|
||||||
| Updated: Sunday, September 21, 2003 01:55 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
صورة للذكرى إلى روح القاص الدكتور مهدي جبر (أنتم أيها الآلهة الخالدون.. أنا أيضاً أروم أن أكون من جنسكم المبارك، ولكن الحظ وآلهة خالدة أخرى غلبتني، وأرسلت الرعد السماوي الضارب، وقد هربت من دائرة الحزن العميق الصعب، وخطوت إلى الذروة بأقدامي الخفيفة وانزلقت في حضن الربة ملكة العالم السفلي.. ابتهج لهذه التجربة! فأنت لم تخبرها قط. لقد أصبحت إلها بدلاً من البشر، وسقطت كرضيع في حليب. لك التحية لأنك سرت على اليمين خلال المرج). نص أورفي في سومر كان الموت يرتدي قناعاً أسود، ولا يتحرك إلا عندما تآمره الآلهة بذلك، والذي يموت يسجى وتقرأ قرب رأسه التراتيل وهي خيوط من ضوء نحاسي يوصل حياة الميت بآخرته السعيدة. العاديون يدفنون في العراء لأن حياتهم الثانية مثل الأولى، ليس فيها سوى الماء والخبز والأرض المعشوشبة، أما النخبة من الكهنة والملوك والكتاب والأثرياء فإن موتهم لا يختلف عن حياتهم فالخمر سيتوفر لهم والموسيقى والعجل السمين، لكن الألواح كشفت عن أمر غريب. أن فقراء سومر عندما يموتون ترتسم فوق محياهم ابتسامة مشرقة، وقال صاحب المدفن ابن- صبار - أن موت الفقير يجلب ليومه السعد لهذا فهو يود أن يموت فقير كل صباح حتى يستطيع أن يطعم أولاده جيدا. أما إذا مات ثري أو ملك، فتلك هي الكارثة، فهراوات الجند والحاشية تظل تضرب على رأسه طوال الوقت الذي يحفر فيه بمعوله ليهندس للعظيم المتوفي لحداً لموته الكئيب حيث يقول: أن الوجوم والفزع مرسوم على الموتى من النخبة دوماً وأضاف يبدو أن الآلهة تتعمد ذلك كي تتشفى بهم لأنهم ربما خرجوا عن الطاعة ورفضوا أن يهدوا لها الجواري الجميلات، وقال أنه ذات ليلة رأى عشتار تأمر أحد حراسها أن يلتقط له صورة تذكارية بكاميرا كوداك قرب جسد أنكيدوا الميت وهي مبتسمة تشفياً بجلجامش الذي رفض مضاجعتها. ذلك الموت يعبر أودية صمت السنين ليصل إلى العلي القدير، وهو يقدر بعد ذلك إلى أي اتجاه يسير. في الحياة الأرضية لأي مسافر خيارات ألف طريق. لقد قرأنا عن ذلك، حتى الأنبياء كانوا ذوي رحلات متشعبة: إبراهيم ونوح وموسى (عليهم السلام) ولمحمد (ص) رحلتان وفي ذلك استثناء. واحدة هاجر فيها مع صاحبه إلى المدينة، وأخرى روحية تلك التي أسرى بها ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى على ظهر البراق الذي تمنيته ذات ليلة ثلجية أن يسري بي إلى أحضان أمي وكانت الشظايا وقتها تسقط كما المطر قرب ملجأ شقي التجأ إليه جنوبيان، أنا ورفيق يقال أنه الآن يكتب الشعر على ضفاف السين مقلداً أبو لينير في طريقة الكتابة، وآخرون ذكروا أنه سرح شعره حتى أخمص قدميه لكي يبدو كإنسان بدائي يستمتع السواح بالتقاط صور تذكارية معه مقابل عشرة فرنكات لكل صورة. في ليلة سومرية تدثرت بمعطف إبراهيم (ع) وبكيت على الذي يحدث لشعراء وطني وجنوده وتمنيت أن يأتي الآن من شعره يلامس الأرض ليراني كيف أجاهد كشمشون لأبدل بطاقتي التموينية الضائعة بأخرى جديدة وليرى دموعي المتكسرة وأنا جالس أمام الكاميرا الشمسية للمعاملة التي وصلت أوراقها إلى اليوم عشرين ورقة والموظفة الحسناء في مركز التموين أرادت ورقة أخرى أذكر فيها وقت ضياع البطاقة فقلت الثالثة ليلاً. قالت: وأين كنت؟ قلت: أودع إبراهيم حد أطراف مدينة أور وفي العودة أضعتها بعد أن هاجمتني كلاب قرية المنصورية. تساءلت: من إبراهيم؟ قلت: إنه نبي. قالت: نبي جديد. قلت: إنه قديم جداً ولكنه يتجدد مع كل يوم حصار. هي لم تفهم.. تأملت صورتي وابتسامتي الباكية، ثم أعادتها إلي قائلة: أن ملامحي ليست واضحة وأنها تريد صورة كهربائية. قلت: أنا أريد بطاقة تموين وليس جواز سفر. قالت: أنها أهم . قلت: ولكني لا أملك ثمن الصورة الكهربائية. قالت: اذهب قرب وكلاء الطحين أولئك وارسم لهم ذات الملامح التي في هذه الصورة وسيعطونك . قلت غاضباً: أستجدي؟! -بالضبط. -كم أنت وقحة! رمت الأوراق في وجهي، نادت على الشرطي واتهمتني بأني شتمت أباها ووصفتها بالعهر. جرجرني الرجل من قميصي الذي تمزق بين يديه. حاول الوكلاء والمراجعون تخليصي منه فلم يفلحوا. صدفة كان هناك صحفي مع كاميرته يطلب لقاء لجريدته مع مدير المركز فأعجبه المنظر والتقط لنا صورة تذكارية خرج المدير ليستفسر عن هذه الضوضاء ليتفاجئ بي، أرتجف بين يدي الرجل مثل ارتجاف فأر بين أسنان قط، صرخ في وجه الشرطي: ما الذي تفعله بالأستاذ، كان أذكى طالب في صفنا. لم أعرفه.. ولكنه عرفني.. تركني الشرطي، وأدخلني المدير إلى غرفته لتلحق به الموظفة وهي تبكي وفمها مليء بالتهم الباطلة.. هو لم يصدقها، ربما لأنه يعرف جيداً أني لا أعتدي على نملة. دخل الصحفي تأمل وجهي جيداً وقال متأسفاً: أيها القاص الرائع.. إني أعتذر. يا لقساوتك أيتها الفتاة كيف تفعلين هذا بإنسان مبدع!؟ دفنت رأسي بين أحضاني.. ساد غرفة المدير الصمت، سمعت من خلاله دموع الحسناء وهي ترن على سطح بلاط الغرفة وكأنها صوت موسيقى قيثارات عيد الزواج في أور.. رفعت رأسي. أنا كنت أبكي أيضاً وعندما التقت دموعنا كان ضوء كاميرا الصحفي يلتقط لنا صورة أخرى. ومنذ تلك اللحظة أحسست أن الإنسان خلق ليحرج ولتضيء أمامه أضواء قدره الذي مارس لعبة الحلم على قماش أبيض فاختلطت عليه نجوم محنته التي كونتها بهندسة فلكية انجم ليل انتصاره على الموظفة التي خجلت من تصرفها ولتعلن بدموعها التي امتزجت مع النجوم ليصيرا بيتا من بيوت القمر (أنها له إنشاء ذلك..) وبعيداً عن رغبات حسناء المركز التمويني سار إبراهيم يتاجر في رغبات الله ويسعى جاهداً أن يكسب صورة فوتوغرافية مع مهدي جبر القاص الذي توفاه الله قبل يومين في حادث مؤسف وكان معنا، أنا وإبراهيم الخليل في بهو فندق الشيراتون ننتظر أحد الأصدقاء يلتقط لنا صورة لأرشيفه الخاص في انتخابات اتحاد الأدباء الأخيرة. لقد وجد الموت صورته الملونة. أعطى محنته لحوامض التكبير، والسالب الذي أظهر دموع مهدي في قصته الأخيرة مع الحياة. كان يهدف إلى إظهار قصصنا نحن الغرباء حتى مع نفسنا قال إبراهيم (عليه السلام) وقد أثاره موت مبدع ولحظة الإحراج وأنا أتأمل بوجهي الكئيب الفزع عدسة الصحفي المتطفل وقتما جرجرني الشرطي: (أن الحكمة في كل هذا هو الامتحان. أيوب السومري كان مهيأ لينتظر ألف عام على صخرة أحزانه ليجد مأساته ثم يقتلها). مأساتك أنت لم يتجاوز عمرها التسعة أعوام وبدوت مثل فأر في مصيدة، تتأمل في وجه الموظفة حزن ألف عام من الكتابة، وتوصل موت المفردة بدموع عينيها، لتكتب. ما الذي تريد أن تقوله..؟ الحكماء أدركوا أن هذا العصر لا يصلح سوى لتبديل إطارات السيارات التالفة، أو لترمي بقايا جمالياتك على وجه خطيبة رونالدو التي تراقب خطيبها وهو يتلاعب بقدميه بأعصاب لاعبي المنتخب المغربي وغير هذا: أن الألم الذي ملأ فم مدير الدائرة هو المدح الوحيد الذي يمكن أن يقدم لمجموع ما كتب. وإذا كان الموت مجرد رغبة مدروسة للحصول على هاجس ما، فذلك يلغي حتى رغبتك أن تكون ذا شأن.. لقد طويت في رحلتي فراسخ أحلام ألف ملك فلم أجد سواه هذا الذي يشتري لحوم العصافير بمثاقيل من ذهب، فعرفت أن رسالتي يمكنها أن تستريح الآن في أول مقهى يصادفني ولانتظر غضب صاحبه عندما يعلم أنني لا أملك ثمن قدح الشاي الذي شربته. تداخلت الأزمنة والوجوه وإطار اللوحة واحد. أنت أيها الموت. يا من تدرك ولا تدرك. أيها الصرخة التي أطلقتها الأرض يوم سالت دماء قابيل. أنت الفخ الذي يسقط فيه الملوك والشحاذون والشعراء ومتبادلو العملات الصعبة، أنت النورس التي تطير في بحر الليل لتتصيد من يملك حلماً بنفسجياً كذلك الذي تمناه مهدي وهو يقف قربي متسائلاً عن حر أور وأخبار الأصدقاء والشائعات التي تتحدث عن زيادة في الراتب، وغير ذلك سيستعير الموت وجه الحسناء التي طلبت إمضائي فقط ومزقت كل الأوراق الأخرى. لحظة وكانت في يدي بطاقة تموين جديدة وكانت عيناها لا تزالان تضيئان ببقايا دموع خجل رأت فيها صحوتي الأولى.. ودموعي الغزيرة التي انسابت لموت مبدع من جنوب البلاد التي أعطاها الله كل شيء.. إلا الكافيار. في العودة كنت مضطرباً. وقد فقدت حصانتي، وعرفني كل الناس. أنني كاتب ومثقف ولكن بقميص ممزق وهذا يعني أنني ربما مجنون. رفضت باصات الأجرة أن تقف لتقلني.. كنت أدير وجهي حياء عن المارة. لحظة.. وكانت الحسناء بسيارتها تقف قربي.. تصور.. موظفة وتملك سيارة.. عددت سنين الوظيفة فوجدت أنها لا تتعدى بقيمتها ثلاث دزينات من القمصان الجديدة وشعرت بأحقية آدم أن يظل عارياً حتى اللحظة التي اكتشف فيها أن دودة القز تصنع حريراً أبيض وأن نولاً واحداً من أحفاده يستطيع أن يصنع من هذا الحرير قميص فان هاوزن من النوع الفاخر وعندما ارتداه صفقت له الذرية مندهشة وقررت هي أيضاً أن ترتدي قمصاناً ودشاديش وفساتينا من الحرير، ومن يومها اكتشفت الموضة. جلست قربها بعد أن دعتني وملأت وجهها ابتسامة زرقاء تشبه بحراً نائما. قالت: وقد أحست بنشوة غامرة.. كنت أتصورك مراجعا عادياً، وأنك عندما نعتني بالوقاحة إنما أردت بعدها أن تضربني فاستنجدت بالشرطي.. ولكي أتخلص من غضبك كلت لك تهماً أخرى، حتى لا أعود لأراك أمامي ثانية فكان غضبك وحشياً. قلت: أنت أوصلت الحالة إلى شجار لم أتعود عليه. قالت: ألم تتشاجر من قبل؟ قلت: تشاجرت ألف مرة.. ولكن في حرب حقيقية، وكان الموت نهاية المطاف لكل شجار. قالت: وإبراهيم صديقك هل كان معك؟ قلت: هو مع الجميع. لأن الجميع أبناؤه. - أي إبراهيم تقصد؟ هل هو حقاً إبراهيم الخليل؟ -نعم. -وما شأنه بأور؟ -هو ولد فيها. -عفواً هذه معلومات أجهلها واعتقدت أن الشموع التي نشعلها في الزكريا ونتركها تسير في النهر ينبغي أن تكون لـه؟ فلا بد أن بيته كان على ضفاف الفرات، واستغرب أن أحداً لم يقل لي طوال فترة تعلمي أن فوق أرض مدينتي ولد نبي.. وإلا لماذا لا نشعلها لإبراهيم ونشعلها من أجل زكريا؟ -هذا موروث يا سيدتي. قالت: وأنا أريد أن أعرف الكثير عنه. قلت: اتصلي بي، فأنا أجعل من بناية اتحاد الأدباء مسكناً وهذا رقم هاتفه. أخذت رقم الهاتف وقد ملأتها سعادة طافحة وتحدثت عن سرور المرء عندما يتعرف على كاتب. منذ أيام وهي تتصل في كل وقت. تحدثت لها عن أطيافي السومرية ونظرتي عن الأشياء. أرسم لها فنطازيات الزمن البعيد. واليوم تحدثت لها عن مهدي ولقائي الأخير معه.. فرأيت دموعها وقد ملأت حاكية الهاتف. قلت لها.. لا أدري لماذا يصير موت الجنوبي ملوناً مثل ريش هدهد. قالت: ربما كانت بلقيس جنوبية. قلت: أن آخر لقاء لي معه كل لقاءً رومانسياً، تحدث فيها عن الشجن الروحي الذي تملكه المدن وكان يقصد بذلك مجموعة (بصرياثا) أخبرته بدوري أن المدن في الجنوب حازت على إعجاب الآلهة قبل مدن الأرض الأخرى، فكانت أن نصبت فيها أول زقورة.. هي (شجرة النخلة) وأعتقد أن أول كاتب دون بالحرف هواجس البشر هو من الجنوب. فلماذا لا تكون بصرياثا وهي مدينة جنوبية هاجساً روحياً. قال: أنا تحدثت عن هذا ونشرته في مجلة الآداب. وأعطاني نسخة.. وقرأت.. كانت عيناه زرقاوين كقماش مطعم بشذر، وكان رأسه الأشيب يضيء بهواجس الحاجة إلى أن يكون المرء متكاملاً.. مثقفاً وغنياً.. هو ملك الثقافة ولكنه لم يملك الغنى.. قالت: لو يعود إلى الحياة لأعطيته سيارتي. قلت: كي يموت بها مرة أخرى.. أيام سومر كان الشعراء والكتاب لا يموتون سوى من تأثير أدواتهم.. وينبغي أن لا نترك أدباءنا يموتون بغير أدواتهم كأن تدهس أحدهم سيارة.. أو يسقط في آخر طائرة. قالت: ولكن كثيراً منهم استشهدوا في الحرب، من تأثير رصاصة أو شظية. قلت: الرصاص والشظايا بعض أدوات الإبداع ومن حقهم أن يموتوا بها. أما أن يدهسوا بحافلة أو تنقلب بهم سيارة أجرة فهذا ما لا يحق للموت أن يفعله. قالت: ولكنه فعلها. قلت: وفي ذلك خذلان لنا كمبدعين. وهكذا يصبح موت قاص.. نسجاً لوحدة روحية بين اثنين يتدفق من خلالها نهر رغبات مشبع بالزبد وتصاوير الذكرى. من أن الله يدفع بمخلوقه إلى الضوء فتصاب الروح بغرور البهجة ثم يطفئها أن روحانية فعل الموت يتقاسمها الخالق والمخلوق ولكن في النهاية تكون الروح ملك الخالق وذلك ما ينطبق على مهدي تماماً.. أعدت السماعة إلى مكانها.. عدت إلى سريري.. لا أدري ما الذي أنجزته. هذه القصة عن صديقي أم امتلاك المرأة الحسناء.. أم هذا السبق الذي ملك فيه الصحفي صورة قاص يجرجره رجل شرطة.. في كل الأحوال. هي طلبت مني صورة أكثر رومانسية. أن أكون إلى جانبها في استوديو لتلتقط معي صورة لا يمحوها الزمن، ولكي أحقق رغبتها اشترت لي قميصاً جديداً وبنطال وذهبنا نجلس بألفة أمام كاميرا التصوير. وأشد ما أدهشنا ونحن نقرأ يافطة المصور أنه كان اسمه مهدي. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |