حدائق الغرام السومرية- مجموعة قصصية - نعيم عبد مهلهل - من منشورات اتحاد الكتّاب العرب دمشق - 2001

Updated: Sunday, September 21, 2003 01:55 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

آنو فوق الشجرة

انزويت مع متاعي في الركن الخلفي لقاعدة الزقورة، وقد أعدت رأسي إلى ما كنت أتمناه، أن أحظى بخلوة مع الماضي الذي جلبني إليه سحر ما من مستقبل بعيد جداً، وكنت أرى مدينة مزدحمة وبوابات تفتح وتغلق مودعة قوافلاً ومستقبلة أخرى، وكنت في الوقت ذاته أمتع ناظري بجندي ثمل يجاهر أمام المعبد بأنه يستطيع أن يسرق قلادة الكاهن دون أن يعلم، وكان الكاهن ينظر إليه من شرفة المعبد مرتجفاً. تمتعت أيضاً بموكب الأميرة وفصيل من الجند وبكاتب الملك وهو يدون احتياجات المدينة من القمح، ويبدو أن البيضتين اللتين وضعتهما أمي في كيس المتاع ما عادتا تصلحان للأكل فاحتفظت بهما ليد آثاري كي يقدر من قشورهما عمر سلالة أور الثالثة. أور في هذا النهار لم تكن بالمدينة الهادئة فالقوافل القادمة تعود فارغة والذاهبة أيضاً وأشد ما أفزعني صوت من داخل الحجرة الإلهية من قمة الزقورة وهو يخاطب جمعاً ما، ربما الملك ووزراءه.‏

"المدرك هو الذي نقف عند حدوده ونراه جيداً. والمنفى هو ما أراه الآن في متناول اليد ونذهب إليه قسراً لتشعل أمام أجسادنا المصلوبة مشاعل الموت، والأمير هو الذي يدرك سر المنفى ويطالب بخشبة يدق عليها أشواقه قبل أن يعلن قانونه الخاص وينادي بالابتعاد عن جهة الريح ليسلك طريق الراحة ويقيم مجده الآلي من أسلافه ممن ركب السفينة وابتعد عن استغاثة الخاطئين".‏

تذكرت أولئك أمراء المنفى الذين تحدثت عنهم جدتي التي ارتدت برقعاً وعباءة صوفية، ومسكت عصا مرتجفة وبأمر صارم قالت: "اجلسوا واستمعوا إلى حديثي وأنتم صامتون" ويبدو أنني جئت في الوقت الذي كانت أور تعاني من ضعف أولئك الأمراء. وإن السلالات بدأت تنفي بعضها البعض والتجار يضاربون بالقمح وإلغاء الصفقات المبرمة التي يجاهد آبي- سين ليعقدها من أجل سد رمق شعبه. لقد عانت أور الكثير يوم رفض المطر أن يهبط بمظلات الحرير لأن ننار الهها صفع المطر على مائدة شراب فكان على آبي- سين أن يدفع الثمن وأن يتحمل حزن المنفى وهو يرى مدينته تطهو الحصاة وتوهم مدنها المنتشرة على ضفاف الفرات أن الذي يغلي في القدر هو لحم الثور السماوي الذي سيشبع بطن كل جائع.‏

تكرر المشهد في لحظة خاطفة عندما أصر قائد الجند أن يلتقط صورة قرب جثة الملك المنتحر الذي رفض قيود العدو وحياة الأسر وفضل أن يموت بسيفه لا بسيف عدوه، وعندما اشتعلت المصابيح المرتجفة لمرافقي القائد العيلامي بدأ صباح آخر لمدينة تموت. كانت الشمس تشرق على أور وتبعث من أثير حزين أطيافاً زرقاء باهتة ودخاناً رمادياً يتلوى من حزن أن تمشي أميرات سومر على جمر النيران التي تحرق بيوت المدينة.‏

-مقطع من لوح سومري-‏

"غذاء الآلهة المفضل الكرفس والنبيذ ويترك القمح للبشر. آنو كان يكره القمح لأنه من أزل بعيد وخزت سنبلة صفراء مؤخرة شيخ الآلهة. ومنذ ذلك اليوم لم يخلع آنو ملابسه الداخلية كي لا يرى ما أحدثته السنبلة، ووقت الحب يطفئ آنو العالم كله ويمارس ما يريد حتى لو كان ذلك في ظهيرة تموزية قائضة..".‏

القمح.. القمح قال المواطن البسيط منادياً كاهن الزقورة الذي دفعته أقداره إلى المرور بسوق المدينة لم يرد على تساؤل المواطن بل رمقه بنظرة استهزاء، وقال: "تلك مسؤولية الملك اذهبوا إليه".‏

وهل يذهب إنسان عادي إلى إله؟‏

إنه مؤله وليس إله. تلك صورة اصطبغنا بها سموه كي تخضعوا إله. الآن وقد عجز عن توفير القمح عليكم أن تجردوا من جسده ثوب الآلهة، اجعلوه عارياً وارموه في الفرن كي ينضج، ثم اقتلوا به بطون مجاعتكم هذا نفاق منك أيها الكاهن. نحن لا نبيع ملوكنا في أزماتهم.‏

إذن أشر جوعك بالدعوة لأبدية الملك، وليمت الشعب.‏

قال مدرس الوطنية: الشعوب لا تموت.‏

تذكرت وقد تعودت خيالاتي على سجلات سوق أور- أنا من أدركت مع الملك أن عاطفة المدن تولد مع رغيف الخبز وقبلة امرأة.‏

ابتسم الملك، دمعت عيناه، وقال: انظر بدأ الكهنة يبيعون الملك.‏

قلت للملك: في صباي كنت أقدس مدرس التربية الوطنية وأفضله على الذي يدق في مسامعنا أوزان الخليل.‏

-الوطنية هنا أن تكون السلالات بحجم ثوب الملك. أشعر بأن الآلهة تعطي السلطة للتسلط والتسلي بحزن الولاية التي يمكنها أن تمنحنا سلطة أن نكون جبابرة، هذا جبروت عاجز اليوم في أن يوفر كيسا من الطحين انظر، قبل أيام أوعزت لوزيري أن يطعم أطفال ذلك الصف الدراسي المغلق بجانب الزقورة، وبالكاد وفرنا كيساً.‏

وفي الطريق غير الوزير رأيه وأمر الجنود أن يبيعوه في السوق السوداء الشعب عجز عن شرائه فاشتراه أعداؤنا، لم يطعموا به جنودهم بل رموه في النهر. إذن السلالات تجهل الوطنية عندما يكون الملك مشتتاً مع خواطره الحالمة بإمساك الجهات الأربع.‏

-لوح سومري-‏

"دموع الملك من ذهب. الآلهة أمرت أن يحمل القمح لون الذهب، هذا يعني أن دموع الملك من قمح. انتهى"‏

اقتربت الظهيرة من الدكة التي اشترطت عليها أن تحمل تساؤلات الذي رغبت به، ولا زال ثمة زحام في سوق المدينة. الكاهن غادر المكان مثخناً بالجراح بعد أن رماه أطفال العامة بالحجارة.‏

الملك ابتهج لمنظر كهذا. أنا حركت حاجبي إلى التي رغبت أن تشاركني بهجة السفرة المدرسية فجاءت تحمل سحر عينيها على أكتاف غضة كمن يحملن سلة رطب لمسافر جائع.‏

قالت: إلى متى تظل مع البعيد، ترصد بشتات النجوم لتجمعها في مستحيلك الفقير. أمس طرق أحدهم باب البيت. أبوه آمر لواء مشاة وأمه مخمنة في دائرة الضريبة وهو يتاجر بالعطور والفساتين.‏

ضحكت.‏

الملك خلع خاتمه اللازوردي وقال: خذه فهو ثمين جداً‏

قلت: لا يكفي يا مولاي.‏

قال: ما الذي يكفيك؟‏

قلت: باخرة قمح أدفع فيها جوع مدينة .‏

-وهذه التي تحرك وركيها مثل رقصة فرس مخمورة؟‏

-في عصر كهذا لا يجد الرجال في النساء بهجة أخرى وأنهن نوع من الحل.‏

-في أساطيرنا أنواع الحلول تصنعها الآلهة.‏

-والآلهة في عصري ارتدت موضة التغيير وصارت تركب السيارات الفارهة وتتاجر بقمح أحلام الفقراء. إنهم لا يعرفون الالتفات إلى الوراء. إن الأمام الذين يخطون إليه هو ما يجعلنا نقف ونشدهم ولكن بقلوبنا.‏

اليوم رأيت العامة في أور يشتمون الآلهة بألسنتهم ربما لأنهم يحبونك أيها الملك الضليل.‏

-نعم أنا أحب شعبي.‏

قالت: أنت من يحبك غيري، ورغم هذا تريد أن تفرط بهذا الحب.‏

في الأيوان الملكي حيث الأبهة الزائفة والمشاعل النيونية الملونة. أطياف غامضة ترقص في فضاءات القاعة. تجار القوافل المارقون ينتظمون في صف الدراهم والقواد ينظرون إلى مليكهم فيما رسم الارتياب والتشفي خطوط المحنة القادمة على وجوه الكهنة. الكل يريد من الملك والملك يريد من الآلهة ولكي يتوحد مع أُلوهيته أمر بإطفاء النيونات وفي الغرفة المجاورة كانت أميرته المدللة رام- سي تطلق من مذياعها الياباني موسيقى هادئة وأمامها يتطاير بخار الرغيف الذي قدم إليها مع لحم الضأن وعلبة الجبن المملح برغباتها أن يسمح لها والدها بالسفر إلى آشور للاصطياف مع أميرات الشمال.‏

كان إطفاء النور إيذاناً بانسحاب الجميع. وحده الكاهن الأكبر يبقى وقائد الجيش، الكاهن لأنه الوسيط بين الآلهة والملك، وقائد الجيش خوفاً من خناجر الظلام. كان جميلاً أن تستدعى الآلهة على صوت الموسيقى. أحس الكاهن برغبة قوية للرقص. والحق أنه بدأ يهز كتفيه دخل الملك في غيبوبة التوحد فيما بقى قائد الجيش صامداً كالحجر.‏

الملوك في لحظات غير محسوبة تحولهم الهموم إلى أطفال وفي وحدة آبي -سين أدارت فضاءات الأمكنة سحابات ممطرة وكانت قطاراتها أياماً قديمة، حيث لم تكن الآلهة بعد بهذا الطفل المتورد الخدين والذي كان أبوه يعده ليكون أميراً يتجاوز بحكمته وسيفه الحدود التي رسمها أمامي أور. تمنى لو لم يكن ملكاً وأن يعود ذلك الطفل الأسمر الذي يحتضن لوح الطين ويردد عبارات المعلم السومري. لوح جف قبل ساعات وانطبعت على ذاكرته قصائد الفقراء والجند والمتشردين، لكن تلك رغبة آنو أن يتحمل وزر أزمة القمح وأن يسعى كي يبقي أبواب أور محلقة في وجه المتصيدين في الماء الآسن برغبات امراء السلالات الذين أرسلوا أمس برقيات تأييد زائفة وبعضهم أرسل مع لوح البرقية سلة تمر ما إن تذوق الملك إحدى حباتها حتى وجدها مليئة بالدود، هذا قدر الأمراء. كان ذلك صوت الحكيمة والدته هي رحلت إلى مقام الآلهة منذ صباه ولكن صوتها ظل يسكن بدنه، وكأن نجدة من بلد بعيد جاءت لتعين أور، وقال وقد كشف الفرح عن شفتين بلون الفجر.‏

-أماه. لا يصلح لأم أن تترك ولدها في محنة. يبدو أن الآلهة لم تلتفت إلي، وأنا الذي رهنت عقد الملكة عند الكاهن الأكبر أوفر لها أفضل ثيران مملكتي نذراً، وهي لم تأكله بل أكلته الثعالب، حتى عشتار التي كنت أعتبرها أماً روحية لم تهبط لتتناول كبد الثور. وذلك ما كانت تحبه أكل كبد غراب متطفل فعرفت أن الجميع قد أدار وجهه عني، فهاتي وجهك إليّ فقد يعوض قلب الأم عن قلوب الآلهة كلها.‏

-كنت أتمنى يا والدي أن لا يكون قلباً نداً لقلوب الآلهة، فالحب يسكنها قبل أن يسكن البشر، ولكنها تجعل هذا الحب مشاعاً للجميع إنها تختار من تريده ولقد اختارتني لأجلك أنت. ولكن الآلهة ليست لي وحدي. إنها أدارت وجهها عني لغيري وتلك مشيئتها أمس طلبت الأذن من ايريش كاكال آلهة العالم السفلي لأقابل آنو في عليائه، ولقد سمح لي لليلة واحدة فوجدت آنو متربعاً فوق شجرة الحكمة بحديقة النيروز وعندما رآني أوما لي كما لو كان ينتظرني أجلسني بجانبه وقال: أمهات الملوك القدر الحقيقي لكل مملكة وقد عرفت قدر مملكتك فلماذا أنت هنا؟‏

-جئت لأعرف السبب، أيها العظيم آنوا.‏

-الآلهة لا تعطي أسباباً لأفعالها وذلك يضعفها، الآلهة الضعيفة لا تسكن حدائق الفيروز بل تسكن البيوت الخربة. وأولئك الآلهة معاقبون أصلاً لأنهم لم يسيطروا على جبروتهم، فأدلوا ببعض أسرار المكنون الذي ينبغي ألا يرى إلا من خلال عيون الآلهة آبي- سين ولدك، خدع ننار ذات ليلة، فرغ في جوفه ألف برميل من النبيذ فأراه آلهة أور قدر المنفى لملوكيته. كان هذا انتصاراً عظيماً بالنسبة لـه كإنسان. أراد أن يتحرك وفق الرؤيا التي رسمها لـه ننار، ولكن أوقفت كل شيء وأرسلت أمري بأن يحمل الجفاف على أرض أور وأن تحرق كل حقول القمح. لقد أعطيتك السبب لأن الفعل الذي ارتهن بأور تم تنفيذه وآبي- سين له الخيارات: المنفى، الانتحار، الأسر.‏

قالت الملكة للملك الذي خبأ رأسه في أحضان أمه كما الأطفال في الليلة الباردة: "هذا قدرك مع الآلهة. سببه أنت. أبوك ترك لك اللوح السابع من الوصايا، احترم رغبة القمح ولا تحترم رغبة الآلهة، لأن القمح استطاع في يوم ما أن يرسم الخجل على وجه آنو".‏

تذكرت وخزة المؤخرة في قفا شيخ الآلهة، ضحكت، ورفع آبي- سين رأسه المبلل بدموع الكريستال والتفت إلي:‏

-ننار هو الذي تحدث، ولم أطلب منه ذلك وكان هو الذي يرغب بمزيد من النبيذ في تلك الليلة لو كان في مخزن القصر نهر من النبيذ لشربناه.‏

-أعتقد أن حزناً ما دفعه ليفعل ذلك.‏

-نعم يعتقد أنه من أنضج السنبلة ووضعها في طريقه.‏

تذكرت أن الآلهة تعاقب المتمردين بعذاب أزلي. لكن ننار لم يعاقب بقسوة خوفاً من أن يحجب الليل عن العالم فلم تعد الآلهة تستمع برؤيا مجامعة البشر وسماع الأغاني الحزينة.‏

أوقفت دهشتها وسط عيوني. قالت: الحب هو أن ترغب دائماً لماذا الرجوع إلى الوراء. أنظر لقد لبست لأجلك أجمل فساتيني ودهنت عنقي بأطيب العطور وأسكنت قلقي في منفى أحلامي لأظل لك وحدك.‏

-لوح سومري-‏

"الأديب يعشق الألواح قبل المرأة والشمس رغبتها أن تصنع الفضيحة قبل رغبتها بصنع الضوء، والآلهة أشارت بتمجيد القمح قبل الإنسان. ما بعد ذلك يفترض أن يكون مدركاً لحقيقة الألم الذي تعانيه. اعترفي أيتها الآلهة المحبوبة إننا عبيد للقمح والمملكة الممتدة الأطراف كرداء الكاهن ستكسب حظها من عاثرات الدهر. أور عامرة. أور خربة.. هذا هو الدهر فتضرع ما شئت فالآلهة لا تطعم الحليب.إنها تخربه بشجاعتها القادمة حتى الآلهة تخشى غضب القمح، يا لجبروت القمح".‏

قالت وقد استعادت دهشتها من عيوني: أنت تذهب بعيداً. أنا لا أفهم هذه الطلاسم أعرف أن الحياة هي أن تكون متمدداً قربي على وسادة الريش وترسم بشفتيك القبلات الزرق على شفتي. هذا أقصى ما تتمناه عاشقة.‏

أنت تلعن الأزمنة. أنا أفهم من هذا الأمر أن لون وجهك يتبدل، وأظن أن جنيا ما يسكن رأسك وأشير عليك أن تذهب كي نقضي ليلة قرب مرقد سيد رحمه في ريف العكيكة. هو وحده من يطرد الجني من رأسك، جنيك التاريخي الذي يتلو عليك ما يظن أنه كلام ألواح. إن استمر فيك هذا الهاجس فلا فائدة منك. في أيامك الأولى كنت تهمس لي الحب هو بداية اثنين لا ثالث لهما. أنت في كل يوم تأتي بثالث جديد. آنو، عشتار، بوآبي، أور نمو، كوديا، آلهة وملوك من زمن معين، حتى أنك لم تجعل هذا الثالث في إحدى المرات ليكون نابليون مثلاً، الفيس بريسلي، عبد الحليم حافظ، رجل من رجالات ثورة العشرين، لا تملك غير سومر وبما أنك أنبئت بأنك وريث هذه الأطلال التي صدئت من صوت الطائرات ورغبات رجال الآثار. أن من كانوا هنا، هم ليسوا هنا الآن. الأطياف وحدها باقية، وهم يعيشون الآن في صناديق زجاجية معطرة في متاحف لندن وباريس وواشنطن.‏

أسدلت الستار على حزني ورميت الضوء بعيداً وحدها بقيت تفيض بعطر غريب. كنت أصنع من همي كيساً من القمح أدفعه بمزلاجة الزمن إلى الوراء لتصل الملك الحائر. كانت الظهيرة تسقط على أفكارنا رغبات عشق متناثرة، ولكي أرضيها بدأت أهمس لها بمحبة القرن العشرين. حدثتها عن مدن تنتفض وصالات عروض الأزياء. شرحت لها العولمة وماذا تعني ثورة الحجارة في حيفا ولماذا تطارد أمريكا أسامة بن لادن، وعن سر الضوء الذي ملأ عيني كاترين دينوف وهي تترأس لجنة تحكيم مهرجان كان السينمائي. كانت تستمتع بحكايات الحاضر. وهي امرأة تريد ما حولها وكفى ويبدو أن الله أبعدها من السفر عن ذاكرة المرأة وبدأت تفتح أسارير مشاريع الغد. غرفة النوم. الزجاجيات التي ستشتريها من سوق الكاظم. الفساتين وخاتم الخطوبة قيمة المهر وعندما ابتسمت قالت: لا عليك لن تدفع سوى القليل أمي ستوفر كل شيء.‏

تملؤني النشوة لأصيح بأعلى صوتي: إني أحبك، لأنك وحدك من يقدر أن يرحم إفلاسي وأصيبه في الصميم الآن وقد واجهك الملك بإفلاسه. لا تقدر أن تعي حالة جدية غير تلك التي تجلس معها مكتئباً أمام الملك الضليل. كان الملك في بدء الخليقة يمثل امتداداً لهيبة خفية مصدرها العلياء البعيدة حتى عن ذاكرة أكبر كهنة سومر وحتى الأدباء لم يقدروا أن يجدوا مصدر هذه الهيبة التي توقظ في أقلامهم أحلام التمجيد والحفر على المسلات بأظفار من كبرياء يتسلط الضوء على جبروت هذا النحيل ذي الكتفين العاريين. كان ينبغي أن نتصور الملوك أجساداً ممتلئة بضخامة الرعب والخوف والقدرات التي لا ترحم. كان ينبغي أن يكون حجم الملك بحجم الهيكل، لكن ملوك سومر كما نراهم مرسومين على المسلات وجدران المعابد وفي التماثيل المنفردة ضعاف البنية وحتى أن أور نمو في تماثيله وهو يحمل آنية البناء يبدو بحجم طفل.‏

آبي- سين المفلس لم يكن لـه مزاج ليجيب، وهو نحيف أيضاً، واختصر كل هذا ليقول أنه وجد نفسه ملكاً بعد ولاية عهد لأن أباه كان ملكاً. الآلهة تمنح الملوك خلود التوارث لكن الأقوام البربرية تتعدى رغبات الآلهة في بعض الأحيان وتنتصر عليها ولو لمدة من الزمن. أما لماذا نحن بهذه الحجوم فأعتقد أن الملك بسلطته الروحية لا بسلطته الجسمانية وسومر أرض للعقلاء وليست أرضاً للجبابرة الضخام.‏

قلت: الملوك يفسرون الحالة من خلال تيجانهم الآلهة تدرك مغزى سلطتها فتحيل ذلك إلى ظلال تصنعها أنتم يا مولاي.‏

-نحن لماذا نحن. في كل نهاية مطاف نلام وكأننا اغتصبنا حقاً منحته الآلهة لنا وها هو امتحان القمح هاجس جديد يؤرق ليل ملك كان يداعب قيثارة أناشيد عذارى المعبد. أن الحكمة في كل هذا اكتشاف مستوى الولاء للذين هم قوتنا.‏

-ربما واحد هو الذي يريد أن يكتشف.‏

-نعم. آنو وحده من يصنع دمه في امتحانات قاسية. هو الآن فوق الشجرة وأنا تحتها. الحكمة بيده. القوة بيده. ويدي ليس فيها سوى هذا الكأس النذري الذي يحتوي على نبيذ النسيان.‏

-ولماذا تريد أن تنسى؟‏

-لأن المأساة كبيرة يا صاحبي.‏

الآن وقد أحزنني موقف الملك قررت بعد فصل من حوار دافئ من التي تجلس الآن على الرمل وتداعب ركبتيها بأصابع من الورد، وتفضل أن تفتح معي أخاديد النهار الدافئ لنطير سوية كعصفورين في فضاء من بهجة غامضة يستطيع فيها الإنسان أن يكتشف في الحب الغابات القصوى فتعرف ما عليك أن تدركه منذ طفولتك. إن الجنوبي الذي تتورد في ذاكرته الأماني والجوع عليه أن يقود خطى الغد إلى عنفوان هائل مع امرأة بحجم معبد الزقورة. امرأة ينتفض صدرها على الرمل مثل حوت طرده البحر فانشق من بطنه نبي جائع يلتهم المؤمنين والمشركين وينادي بتوحيد ذات الآلهة. آنو كان يبغي في إضعاف الآلهة وحدة روحه، روحه التي لا يراها حتى هو، ذلك النور المنبعث من شجرة الحلم ليوقظ في الملك الثمل أحلام أور النائمة على وسادة انتظار بواخر القمح. وهذه التي تمدد ساقين من عاج وفضة ترى في قراري الأخير في الصعود إلى الشجرة ومحاورة آنو جنوناً وفلسفة فارغة، فلقد ألغى العشاق اليوم من قائمتهم شرب البيبسي كولا لأن الدولة منعت بيع السكر التجاري لارتفاع ثمنه. ولكي تتسلى بجنوني قالت خذ معك إلى آنو وأنت تتسلق شجرته علبة بيبسي كولا وإن كانت تكلفك نصف راتبك. أولاً. إني أتخلى لإلهك المفضل عن علبتي المثلجة هذه. خذها إليه واذهب يبدو أن سومر هي العشيقة المفضلة. سومر التي لم يدركها التاريخ بعد لأنها بعيدة جداً وأنت تريد أن تصل إليها بالوهم. قل لآنو إن شاهدته أن بياض ساقي ناصع أكثر ألف مرة من ساقي عشتار، ودعه ينزل لأريه فلربما يتراجع عن قراره ويسمح لبواخر القمح بالوصول إلى أور.‏

البواخر قد لا تصل لأن قرار آنو لا تراجع عنه. ألبسني الملك حزنه وتملكني شعور برغبة الانفلات عن العالمين الماضي والحاضر فالرؤى الآن لا تقدر أبداً أن تمسك لحظة. إنها طيش نتلذذ به ونقيم على موائد جلسات حماسنا، نحن من رفضنا الوقوف على عدسات المراقب، لمراقبة شروح الروح، وفضلنا أن نتلهى بصنع خناجر من عجين مفخورة حتى نثبت لنساء لم نستطع أن نكسبهن برسائل الحب، نثبت أننا طبقة الفرسان، الذين يدركون معنى الشيء حتى لو كانت هناك حرب.‏

إن آبي -سين الملك المحاصر، يتلوى من العشق قبل الجوع، ويمكن لي لو أزحت ستار عينيك عن نافذة عيوني، أن أحضره الآن كمن يحضر على نار مشعة شايه المفضل.أن تسامر ملكا تلك لحظة جميلة تشبه تأمل بجعة تخلع ثيابها الملكية من بحيرة حياتك حيث أعطاك الراتب ديمومة التمني وملأتك شهقات واجهات المخازن، وعدلت استنكارا عن لبس ربطة العنق لأنها تجعلك تدفع ضريبة التباهي وتتحمل شراب أصدقائك في الحانة.‏

لقد دخل الملك في غيبوبة حزن أبدية. ألف امرأة لن تداوي جرح ملك منكسر لقد أطفأت عنه الآلهة شموع ليله وغاب في صمت وحدته. وحدهم كتاب القصر يدونون تلك الارتباكات المدهشة لمليكهم الرقيق.‏

-لوح سومري-‏

"وجوه الملوك مرايا الشعب. عاطفة الملك أقل مساحة من حديقة القصر، غضبه صحراء بلا أسود لا تنطفئ قناديل غرفة الملك إلا عندما يحزن الكهنة. الكتاب الذي يقرأه الملك مؤلف من قبل الآلهة. ملك من دون قمح. طائر دون أجنحة. دموع الملوك ذخيرة القادة وابتسامة ذخيرة الجنود. كل سومري ملك ولكنه يحتاج إلى ملك ليقوده".‏

قالت: أما كفاك؟‏

قلت: إنه يبكي اليوم .‏

-إلى اليوم نادراً ما يشاهد ملك يبكي .‏

-ولكنه يفقد مدينته.‏

-أور..؟‏

-نعم.‏

كانت الخيول الغريبة تضرب على الأرض اليباب بطبول مشتعلة. لم تكن متراصة بصفوف منضبطة، فيما كان القائد العام للجيش المعادي يراقب بمنظار ليزري ما يحدث من معركة غير متكافئة، كانت صور أور في الجفن الأيسر لكل سومري فيما رسمت حبة قمح في الجفن الأيمن ثلاثة ليال وانتهى كل شيء وخاتمة المشهد كانت مائدة للآلهة تشرب النبيذ وهي تنتحب، فيما شد الحزن عيون آنو المنتحب، وهو جالس فوق شجرة الحكمة في علياء العالم ووسط ضجيج المكان المقدس أطلقت مذياعات ضخمة الماراشات العسكرية وبثت المحطات الفضائية رسائل مستعجلة من أور التي لا زالت تدافع عن نفسها وخاتمة المشهد أن اكتملت ثمالة الآلهة وغفا آنو على شجرة مبللة بدموع ألم مقدس. وما أن أنهى المراسلون تقاريرهم حتى اعتلى مائدة الآلهة الغافية ملك بلباس سومري ليقف شامخاً مثل زقورة، وغرز الخنجر في صدره منتحرا.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244