|
||||||
| Updated: Sunday, September 21, 2003 01:57 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
جريمة قتل لم أتعمّد في تلك الليلة أن أعود متأخراً، بل طبيعة عملي تتطلّب أحياناً كثيرة البقاء في المكتب إلى ما بعد الساعة العاشرة ليلاً. كانت السماء غاضبة وحزينة، والرياح تهب وتعطس في كل مكان، والأمطار تهطل دونما إذن من أحد، هنا وهناك، بقوة وشراسة، فوق قصور الأغنياء وأكواخ المساكين، وكانت غرفتنا ضيقة ومعتمة كقبر لم يُفتح منذ مئة عام. وبرغم ذلك كنتُ أعود إليها متفائلاً بمستقبل يريح جسدي المنهك ويخلصني من أفكاري السوداوية، الخرساء. إنما هذه الأمسية بالذات، كانت الغرفة حزينة وشاحبة أكثر مما مضى، استقبلتني بعتب شديد وكآبة. قرعتُ الباب. ثم أدرت وجهي لأتأمل وجه السماء الرمادي الواسع.الغاضب من كل شيء، لكن الباب لم يُفتح. قرعت مرة أخرى... تبلّلت ثيابي بالمطر، فأسرعت لمد يدي وتناولت مفتاحي الخاص. دخلت بسرعة... ثم أغلقت الباب متسائلاً بحيرة عن المكان الذي من المحتمل أن تذهب زوجتي إليه في هذا الوقت؟! أشعلت الضوء، وما أن استدرت حتى تجمّدت في أرضي، تدفّق الدم إلى عيني ووجهي، وبدأ قلبي الحزين يرتجف ويدق بسرعة... ولعدة دقائق بقيتُ أسمع المطر الغزير الذي كان يضرب النافذة والباب، والريح تئز وتنوح في وجه الأشجار والبنايات العالية.. وبعد قليل، استطعت وبصعوبة أن أجلس على الكرسي الوحيد والقريب من الباب، وعيناي ما زالتا معلقتين بجثة زوجتي! -2- لم أجرؤ على إخبار أحد فبقيت حبيبتي في تلك الليلة معلقة في سقف غرفتنا حتى الصباح، وحوالي الساعة الثامنة والنصف، ذهبت لأبلغ المخفر عن هذه الجريمة... وبعد نصف ساعة عدتُ داخل سيارة محشوة برجالٍ مسلّحين، وخلفنا تماماً انطلقت سيارة الإسعاف البيضاء بسرعة بطّة مصابة بعيار ناري في جناحها. وبعد أن حضر الطبيب الشرعي وطلب إنزال الجثة، أخذوني إلى قسم التحقيق، حيث سُئلتُ هناك أسئلة عادية جداً، تتعلّق بعملي، وبالساعة التي تركت فيها المكتب، وساعة وصولي إلى الغرفة، وأسئلة أخرى لها علاقة بحبي لزوجتي، وإذا كان هناك أي خلاف بيني وبينها... عدت في الثالثة بعد الظهر، فتحت الباب ودخلت متجهاً بهدوء نحو السرير البارد، والخالي منذ ليلة أمس... تمدّدت هناك ريثما دخل شعر الشمس من النافذة في صباح اليوم التالي، وأيقظني. -3- في اليوم الثالث، وبينما كنت متواجداً على رأس عملي، دخل علي ثلاثة رجال، وطلبوا مني بأدب ولطف الحضور معهم إلى قسم الشرطة، لأمر ضروري يتعلّق بجريمة قتل زوجتي. خفق قلبي واضطرب، وأنا أتأمل وجوههم العابسة، المشمئزة، أغلقت المكتب وسرت أمامهم وأنا أسأل عن آخر أخبار التحقيق، وأعيد بعض التفاصيل التي حفظتها عن ظهر قلب، وحاولت ألاّ أغيرها أبداً: -هل عرفتم المجرم يا شباب، وهل هو نفسه الذي شنقها؟ قال أحدهم: لا داعي يا أستاذ إلى هذه الأسئلة الآن! وقال آخر وهو يهز كتفي: نحن من يسأل، وأنت عليك أن تجيب دون لف أو دوران. وما إن دخلت القسم، حتى أوثقوا يدي وأدخلوني السجن، وحين طلبتُ سبباً مقنعاً لهذا الإجراء صفعني أحدهم، وأمرني أن أطبق فمي نهائياً. وبعد تحقيق قاس ومتعب، استطاع المحلّلون اكتشاف أن من قتل زوجتي هو أنا، بعد أن وضعت لها السم في فنجان القهوة، ثم علّقت جثتها في سقف غرفتي لكي تبدو وكأنها انتحرت شنقاً. في البداية، أنكرت كل هذا، لكن القسوة، والتعذيب غير الطبيعي أجبراني على الاعتراف. وأمام المقدّم، ذو الرأس الأصلع، المدوّر وصاحب النظرة الثاقبة، والخبرة الواعية، اعترفت بكل شيء... فوضعوني داخل سيارة حمراء طويلة مع عدة رجال يحملون آلة تسجيل وكاميرا، وفيديو.. وبعد وصولنا إلى موقع الجريمة -غرفتي الضيّقة- طُلب مني تمثيل الجريمة، ففعلت وكأنني أمثل مسلسلاً تلفزيونياً شيّقاً. حُكم علي بالإعدام، وقررت المحكمة أن ينفّذ الحكم أمام حشد كبير من الناس، لأكون عبرة لمن تسوّل له نفسه الإقدام على ارتكاب مثل هذه الأعمال المشينة. أما الأمر الوحيد، والموضوع الخطير، والدور المهم جداً، والذي لا زلت أمثله، وألعبه حتى هذه اللحظة بإتقان ومهارة، والذي من واجبي كشفه على الملأ، هو أنني ما زلت عازباً، وربما لن أتزوج، وبالتالي لم يكن هنالك جثة ميتة أو معلقة في سقف غرفتي الوحيدة، مما يؤدي بالضرورة، ويُثبت بالدليل القاطع، أنني بريء من كل جرم نسب إلي... بريء تماماً... *** |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |