حُب و عصافير - سهيل الشعار

قصص قصيرة - من منشورات اتحاد الكتّاب العرب دمشق - 2001

Updated: Sunday, September 21, 2003 01:57 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

حب وعصافير

1‏

ليتكَ تعرف...‏

كان يروق لي دائماً النظر إليك من النافذة... أتأمل وجهك الجميل، القريب، كأنني كنت على موعد معه، ذاك الوجه الذي انتظرته طويلاً، ليدخل إلى عالمي وحياتي، كنجم أزرق كبير، يفرحني ويزيد من عمري وشبابي.‏

وها أنت قد جئت...‏

كأنك تعرف أنني بانتظارك كقدر لا مفر من الهروب منه، ثم أنك سكنت بجوارنا فجأة... وفجأة أيضاً، ولأول مرة في حياتي بدأت أحس أنني أغرق داخل بئر عميق، مليء بالأسرار الحلوة والأحلام الممتعة... ولم أدرك وقتها أنه بقدر ما تكون الأفراح كبيرة، تكون الأحزان أكبر، وبأن على الإنسان أن يدفع دائماً ثمناً لفرحه، وضريبة عن أحلامه.‏

وها أنذا... بدأت أشعر بذلك، بتلك الضريبة التي كانت تنتظرني، فوجهك الذي كان مصدراً لسعادتي وفرحي، وأحلامي الجميلة، ها هو يوقظني من نومي كل ليلة، ليشعل قلبي، وليذيب أعصابي بهدوء... بهدوء.‏

فكّرت هذه الليلة أن أذهب إليك...‏

أمي لن تعارض، ولن تقول شيئاً حول هذا الموضوع، لأنها بالأساس لن تعرف، أما أخوتي، فحتى لو عرفوا، فإنهم لن يدركوا معنى لذلك... وأبي لن يعرف هو أيضاً، لأنه سافر إلى بلاد بعيدة، باردة، وقد قالت لي أمي بعد أن كبرت بأنه لن يرجع على الأغلب، ليس لأنه وجد عروساً أحلى من أمي، بل لأسباب أخرى، أشد قهراً وكآبة، أسباب تتعلق بالأرض والوطن والحرية.‏

ها أنا أرتدي ثيابي...‏

والطقس في الخارج، بارد وعاصف، وربما ستمطر هذه الليلة مطراً غزيراً... آه... كم أحب سقوط المطر فوق بلادي... كم أحب ذلك..!‏

سأخرج بحذر وهدوء، من الباب الخلفي لمنزلنا الصغير، من ذاك الباب الخشبي الحنون، الذي خرج منه أبي ذات ليلة دامسة ولم يعد.‏

وربما سأحمل إليك وردة... وردة حمراء..‏

أتحب الورد؟ أعتقد أنك ستحبها حين أمنحها لك، ستحبها كثيراً، وربما ستحبني!‏

إنما أرغب- ومن أعماق روحي- أن تصغي إلى تلك الحكاية التي عذبتني، ولا تزال، حكاية حدثت معي منذ عدة سنوات، لعلك تنقذني من عذابي وتجد حلاً لذلك الحزن الذي سكن قلبي!‏

-2-‏

فذات يوم، من أيام العيد، أحضر لنا ابن خالتي هدية جميلة، لم يتوقعها أحد من أفراد أسرتي... هدية عبارة عن قفص أحمر كبير وبداخله عصفوران صغيران، أحدهما أزرق، والآخر أخضر.‏

فرحت بالعصفورين كثيراً، وتبّنّيت رعايتهما بنفسي...‏

إنما ما فعلته، كان غريباً على طقوسي، وعلى أفكاري، وقناعاتي الصغيرة.‏

كان صياحهما يصل إليّ... فيفرحني أحياناً، ويقلق نومي أحياناً أخرى... ومع ذلك، كنت سعيدة بهما، وبذاك الشجار العذب الجميل الذي كان يقع بينهما، لكن أجمل ما كان يمتعني، هو تلك الألفة التي كانت تحدث بعد الشجار والصياح، يقف العصفور الأخضر، يمد عنقه، ثم يفتح منقاره ليقبّل فم عصفورته الزرقاء الشابة، التي كانت في كثير من الأوقات تنسى الزعل، وتستسلم لحلم كنت أتخيله في صور شتى...‏

كان الأخضر متعلقاً بعصفورته الوديعة تعلقاً غريباً... يحمل الطعام والأوراق الخضراء إلى منقارها الصغير ويطعمها عنوة، ويرقص ويدور حولها كلما قبلت منه ذلك... وكان يبدو لي أنه لا يأكل أبداً، بل أنه وُلد ليحب عصفورته الزرقاء، ويطعمها.‏

وكانت الزرقاء تعانده أحياناً، ولا تلتقيه إلا بعد محاولات عديدة، وربما قاسية.‏

وذات صباح قلت لنفسي:‏

-سوف أختبر هذا التعلق العجيب.‏

فتحت باب القفص، فذعر العصفوران وحاولا الهرب من بين أصابعي... لكنني تمكنتُ من التقاط الأخضر بصعوبة، بعد أن نقرني عدة نقرات خفيفة كأنه يحذرني ويطلب مني أن أبقيه داخل القفص، إنما سحبته بهدوء، ثم أغلقت الباب.‏

تأملتني العصفورة الزرقاء لدقيقة، ثم انفجرت في صياح طويل، معارض...‏

قلت لها:‏

-لا تحزني يا صغيرتي، سيعود إليك إذا كان يحبك!‏

فتحتُ باب غرفتي وأطلقته من بين أصابعي...‏

طار...‏

في البداية لم يبتعد، كأنه لم يصدّق بعد أنه خرج من ذاك القفص الذي عاش بداخله خمس سنوات، ثم طار مرة أخرى، وابتعد في الفضاء...‏

عدتُ... ولدي شعور غريب أنه سيرجع بعد قليل، أو بعد يوم على الأكثر، تأملت عصفورته الزرقاء وابتسمت.‏

-3-‏

مرّ يوم، ثم ثلاثة، ثم شهر...‏

والأخضر لم يعد.‏

وبدأت ألاحظ حزناً داكناً يتكون داخل عيني العصفورة الصغيرة، القلقة، والمضطربة باستمرار... ثم بدأت تنحف وتصغر، ربما تفكر الآن بطيرانه في الفضاء، بالأشجار الكثيفة التي ينتقل فوق أغصانها، وربما تؤنب ضميرها في هذه اللحظات القاسية. لأنها كانت تقسو عليه أحياناً وتعذبه.‏

قرّرت بيني وبين نفسي في ذلك المساء، أن أطلق العصفورة الزرقاء عند الصباح، لعلها تلتقي بالأخضر فتعوّض حزنها الكبير بفرح لا يوصف، وسعادة أبدية. خالدة.‏

ولست أدري لماذا حلمتُ حلماً رائعاً:‏

"هاهي تطير في الفضاء. باحثة بعينيها وبقلبها وبجسدها الصغير عن أملها الوحيد في هذه الحياة... ثم فجأة يظهر الأخضر. يظهر بجناحيه الكبيرين متجهاً نحو عصفورته التي طال انتظارها لـه... ثم... يلتقيان في السماء. بين الغيوم القليلة. السابحة بهدوء. فتبكي الزرقاء من فرحها. وتضم الأخضر بجناحيها الدافئين. مطلقة صوتاً. حنوناً. فرحاً...‏

في الصباح استيقظتُ متأخّرة. ومن خلف نافذتي رأيت زرقة السماء، وعصافير عديدة تطير هنا وهناك... فرحة بهذا الفضاء الجميل الرحب، وبتلك المساحة الكبيرة من الزرقة الصافية، الممتدة إلى مالا نهاية.‏

اقتربتُ... تناولت القفص، فتحت الباب. وبهدوء شديد مددت يدي وقلبي المرتجف لالتقاط كتلة باردة من الريش الأزرق الناعم.‏

-4-‏

اليوم صباحاً، رأيت حركة غير عادية داخل غرفتك الصغيرة، ثم رأيتك تتكلّم مع أحدهم، وتضحك، ورغم أن المسافة بعيدة فقد خُيّل إليّ أنني أسمعك، وأسمع تلك الضحكة الوديعة، هل ستضحك على حكايتي تلك؟ أم على الوردة الحمراء التي سأقدمها لك بعد قليل؟ أتساءل وأخاف من أن تسخر مني... ثم تضحك ضحكة ملغومة.‏

إنما لا أتوقع ذلك، فوجهك لا يوحي إلاّ بالطيبة والحنان، ويبدو أن القدر صالحني أخيراً، وقرّر منحي حباً ما بعده حب. ووجهاً وديعاً أحنّ إليه منذ زمن بعيد... وربما سأقبّله بعد قليل، أو ألمسه بعد أسبوع... لا يهم. المهم الآن أن أصل إليك. أما الوردة فقد أحضرتها بالأمس. ووضعتها داخل كأس مليء بالماء، حتى تحين الفرصة، وأعتقد أنها ستعجبك، لأن لونها أحمر، ولا تزال تحتفظ ببعض الرائحة، وبلون لا يصلح إلاّ ليكون على الورود.‏

كل شيء سار على ما يرام.‏

لم يشعر أحد بخروجي، كما أن الطريق كان خالياً تماماً، إلاّ من ضوء القمر الهارب من بين الغيوم المعتمة.‏

كانت غرفتك معتمة أيضاً، وكانت الوردة الحمراء الصغيرة ترتجف في يدي. تردّدت قليلاً قبل أن أصعد الدرج... وعند الباب وقفت حائرة. كان الصمت يكفّن كل شيء. وقد بدأت أسمع في تلك اللحظات خفقات قلبي. ووقع المطر فوق الأرصفة وشوارع المدينة... رفعت يدي. قرعت أصابعي الباب. فسعل في الداخل رجل ما... سعلة جارحة، لعلك مريض؟!‏

آه... ليتني لم أحضر، إنما سأخفّف قليلاً عنك، لأنني جئت أشاركك وحدتك بعض الوقت، فليتك تقبل!‏

حين جاء صوتك شعرت كم أنت رجل حساس، ومشاعرك رقيقة وشفافة كالزجاج.‏

من؟‏

أجبت هامسة:‏

هذه أنا..‏

ولم تسأل من أنا... بل أحسست أنك تنهض من فراشك لتضيء المصباح الأخضر الكبير وتفتح لي بعد لحظة تماماً.‏

فجأة، سقطت الوردة الحمراء من يدي، وتداعت معها في داخلي آلاف الورود الملونة الجميلة، وللحظة سريعة بقيت شاردة... ثم جاءني صوت الرجل العجوز‏

لينقذني من ذهولي:‏

ماذا تريدين يا صغيرتي؟!‏

وربما أيقنت أثناء وقوفي، أنك رحلت فجأة، كما رحل والدي ذات ليلة دامسة، إنما كم تمنيت أن أكون قد أخطأت العنوان، وحضرت إلى غرفة أخرى، غير غرفتك!‏

***‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244