حدائق الغرام السومرية- مجموعة قصصية - نعيم عبد مهلهل - من منشورات اتحاد الكتّاب العرب دمشق - 2001

Updated: Sunday, September 21, 2003 01:55 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

المكتبة السومرية

يقولون: الكتب لسان حال الروح المتألمة والذي يدون ما يراه يذكر متعة الماضي، وغيره سيغرق في قدح النسيان. وقديماً كان اللوح لسان حال البدائية التي ربطت مصيرها بمصير آلهة اخترعتها المخيلة. ذلك قبل أن يشوى الطين وتمشي الأقدام المدببة وترى الحروف النوم، ويبدو أن من اخترع الحرف قد شده صوت طبيعي، ولكي لا ينساه رمز إليه بإشارة معلومة لديه، وأعتقد أن تغريد الطيور كان هاجس التدوين الأول، ولكن الست فاطمة أمينة مكتبة المتحف تعتقد أن الرعد وصوت المطر والاستغاثة التي أطلقها هابيل من وجع الحجر الذي رماه به قابيل، دفع الإنسان لأن يترك همس شفتيه ويمارس حركة الأصابع، ومنذ ذلك الوقت ولدت الكتب. يرسم اللوح صورة اليوم البدائي مبتدئاً بالحدث الذي يرج في الذاكرة البشرية الأحاسيس فيرتعش الجسد ويتفوق على خوفه فتسقط خطوط الضوء على الطين وتظهر مبتكراتنا، ويبدو أن المرأة بعريها وأنوثتها الطاغية شغلت الصفحة في أول لوح مدون، فكان عليه أن يسجد خشوعاً لتلك الهالة المضيئة من الكبرياء والدلال والعاطفة، وعندما أراد أن يرسم قربها فراشاً لتستريح رفضت وظلت واقفة بصمت أشعل فيه رغبة أن تكون ممددة لكن عنادها دفعه لأن يجعلها آلهة. كانت رفوف الألواح منضودة بعناية وتناسق، تحوي عالماً في غاية الأهمية بالنسبة لعصور ما قبل الميلاد حيث ابتدأ التدوين، وأعتقد وبعد مداخلة فاض فيها رذاذ عطر الشانيل من عنق الست فاطمة وكان الحوار يجري في غرفتها المبردة في يوم تموزي قائظ. إن الفضل في معرفتنا حياة أجدادنا يعود إلى طريقة اكتشافهم الواح الطين وأنهم حسناً فعلوا لعدم استعمالهم ورق البردي ليدونوا عليه رؤاهم ومفاصل حياتهم الاجتماعية والأدبية لكانت هذه الكتب عرضة للحرق والتدمير في كل حرب وما أكثر حروب السلالات.‏

قالت الست فاطمة: لأن الطين غرس الأرض فقد حافظت عليه حتى عندما اندثرت مدن سومر، وكانت الألواح تظهر لعمال التنقيب كما لو أنها فخرت قبل لحظات فكانت توحي بجلال عمل قدير لأقلام مجهولة، أقلام لا ندري كيف فكرت وأشعلت في رؤوسها رغبة هائلة للاكتشاف متجاوزة ببساطة الحياة الإنسانية لتشغل أفكاره بما يجري حولها، المطر، تفتح الزهرة، الرعد، حركة الموج، جفاء المرأة، السيطرة على جموح الجواد، عناد السنبلة في وجه العاصفة، الرغبة في إصدار أصوات عذبة لجلب انتباه أنثى ما. ظواهر عدة كونت في صورتها رؤى لخليقة جديدة أرغمت آدم لأن يرتدي ثوباً من القطن وكذلك فعلت حواء، وبعدئذ ابتدأت عندهم لغة الفراش فانتشر البشر على البرية مثل جراد في موسم قحط.‏

ترسم الألواح في انتظامها الأفقي هيبة مجد قديم ومع عطر الشانيل يظهر تأثير هذا المجد على الزائرين حيث المدى الرحب للمفردة التي تضيء بزرقة حجر مفقود من مقتنيات واحدة من أميرات سومر، وكان اللوح قد تحدث عن حجر مضيء كعشب ندي في واحد من صباحات أور.‏

قالت فاطمة: في هذا الجناح تجد الجنوب ونفسك، ويبدو أن الكاتب السومري تعمد أن يبدأ أشياءه بعبارة حمد للإله حتى يستطيع أن يصل إلى ما يريد، ولو قرأت بعناية لاكتشفت أنه يريد أن يبكي.‏

قلت وقد شدني العطر من خاصرتي: ولماذا البكاء؟‏

قالت: كان يعتقد أن تدوين الحزن يجلب الدموع، والدموع تجلب الطوفان، والطوفان يعني المتغيرات، وأعتقد أن الرتابة هاجس أزلي ولد مع انتظام الأشياء أمام مرأى البشر، ولأن السفر لم يكن في ذلك الوقت مصدر اكتشاف، فإن عليه أن يحزن ليكتشف. لقد استمعت مرة إلى فرضية عالم آثار حول صوت المفردة السومرية. كان صوت المراة المؤدية يشبه النواح تماماً، ويبدو أن كل ما حول الإنسان مخيف ولكي يتغلب على هذا الخوف نصب عليه سلطاناً غير سلطان الطبيعة. إنسان مثله سمي فيما بعد الملك ليقلل من تأثير الأفعال الكونية وليلتجيء إليه لحظة شعوره بالضعف، وكان ذلك خطأ فاحشاً إذ حدث العكس.‏

قلت: يبدو لي أن أول نداء "آه لا يرجع إلى تلك الآهة التي أطلقها آدم لحظة تناوله التفاحة حيث ذكرت الكتب أنه القنوط البشري الأول لأن ذلك يعود إلى معتقد وموروث مقدس. أنا أفتش عن آه أطلقها إنسان عادي لأنها ستكون شبيهة بالآه التي أطلقتها عندما سألت عنك وقلت وقد ملأت الحسرة قلبي: أي سعد يمتلك الرجل الذي يملك امرأة جميلة مثل فاطمة، وعندما جاء الرد بأنه لم يأت بعد. أطلقت آه موجعة ترى كيف لا يلتفت الرجال إلى جمالك السومري؟‏

فاض نهر أحمر على ضفاف خديها. امتلأت عيناها ببريق تأريخ متوهج، صهلت خيول، انحنى أمراء بلاطات مثيرة. ثمل شق ثيابه على أريكة في حانة أكدية. ملك قرر أن لا يغزو بعد الآن. كاهن ترك الخدمة في المعبد. والتجأ إليها يطلب اللجوء العاطفي. آخرون أوقفوا سعيهم لرفع الشكاوى ضد عربدة عشتار، مدن التحقت بالراية المجيدة لسلالة أور الثالثة طمعاً في كسب ودها، ألواح كشفت عن جداول رغبات ملوك ما قبل الطوفان. نبي ساعده قومه بتجاوز محنة الوصول إلى الله من أجل ابتسامة واحدة. آخر كان يشبه يوسف قرر أن يفتح أمامها الزر السفلي من قميصه الأبيض فنحره سكين عاشق غيور. أمناء مكاتب بابل وآشور وروما وفارس. مدن لم تسمع هي بأسمائها قالوا نمنح الدر والكتب عندما تقول نعم، لكنها لم تنطق لقد فاضت ألواح عينيها بحكاية عن رجل ما وعرفت أن الذي كانت تزرع في صدره أزهارها اخترقت خاصرته ذات مساء شظية على ضفاف بحيرة الأسماك. وقتها عرفت لماذا أبدى الإنسان رغبته بالبكاء أولاً، لقد أراد أن يشتري بالدموع سلامة روحه وجسده ولكنه لم يحصل على مبتغاه وكما يقولون: من السهل أن ترسم على وجه شخص ما ابتسامة لكن من الصعب جداً أن تأخذ من عينيه دمعة. كتب الطين تحدثت عن كل شيء، وكان الموت يرتدي ثوبه الرمادي ويتحول قافزاً بين الرفوف المتماسكة باتقان وكلما داعبته أصابع أمينة المكتبة انحنى لها وابتسم وأشار إلى كتاب ضخم هو ما كتبه ليناردو وولي من ملاحظات حول مقبرة أور السومرية. لقد وجد أشياء متقنة ولكن لم يجد الكتب التي هي أثمن بكثير من خواتم الأميرة شبعاد لأنها حملت إلى جهات أخرى غير أرض سومر فلقد كانت بالنسبة لملوك الأمم المجاورة أثمن بكثير من كنوز الذهب وهذا يبان في الرسالة التي أرسلها الملك آشور بانيبال إلى أحد حكام الولايات والمحفوظة في لوح طيني وتقول: "عندما تستلم رسالتي خذ معك هؤلاء الرجال والمثقفين وفتش عن الألواح الثمينة. وعندما ترى أي لوح أو أي طقس على لوح لم أكتب لك عنه ولكن تعتقد أنه مفيد ليكون في قصري. ابحث عنه، التقطه، وابعثه ليّ" وفي المقابل الهمت الكنوز النفسية السير وولي ليضيف إلى مكتبة سومر ألواحاً كتبت بحداثة وانبهار عن أشياء لها علاقة وثيقة بالبكاء ذلك عندما يرغم سبعون رجلاً وامرأة من حاشية الملك على أن يدفنوا أحياء معه عندما يموت. كانت دلمون تمثل طقساً كتابياً رائعاً وكان السومري فيها يريد أن يرى حياة غير تلك التي يعيشها. اليوم يفكر إنسان العصر بسيارة يابانية ومكيف هواء جنرال وامرأة تراقصه على أنغام موسيقى الجاز، وإذا كان ريفيا فليس هناك مجال للرقص ويعوض بدلاً عنه صك من السايلو الذي سوق حبوبه إليه بنسبة كبيرة من الشوائب، ولكنه عندما يفكر بآخرته يتذكر هذه الأشياء ويتمناها ولكي يحصل عليها هناك يفعل أي شيء ليصبح مليونيرا ويبني جامعاً ويذهب إلى العمرة أربع مرات، ويملأ رصيف الشارع قدوراً كبيرة في ذكرى مقتل الإمام العباس(ع).‏

ترى في سومر عندما بنيت المعابد هل كان مثل هذا الهاجس في الرأس السومرية ربما فبعض الذين وجدهم وولي من رجال حاشية الملك كانوا لا يزالون يمسكون أقداح الخمر لتقدم إلى الملك النائم. لقد تحدثوا عن كل شيء وما كان في المقبرةجزء من هاجس كبير، القيثارة، صندوق الموسيقى، الخوذة الذهبية للملك كلام- دك. أشياء جميلة أخرى ولكن ليس معها مدونات كافية. لقد حملت الألواح بعيداً وكان تأثير سومر باقياً إلى يومنا هذا وإن لم نجده في واقعنا فهو موجود في معتقداتنا وأساطيرنا. وليت وولي وجد امرأة تشبهك يا فاطمة لخرّ صريعاً من الهوى. ابتسمت انثى المكتبة وأرملتها الجميلة. ترقرقت في عينيها دموع ذكريات الأمس وتذكرت أحلامها الصغيرة وكيف عهد إليها أول مرة أن تعتني بالمدونات الهائلة لإرث أجدادها وعندما سألها مدير المتحف من أي مدينة أنت؟ ردت بحماس: من الناصرية.‏

-حسن: اعتني جيداً بتراث أجدادك.‏

لقد أتوا بي إلى هذه المكتبة، ويبدو أنهم فعلوا حسناً فشروحات السير وولي عن أور الكلدانيين كشفت لي أمراً عجيباً فثمة كاتب سومري هواجسه تشبه هواجس أبي من حيث القلق اليومي والرؤية الفنتازية للأشياء وأنا مثل أبي، ويبدو أن هذا الكاتب أحد أجدادي فعملت مخلصة كي أرتب هذا المجد المنضود وأستفيد من كل ما دون على الطين حتى أنه منحني القدرة على رسم الأشكال الحقيقية للآلهة. أنظر هذه أنانا لقد رسمتها من وحي الرؤى المدونة على الطين. هل شاهدت امرأة في جمالها.‏

حقاً لم أشاهد. ولكنه شكل لحلم طالما طاف في ذاكرة المنام لكني لم أميزه جيداً. إن هذا الوجه قد أعرفه. آه نسيت أنه وجهك!‏

مرة أخرى طفح الموج الأخضر في نهر خديها وقد شعرت بضرورة أن تكون المرأة أمام رجل تريد أن تقول أنني عشتار.‏

-وإن كانت عشتار في هذا الحسن فهي أنت حتماً‏

-ولكنها لن تفقد إنساناً كانت ترى فيه جموحها نحو عاطفة امرأة علمتها الألواح كيف تدون وكيف تريح رأسها على صدر رجل.‏

-عشتار كانت تحب أيضاً ولكنها لم تقتنع برجل واحد لهذا لا أريد أن تكوني أنت هى.‏

بعد أن غادر العالم بعربة الفردوس طفت في المفردات المحفورة بنار الحلم فوجدت ألف رجل.أمراء، محاربين، كهنة، شعراء، مرات أتأخر إلى ساعات متأخرة من الليل فتهتز في رغبة الأنثى إلى الحنان.‏

أفكر في أحدهم ولكنهم لم يكونوا بوعي متحضر. إن أشواقهم مرهونة بالسيف ونساء يجلسن وراء أسوار البيت وبعضهم ينسى أن في العالم امرأة من كثرة شغفه بتقديم النذور إلى الآلهة. تصور أن أميراً جميلاً مثل أورنمو في عينيه تشع ذكورة لذيذة وأطياف ملكية ساحرة كان يترك الملكة تنام من دونه لمدة عام. نصفه في المعبد ينتظر إرشادات كاهن الزقورة والنصف الآخر في الحروب. وهكذا كانوا أما الذي كان لي، كان أميراً حقيقياً. عطري هذا الذي يسحر فيك الرغبة وينسيك التجوال في أروقة المكتبة كان يدفعه إلى إمسكاك النجوم ليصنع منها عقداً لي. قلت: امرأة ساحرة مثلك تمنحنا القدرة على إمساك النجوم وما يفعله لأجلك لن يكون عملاً خارقاً فأنت عشتار ومن تريدينه ستهبينه قدراتك، وحدها المعجزات تنتهي أمام جمال النساء وأنت جميلة يا فاطمة.‏

لا أدري ما الذي دفعني إلى تلك المكاشفة ويبدو أن الألواح وصلت بيننا لا حبالاً من المودة والصحبة، فالكتب تمنحنا القدرة على أن نخطو فمنها تعرف الذي سيحل بأيامك القادمة. أهل سومر كانوا يعرفون، لأجل هذا تعددت عندهم الآلهة لأنهم يعتقدون أن أية ظاهرة كونية منفردة يمكنها أن تقضي على حياتهم فكان لكل مدينة إله وأجمل ما عبدت سومر كان إله مدينة أور "ننار" إله القمر ليكون الدرع الواقي لأحلامها وهي تهز عذوق النخل وأكتاف العذارى وأوتار القيثارات التي تحرك شهوة الأقلام لتدون بمسمارية بريئة مشاريع وهم زرقاء عن آلهة ستسلك طريقاً منزوية لتكرع الخمرة مع عامة البشر ولتتعلم من بساطتهم أسرار من يعيشون تحت فالعلياء كما تقول الألواح تمنح الغطرسة والخلود، ولكن خلودا وعمرا بدون مآثره لن يساوي بطولة يوم واحد في حياة الإنسان.‏

-وحبيبي كما تقول فاطمة. كان يومه بطولياً لأجل هذا رأيت الألواح تبكي عندما تسرب همس شهادته بين أروقة المتحف وكنت لم أعلم بعد، وعندما رأيت الدموع تجري منتظمة بين الرفوف الصلدة تملكني فزع فربما هناك ثقب في سطح البناية يتسرب منه الماء وستتلف الأحلام المدونة بعناية لكنني عندما عرفت أغمي علي، ومتى أقف كانت أنهار الدموع قد انقطعت. قلت لواحدة من الزميلات: أخبري المدير أن خزانات البناية تنضح ماء.‏

-قالت: ليست الخزانات. إنها الألواح تبكي من أجل حبيبك. منذ ذلك اليوم تعلقت حبا بالألواح وعرفت أن الأحجار في بعض الحالات يمكنها أن تتضامن مع البشر وأن ثمة من يعيش بروح بينها لهذا أردت في أحيان كثيرة أن أقضي الليل بينها ولكن الحراس أرعبوني لأن ثمة أرواحاً تتجول في الأروقة ليلاً وتتزاور فيما بينها: أرواح مسالمة ولكن أشكالها تفزع النساء ونحن لا نتحمل المسؤولية أن تبقى معنا، فأنت امرأة لهذا كانت خلوتي معها أثناء الدوام وشعرت أن هذا العالم يحبني قبل أن أحبه وحتى في أيام العطل الرسمية كنت أرى الوجوم على وجه الطين عندما أعلن لـه أن غداً أول أيام عيد الفطر. هذا الاشتياق احتفل بالأشياء الجميلة فعندما تتصل بكتاب فلا بد أن يكون الأصل امرأة، واللوح كتاب من الطين استطاع كاتبه أن يوجد معنى بدائياً للحياة، تلك البدائية التي صار من الصعب استحضارها في عصر معقد مثل عصرنا فالكتب هي نوافذ حلم مفتوحة الصدر لاستقبال كل قرار مجنون والجنون البدائي كان يبدأ بالتوسل إلى الآلهة وينتهي بإعلان الحرب، وعندما أعلنت حربي على السعادة لأنه غادر بصمت كان على هذه الكتب أن تملأ الفراغ الذي عشته ومرات رأيتها تسقط مزناً مضيئة على أجفاني عندما أعلن في أوروك أن جلجامش وجد خله وأنه لن يتعرض إلى أي عذراء على أرصفة المدينة ليغازلها أو يجبرها على فتح حقيبتها المدرسية. تلك هي الكتب ترتب أفعالها برغبة التكوين وترقد في قلب المرأة لتشكل عاطفة حميمة وعند الرجل تتحول إلى فعل عصبي تتوارث منه الشعر والقرارات الصعبة ومنها الانتحار فالذين يموتون لأجل النساء أكثر من اللائي يمتن من أجل رجل.‏

قلت: هذا اعتراف بأحقية الرجل ليقول كلمته أولاً.‏

قالت: الألواح فعلت هذا. قديماً كان الرجل هو الذي يتلو كل شيء ولم نعرف من أنوثتنا سوى بعض مغنيات المعبد وما تركته بو- آبي من حلي وصناديق موسيقى رغم أن المرأة تشعر بالرجل بأشواقه أكثر مما تشعره بها نفسه ولهذا دقق موجوداته من خلال أنثى تخيلها، وكل ختم على شكل وزة كنت أرى فيه أنثى ممتلئة، حتى الأدعية كانت ترمز لأنثى من الآلهة لكي تجلب برقتها الرحمة من قلب آنو القاسي. هم لم يذكروا خروفاً من أدبياتهم بالقدر الذي ذكروا فيه شاة أو معزة، وأول نص أدبي كان عن هبوط الآلهة عشتار إلى العالم السفلي. إن سومر مكتبة لروح المرأة. عندما تريد أن تتجول بها اعترف بذلك.‏

مرة أخرى يسافر في ذاكرتي ذلك التيه الأزرق. لقد ركب زورق الحلم وأراد أن يفضي بحسرات الكتابة والرغبة في إيجاد ما يجعلنا أكثر سعادة. كانت سومر واحة من الصفاء لذهن البشر. زقورة عالية، وآلهة لا تمانع أن تغرق وحبيبتك في وعاء كبير من الخمر. حروباً لا تطلق فيها الصواريخ، بل نبال صغيرة تجرح عاطفة المحارب وتعيده إلى بلده سعيداً، أسواقاً ممتلئة برائحة العشب والأسطورة في سطور فسيفسائية تجد عندها قلباً متيماً وذاكرة سعيدة. ذاكرة لا تتحسر إلى مقعد طائرة ذاهبة إلى مدريد ولا رغبة بمصافحة رونالدو لاعب البرازيل الأول ولا حتى أمنية بوجبة طعام فاخرة في مطعم البحر الأبيض. كل ما تريده هنا تطوف في مدن الألواح وقد غيرت أمينة المكتبة عطرها اليوم إلى نفحة من ماركة لا أظن أن أي بلد محاصر يستوردها "كوليردج" ذات العطر الذي استخدمته الليدي ديانا في آخر أعياد ميلادها. أيتها الأميرة السومرية صديقة الكتاب وربيبة الحرف المسماري إن ساعة معك تغني هذا المسكين الذي رمته أقدار الوظيفة إلى التاريخ ليهرب من خلاله من لهيب الأسعار واقتراب العام الدراسي ومطالب نور أبنته.. أبي أريد صدرية وحذاء وقميص شيشان. أحسب السعر لأجده يفوق عشرات المرات لما أنفقه سرجون في حفل تنصيبه ملكاً للجهات الأربع. وفي لوح عرفت أن ما تطلبه ابنتي يستطيع به آبي- سين أن يشتري ثلاث بواخر حنطة استرالية وينقذ سلالة أور الثالثة من الانهيار وبين الخيارين فضلت أن ألبي طلبات نور.‏

كان العطر الذي ينفثه صدرها كالنسيم الذي كنا نشمه في وديان بنجوين، يوم أرغمتنا الحرب أن نؤدي التحية حتى لعرفاء الفصائل.‏

قلت: في الحرب: الكتاب هو المرأة الحقيقة. أجدادنا عندما يعودون من العراك مع مدينة مجاورة بسبب مجرى ماء صغير ينحتون مسلة نصر يدونون عليها الشعر والتعاويذ وأسعار قبلات نساء الحانات ومهور العذارى وآخرون يضعون تواقيعهم إلى جانب توقيع الملك نارام- سين. نحن عندما نعود إلى المدينة بعد شهر من العراك في ربايا الثلج. لا نكتب، لا نقرأ. نملأ جيوبنا برسائل كتبت في لحظة جنون ونوزعها إلى كل من تضرب على رصيف الشارع بإيقاعات أنثوية تقول: إنها تنتظر من يطرق باب القلب ويعطي رقم هاتفه.أنا لم يكن لدي هاتف فكنت أعطي مواقيت مناسبة لكن أي واحدة لم تأت فأعود إلى وسادتي لأختار وجهاً آخر لصباح قادم عندما يبكرن بنات المحلة بالذهاب إلى دوائرهن أو إلى المدرسة الاعدادية المجاورة. هذه الطقوس دونتها على ألواح الصبر قصصاً وهمية وخواطر مستعجلة، وعندما اكتمل اليأس في رأسي وأطرافي السفلى هززت السرير وكتبت، ذلك أنساني خيبتي مع النساء لبعض الوقت والآن تنفحك العطور رغبة الامتلاك وتسجد الكتب في أيوان أحلامك. تأخذك المدارك بعيداً وتستقر في عينيها معادلات الجبر والتراتيل المقدسة ونداءات استغاثة أطلقتها المراثي يوم جاء غرباء إلى هنا ليكسروا اللوح وليصبوا ماء النار على ما تحدثت به قلوب العذارى والآلهة. أقول لك سيدتي. إن الذي يموت في الحرب ويخلف امرأة وكتاباً لا يسمى موته رحيلاً أبداً. إن الآلهة والعامة من الناس سيرغمون آنو على عودته إليك فالكتب مانحة القدرة وبوابة السحر واحة لقدسية لا تصل إليها أي ذاكرة. وذاكرته ربما مثلي كانت تصنع من أزيز الشظايا مفردة حب وتطلقها مع الطائرات الورقية التي يطلقها الصغار بعد انتهاء كل غارة وابتعاد الطائرات المغيرة.‏

يا فاطمة مرة حسبت التي رسمتها دوائر في النهر من حجر رميته فكانت عشرات الحسرات المطوقة برغبة للبكاء. وكانت الحرب تضغط على جسدي مثلما يضغط الشاعر على ورقة أحلامه ليدون عليها قصيدته، في كل مرة أقول سأموت غداً، ويأتي الغد لأجد وجهي أمام كتاب ما في مرصد متقدم. ربما كان لحبيبك رفقة معي، فلقد عرفت الكثيرون من أبناء سومر من لهم ولع بقراءة العيون والألواح، كانوا عشاقاً ومحاربين والذي يرحل منهم بعربة قش جميلة كان يترك لي إهداء صغيراً وختماً حجرياً طرز عليه اسم حبيبته وعنوان بيته وفصيلة الدم، وعندما يرتدي العلم ثوباً لرحلته الأخيرة أضع قرب رأسه كتاباً ما. واحد رغب قبل رحيله قصائد لكفافي. قلت لـه لماذا؟ والجميع كانوا يرغبون بحكاية لواحدة من ألاعيب عشتار؟ قال: إن اكتشاف مدينة الحلم مثل أيثاكا يعني رغبة بالوصول إلى حس أجمل. ربطت فعلاً قصائد كفافي مع ألواحي فوجدت أن حبلاً غليظاً يربط بينهما وبما أن الألواح كتبت قبل الزمن الذي تحدث عنه العجوز اليوناني لهذا ما كتبته كان يمتلك الجذور السومرية. حقاً إن إيثاكا ربما هي مدينة أور أو أريدو أو غيرها من مدن سومر.‏

فاطمة. أنا لا أعي قدرة التوجه إلى الكلمة بفعل عقلي ورغبة في الظهور على الشاشة وليس للكتب أن تكون مصدر وعي لهذا الانفلات الصعب في عالم لا ندركه إلا في السباحة إلى العمق. كان الجنوب هو الكتاب الذي علمنا أن الخطوة نحو المرأة أو القصيدة تبدأ بجرح في الخاصرة. أهلنا وبيئتنا والمضايف وحقول الرز وأشواك الطرق النيسمية هي الكتب الأولى والذي تمنى إيثاكا كان يتمنى قرية في ناحية الطار أو العكيكة أو لارسا التي هي اليوم تسمى البطحاء. المدينة صديقة الكتب. والحرب أيضاً والذي يموت في حرب هو صديق المدينة والكتاب معاً. إني أمجد فيه روح المفردة، وأحاول أن أزرع في عينيك رغبة لوح كي يكون بديلاً عنه لأن القدر شاء أن يأخذه منك وأنا لا أريد لزهرتك أن تذبل من الذكرى.. حسبتها تبكي، لكن عينيها ظلتا تتطلعان في وجهي بشرود غريب. كانت قبل لحظات تمثل دور امرأة تمنح الرؤيا وتضيء الشموع في عتمتي. لكني أفلت الخيوط من فراشات ذكرى ومنحت المكان فضاء من التحليق إلى عالم كنا نحبه معاً قالت: لو لم تكن لك زوجة لأيقظت فيك الحنين إلى ما سيكون. أعترف الذي كان مضى ولن يأتي. ولكن يا سيدي الحب عندما تجرح فيه العاطفة، لا يرتقي إلى مستوى الخلود. وأنا هنا وسط الطين الخالد، كل رقيم يلهبني الحماس لكني سرعان ما أجد نفسي وحدي جالسة في قعر الكأس أرقب فصول ثمالة الآخرين ولا أجلب انتباه أحد رغم جمالي. ومثلك التجأت إلى هذا العالم أقيم معه الصداقة البريئة وأشرب من عصير الآلهة لأنتشي برهة من الزمن ثم أنهض لأفهرس الألواح من جديد وفي كل مرة أكتشف أن الجنوب يختلف عن جهات الأرض الأخرى، فالمدن هنا أسستها الآلهة وغيرها أسسها بشر. ولذا الإنسان في الجنوب احتضنت فيه الآلهة صورة خلق جديد لحضارة عاقلة وغيره يتلقى ما يقوله الجنوبي ويطوره في بعض الأحيان، كان فعلته بابل وآشور وغيرها من الممالك القديمة.‏

كان الحب ولا يزال يبدأ بمفردة مرتعشة، كذلك الموت ينتهي بذات المفردة والذي ودعني دون أن يمد يد المصافحة. كان خليقاً به أن يكون بطلاً أسطورياً لواحد من نهاراتي الجميلة بين كائنات الحجر الحي. كان جميلاً وذا قوام رشيق مثل نخلة، وكان يدفع إلى صدري قراءات رائعة بشتى المذاهب، وكانت قبلاته زهوراً ترمى علي من الجنة، وعندما عرف أنني أصبحت أمينة لمكتبة سومر قال الآن أستطيع أن أطور فيك الأنوثة وأقربك من مصاف الكاهنات وفعلاً بعد مرور عام، كنت الكاهنة الكبيرة في معبد صدره أشعل لـه لهفة اشتياق بعد فصل شرس من الرمي المتبادل بين سريته والعدو. كانت الحرب أسطورته الجميلة وكنت أنا مكملة لخاتمة هذا السفر الذي أراد به أن يتجاوز ذاته. قرأ الكتب، لبس القلادة السريالية، صار اشتراكياً، وفوضوياً، قاد خيوله إلى رومانسية جامحة وفي الآخر اقتنع بقلادتي لتتدلى فوق صدره العاري، وضع الكتاب جانباً وخيم على الغرفة صمت وانبعثت من تحت الوسادة موسيقى هادئة وملأ الفضاء عطور بخور هندي، قال وقد هامت به الأشواق: لتكن هذه واحدة من غرف المعبد السرية يا كاهنتي، قلت: وهل تجلس الكاهنة لتتأمل عري صدر كاهنها؟ قال: كلا. بل تتقدم صوبي وتنثر فوق هذا الصدر قمحها.. كل عام يأتي موسم الحصاد. قصص رائعة وقصائد لا تنسى. وفي العام الأخير من الحرب. كنت قد أيقنت بأن أبديتي هو هذا الحبيب السومري. لكن الألواح تقول ليس كل يقين يتحقق.. ويوم انتبهت إلى نفسي ورأيت دموع الألواح عرفت أن الكتب قد لا تصلح بديلاً عن الرجل ولكنها أفضل البدائل عندما يفرض عليك واقع ما وتحس أن لا رجل غيره يصلح للتجوال في هذه الحديقة. أنا لا أريدك أن تكون أنت. لأنك لم تأت من الحرب بشيء، ولا حتى بجرح. والوظيفة وحدها من جاءت بك إلى ألواحي الجميلة ولكنك تعلمت من الحرب أن تفكر بجرأة الكتب، ولأنك سومري تستطيع أن تستدل على بيت الحلم دون بوصلة وعندما تصل فستجد أم أولادك تنتظرك. خيبة بالنسبة لك وبالنسبة لي أيضاً. كثيرون اقتربوا مني فلم أجد فيهم العطر الذي يجعلني أقفز من السعادة. كان لمطره الممتزج بالتراب يد توقظ حتى تماثيل الآلهة المنسية تلك التي لم تذكر المدونات اسمها وكنا نجلس معاً نرتب لها تاريخاً جديداً. هذه الآلهة للفراشات فقط. وتلك آلهة للشعر، وهذا التمثال الصغير إله الحلم.. وذلك الإله للدموع. والضخم هنا إله الصخر.. كنا نصنع تاريخاً جديداً لعالم يمنحنا الثبات والنشوء.. عالم أدركنا فيه السر وأصبحنا أكثر قدرة على مزاولة ألعابنا الصبيانية.. الاختباء خلف الآلهة المصطنعة في الطابق العلوي. الدوران حول تمثال كوديا، من يمسك منا الآخر. نعصب عيوننا ونتزاور سراً في الظلمة تحت أردية الكهنة ومغنيات القصر, أشواق لا حصر لها في لحظة حلم تضيع والسبب دائما هو الشظية. في سومر كانوا يصنعون من الشظايا أقلاماً ليكتبوا فيها رسائل الحب، والذي أدركناه من ذلك العهد القديم جعلنا ننحني إجلالاً لفعل القلم ليكون نافذة لرؤى الإنسان تجاه العالم فالكتب القديمة سماوية كانت أم بشرية تحتاج اليوم لتدون ما هو مقارب لفعلها الفكري والجمالي آلاف الجامعات والمعاجم. عهود دونت بغرائبية توقننا أن السماء والآلهة وراء من جعل الشظية قلما ويبدو أن الآلهة والسماء وراء من جعل الشظية موتا، وفي كل الحالتين هناك اختيار لقدرة البشر على أن يكونوا أرضيين ويحق لهم أن يسجدوا لمن أنزل آدم، وأعطى لإبراهيم بطاقة سفر مفتوحة، وهو ذاته الذي علم الإنسان ما لم يعلم وأعطى لنوح مطرقة ومسماراً. أن العلي الذي تحدثت عنه الألواح هو واحد رغم أشكاله المتعددة، وكان الإنسان في كل معنى من هذه المعاني يمثل الهاجس المشترك، والرجل الذي رحل ذات مساء على ضفاف بحيرة الأسماك كان الهاجس الأجمل في جسدي أنا المرأة التي أمامك فلا تدع رغباتك تنطلق صوبي.. الألواح لنا نحن الاثنين.. فيها ما نشتهيه معاً.. قد يكون الحب وقد يكون الحرب، ولكن سومر تعرف منذ البدء التآخي بين ضفتين. قد نلتقي ولكن دون أن نتلامس. زهرتك في كتاب عليه صورة ابنتك التي تركت قمح أور ورغبتها في إنهاء المجاعة واشتريت لها قميصاً وحذاء ودفاتر مدرسية.. أنا زهرتي في كتاب عليه طيف رجل سومري.. أراه الآن.. يمسك كتاباً وزهرة، في الكتاب صورتي.. وفي الزهرة هذا العطر الذي تشمه الآن.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244