يحققه مع الملايين الهائلة على وجه الأرض. نهض وغادر ظله الأبدي ليتأمل في‏

الرمل وهج الكلمات الرافضة.‏

قال المدون: الوقت في دلمون تتداخل فيه الأضواء، والليل والنهار لا يتعاقبان. إنهما‏

متداخلان في زمن واحد، ولكي ترى في الليل لن تشعل شمعة، ولكي تنام في الظهيرة لا‏

تطفئ مصباحاً. إنك ترى دائماً، وها هو إبراهيم يعطي ظهره للآلهة، يمد سلما خشبياً من أول‏

حرف دوّنه الطفل على الرمل ويبدأ بالنزول مفردة.. ومفردة.. وإلى أن يصل إلى آخر‏

الخطاب يكون قد ودع دلمون نهائياً ونزل الأرض.‏

الركام الفخاري للزقورة الشاهقة.‏

"لقد منحت أور الملوكية لكنها لم تمنح حكماً أزلياً.. فمنذ قديم الزمان- منذ أن وجدت‏

الأرض وحتى تكاثر الناس- من رأى قط ملوكية دامت في الحكم إلى الأبد؟"‏

ابتسمت الآلهة، وتشفت بالنبي الذي ترك الفردوس وعاد إلى مدينته ليجدها محترقة، وقال‏

آنوا: هذا درس لإبراهيم.‏

قالت: عشتار الطفل هنا لنلقنه درساً أيضاً، نعيده إلى أور.‏

قال: آنو وهو لم يولد في أرض حتى يعاد إليها وفي ذلك مصيبة. خذوا هذا الخنجر‏

واجتمعوا سوية واغرزوه في صدره الصغير. إبراهيم بكى على صغيره، وندم على نزوله،‏

لكن صوتاً ما.. هتف. قال المدون: وهو صوت ملاك خارج من طاعة الآلهة.‏

-لقد أخطأت وتركت دلمون.. لتجد مدينة محترقة وتترك ولدك تحت رحمة المؤامرة. هم‏

يتقدمون الآن صوبه.‏

كانت خطا أقدامهم الهائلة تسمع في أرجاء الأرض كلها. ظن البعض أن زلزالاً هائلاً‏

ضرب الأرض، لكن الصورة انكشفت لهم من سقف سماء واسعة بدت مثل أكبر شاشات‏

العرض السينمائي. وبدون لمسات إخراجية متقنة تقدم الممثلون لينفذوا مشهد قتل ولد إبراهيم‏

وعندما دنا الخنجر من صدره، شملته العناية الإلهية فتحول الجميع إلى حجر.‏

ابتسم إبراهيم وصلى ركعتين لنجاة ولده مرة أخرى وعاد يصعد سلم الزقورة ليتطلع إلى أور‏

المحترقة ويفكر ببنائها من جديد.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244