|
||||||
| Updated: Sunday, September 21, 2003 01:57 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
سجين الزاوية هممت بلمس جفنه المغلق... نضح جسدي عرقاً بارداً.. ارتجفت من البرد.. من الخوف.. القشعريرة نسجت جسدي غربالاً فارغاً.. شبكة متداخلة من الخيوط والثقوب. أطراف أصابعي جامدة.. لون قاتم أخذ يلتهم حواف أظافري فغلبني الخوف.. هممت باستعادة يدي، فتجمدت مكانها بعناد.. أردت أن أهرب. كان جسدي تمثالاً من الزجاج البارد.. فكرت مشجعاً نفسي: هو الآن ميت، وأنا سيد الموقف. هو ضعيف، وأنا بكامل قوتي. هو وحيد، أما أنا.. فوجئت بأني وحيد معه، فازددت خوفاً.. مات؟ كان الخبر لعبة نارية انفجرت في سمائي فجأة، فلم أع -للحظة- ما حدث، لكن الشعور الأول الذي اعتراني بعد ذهول اللحظة هو الفرح.. ثم أحسست بالذنب.. مات.. ماتت القسوة، الكراهية، الألم. مات.. وأنا القابع في زاوية الخوف، أنتصب واقفاً، وأفكر أن أخطو مبتعداً.. أنا السجين يموت سجانه فجأة، فيرى الحرية تنتظره على بعد خطوات.. هل مات حقاً؟ بدا الأمر حلماً بعيداً تحقق فجأة. مارد يموت.. شجرة تستسلم لشعلة نار.. شعلة تنطفئ أمام ريح.. ريح تتكسر أمام جدار.. برج تنخسف به الأرض.. جبل ينهار فكأنه لم يكن. تذكرته بصورته المعتادة.. مرعباً كان... حذاء صيفي من الجلد القاسي، تطل منه أصابعه المكتنزة بطبقات من البشرة الجافة الميتة، تعلوها أظافره التي تبدو لي صلبة بشكل مبالغ فيه.. فوق قدميه تتأرجح حواف العباءة الفضفاضة بما يكفي لتضم كرشه المتكور أمامه، والذي جمع أجزاءه عاماً بعد عام منذ عرفته وحتى الآن.. على يسار ذلك الكرش، وعلى حدود ذروته، يد قوية تمتد لتحط على كتف طفولتي الناحل، ثم ترتفع لتمسك بعضد شبابي، فتشل جسدي من الخوف؛ وعلى يمينه يد أخرى-ذات أخاديد عميقة وبشرة جافة- ترتفع لتهوي على جسدي بضربة بسوط مجدول تفقدني حتى القدرة على البكاء، وتتركني منهاراً، أحدق في أي شيء أمامي دون أن أراه.. أشعر بالسوط كأفعى ملتفة تلسعني فتشل جسدي كله، وبالعالم حولي فارغاً.. أنكمش على ذاتي.. يملأني الخوف.. ألوذ بزاويتي.. أتشبث بها، فتحكم حصارها حولي.. في الأعلى، تقبع يداه عند الكتفين العريضين فوق صدره المكتنز الذي يشكل في وسطه قاعدة تحمل الشحم المتهدل في الذقن المتدلية ككتلة شمع نصف مذاب تخفي رقبته تماماً... فوقها، تطل الشفاه لتصرخ مهددة متوعدة أحدنا لسبب ما.. فوق الشفاه.. فوق الشفاه؟ بالتأكيد ثمة أنف وعينان وحاجبان ووجنتان وجبهة ثم الشعر، لكنني عاجز عن تخيلها. فوجئت بأني لم ألمح وجهه إلا مرات قليلة متباعدة انتهت جميعها برعدة منعتني من التفكير.. لعينيه لون غريب لا أذكره، ونظرات واجهتها مرة فملأني الرعب، وما زلت أرتجف كلما تذكرتها.. أذكر أني نظرت في عينيه مرة، ثم لم أجرؤ على مجرد التفكير في أن أكررها... على الحائط- وبجانب السوط الملتف كأفعى والذي علقه هناك ليذكرنا جميعاً بالسراط المستقيم- على ذلك الحائط، صورة له في شبابه.. الجميع يعتقد بأني أشبهه بعض الشيء.. حاولت أن أتخيل تلك الملامح الشابة تقبع فوق الجسد الكهل، فلم أفلح.. حقنت الوجه المطل من الصورة بكمية من الشحم المتهدل، ثم حفرت فيه خطوطاً متعرجة على طول الجبهة وبين العينين وعلى أطرافهما.. رسمت أخاديد على طرفي الأنف، وملأت الذقن بالشحم الكسول ككتلة الشمع نصف المذاب لتخفي الرقبة تماماً، فبدت الصورة منطقية بعض الشيء. لكن شيئاً كان ينقصها... مات.. مات فجأة.. وانفجرت لعبة نارية في سمائي شلالات من الأضواء الملونة.. مات فذهلت، ثم فرحت، ثم شعرت بالذنب لأنني فرحت، وبالألم من أجله. تألمت له أم لنفسي؟ لا يهم.. نفضت غبار السجن ببساطة، وفكرت أن أخطو مبتعداً... سوف أعمل مع صديقي في التجارة. ما ذنبي إن كان أبي لا يحبه؟ ولماذا علي أن أكون طوع أمره؟ سأتعلم حرفة الرسم على الزجاج التي أحبها، والتي رفض أن يسمح لي بممارستها. سأهجر العمل لدى صديقه. لم أرغب يوماً في أن أكون نجاراً مثله... "مات أبونا" قالت أختي وهي تبكيه.. أحطتها بذراعي مواسياً، فتأوه الجرح المرسوم فوق ظهرها بالسوط المجدول.. كانت أمي تقبع في إحدى الزوايا باكية أيضاً، واصطف الأقرباء على الأرائك مطرقين بما يشبه الحزن.. مات.. ماتت القسوة، الكراهية، الألم.. مات.. وأنا القابع في زاوية الخوف، أنتصب واقفاً، وأفكر أن أخطو مبتعداً.. أنا السجين تتكسر القضبان حولي فجأة، فأرى الحرية تنتظرني على بعد خطوات.. سأترك عملي لدى صديقه، وسأعمل في التجارة، وسـ... شعرت بالرعب لمجرد التفكير في الأمر.. طالعني الغضب في وجهه، والسوط في يده. تذكرت نظرات الاستهانة في عيني صديقي الذي وعدته بالعمل ثم تهربت منه، وفي عيني صديق أبي، معلمي النجار الذي تركته مرة ساخطاً ثم عدت إليه مكرهاً مهاناً.. أحسست بنفسي يائساً مهاناً. حاولت أن أنسى. حاولت جاهداً فلم أفلح.. حاولت ثانية فانتفض قلبي متوتراً مرتجفاً. فشلت، وتراجعت مكرهاً.. مات.. وأنا الحقد لا يجد ارتواءً.. أنا الكراهية.. أنا الجبن لا أجرؤ أن أبعد عن زاويتي.. أنا سجين الزاوية لسنين.. مفاصلي متحجرة، وجسدي. أمامي متسع من العالم، لكن نظرة عينيه تشلني... لا لن يأسرني وهو ميت أيضاً.. لونت وجهي بالحزن، ثم دخلت غرفته لألقي عليه نظرة وداع، وتشفي... شجعت نفسي طويلاً حتى أجرأ على كشف الغطاء عن وجهه... هو يشبهني حقاً كما يعتقد الجميع، لكن أين هي ملامحه الميتة المحايدة من تلك التي أرهبها؟.. وقفت أمام المرآة. لويت صورتي محاولاً تصنع القسوة، فبدوت مضحكاً.. شحنت نظراتي بكل ما أملك من القسوة، بكل حقدي عليه، فلم أنجح.. أنا النسخة المشوهة عن أبي في شبابه.. أنا الممثل الفاشل يحاول تقليد الآخرين، فيكرس فشلاً فوق فشله.. ابتسمت لمظهري الغريب في المرآة ابتسامة المستهزئ، فطالعني-عند زاويتها- وجهه الميت في السرير يتجاهلني.. ينكر أن يكون هو نفسه أبي الذي أعرف، صاحب اليدين الجبارتين، والعينين الشيطانية النظرات التي أرعبتني حد الموت فلم أتبين يوماً لونها.. ها هو أمامي ضعيف. عيناه لي بلونهما.. بحدودهما.. بكل ما فيهما من قسوة.. عيناه لي، وسأدرك سر النظرات.. سأعرف لونهما.. وسأجثهما من مخبئهما.. عيناه لي، وأنا سجين زاوية الخوف، أنتصب واقفاً، لأخطو مبتعداً... وهممت بلمس جفنه المغلق. نضح جسدي عرقاً بارداً.. ارتجفت من البرد.. من الخوف.. القشعريرة نسجت جسدي غربالاً فارغاً.. شبكة متداخلة من الخيوط والثقوب.. أطراف أصابعي جامدة.. لون قاتم أخذ يلتهم حواف أظافري فغلبني الخوف.. هممت باستعادة يدي، فتجمدت مكانها بعناد.. أردت أن أهرب.. كان جسدي تمثالاً من الزجاج.. فكرت مشجعاً نفسي: هو الآن ميت، وأنا سيد الموقف، وسأفتح عينيه المخيفتين بيدي، ثم سأكون شخصاً جديداً... هو ضعيف، وأنا بكامل قوتي. سأنظر في عينيه دون خوف، ولن أخاف شيئاً بعد الآن... هو الماضي، وأنا اليوم والغد.. هو الوحيد، أما أنا.. تذكرت أني وحيد معه فصعقت.. تراجعت يدي لتلتصق بجسدي مذعورة.. ركضتُ مبتعداً... حلب 1999 |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |