حدائق الغرام السومرية- مجموعة قصصية - نعيم عبد مهلهل - من منشورات اتحاد الكتّاب العرب دمشق - 2001

Updated: Sunday, September 21, 2003 01:55 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

نوح الذي رفض البوح

السومري، رجل ختم أحلامه على آجرة الزمن وتوحش في ذاكرة عيلام وعشق صافرة القطار ونساء المنقبين وأشياء يخشى ذكرها الآن، لأن الكاهن مارام سين يتلصص مثل بوم نتفت ريشه العاصفة من خلال ثقوب نافذة المعبد. اليوم نودي في أور أن تايتانك ستبدأ رحلتها الأسطورية إلى أرمينيا، ركابها من طراز خاص، شرفاء السلالات وتجار السمن والطحين والنخبة من الشعراء وندماء الملك وراقصات العصر وساقي نباتات الظل في غرفة الأميرة الساحرة بو آبي مارا، والتحق في اللحظة الأخيرة حام وسام ولدا نوح لتسفيرهما لحظة الوصول عبر طريق بري إلى ألاسكا لنشر ذرية بشرية سيطلق عليها أبناء الكابتن كوك ذرية تحمي الفقمة والحوت والأوزون من التدمير.‏

كانت المدينة تتمايل على أضواء بنفسجية لليل شتائي، عندما قررت أن أغادر وأتخلص من الخدمة في حانة الجنود، وأتسلل إلى السفينة، رغبة مني في الهجرة إلى مدن الضوء والسلالات البعيدة. أعرف جيداً أن ثمن عدم النجاح في الوصول إلى السفينة هو رقبتي، ورغم هذا غامرت، ففي لوح أخضر دونت الآلهة في واجهة باب زقورة المعبد ما نصه (الإنسان محاولة، ولأجلها بعث إلى الأرض).‏

المعلم أراك -سادي- أوما، كان معجباً بهذه العبارة وقد دفع رقبته ثمناً لأجلها إذ حاول صفع الكاهن الأكبر لاختلافهما على معنى حرف مسماري يغير معنى عبارة يحيا الملك، بعد أن دونها بيديه، وعندما طلب الملك بعد زمن من معلمي قراءتها، والعبارة كتبت في لوح ذهبي في عيد تنصيب الملك السومري كلام- دك، صاحب الخوذة الشهيرة. قرأها الكاهن، تنحى الملك وكانت قراءة صحيحة ولأن الملك يجهل القراءة والكتابة فقد عرف المقربون قصد الكاهن. أنها إشارة لمؤامرة قادمة.. ولكي تقطع الخيوط الأولى دفع السم إلى المعلم بكأس نبيذ، وفضل الكاهن الكبير أن يكون أحد سكان الأسكا الجدد، ويسافر على ظهر الباخرة تايتانك، تلك قصة معلمي في المدرسة الابتدائية- أور- آثار.‏

والآن تندرس العصور مثل الأنهر المتفرعة، وتبقى وحدك في عنبر الشحن تنتظر الوصول إلى فردوسك المجهول وتحاول جاهداً أن توقظ ما بقي لك من ذكريات في المدينة القيرية.‏

كانت السلالات التي ولدت من زفير الآلهة تستعرض فتوتها على ظهر السفينة، وهناك تحت الشراع الهائل انزوى ابن آوى يرقب حركة سكان المعمورة، وعلى الشراع هناك حمامة، وعلى كرسي قديم جلس شيخ تجاوز بسنه الألفية، شيخ بكبرياء ملك، ولكنه شارد النظرات، مستغرقاً في سبات الماء وقرب قدميه كانت تنام فراشة وعجل. كنت أراقب ما يجري على سطح السفينة معتقداً أن هذا الشيخ الشارد بذهنه نحو الجنوب، ربما هو الكاهن الذي فضل النفي على أن يبقى في أور كقاتل لرجل تربوي.‏

في طفولتي الأورية ثمة صدى لحضارة الفقر وسعادات صغيرة كنت أجمعها في صناديق من الطحين، أعرضها للبنات الناهدات، طوابع من مدن أبعد من لارسا، قناني شراب فارغة، علب كبريت، ألواح عن حسابات دوائر ملكية، وكشوفات لرواتب الجنود الذين عادوا قبل سنين طويلة من حروب مع أوما وعيلام والقرى الآشورية، حاجات مفقودة، خواتم وبطاقات شخصية، ودمى مكسرة رمتها من واء الأسوار خادمات قصور تجار البيض والسمنة والفواكه والحليب المجفف وصناع قطع غيار السيارات، وبها أصنع عالماً من الخبايا والتمني، لكن الطفولة لا تدوم مثل سديم مضيء في سماء عالية. إنها محطة تنتهي بك إلى متاهات كبيرة واحدة منها هذا السفر الغريب. وقد جاورك لقلق منارة الجامع وسألك من ثقب صغير سأجيء إليك بكسرة خبز ولأنثاك سآتي إليها بنبيذ.‏

قلت: أيها اللقلق أنا مسافر وحدي.‏

قال: وكيف سمح لك نوح. المسافرون من كل زوج اثنين.‏

لا أعرف طبيعة الرحلة، ولكنني قفزت إلى السفينة رغبة في مجهول جميل قالت عنه ألواح معلمي الذي مات بكأس من شراب العسل، المجهول عند السومري جنة مفترضة، قصورها الأحلام وغاباتها الشهوات. الذهاب إليها مغامرة، والوصول إليها حياة تدفع إلى اكتشاف ضوء القلب، وضوء القلب أكثر لذة من ضوء القمر.‏

أيها اللقلق أنا أبحث عن ضوء القلب ويبدو أن قدر نوح هو قدر هذا المجهول. سيرضى بي عاجلاً أم آجلاً، لأن السفينة تحركت، وسأكون مفرداً بين زوجين، ولربما سأكون اغتراباً في عين النبي الشاردة. إني أراه حزيناً، وأمس مسح عن خديه دموعاً كاللؤلؤ، ترى لماذا‏

يحزن سيد الرحلة؟‏

قال اللقلق: حزن الأنبياء يصنعه إنسان معاند، لا يعرف طريقاً للسماء. إنسان غرق الآن لأنه افترض لخلوده آلهة من طين وعجين وسكر، فيما يدعونا نوح إلى إله لا نراه ولكننا نحسه. إله يشتعل بذاكرة الطريق وفي جسد المؤمن يصير بساطاً وكسرة خبز.‏

حزن نوح لأنه يأتي بنبؤات قلب طيب فلا يصدق. حتى الطيور رفضت أن تصعد في رحلة العمر، لأن الأرصاد الملحدة قالت ستنكسر السفينة عند أرارات ولن تصل أرمينيا. نوح عندما أعلن عن رحلته الأبدية أعطى لكل مسافر عهداً بالوصول الآمن. وعندما أعلنت أور عن رغبة أبنائها بالسفر منع الملك ختم الجوازات ونشر الجنود على طول الساحل، ولا ندري كيف وصلت أنت. النخبة فقط من سمح لهم، وهذا هو سر حزن نوح. أن تايتانك سفينة مشبعة بصناديق النبيذ وخفايا علامات الأسر الأميرية، حتى حيواناتها من فصائل تربت في حدائق القصر، والهر الذي أتوا به مع أنثاه وجبته الصباحية فأر سمين وكأس كونياك..‏

تذكرت وجباتي التي يزهو التمر منها مثل شاعر على صدر الألواح ويتألق الخبز مثل عارضات أزياء المعبد، وكنت في طفولتي أنعم بخيالات جندي برع في وصف حرب أحشائه وكان أبي يضع خططاً لاجتذاب تموز إلى بيته كي يفجر في وجه عشتار صحوتها وتترك دعارة أسرة العشب وتنتبه إلى الفقراء من أمثالنا.‏

تسير السفينة بخيال رسام ماهر، ويتعالى موج رمادي على مساحات لا تنتهي بنظر. وكان ناظوري منقار اللقلق، فمن نوائب الدهر أن تترك صداقة الحمام وتلجأ إلى لقلق فضولي أسئلته بحجم قارة من الثلج ونظراته أكثر سعة من نظرات أهم عملاء سي آي أي، ولأنه لم يرغب بتساؤلاتي، طار بعيداً على دفة المركب وأشار إلى أحد الربابنة كي يخبره بمكاني، وما هي إلا لحظات حتى اقتادوني مذنباً أمام من كنت أقسم بطيبته كل طفولتي: نوح.. سليل آدم الذي قالت عنه الألواح أن كل إنسان في سومر يرجع من صلبه.‏

قدموني للنبي المشع بابتسامة الخفاء وبحزن أبدي قرأت فيه أسباب الرحلة، فعرفت أن نفي الأنبياء هو اليباب الذي تحدث عنه إليوت في قصيدته. كانوا يريدون منه حكماً دوّنه قبطان الرحلة. أن أرمى في الماء لتأكلني أسماك القرش ولأكون عبرة لكل من يتجاوز سور أحلامه ويفكر بسفر صوب مطلق تحدده إرادة المعبد لا إرادة محلات أور التي وصفها وولي بمتعرجات المستقيم الواضح حيث تظهر البيوت رغبات شرفات مطلية بنظرات عشق غريب للصحراء والآلهة التي طال انتظارها لتوقف طموح الأمير عند حده، وآخر تلك الطموحات تلك الرحلة التي كان فيها نوح واجهة فقط، أما الربان فهو في خدمته السابقة كان رئيساً لأركان جيش السلالات حيث ساهم وبسادية غريبة بقتل كل شجرة نبتت في عهد سرجون الأكدي، ويقال أنه أرغم الآلهة على أن تغير الاتجاهات الأربعة التي ملكها سرجون وجعلها اتجاهاً واحداً أمام جهة القصر أو مخلب النسر، ويقال أيضاً أن رئيس الأركان هذا تأثر كثيراً بمبتكرات جنرال موتورز ولوكهيد وأوصى لسفينة الرحلة الثنائية محركاً من مصانعها، ويقال أيضاً أن المدافع البعيدة المدى المنصوبة على ظهر السفينة قد استعارها برسالة ملكية من حاملة الطائرات ايزنهاور.‏

هذا تاريخ ربان السفينة. وقد كان مجهولاً لدي، لأنه كما قال منذ أيام طفولتي قد جيء به من سبي بأرض كنعان. أما تاريخ نوح فكل حجارة في بيت أوري تعرفه. هو لم يتجاوز مساحة الحلم إلى خارج حدود ذراعيه. كنا نرى سماء مبسوطة بين يديه لذلك بدا لي أن تاريخ الأنبياء أصفى مرايا الوجود، أما الربانية فتاريخهم مرتبط بخطوط كولومبس الذي ملأ صدور سكان أمريكا الأصليين بالرصاص.‏

قال النبي بنبرة إشفاق جنوبية: لماذا صعدت منفردا؟‏

قلت: لأن الله أنزلني من رحم أمي منفردا.‏

-وأنا أيضاً، لكن القادمات من العمر أتت بالثاني والذي يشاركني الرحلة الآن، عدا ولد عصاني. الثاني افتقدته بلحظة طيش حربية.‏

-كيف؟‏

-نبلة ما، لا أدري من أين جاءت واستقرت في صدرها، ويقول الذين شاهدوا موتها أن رخا محملا بالحديد كان يحوم على سماء أور ماذا يملك المعدم حين يموت الثاني فيه؟ السفر. لا شيء يوازي ضياع المرأة سوى السفر. أيها النبي لي معلم شرب كأس عسل خيارات وجوده، وأغمض أجفانه من أجلك. قال لي مرة: أيها الولد إن الولادة في سومر تعني فتحا في بشرية المطلق.‏

قلت له: معلمي المطلق للآلهة وحدها.‏

قال: والقديسين قبلهم.‏

قال نوح: القديسون أصحاب الأنبياء وشاربو نبيذ موائدهم. حكماء أور لا ينتهون ومعلمك واحد منهم.‏

قلت: في بعض مدارك الحلم توجهت إليه، لأن الوحدة تعوضها حكمة الأصدقاء ، وفي لوح مكتوب بمكتبة جدي ما نصه: "تدرك وجودك لصديق أوفى من الفراشة للزهرة، عندما تشعر بأن الوحدة آتية بقدر من آنو، وعندما تكون وحدتك من صنيعة الملك، فالصديق يصير قمرك وعندما لا تجده استعن بالسفر). وها أنا أمامك أدفع ثمن وحدتي لأن صديقي شرب كأس العسل مرغماً.‏

دمعت عينا النبي. دموع الأنبياء أمطار من اللبن. قفز ابن آوي ومن فرط سعادته غرق في الدموع، وعندما امتلأت بطنه وضع ساقاً على ساق ونام. اللقلق من فرط شغفه بطعم الدموع قبلني وقال: انظر هذا ثمن الوشاية. لبن بطعم الشهد. الحمامة نزلت مع أمطار اللبن دموعاً من سكر. الهدهد رمى كيس الرسائل وانحنى قريباً حزيناً مثل شجرة يابسة، أما الربان القاسي فقد أمر العسس أن يجففوا ما على سطح السفينة من لبن وأن يستعجلوا النبي لنطق الحكم المعد سلفاً.‏

قال نوح: الأنبياء لا يطلقون الأحكام. أترك حسم دنيويات البشر إلى المسلات. الله منحنا ما هو أهم، أن نرى ما خلف الجدار، وأن نعيد للبندول توازنه، وأن نوقف البحر على قدميه وأن نشعل للمدن قلوبنا وأن نري الأب شجون الابن وأن نتعلم رياضيات الحرب، وللنساء نعطي حكمة الموائد، ولربان المركب فضيلة الشراع، وأنت تمتلكها بعد الخلل في حسابات الرحلة. أو أنك قبل قيادة المركب كنت سائساً لخيول عزرائيل.‏

غضب الربان. ضرب بقدميه سطح المركب. اشتعلت في حدقتيه تنانير مخافر أور، وأراد أن يرفع إلى الفضاء عصا غليظة، لكن نوح رغم سكينته العجيبة أومأ إليه بأجفان راجفة، فتراجع مثل مصارع مهزوم وعاد إلى قمرته، داعياً حاجبه لجلب زجاجة الوايت هورس خلفه، وأن يعيدني إلى عنبر الشحن ولكن بحراسة مشددة.‏

قال النبي: لقد منعت عنك أيها الوحيد سمك القرش، ولكن الحكم عليك لا يزال مثل قدر ينتظر بدء الوليمة، أخاف عليك من شاهدة الصاري.‏

في أور كانوا يطلقون على عملية الصلب (شاهدة الصاري) معلمي أرادوا له موتاً كهذا، إلا أن صحافة أور المكتوبة على ألواح ملونة شمت رائحة الفضيحة فخاف القضاة ومنحوه موتاً رائعاً:‏

"كأس العسل المسموم".‏

الذي يموت بعد عصر من الحزن ينتظره الحساب، والذي يموت بعد عصر من الفضيلة تنتظره دلمون قال نوح هذا ثم أضاف:‏

"لو جئت بظلها لحسبناه ثانياً لك ولصحبناك في السفرة معنا".‏

أعادوني إلى عنبر الشحن. معي وضعوا اللقلق والثعلب لأنهما شربا دموع اللبن كلها، ولأنهما غير آمنين لذت إلى صمت المتأمل وأدخلت ذاكرتي في منطقة الحزن لأن الفضيلة لا تأتي بمجرد رغبة سفر. إنها تأتي كما يقول معلمي بعد هضم ألواح سومر كلها. وأنا لم أدخل في جوفي إلا حكمة ألف لوح لهذا انتظر مع اللقلق وابن آوي حساباً أمام الآلهة رغم أني أدرك أن في كل حياتي الذاهبة لم أصفع حتى خيال حمار، لذا سكنت إلى نفسي ارى أن الجسم الذي سيجرب شاهدة الصاري سيرفع بمحفة من ريش نعام وصلوات شعراء الحانات، سيرفع إلى دلمون مثل ارتفاع الشهيد القديس معلمي. أما هذان النذلان اللذان تفوح من إبطيهما رائحة اللبن الرائب فمصيرهما الذبح وأفران الآخرة المستعرة.‏

في حكمة سومر تجد المتعة والرؤى، ومن ثقب السجن ترى العالم من أوسع نافذة. تمتعت بمشاهدة الحياة على ظهر تايتانك. كانت هناك موسيقى لقيثارات إسبانية، وبعضهم فضل أن يطلق ناي الراعي العاشق. وأمير ثمل تفنن في العزف على الكمان. إنهم ينشدون إلى رحلة جديدة، فلقد ودعوا بفضل المكننة القادة من بلاد الغال مراكب الخشب، ليجلبوا مراكب من حديد، نصبت في مؤخرتها راجمات الصواريخ، وبدا واضحاً أن المركب ذاهب إلى حرب وليس لأجل التخلص من طوفان الرغبة الذي عصف بأور لتستنجد بنوح ويعيد خيارات النجاة الأخرى في رحلة السفينة.‏

كانت الموسيقى ترسل في ليل التمني نسائم من فضة، فيما كان غناء رجل أوري من ذهب. أمتعني صفاء حنجرته، وتذكرت أن هذا الصوت لطالما امتلك ليل حانات مدينتي، وعرفت أن من يرسل أثير القلب المعذب كان معي تلميذاً في المدرسة الابتدائية ناديت عليه فلم يسمعني. كانت الآلات المتناثرة بألحانها كنجوم مرتبكة تمنع صوتي من الوصول. وحده نوح سمعني ليقترب من نافذة سعة الرؤيا، ويقول: أيها الأوري، كنت أحسب موتك موتا لي، لأجل هذا رفضت البوح بحكم كتبوه على الألواح وقدموه إلي قبل وجبة الغداء كي يساوموني. أنت تعرف أن جوع النبي حكمة من الرب، لهذا كسرت اللوح وأزحت المائدة بعيداً، وها أنا ذا لأجلك منذ الصباح لم أتناول شيئاً. الله سيغذي جسدي برحمته، وسيظل كتمان صوتي مبدأ لا أحيد عنه. أتدري لماذا؟ لأنك تلميذ لقديس شهيد، وفي سومر الشهيد يساوي في ذاكرة الأنبياء نصف الجنة.‏

قلت: والجنة الأخرى؟‏

--تلك يتحكم بها الله، وربما يمنحها لشهيد أيضاً.‏

أقنعني النبي بصوته المدهون ببركات الحياة وطين الفرات. تصورت أن موتي لم يعد ممكناً حتى لو اجتمع جنرالات العالم كله، وإن المرسوم الذي سيصدره أورنمو بأني فقدت في العاصفة البحرية لم يعد ذا قيمة، فلكي تصد ظلم السلاطين والربابنة التجئ إلى نبي أو إلى شاعر.‏

قلت هذا لنوح إذ قال: الجلسة معك تعوضني عن ثلاثة أرغفة وكأسين من اللبن وعشر حبات من التمر.‏

قلت: ولو كانت مع معلمي لأشبعتك العمر كله.‏

قال:وهل يتجاوز القديسون ذاكرة الأنبياء؟‏

-كلا يا سيدي، وإنما يضيفون إليها بريق الجوهر.‏

-وهل ذاكرة الأنبياء بلا بريق؟‏

-عفواً إنها البريق كله، ولكنهم يضيفون إليها طعماً جميلاً يتعلق بالوجود الأرضي. قدرتهم في الوصول إلى السماء تبدأ من حجر يكتبون عليه رؤى مفترضة ولكنها حقيقة لا تنتهي، وقداستكم تمتلكون الرؤى المحكمة تلك التي يبعثها الله، فلا مجال للافتراض. كل قديس يستضئ برداء نبي، ولا أدري لماذا لم يستظل معلمي برؤاك؟‏

-ربما كان معي، فمريدي كثيرون، ونصائحي كنت أختار لها ظلاً كبيراً والجالسون بأعداد لا تحصى. أظن أن واحداً يجلس في الطرف الأيسر من المكان، كان معلمك، ففي عينيه بريق جوهر قوي، كنت أرقبه ولكن إشارتي لا تصل إليه وكان ينسحب مباشرة بعد نزولي من صخرة الكلام.‏

-برداء رمادي ورأس حاسر.‏

-نعم.. إنه هو..‏

-إذن أنا وقداستكم لنلتقي عند قبر قديس.‏

-وهذا ما لا أتمناه.‏

-لماذا؟‏

-هذا عائد إلى هيبة الأنبياء .‏

تذكرت سلطة ربان السفينة وحكمه المسبق علي. أردت أن أثير نزاعاً يتصل بهيبة النبي الذي ارتهنت الرحلة باسمه، لكني أدركت في قراءة للكتب المقدسة أن الأنبياء في فترات من سني رسالتهم يبدون مثل مساكين، وهذا عائد إلى طيبتهم المفرطة، ولكنهم في لحظة غضب يطلبون من الرب إفناء جيش برمشة عين، نوح يستطيع فعل كل شيء إلا أنه وإلى الآن يرفض البوح، ومن هذا البوح أدركت سلامتي...‏

سارت السفينة على موج يدمع أسى لرؤيته نبياً حزيناً. افترضت لوجودي حالات عدة وفي كل مرة اصطدم بأور التي لا تغيب عن مخيلتي مثلما لا يغيب الشتاء عن خيال المطر كان هذا الافتراض يوصلني إلى سعادات صغيرة أجمعها مع كسرة الخبز وكأس اللبن الذي يقدم إلي في كل ليلة ولأني حظيت بإعجاب نوح سمح لي أن أقترب لساعة واحدة من نافذة العنبر لأتأمل السماء الهاطلة بالغيث الغاضب وسمح لي أيضاً أن أحاور الشيخ الذي أمتلك من عمره نصفاً من الألفية الثانية وعاد إلى هنا. يسجد بالإيماءة ويفكر بالإيماءة، وبها يقرر أيضاً فيما كانت السلطات الأخرى للربان القاسي ولابن آوى الذي لم يبق على دجاجة إلا وخز ذيلها بنظرة كافرة ولأنهم أتوا بسبعة أزواج منها ومن كل فصيلة أتوا باثنين فقط فقد كان يدعو دوماً إلى أن تكون ستة أزواج من حصة بطنه لكن نوح كان يردد أنه سيضطر أن يشج رأس ابن آوى بحجر عندما يقدم على فعله الشرير هذا ولأن ابن آوى أدرك تعاطف نوح معي، كان دائم التجوال أمام باب العنبر وهو يردد بصوت عال.. (أيها الإنسان ليتك دجاجة لأكلتك فأنت مفرد ولا مكان لك هنا).‏

هذا ابن آوى الذي كشف عورته للريح وأعطى للأسد ميثاقاً من هواء، ليطير بعد ذلك وحده بالفريسة، ولأنه كما قالت صحائف الأمس من الأنجاس فلم يلتحق بالسفينة إلا مع أنثاه التي فضلت ممارسة الحب مع الذئب الأبيض تاركة بعلها للمكائد.‏

كل مساء كان النبي يحمل كرسيه قرب نافذة العنبر ويبدأ مع سعادتي طقساً من الود، مستذكراً أزمنة الدعوة الإلهية وعندما بلغ من العمر مالم تبلغه أشجار التوت قال لربه: جزعت من تلون البشر. أدعوهم إلى طاعتك فيأتون إلي بالقيثارات والراقصات وأناشيد المارينز. أدعوهم إلى سلامك فيأتونني بالحانات والطائرات والرجمات. أدعوهم إلى وحدانيتك فيأتونني بفرق الباليه وكرة القدم وكهنة من مطاط.أيها الرب، جزع الأنبياء. صمت الوردة، وصراخهم دموع تسخر من عيونها،جلالتك لم يمنحنا مع الكتاب سيفاً بل عصا لإدراك الطريق، والعصا لا ترد جمرة الكافرين، فما أنا فاعل؟‏

قال الرب: لذ بالصمت، وأفضح ما تريده بعينيك.‏

قال نوح: مللت مما تقصده أجفاني، فهم يحاولون تحاشي ما تقصده نظراتي.‏

قال الرب: إذن حرك عصاك.‏

قال نوح: يداي ترتعشان.‏

قال الرب: غداً أنزل إليك عذراء وكأس نبيذ وستنشط.‏

قال نوح: سومري أنا، ومع المرأة سأذيب حديد العالم كله. الآن ستبدأ أشواق أخرى، والحمد لك أولاً قبل كل شيء .‏

كان الليل على ليل السفينة يمتد بمحاذاة أحلام الطيور النائمة، وكنت أتأمل الأفق المضيء بجبال النجوم. حاولت أن أغمض أجفاناً من الأمل لأن النبي ربما سيقرر في الصباح القادم مصيري. وجاء الصباح. انتظم الربان مع العسس البحريين، وفي طرف الصف كان ابن آوى ينظر إلي بنظرات وحشية وقد انتصب قربه صليب من خشب، وكانت نظراته تقول، إن هذا الصليب لي.‏

الكل أنتظر استيقاظ الحكيم السومري (نوح) المدرك للذات قبل الظاهر والذي خرج إلينا في هذا الصباح مرتدياً ثوباً أبيض من قطن ناصع البياض كالثلج. خيم الصمت على راكبي السفينة.‏

قال الربان: فلينطلق سيدنا نوح‏

كنت أمدّ عنقاً مرتعشاً من فتحة العنبر، وكنت أتأمل في عيني النبي عطفاً لا ينتهي. تذكرت أن أور تدرك شجنها في قلوب الأنبياء، وأنهم ماداموا يحبون المدينة المقدسة فلن يؤذوا أياً من أبناء هذه المدينة التي قالت عنها الألواح إنها ولدت بقبلة طبعها آنو على خد عشتار. فيض من الشوق اجتاح كياني كي أعانق النبي وهو شعر بذلك وتمنت عيناه مثلما تمنيت أنا. كانت تايتانك تسير وسط موج صاخب عندما قطعت الحمامة صمت انتظار الحكمة وجاءت بالنبأ السار: (يا ساكني السفينة، أرى البر في مرمى بصري) تجهم الربان، وانزوى ابن آوى في ركن مظلم تاركاً صليب الخشب يحكي عن مؤامرة قادمة لقتل نبي فيما أطلقت الموسيقى دعوات لانسجام فرح أسطوري، فلقد تم العبور ونوح لم ينطق بالحكم الذي أرادوه أن يكون في هذا الصباح حكماً يرمي بي في البحر.‏

ابتسم. وصلت ابتسامته إلى قلبي كانت عيناه تضيئان بشموع زرق عندما فتح أحدهم باب عنبر السفينة وقال:‏

-أيها الأوري، الآن تستطيع أن تعيش معنا على ظهر السفينة في أمان فلقد جلبت لنا الفأل الحسن ووصلنا إلى البر سالمين.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244