حُب و عصافير - سهيل الشعار

قصص قصيرة - من منشورات اتحاد الكتّاب العرب دمشق - 2001

Updated: Sunday, September 21, 2003 01:57 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

حبوب حمراء

المرأة الشابة، التي تعمل في مكان ما من هذه المدينة، والتي أحببتها بصمت، صعدت معنا في هذا الصباح مرتبكة، تحمل بين ذراعيها طفلاً وديعاً، وتبكي...‏

قالت للسائق:‏

-أرجوك إلى أقرب مشفى!‏

-خير إن شاء الله!؟‏

-طفلي! أرجوك بسرعة...‏

-لكن ((السرفيس)) لم يمتلئ بالركاب بعد!‏

-سأدفع لك أجرة المقاعد الفارغة... أرجوك بسرعة...‏

وكنت الوحيد داخل السرفيس الأبيض الذي كان ينتظر كتمساح جائع... انطلق بنا بعد أن دفعت المرأة أجرة المقاعد جميعها...‏

وفي الطريق، عرفت أن الطفل الصغير، الوديع، كان قد ابتلع كمية كبيرة من تلك الحبوب الحمراء، المخصصة لقتل الجرذ والفئران، فقفز إلى ذاكرتي وجه أختي التي ماتت ذات يوم بعد أن تناولت أكثر من خمسين حبة حمراء!‏

كانت أختي متعلّقة بزوجها، ورغم معرفتها أنّه لا ينجب، فقد أصرّت على البقاء إلى جانبه، وحين رحل فجأة، كان عمرها لا يتجاوز الأربعين عاماً، لم ترُق لها الحياة من غير زوجها الطيب، فقامت ذات ليلة بابتلاع الحبوب، وفي الصباح وُجدت ميتة خلف باب بيتها القديم.‏

-بسرعة يا أخي... بسرعة الله يخلّيك...‏

كانت المرأة الشابة تردد ذلك بين لحظة وأخرى... وهي تضم طفلها وتبكي بمرارة...‏

اقتربتُ منها، قلت للطفل الذي ابتسم في وجهي ابتسامة لن تموت في ذاكرتي،، خاطبته مواسياً:‏

-لا تخف يا ((عمّو))... لا تخف.‏

ثم همست في أذن المرأة:‏

-يجب ألا تبكي أمامه!‏

ورغم ذلك، ظلت تبكي وتنتحب...‏

وكان بكاؤها يزداد كلما توقف السرفيس وراء السيارات الواقفة أمام شارات المرور الحمراء.‏

فيما بعد... رأيت المرأة الشابة، التي تعمل في مكان ما من هذه المدينة، والتي ما زلتُ أحبها بصمت، رأيتها أكثر من مرة، تصعد ((السرفيس)) الأبيض، وتجلس في المقعد الخلفي، وربما كانت تفكر في كل مرة بشيء ما، رائع وجميل، كان يملأ حياتها...‏

***‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244