|
||||||
| Updated: Sunday, September 21, 2003 01:57 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
قبض الريح تفاحة مقضومة، وبضع أخريات... زجاجة ماء، مروحة صغيرة، مصباح يدوي، بعض البطاريات الإضافية، وسكين حادة... بينما كان يهيئ الأشياء بدأ يفكر: بالمصباح سأضيء المكان حولي، فالعتمة والخوف صديقان... بالسكين سأمزقه، فأضم بعضاً من حريتي إلى صدري ريثما أطل على النور ثانية... بالمروحة الصغيرة سأخفف الحر. سيكون الجو خانقاً بالتأكيد، لكن علي أن أتحمل... بملابسي التي تشبه ملابس العمال، سأنسل بينهم وكأني واحد منهم... وسأقضم بعض التفاح حتى لا تخونني قوتي إذا طال الأمر وأرهقني الجوع... أعاد ترتيب الأشياء: التفاح، الماء، المصباح، المروحة، البطاريات الإضافية، والسكين. سيجربها ثانية، للمرة المائة ربما. حادة بما فيه الكفاية؟ أمسك طرف حبل. ثناه بين إصبعيه، وبحركة بسيطة قطعه. تحول إلى صندوق من الورق المقوى. رسم في أحد زواياه شقاً طولياً يصل بين الحافتين، ثم شقاً آخر على حافة الزاوية العرضية. انسابت السكين برشاقة بين حافتي الورق كمزلجة فوق الثلج. طوى حافة الصندوق نحو الخارج فشكل فتحة مثلثة الشكل. انسابت ابتسامة الرضا بين شفتيه. أعاد السكين إلى غمدها... الساعة! تفحص الساعة في يده. قارن الوقت بساعة الحائط. تعمل بشكل جيد... قبل غروب الشمس سيحضر صديقه إليه... صديقه الذي سيسافر الليلة ليعود إلى عمله على الطرف الآخر من الخليج الفارسي، أو العربي كما يسمونه... صديقه الذي حاول مراراً أن يجد له عملاً هناك، أو يستصدر إذناً للدخول فلم يفلح. صديقه هذا -صاحب الفكرة التي لا تخطر على بال أحد- سيحتفظ بجواز سفره، وهو يعد -بثقة وتفاؤل هذه المرة- أنه سيحظى بالتأكيد بفرصة عمل مناسب له بعد الوصول بأسابيع قليلة على الأكثر... بعد سنوات، سيشتري منزلاً حديثاً لا يتحول إلى فرن تحت شمس الصيف. الكهرباء ستضيء المكان فلا يعاني ألم الشعور بالظلام. ستكون لديه ثلاجة تحفظ الطعام طازجاً فلا يضطر إلى أن يكتفي بطعام كالتفاح على العشاء. وسيدعو صديقه-صاحب الفكرة التي لا تخطر على بال- سيدعوه لزيارته، وسيبتسمان معاً لذكرى هذه الأيام... طرقات على الباب فجّرت بالون أحلامه... كان صديقه في عجلة من أمره. منحه جواز السفر. تعانقا كعادتهما في لحظات الفراق، لكن لفترة طويلة هذه المرة. أحدهما بدأ بالبكاء، وتبعه الآخر مستسلماً. شعرا بأن الدهر قد يمضي وهما منتظران. ابتعد الصديق بصعوبة. ابتسم متصنعاً: "سيكون كل شيء على ما يرام..". تبادلا نظرات وداع قلقة مشوبة بالأمل، وأنهيا العمل معاً... الصديق حمل أمتعته وذهب مسرعاً، أما هو، فمع حلول الظلام، شعر بالخوف يلامس كل جزء من جسده بلسعات متواترة كتيار كهربائي. فكر بإنهاء الأمر... بالتراجع... بالعودة إلى حيث يحاول أن يهرب... تذكر أنه أمله الأخير... فرصته-الوحيدة ربما- في أن يعلق الفقر من رقبته ثم يقطع الحبل بسكينه الحادة.. أو أن يسجنه في صندوق معتم، ثم يرميه في البحر لينفذ فيه حكماً مبتكراً بالإعدام... بأي سرعة يغوص صندوق كهذا إلى القاع إذا وقع في البحر؟.. بماذا يحس-في اللحظات الأخيرة- ذلك الذي يموت مخنوقاً في الماء؟ ارتجف... أضاء مصباحه للحظات قليلة تأمل فيها المكان، ثم أطفأه. سيحتاجه فيما بعد... أخرج تفاحة وبدأ يقضمها ببطء عله يهدأ. أغمض عينيه. حاول أن يسرح بخياله بعيداً، لكن جميع الطرق كانت تلتف لتعود به إلى مكانه... إلى جسده المتكور بحركة جنينية كالمذعورين... إلى المكان الذي يطبق على صدره.. إلى التفاح والسكين والماء والمروحة و... يدرك أنها مغامرة، لكنه حسب لكل الظروف حساباً: لديه الطعام والماء والمروحة والسكين.. لديه كل ما يحتاجه.. كانت التفاحة لا تزال في يده حين شعر بنفسه محاصراً في جو خانق الحرارة. أدار المروحة، فجاء الهواء حاراً وكأنه ينبعث من فوهة مرجل في مخبر الجامعة. تذكر تلك الحرارة بعد سنوات نسي خلالها كل ما تعلمه، إذ لم يجد عملاً... رشف بعض الماء. بلل وجهه ليخفف من الحر. انسابت قطرات العرق على صدغيه رغم الماء... أكمل قضم التفاحة... ساعات وينتهي الأمر... حين سكن كل شيء حوله، وأحس بجسده يتماوج بحركة انسيابية هادئة تعلو ثم تهبط بتواتر شبه منتظم، أضاء مصباحه. بدا المكان أضيق مما يظن.. شعر بالدوار.. بصعوبة، قاوم رغبة معدته في قذف ما بداخلها. أخرج السكين من غمدها. عالج الزوايا واحداً بعد الآخر، فلم يفلح.. أعاد المحاولة ثانية وثالثة.. شعر بنفسه مخنوقاً... قبض على السكين بقوة أكبر.. رسم- بيد قوية إلى حد لم يعهده- خطوطاً عشوائية في الحواف كلها.. لم تستطع السكين الحادة أن تؤدي دورها. ازدادت ضربات قلبه.. بكى.. صرخ.. لم يسمع جواباً. ضرب الجدران بقبضات يائسة تكاد لا تجد لنفسها متسعاً. كرر- بكل ما بقي لديه من قوة- نداءات عالية مذعورة بقيت جميعها سجينة المكان، ثم ضعفت حتى تلاشت. على الطرف الآخر من الخليج نزل من السفينة راكب يبدو عليه التوتر. تلفت حوله عدة مرات كمن ينتظر أحداً. أعاد النظر إلى ساعته... تحسس جواز سفر صديقه في جيبه.. فكر مطمئناً: لقد قدم لعامل المرفأ هناك المبلغ المطلوب ليضمن للصندوق- الذي ادعى أنه يضم قطعاً فنية من الزجاج- مكاناً ملائماً في أعلى حجرة الشحن كي لا تتراكم الشحنات الأخرى حوله، فتعيق حركته... لقد أغلق الصندوق بنفسه، وتأكد من لصاقة الكأس المكسور عليه.. بالمصباح سيضيء صديقه المكان، حتى لا يغلبه الخوف... بالمروحة سيخفف الحر قليلاً، فيحس ببعض الانتعاش... بالسكين سيمزق حواف الصندوق ليصنع لنفسه فتحة ينفذ منها إلى الخارج، فيضم إلى صدره بعضاً من حريته، ريثما يطل على النور ثانية... سيقضم بعض التفاح حتى لا تخونه القوة إذا طال الوقت، وأرهقه الجوع... وبملابسه التي تشبه ملابس العمال، سينسل بينهم وكأنه واحد ممن يقومون بإفراغ حمولة السفينة، ثم سيبتعد دون أن يلفت الأنظار.. أخذ يحدق في وجوه عمال المرفأ واحداً واحداً، وهو ينتظر... دبي 1998 |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |