حُب و عصافير - سهيل الشعار

قصص قصيرة - من منشورات اتحاد الكتّاب العرب دمشق - 2001

Updated: Sunday, September 21, 2003 01:57 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

بكائي... ليس الأخير

في نهاية هذا الطريق الترابي الضيّق... تسكن جدتي.‏

في نهاية هذا الطريق الدافئ، والعزيز على قلبي، وعلى اليمين تماماً، يقع بيتها الطيني العتيق، كم أحببت ذاك البيت القديم، المتواضع، وكم كنت أحب الذهاب إلى جدتي الطيّبة... أجلس قربها لأستمتع بحكاياتها المشبعة بأرواح عذبة، تُدخل سامعها إلى عوالم رحبة، رائعة...‏

إنما الجدة، بدأت تصبغ حكاياتها برموز وعلامات جديدة وشخوصاً من ذهنها الذي لم يتعبه الزمن، وإرهاصات الحياة اليومية.‏

ذات يوم جاء بعض الرجال، يحملون أوراقاً وخرائط داخل دفتر أسود كبير، وطلبوا من جدتي أن تترك منزلها الطيني مقابل مبلغ من المال.‏

لكن جدّتي جنّ جنونها، ورفضت هذا العرض، متمنيّة الموت داخل المنزل العتيق على كل أموال العالم.‏

"هذا بيتي... وأنا راضية أن أموت فيه، مهما‏

حدث..."‏

لكن الرجال عادوا بعد يومين، ومعهم جرافة كبيرة، وطلبوا من الجدة أن تترك المنزل وتغادره ضامنين لها حقها في إعطائها شقة جديدة مكان بيتها القديم.‏

إنما الجدة رفضت أيضاً، ثم وقفت أمام منزلها طالبة من سائق الجرافة أن يجرفها مع البيت.‏

من يومها بدأت ألاحظ أن حكاياتها وقصصها أخذت تتبدّل، وتتغيّر..‏

أعود من المدرسة، تقول لي أمي قبل أن أدخل:‏

"يا الله يا علي... خذْ هذا الصحن لجدتك"‏

وكنتُ دائماً على استعداد لتلبية ألف طلب مثل هذا الطلب...‏

أضع حقيبتي أمام الباب، أتناول صحن الطبيخ الساخن من يد والدتي وأركض... أركض... وورائي يرتفع صوت كله قلق وترقّب:‏

لا تتأخر يا علي.‏

كانت الجدة الطيّبة، تسحرني بحكاياتها الممتعة، أجلس أمامها وفي رأسي يضجّ ألف سؤال وسؤال، وترتسم ألف صورة في مخيلتي...‏

-تعال وتغدّ معي"‏

-بصراحة... لقد سبقتك يا جدتي، أكلت في المدرسة... وكنت أكذب.‏

-طيّب، طيّب يا عفريت، حضّر لي المتّة ريثما أنتهي من طعامي.‏

وكنت أعرف ماذا سيجري أثناء شرب المتّة، برغم جوعي وتعبي، أصبر بلذة لسماع ما ستقوله الجدة.‏

بدأت حكاياتها تتبدّل...‏

وشرعت تخبرني عن العفاريت والجن الذين يتعاونون، مع بعض الناس، يتعاونون على الفقراء، المساكين، وعن الثعالب التي تآمرت علىملك الوحوش لافتراس سكان الغابة... وعن الرعاة الذين تصالحوا أخيراً مع الذئاب الذين يذبحون الخراف ويأكلونها معاً، على مائدة واحدة.‏

-2-‏

في العاشرة صباحاً، أحضرتني المستخدمة من مدرستنا، إلى البيت، وطلبت من أمي أن تعتني بي، وتصنع لي الزهورات... وإذا لم تتحسّن حالتي فمن الأفضل إحضار الطبيب.‏

إنما دخلتُ في حالة غيبوبة والمستخدمة لا تزال عندنا... شيء واحد كنتُ أسمع نفسي أردّده:‏

أين صحن الطبيخ... أريد الذهاب إلى جدّتي... أين صحن الطبيخ؟‏

-3-‏

وبعد حوالي ثلاثة أيام من الهلوسة، عدت إلى وعيي وإلى واقعي... رجعت إلى المدرسة، لأتابع دروسي كالعادة... الشيء الوحيد الذي تغيّر في برنامجي، هو رحيل جدتي فجأة! لم يعد هناك من ينتظر مني صحن الطبيخ، تبدو لي الدنيا وقد تغيّرت، مثلما تغيّرت حكايات جدتي في أيامها الأخيرة، تبدّلت الدنيا من حولي، ارتدت ثياباً أخرى غريبة، والطريق الترابي القديم، العزيز على قلبي، أصبح أكثر اتساعاً وعلى جانبيه نبتت فجأة بنايات عالية... عالية... وجاءت الجرافة الكبيرة ذات صباح، وجرفت منزل جدتي... وقتها بكيت كثيراً... ولا أزال...‏

***‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244