|
||||||
| Updated: Sunday, September 21, 2003 01:57 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
كتاب الصفحات البيضاء بعد إجازته التي دامت أربعة أسابيع، وقف أمام المرآة فوجد شخصاً آخر يحدق إليه... خلع النظارة السوداء بحركة استعراضية، فخلع رجل المرآة نظارته. نظر إليه بغموض فأجابه بنظرة مشابهة. ابتسم متفائلاً، فابتسم الآخر وكأنه هو أيضاً ينتظر أن تمنحه تلك الفتاة نظرة خاصة، وموعداً ربما. انحنى قليلاً ثم رفع يده ملوحاً وكأنه يقف فوق خشبه المسرح أمام عدد من المتفرجين، فودعه هو الآخر. وحين استدار برشاقة راقص متجهاً نحو باب المنزل، غافله رجل المرآة ووقف يشيعه بنظرات استهزاء. أما هو، فكانت نظرات الموظفة التي وقف أمامها قبل أربعة أسابيع تطل من ذاكرته... اتسعت حدقتاها بمجرد أن التقت عيناها عينيه. وقع القلم من يدها، واندفع جسدها إلى الأمام بحركة تلقائية سريعة كمن يتهيأ للنهوض. رفعت حاجبيها، فارتسمت أخاديد عميقة على طول جبهتها. فتحت شفتيها شبه المبتسمتين. استنشقت بعض الهواء من فمها مصدرة آه ذهول قصيرة سريعة. ثم، وخلال لحظة واحدة، عادت ملامحها إلى مكانها، وقد اكتست بمسحة من خيبة الأمل. عدّلتْ جلستها. أمسكتْ بالقلم لتتابع عملها من جديد. بدا وجهها كإشارة تعجب أخطأت المكان، ثم انسحبتْ خائبة.. الموظفة التي اتسعت حدقتاها حين التقت عيناها عينيه، قطبت حاجبيها وعبست في وجهه وكأنه مذنب... الموظفة التي كادت تقف لاستقباله، نظرت في أوراقه بلا اهتمام كما فعلت بأوراق ذلك الذي سبقه، أبعدتها بتأفف نحو زاوية طاولتها، ثم تركته منتظراً ريثما تنهي حديثاً جانبياً مع زميلة لها. أحس بنفسه وحيداً. تمنى لو أن عيون الناس.. جميع الناس.. تقتلع من جذورها. أغلق باب غرفته. أمسك مرآة صغيرة. قربّها من وجهه... مثل جميع الناس، لـه عينان عاديتان، وحاجبان متوسطا الكثافة، وأنف يشبه أنوف غيره من البشر، وفم لا يتميز بشيء عن أفواه الآخرين... مثل معظم الناس، لـه بشرة حنطية اللون، وعينان قاتمتان، وشعر أسود. وقد رضخ أخيراً فترك للمزين أن يقص شعره بحيث يماشي موضة العصر... مثل بعض الناس، وقف على هامش الصفحات. في المناطق الحيادية، حيث يراه الجميع، ولا يعبأ به أحد. يمرون عابرين ولا يتوقفون. يلمحونه ثم ينسون. في المدرسة لم يكافأ يوماً، ولم يعاقب أبداً... في الجامعة لم يخاطب أساتذته إلا نادراً، ولم يعرفه أي منهم... في الوظيفة، لم يرفض أمراً، لم يناقش قراراً، لم يقابل رؤساءه إلا بطلب منهم، ولم يتحدث إلى أي منهم لأكثر من دقائق... لم يصادق زميلاً، ولم يعاد آخر. عمل كآلة فلم يعاقب يوماً؛ لكنه -من جهة أخرى- لم يحصل على ترقية استثنائية أبداً. لم يعرف عنه أحد الكثير، ولم يعرف عن غيره أكثر مما قيل أمامه صدفة... لم يعبأ بالناس، ولم يسمح لهم أن يهتموا به. كتاب مغلق على صفحات بيضاء. كتاب لا يضم سوى العنوان وبعض الحواشي الضرورية... أبعد المرآة عن وجهه قليلاً. نظر إلى ملامحه بشكل عام. حدّق طويلاً. ذهل... في السابق، كان البعض يرميه بنظرات اهتمام مفاجئة سرعان ما تزول. كان يشعر بالفرح أو الزهو أو التكبر حين يلمح نظرات كتلك، وبشيء من القلق أو التوتر أو الخوف ربما لأنه لم يعتد أن يكون معنياً باهتمام خاص، ثم بانقباض وألم شديدين إذ تختفي النظرات قبل أن تلمسه عن قرب... ثم-وبلا أي جهد- ينسى الأمر، أو يتناساه... أما الآن، وقد ترك للمزين أن يعبث بقصة شعره كما يريد، فقد ازداد الأمر سوءاً... كلما مشى في الشارع، كلما جلس في الحديقة، كلما ركب حافلة أو قابل أناساً جدداً يلحظ أحدهم وقد رماه بلمحة خاصة أصبح يعرفها، ثم، وخلال ثوان، تفقد النظرة ملامحها، يكتسي الوجه بالخيبة، ويتجاهله من جديد.... ترك المرآة.. استلقى مسترخياً.. وحيد هو، والوحدة عبء لن يقوى على حمله طويلاً... منذ الغد، سيمضي بعضاً من الوقت في القهوة الشعبية القريبة. سيتعلم لعبة الطاولة التي يمارسها الجميع هناك. سيزور الجيران وسيدعوهم لزيارته. سيتقرب إلى زميلة له مازال معجباً بها بصمت منذ أشهر. سيصادق زملاءه في العمل. سيجلس معهم. سيتحدث إليهم عن الطقس، وآخر الأخبار، والأسعار و... تذكر وجوههم. حركات أيديهم. نظراتهم الغامضة. لا لن يجرؤ... هو المتوحد، مثار سخرية الجميع، وشكوكهم، وربما خوفهم... لن يجرؤ... هو الذي انزوى في خندق دون الآخرين... شعر بالوحدة ثقلاً يفوق طاقته. وقف أمام مرآة أكبر تاركاً مساحة واسعة من الفراغ حوله. أدار وجهه قليلاً نحو اليمين ثم نحو الشمال. أمسك فرشاة الشعر، رتب بعض الخصلات بحيث تغطي جانباً من جبينه. ازداد ذهوله. لقصة شعره الجديد دور أساسي على ما يبدو. لو كانت هذه الخصلات أطول قليلاً لكان... لقد أخبره ابن الجيران المراهق بذلك مرة. قال أنه لو كان مكانه لجعل من نفسه أشهر شباب الحي وأكثرهم حظاً من الفتيات... في ذلك اليوم لم يعر الأمر اهتماماً، أما الآن فلم لا.... بمساعدة ابن الجيران، اشترى كل ما يحتاج إليه: نظارة سوداء، ملابس جديدة ذات طراز حديث وألوان متميزة، مجموعة من أشرطة الفيديو والصور، ومجموعة أخرى من الأشرطة الفارغة. ابن الجيران أعاره الكاميرا الخاصة به، وأخذه إلى حلاق ذائع الصيت ليعيد تصفيف شعره مستعيناً بفرشاة أسطوانية صغيرة وأخرى كبيرة وشامبو من نوع خاص وبلسم ومثبتات مختلفة. ثم ساعده في شراء ما يماثلها حتى يستطيع القيام بالأمر نفسه فيما بعد. ابن الجيران المراهق الذي يصغره بأكثر من عشر سنين، أصبح أستاذه. أشرف بنفسه على كل شيء، وتبع تعليماته بدقة. حفظ أشرطة الفيديو لكثرة ما شاهدها. تدرب طويلاً على حركات صعبة لم يعتد جسده مثلها. سجل حركاته تلك على أشرطة الفيديو الفارغة، كررها وأعادها مراراً مراعياً ملاحظات أستاذه... وبعد إجازته التي دامت أربعة أسابيع، وقف أمام المرآة فوجد شخصاً آخر يحدق إليه... سيذهب إلى عمله.. سيقابل زملاءه... للمرة الأولى سيستمتع بإحساسه بالتفوق بينهم.. سيخترع سبباً لزيارة غرفة زميلته الرائعة، وستنظر إليه بإعجاب بالتأكيد... ستفكر به ليل نهار. وبعد أيام سيطلب منها موعداً. لن تخذله بالتأكيد... كانت تعديلات جذرية قد أجريت في منزله. الهاتف احتل مكانه قرب السرير.. كثيرات هن أولئك الفتيات اللواتي سوف يتصلن به في محاولة لإقامة علاقة مع شاب متميز مثله.. الخزانة امتلأت بملابس جديدة ذات ألوان وموديلات حديثة تتناسب مع وضعه الجديد كمحط أنظار عدد كبير من أفراد المجتمع... صور كثيرة تم طبعها لتوزع على المعجبات اللواتي سوف يلاحقنه... وحين وقف أمام المرآة ابتسم سعيداً... كان "س" المطرب المعروف الذي يشبهه إلى درجة كبيرة يقف أمامه وجهاً لوجه. خلع النظارة السوداء بحركة استعراضية، فخلع "س" نظارته. نظر إليه بغموض فأجابه بنظرة مشابهة. ابتسم متفائلاً، فابتسم "س" وكأنه هو أيضاً ينتظر أن تمنحه تلك الفتاة نظرة خاصة. انحنى قليلاً ثم رفع يده ملوحاً وكأنه يقف فوق خشبة المسرح أمام عدد من المتفرجين، فودعه هو الآخر. وحين استدار برشاقة راقص متجهاً نحو باب المنزل، غافله "س" ووقف يشيعه بنظرات استهزاء: لا حاجة للهاتف هنا.. الصور ستمزقها يوماً لترميمها، أما الملابس فلن يكون لها فعل السحر كما تظن... زملاء العمل سيزدادون سخرية منك.. ولزميلتك الجميلة معجبون كثر، وهي بالتأكيد لا تنتظر نسخة كربونية عن مطرب معروف... لا لم تتقن العمل... حلب 2000 |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |