حدائق الغرام السومرية- مجموعة قصصية - نعيم عبد مهلهل - من منشورات اتحاد الكتّاب العرب دمشق - 2001

Updated: Sunday, September 21, 2003 01:55 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

ساردانابال

قبل مائة عام انتهت حربنا مع الغرب، وبمناسبة الذكرى العاشرة لهذه الحرب سمحت السفارة الفرنسية لمن يحب رامبو وهيجو وميشيل ديغي من العراقيين أن يدخلوا أراضيها بتأشيرة سفر سياحية ولمدة أسبوع واحد على أن تكون باريس هي المدينة الوحيدة التي يزورونها، وثمة شرط آخر فرضته الحكومة الموقرة، غرامة ألف فرنك على كل من يطلق من المشار إليهم أعلاه حسرة أمام لوح سومري أو آشوري على جدران اللوفر، ثم عادت وأعلنت بأن الأجنحة التي تحوي آثار بلاد الرافدين ليس لهم الحق بزيارتها، فالأمم المتحدة لم تسمح بعد بذلك ويبدو أن فقرة من عقوباتها تحرم على العراقي أن يمتع عينيه بمسلة حمورابي أو يتطلع مليا بوجوه آلهة سومر ويتبرك بها، فربما يعيد ذلك جلجامش إلى الأرض ومعه يعاد الطوفان فتغرق نيويورك، وبعد أن جففت دموع أمي وأقنعتها أن رؤية باريس أجمل بكثير من حاجة معدتي إلى البروتين كي تبيع ذخيرة العمر من المخشلات، فكان أن خطفت قدماي إلى شارع الكفاح في العاصمة واشتريت عشرة أوراق من تلك التي طبع عليها وجه جورج واشنطن، وقد دونت فوق الهامة الصلعاء عبارة "توكلنا على الله".‏

أنتم تعرفون إن باريس حلم أي إنسان وهي أكثر مدن الأرض التي تزورني في أحلامي ثم أتي بعدها المدينة التي قطعت فيها القابلة المأذونة حبلي السري وقالت لأمي المتألمة: "خذيه فعندما يكبر سوف يجمع في حقيبته القصائد والشظايا وحنين سفر إلى مدينة اسمها (باريس) . "أمي وبفطرة لم تنس هذا الاسم أبداً، وكانت تظنها مقاماً لولي حفظني من الإصابة بفقر الدم الذي أصبت به عندما كانت حاملاً بي. وعندما تساءل أبناء المحلة عن اتجاه المدينة وأين تقع لتزور وليها، كانوا يضحكون منها ويقولون لها: "يا أم.. عندما يكبر هو سيرشدك إليها". ذات يوم عندما أخبرتها أني بلغت الثامنة عشرة قالت: "الآن حان موعد نذر دعت لك به مولدتك، ستزور الولي الذي يسكن المدينة التي ذكرتها يوم ولادتك".‏

تصورت أنها تقصد مقام الخضر في السماوة، أو مقام أبي الحسنين في النجف، أو ربما أئمة الطف أو الجوادين أو سعيد بن جبير، ولكنها قالت: "لقد زرتهم كلهم عليهم السلام، فقط بقي لنا أن نزور الولي الذي يسكن باريس.." ملأت فمي قهقهة عالية حتى دمعت عيناي. أمي تعجبت ونهرتني كي لا يعاقبني الولي، ولكني في الوقت نفسه تعجبت من فراسة مولدتي وقدرتها على قراءة طالعي فلربما كانت عيون موناليزا مرسومة في عيني، أو ربما رأت برج إيفل شاهقاً على هامتي الصغيرة. ولكن من أين عرفت موناليزا أو إيفل؟‏

عموماً عانقت أمي وكانت بأعوامها الستين وجسدها الضعيف في أحضاني مثل قطعة قماش بالية. شعرت معها برأفة هائلة عليها، وهمست لها وقد بللت دموعي صوان أذنها: "سأحقق رغبتك وسأزور الولي الذي يسكن باريس. نعم سأزوره، ولكن لوحدي فهي بعيدة جداً، والسفر سيتعب امرأة مسنة مثلك يا أمي." ويبدو أن جوابي أقنعها. قالت: حسن، لا تنس أن تجلب لي "علك" من شباكه تريني إياه لأصدق أنك وفيت بنذري وهكذا ارتبطت باريس بحياتي وبدأت تضيء في ذاكرتي ليلاً بهيجاً ينسيني حتى رغبات امرأة أتمنى معانقتها تحت الفراش. واليوم أنا أكثركم سعادة وحقيبتي مليئة بدموع أمي، ومعها موافقة السفر التي حصلت عليها وزوج جوارب وملابس داخلية جاهدت أمي كثيراً بإزالة صفرة غريبة عنها، وكتاب لعلي الشوك عن علاقة التوراة بأساطيرنا الشرقية ومعتقداتنا الدينية، وقد أغرى غلافها الجميل مضيفة الطائرة، وكانت شقراء بلون أساور جدتي يوم أخرجتها من صندوقها المنجم لتتذكر عرسها. أعرتها الكتاب، ولكنها أعادته لأنه مكتوب باللغة العربية، وهذا لا يهمها مهما كان موضوعه. جليسي الذي فهم معنى الكتاب من عنوانه ترجم لها المحتوى فقالت: "أوه يوسف، كم أشتاق لأعانقه لليلة واحدة. امرأة العزيز لم تغره جيداً. أنا أعرف كيف أغريه "ثم غادرتنا إلى راكب آخر، طلب كأساً مثلجاً من الويسكي. أنا تمنيت لكنها عرفت جنسيتي ففضلت أن تقدم لي طبقاً من البيض المسلوق بحجة أننا محاصرون ونحتاج إلى بروتين أكثر من حاجتي إلى الويسكي، وعلى مضض حشرت صفار البيض بين أسناني، وأنا أتمتم غاضباً وأشرح لها بعصبية أن فوق سطح بيتنا دزينة من الدجاج البياض. لكنها ردت: "ورغم هذا ينبغي أن تأكل البيض فقط. "معتقدة أنني ربما أحاول خطف الطائرة عندما يسكن المشروب جوفي. قلت: "لقد انتهت الكراهية منذ عشرة أعوام، وينبغي أن يكون السلام هاجسنا الوحيد".‏

قالت: "أتمنىذلك ولكن الأمر يقول: لا تعط الخمر لراكب من بلدان الشرق الأوسط، خصوصاً العراق وفلسطين" تصفحت كتاب على الشوك. كان كل ما مدون فيه عن الذي حدث فوق أرض الرافدين وكنعان. شرحت لها بعض المعاني لما جاء فيه: "الله بدأ خطواته هنا، وآدم وقت النزول استظل بشجرة موجودة الآن في جنوب بلادي.. إبراهيم سيد ملتنا جميعاً ولد في مدينتي، في أور الكلدانيين يا سيدتي".‏

-أوه .. أور لا شيء في أور الآن سوى الغبار، وما كان جميلاً حملناه إلينا. ثلاثة آلاف عام لم ينتبه أي منكم إلى قيثارة أور ورايتها حتى أرسلتنا السماء إليها وكشفنا النقاب عن أجدادكم الذين رفضوا أن يظلوا معكم، وفضلوا متاحفنا، لتكون بيوتهم جديدة ويزورهم اليوم ملايين البشر ليقتلوا وحشتهم ولينسوهم رطوبة قبورهم الملكية. تعجبت وتساءلت، ربما كان والدها منقباً أو لص آثار، أو جدها واحداً من قناصل فرنسا الذين بدأوا في القرن التاسع عشر بشحن آثارنا إلى بلادهم التي اشتروها من الأعراب بأبخس الأثمان. قرأت تساؤلي وقالت لمن يترجم: "قل له لست من أولئك الذين يفكر بهم. كنت دليلة سياحية في اللوفر. أسعدتني إجابتها ولسوف أرمي عليها تعويذة القابلة المأذونة لتقبل بصحبتي، وأنا أزور اللوفر. وبفضلها سأنسل كسارق لأرى التراث الهائل لحضارتي الذي أسكنوه مرغماً على جدران متاحفهم. قالت بعد أن عرفت ما في رأسي، كأنها عرافة: "حسن سأكون مرشدتك. إن في عينيك سحراً جائعاً ويبدو أنك سليل الأمير النحيف أورنمو. إن جسده يذكرني برغبة الأنثى لمضاجعة العشب، وكم تأملته في ليالي الوحدة، وتمنيت أن أنام معه" تذكرت، جدي كتب عن الملك السومري نصاً بهذا المعنى. وكانت من تمنت أن تتمتع بأحضان الجسد الشهي للملك الخجول هي زوجة رجل الآثار المشهور ليوناردو وولي.‏

وتساءلت مرة أخرى: لماذا الجرمانيات يشتهين امراء سومر برغبة عجيبة؟ وربطت هذا بعجز رجال الآثار.‏

قالت: "كاترين لم تخطيء إذن عندما منحت الملك السومري ليلة حمراء". ابتسم جليسي وقال بمكر:"امنحيه إذن ما منحته كاترين فهو سومري أيضاً".‏

طفحت خطوط حمر على خديها، وتحرك كتفاها العريضان بدلال لذيذ، ومن عيني شع بريق قاس أوقف عدادات حجرة القيادة فاضيء مصباح الانذار، وأصاب الركاب الخوف والذعر، وصوب حرّاس الطائرات مسدساتهم صوبي، وكاد ربان الطائرة أن يتصل بأقرب برج مراقبة مبلغاً أن طائرته تتعرض لقرصنة جوية.رفعت يدي ووقفت وقلت لشاهري السلاح:" ما الذي يحدث؟" قال أحدهم: "ما هذا الضوء الذي يشع من عينيك؟ هل هو سلاح ليزر؟" ضحكت وقلت: "إنه ليزر نسائي كعطر الشانيل الذي تغري به كاترين دينوف أنوف المخرجين فيتهافتون لتوقيع العقود معها". ضحكت هي، الحراس ضحكوا، الركاب قهقهوا ببراءة. أطفيء المصباح الأحمر وقائد الطائرة تحدث بالمذياع معتذراً، وهي أشفقت على ذعري بعد أن تأكدت أن كاترين لا بد أن تتعرى مرة أخرى لأمير سومري، ولكن ليس في الغرفة الإلهية في قمة زقورة أور بل في شقة صغيرة بالجادة 127 -روج ليسيه- ومثل قداس أطلق المذياع موسيقى منظمة بآلات نحاسية ليعلن بعد ذلك أننا الآن فوق البر الفرنسي، وأننا عندما نزيح ستارة النافذة سنرى مارسيليا تحتنا، وليغامر أحدنا ويمد يده ليلتقط زجاجة خمر من حاناتها الأسطورية وقد فعل الجميع وأنا معهم.الكل عادت بيده زجاجة كونياك، وأنا لم تعد بيدي سوى تفاحة هائلة الحجم مع ورقة تقول" لأنك لم تذق التفاح منذ مائة عام. "تذكرت أمي وكيف غامرت ذات مساء متحدياً توصيات أمي الصارمة بعدم الميل إلى الجنون وتلبية ما تراه في الصور كسؤالها عن الموز والتفاح وأجبان البقرة الضاحكة، واشتريت لها تفاحة حمراء بخمسمائة دينار، وخلسة قدتها إلى السطح، وأدخلتها معي إلى قن الدجاج، وقلت لها: "خذي، تذوقي ما لم يتذوقه اليوم سوى أبناء النبلاء ومتداولي أوراق العملات الصعبة ومصلحي السيارات والحلاقين". بهرها اللون الأحمر فقضمت قطعة كبيرة وبلذة عجيبة لاكت قطعة التفاح ولأن أسنانها لم تتعود على الطعم الطيب للتفاح أصيبت بنوع من رد الفعل، ورمت بقايا التفاح إلى الديك الطيب الذي كان يرمقنا بنظرات عدوانية، لعدم دعوتنا إياه للمشاركة في هذه الوليمة الفاخرة، وبخيلاء الفرسان رفع الديك عرفه ونفش ريشه وتقدم ليأكل التفاحة نقراً. هذه قصتي مع التفاح، وربما عرف بها أهل مرسيليا، فأرادوا إعادة الملهاة فأرسلوا هذه التفاحة التي لم أقضمها كي لا يغضب صوت أسناني حرس الطائرة، ويرمى بي من الطائرة إلى الأرض مثلما رمي آدم يوم عصى أمر ربه، وأكل التفاحة. قلت: سأحتفظ بها للذكرى" وها هو برج إيفل يلوح في الأفق الضبابي لواحد من أيام أيلول، شيخا حديدياً هائلاً ينتصب وسط عمران غريب لتصاميم القرن الحادي والعشرين. إذن ها هي باريس أيها الولد المهذب، وها هي المضيفة الجميلة. الدجاجة الملونة وبيضها المسلوق وصدرها الرخامي الفاخر وشفتاها المتلاصقتان كصفحتي كتاب جديد. إن عينيها تدعوانك لوعد قطعته على نفسها، بعد أن وصلت، واكتشفت أنك لست إرهابياً، وإنما أمير سومري دفعتك إليها رغبتها ليوسف فكنت أنت البديل، الناصري الأسمر، بشعره المجعد ونظراته المشعة برغبات ألف منزل جائع، ولأنها لم تسمح لذاكرتها بالتساؤل كيف استطاع الوصول إلى باريس، حملت جسدها وحقيبها بعد أن دست عنوان شقتها في يدي. ابتسم جليسي وقال: "إن لك بختاً لم أره في غيرك من البشر. ألف سفرة ولم تنظر إلي، يا لسحر المدينة التي تسكن. إنها حقاً من المدن التي جبل الله طينها بيديه وصار أبناؤها محظوظين. قلت: "أي حظ ونحن محرومون حتى من رؤية أجدادنا المحنطين في صناديق الزجاج في اللوفر؟" قالت: ستراهم، وسترى ما يجعلك سعيداً، ستراني أنا. "قال جليسي: "قلما أحسد شخصاً، أنا مليونير وأنت فقير، ورغم هذا أحسدك، فأنت الآن أغنى مني بكثير، ولو أردات هذه الحسناء لكتبت لها شيكاً بمليون فرنك. يبدو أن في صدرك الأسمر خزانة بنك "انترا" أنتم منذ أول أيام الخلق صنع الله أجسادكم من ذهب رغم أن بطونكم لم تذق طراوة نستلة" المارس" عموماً سوف تتذوق بدلا عنها القيمر والنبيذ والسعتن الأحمر. تذكرني يا رفيقي وليذهب مالي إلى الجحيم. صدق من قال: "إن القلب أعمى".‏

هنا تداركت ما يحدث، فأخضعت الأمر إلى السحر الذي نملكه من جنوبيتنا، من الرقم المبعثرة في طرقات مقابرنا المقدسة: أور، اريدو، لكش، من تعاويذ إلهتنا ومن دموع جداتنا يوم دعين على طائرات الشبح لتتحول إلى بوم ينعق على شاشات التلفاز، ومن صمت أبي وهو ينظر إلى جسده العاجز، وقد لفته السنون الطوال وليرقد على فراشه القطني يتأوه من الألم، ومن أشياء كثيرة. ولد ذلك البريق الذي اخترق أسوار حصانتها، ولتمنحني كل شيء، ولكني أريد شيئاً واحداً. باريس حيث تقيم موناليزا وقصائد أول شاعر سومري وحيث تقيم أحلامي، والأفلام الخالدة لرومي شنايدر وكاترين دينوف وإيزابيل ادجاني وسيمون سونريه،وبعد هذا سأعود إلى أمي، وأقسم لها بتفسير الجلالين ومقام الخضر أنني لم أحتضن امرأة حتى مع تلك المرأة الهائلة التي أعجبتها سمرتي وغمزت لي بحاجبين من الشمع، وعندما سألت عنها قالوا: "إنها زوجة رئيس بلدية باريس". فهربت مذعوراً لتتلقفني يد مضيفتي وتقول: "هيا، هذا هو اللوفر أمامنا، وبخطوات مرتعشة دلفت إلى الممر المرمري من خلال واجهة الزجاج المحصنة لتطالعني الوجوه ورسوم حية وميتة، سعيدة وحزينة. نصب واقفة وأخرى جالسة لتستريح من نظرات الزائرين مع حشد كبير من سواح يابانيين. أخذت بيد مضيفتي وتفرجت. كان كل شيء جميلاً وساحراً. وآثار بلدي بدت نظيفة ومرتبة حتى أن الكؤوس النذرية لم تزل تحمل بعض قطرات نبيذ ملوك سومر وبابل فيما ظلت طرية أجفان أميرات ومغنيات سومر وهن يرتدين الأثواب ذات الأكتاف العارية، وكان الدليل يشرح ويتحدث عن كل ما يملك من معلومات في ساعةواحدة. أما أنا فأستطيع الحديث سنة كاملة عن تلك الأشياء التي أيقظت في العالم الشعور بالحرية والحب والحرب أيضاً. كانت تنظر إلى عيني الغارقتين في المشاهد فتتلذذ بدهشتي وتشد على أصابعي فأصاب بنشوة رجولية عابرة أود بها أن أسحبها إلى زاوية مظلمة لأروي ظمأ الشوق لملاقاة أجدادي، لكني أتذكر زوجتي وأطفالي فيبرد الجزء الأسفل من جسدي وتتحول التي تعصر فيَّ أنوثتها إلى دمية. واصلت سيري مع شعور بالغضب من جانبها لأصل إلى الحدث المهم في سفرتي. إلى الجناح الخاص بالرسام ديلاكروا، وكنت قبله تأملت الموناليزا صديقة كل شاعر وعاشق في مدينتي، وتساءلت متعجباً كيف أعطى دافنشي ملامح خنزير أنثوي هذا الجمال البراق. وبدا لي أن ثمة خطوط لوجه رجل في عيون موناليزا. كانت الملامح للمرأة الفلورنسية حادة ومشحونة بأمور أخرى لكن العبقرية فعلت فعلها وحولت كل شيء فيها إلى مسحة من جمال غريب ونظرات تبدو في حقيقها شاذة وتنوم كل من يراها مغناطيسياً، وتجعله يهيم شوقاً، ويبدو لي أن زوج "جيوكندا" لم يكن يحبها كما أحبها دافنشي الذي خلدها في اللوحة فقط ولم يزعم أنها حضرت حفلاً لكونت أو عرضاً مسرحياً لمسرحية جوالة. المهم، دعونا من موناليزا ففي الجناح الخاص بديلاكروا اكتشفت متعة سفري فحال وقوفي أمام لوحته المسماة "ساردانابال" تلاشت كل رؤى التأمل التي كانت أيقظت حواسي المتعبة من الوقوف أمام طوابير الجمعية وتصليح دفاتر الإملاء لطلبة الصف الثاني الابتدائي. إذ ربطت ما رأيت بقصيدة بايرون عن اللوحة. وها هي في ذاكرتي قصيدة بايرون وعيني قاصة "موصلية" أبي، تعرفت إليها في "ملتقى قصة الحرب الأول". وكتبت عنها أن هذه الآشورية كانت سمراء وقد أغرتني ابتسامتها ونظراتها المشفوعة برغبة التعرف إلى هذا الجنوبي القادم، وكان لا يحمل في حقيبته سوى خجله ومنشفة قديمة وأوراق بيض. حيث تذاكرت معها ليلة كاملة، وكنا نتحدث عن أصولنا رغبة منا في صهر الماضي في آنية واحدة، وفي استفساراتي اكتشفت أن للقاصة "ن" جذوراً سومرية وأنها بقية من أسلاف أتى بهم الآشوريون من الجنوب فكنت سعيداً، وقرأت لها قصيدة بايرون وقلت: "إن ساردانابال كان عليه أن يعيد أجدادك مع محظيات قصره وعائلته عندما قرر ترحيلهم إلى بابل عبر نهر دجلة، ورغم هذا وجدتك".‏

قالت مضيفتي: "وجدت سومريتك، والآن وجدتني. الفرق أنها سمراء وأنا أشع بياضاً. إن رغبت ساطلي وجهي لأكون مثل تلك التي هام بها ملك آشور وتخلى عنها في محنتها".‏

قلت: "ولكن عينيك ستظلان زرقاوين، وأمي تخشى الأزرق لأنه يمت بالصلة إلى الحسد.‏

ضحكت وقالت: "ماذا أحسد فيك ملايينك، أم بدلة المودرن التي ترتديها؟"‏

وكنت أرتدي بنطلوناً جاهدت كما عنترة لنيل عبله كي أحصل عليه من الجمعية، وعندما تسلمته وجدت ثقباً في مؤخرته، وحين طالبت باستبداله قالوا إنه خرج من المعمل هكذا، فرضيت به حبا بالهواء الذي يدخل وينعش ساقي النحيفتين اللتين تصلبتا الآن وهما تتذكران أيام الفقر والضياع على الفراش الوثير في شقة جرمانيتي التي قامت من لحظتها ودهنت كامل جسدها بزيت أسود يبعث بنفاذية قوية رائحة الصندل الذي خلق في رأسي صداعاً قوياً، ولأنادي على أمي لتشده بعصابتها، لكنها ليست موجودة الآن إنها هناك وهي تظن أنني الآن أمسك بقوة شباك الولي الذي دفن في باريس، ولو تدري أنه جسد امرأة من الشمع، لتخلت عن أمومتها وما نطقت باسمي حتى مماتها.‏

وهكذا تغيب عن الوعي كمن ضربت الشرطة رأسه بهراوة.امرأة وعطر، هو ما كنت تتمناه دائماً. كان جسدها بنعومته الطرية يعني لك عودة إلى الوراء بدولاب الزمن السحري لترى المشاهد الخلابة لأجدادنا وهم يقودون عبر سهولهم الخضر الأسرى من أعدائهم، وأمام لوحة ساردانابال كان المشهد العظيم يخيم على ذاكرة الجنوبي وقد خلط الشمال الآشوري سوائل بأخرى ليشرب خمرة التحسر على ما أبقى التراب الوطني من جبروته بعد أن أحرقت آور بنيران عيلام. قالت، وقد ودعت معها ليلة لا أعرف كيف أصفها. ليلة خلط فيها الزيت بالشهوة، بشهيق انثى من الكريستال، رد عليه زفيري فقيراً جنوبياً شربت منه حتى الثمالة، وكانت تقول بفرنسية لم يترجمها جليسي: "هل من مزيد"؟‏

قلت وقد أعياني اللهاث: "لقد منحتك كل ما لدي "قالت: "أنت لست سومريا إذن".‏

-"بالضبط لست منهم رغم أني سليلهم، والسبب أن الغرب فرض علينا شروطاً قاسية. أن نضع سيوفنا في المتاحف ونتجة إلى النوم مع نسائه" ولكنني خبأت سيفي، وها هو يدوس أحشائها بقسوة منتقم. وهكذا تعود إليها وكأنك لم تأكل لحم الدجاج في حياتك، وأنت الديك الأحمر الذي شد عرفه بأمنيات صياح الصباح لأنثى سكنت جوار داره من دون أن تعلم أم أولادك. وها هو الشعر الأصفر يبحر في شواطئ صدرك ويسير في غابات كثيفة ليكتشف أعشاباً نادرة وحشرات ملونة برغبة اللسع، وعندما تلسعني استيقظ من غفوتي لأرى لوحة ساردانابال أمامي ممدداً ومن حوله العذارى وفي عينيه تشع رغبة ملك غلب على أمره ورغم هذا صنع جبروته الجديد من أجساد نساء فاتنات. والعاريات حوله يمتن برغبتهن ورضا عينيه اللتين تشعان بلا أبالية مشابهة لتلك اللاأبالية التي ملكتها محظيتي بعدما شبعت من قمح جسدي المخلوط بنسب معلومة من الشعير والنخالة، ورغم هذا كان لذيذاً كما عبر عن هذا لسانها وأسنانها وانتعاشها الماجن أول ساعة فجر عندما أعلنت أنها تريد أن توصل الليل بالنهار، ولنؤجل ذهابنا إلى اللوفر هذا اليوم.‏

كان فطوراً سريعاً أعدته هي، وقد فاضت بدلال المشتهيات، وهي تنقل جسدها العاري بين مطبخها الصغير ومخدع الحب، لتعود ثانية إلى رياضة الارتماء في الأحضان ولأتخيل مرة أخرى "مليكي الآشوري" وهو يرمق جواريه المدميات، فأستغرب إن كان الموقف حقيقياً. ولدي الان صورتان مختلفان عن مليكي الحزين. قصيدة بايرون ولوحة يوجين ديلاكروا التي حملت الرقم 9 في جناح الرسام والتي أنكر وجودها صديق لي كان قد زار باريس عام 1978 عندما تحدث لي عن جمال تلك اللوحة في البوم يمتلكه، ولي أن أقدر أن الملك الآشوري لم يكن بتلك السادية التي صورها ديلاكروا حتى قادتني ماريا لوبيز مضيفتي إلى اللوفر في صباح باريسي دافيء لأقف وأتأمل وجه آخر بني آشور فقفزت من بين شفاه النساء القتيلات بخناجر فرسان الملك مقاطع من القصيدة الجميلة التي كتبها اللورد بايرون، وكلماتها تتحدث بلسان الملك الآشوري: كم أحببت.. كم أبدعت خيالاً مارست حياتي فيه لم تفلت مني لحظة بغض بالعشق الخلاق أما الموت فليس غريباً، هو أهون ما نتخيل. إنه الموت الطبيعي ذاته عندما كانت هناك طائرات فوق مدينتنا، ولي أن أربط تلك الكلمات بموت واحد من أصدقائي وكان رساماً بارعاً، "هذا الصباح نشر الموت أجمل أرديته. "كنت منشغلاً بقصيدة بايرون ومتذكراً في الوقت نفسه الآشورية التي تعرفت عليها في قاعة العرش في قصر نينوى. كنت أحاول أن أجاورها سرير أمي، ولكنها ذكرت في رسالتها الأخيرة أن أمراً إدارياً وعربات ملكية بخيول مطهمة نقلتها للتدريس في ناحية فايدة، وأنها ستكتب الي في كل يوم رسالة وستفكر بإرسالها مع رسل أمراء سومر الذين أتوا يباركون ساردانابال على ملكه الجديد. في خضم هذا الاستذكار اللذيذ والاستمتاع بملامح آشوريتي نقل ألي النبأ الفاجع بموت الرسام جمال كامل ناهض، صديق الدراسة والطفولة وهذا الخبر أوقع على رأسي صاعقة من الحزن فقد كلفته قبل أيام أن يتخيل ما صوره بايرون في قصيدته ليرسم مأساة الملك الآشوري ولأقارنه بما رسمه ديلاكروا وقد وافق. التقيته في السوق فتحدث لي عن ضرورة أن تكون اللوحة رصاصة تطلق ألوانها على الطائرات التي أرادت أن تهدم قيصرية القماشين، حيث فكر برسم الضجيج الطفولي لواحد من مساءات قبل العيد لكن الطائرات قصفت المسقفات ورصاصة ما ثقبت صدره بعد أن تحدث إلي عن خطوط الملامح الأولى لوجه ساردانابال، فمن غيره سيلبي لي رغبتي بمقاربة القصيدة باللوحة؟‏

قالت ماريا لوبيز: "الموت في الشرق هو أن تكون دائماً بموازاة السحب، حيث يقدر للروح أن تسافر إلى ما كانت تحلم به ومن ثم تهبط على كف امرأة ما قطرة ماء باردة.‏

-تفسير جميل، إنك تفهمين الشرق جيداً.‏

-خاصة عندما يموت شعراؤه ورساموه بالرصاص.‏

ملكني الظن أن تكون سليلة من جلبهن ساردانابال من وراء أرمينيا حيث قالت الألواح: إن مع الأحجار الكريمة تجلب النساء ذات العيون الزرق ليصبحن حاملات كؤوس نذرية وعازفات قيثارة.‏

فهمت ظني، وقالت وقد دارت أحشائها بارتعاش مع ساقي المتلهفتين إلى المزيد: "قد تكون جدتي هناك، وهذا لا يهم ولا يشعرني بهزيمة. أنا منذ أن قرأت ألف ليلة وليلة في الثانوية تمنيت أن أكون جارية لأمير شرقي، ولكنك أمير مفلس، هذا لا يهم. إن شهريار مفلس ونشط خير من ألف مهراجا لا يحسن سوى الشخير والاستعانة بالعشاب لتتصلب ساقيه. إن العري يخيفهم، يجعلهم يرتعشون ويغطون رؤوسهم بوسائد الريش.‏

وسط أحشائها تفتحت نوافذ الرؤى وسكن الحزن خيال الملك الآشوري. الذي لوح بعلامة النصر، وهو يراني أمتطي مهرة غريبة، عالجت في جسدي آلام القفص الصدري، ومسحت الملوحة عن ركبتي، وأزاحت اليباب الذي امتد في فمي لتصير قبلاتها خبزاً وأن يشتري لي دمية كان قد تمناها لتكون عروسه.‏

في اليوم التالي، لم يكن نهوضنا مبكراً. امتد بنا سحر الجسد إلى الظهيرة، وذهبنا إلى المساء. وجاء الليل.‏

قلت: "كان ينبغي أن أذهب إلى اللوفر لأكمل مشواري مع أجدادي لأن الأسبوع سينقضي وسأعود إلى بلدي، وربما لن تتوفر لي فرصة العودة".‏

قالت: "في فرنسا أكثر من مليون أجنبي يقيمون بصورة غير شرعية. كن أنت واحد منهم، وأحسن الي بأن يكون جسدك قربي".‏

-وعملك؟‏

-"إلى الآن الغيت رحلتين، وسألغي ألفا أخرى. في جسدك أرى مدناً لم أرها في حياتي فلماذا أسافر إذن؟" تأملت جسدي الأسمر كسمرة خبز بطاقة التموين. لم تكن تنبت على صدري شجرة برتقال. كان بدلاً منها حبيبات لحساسية مزمنة، وفي ساقي لم تكن هناك نيونات وناطحات سحاب. كان هناك شعر جاف وجلد مصفر من كثرة ما تناولت من الخضروات. تأملت وجهي، كان شاحباً، ولم يكن فيه أثر لأبراج بابل أو اهرامات الجيزة فأين المدن الجميلة من هذاالجسد؟ وعدت مرة أخرى لأقول هو سحر الشرق إذن. وثالثة ورابعة وخامسة، تستعر الأجساد ومع نيران الفراش الدافئ تتجمد ذاكرتي الجنوبية، وأنسى أن لي أماً تنتظرني لأعود إليها محملاً بقطعة قماش، جميلة تتقافز بها أمام جاراتها في المحلة.‏

واليوم.. تجاوزت إقامتي في باريس ثلاثة أشهر، وأعترف أني خلالها زرت اللوفر عشر مرات ولنهارات كاملة، وأقمت مع ساردانابال صداقة متينة، وعرفت من خلالها أسراراً كثيرة لم تذكرها الكتب عن سقوط دولة آشور الهائلة، فالملك لم يكن سبباً بالسماح للأقوام الجبلية أن تغزو آشور. لقد كان الغزو من الداخل. أولئك الأمراء الطامعين بمجون السلطة والمال، وعندما بكى ساردانابال حزناً على إحراق نينوى، سقطت دموعه الزجاجية على أرضية المتحف المرمرية فكان صدى عزف جميل لقيثارة جاريتي السومرية تلك التي وجدتها صدفة في واحدة من أماسي الثقافة في الموصل. وأمامها انحنيت لأتأمل في خبايا الصدر الأسمر، زوايا أحلامي المليون وأنا أتمنى أن تموت الحرب ويعود الأمريكان إلى بيوتهم،وساردانابال أعطاه مدير المتحف منديلاً ليجفف دموعه، وليعود صامتاً وسط لوحة ديلاكروا.‏

بعد أن شبعت مضيفتي من جسدي، تذكرت أهلي، وذات صباح عندما كانت هي نائمة، حملت حقيبتي ذاتها التي قدمت بها من بلدي وبما تبقى من فرنكات قليلة معي اشتريت لأمي قطعة قماس صوفية وإلى أقرب مكتب للهجرة سلمت نفسي، مدعياً أنني فقدت ذاكرتي، ولا أدري في أي يوم جئت إلى باريس، وعندما قرأوا جواز سفري اكتشفوا كذبتي. أحسست بأني مرمي في عنبر الشحن في إحدى الطائرات الذاهبة إلى الشرق الأوسط حيث سأسلم إلى سلطات بلادي، ولأنتظر من كفلني، ولأجد أمي وهي تنظر إلي بغيظ ودلال، وقد جفت عيناها من النواح، لكنها تكاد تطير من الفرح لأنها وحدها التي وفيت لها بالوعد، وعدت لها بهدية.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244