|
||||||
| Updated: Sunday, September 21, 2003 01:57 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
تهنـئـــــة كدس الكتب أمامها ووقف صامتاً.. كانت تتوقع منه- بعد غياب دام طيلة أشهر الصيف- أن يقول شيئاً. أرادت أن تسبقه.. أن تبدأ الكلام.. أن تخبره برؤيتها الجديدة، فخانها التعبير. ترددت.. تلعثمت.. لم تهيئ نفسها بعد لذلك اللقاء، فصمتت هي الأخرى وكأنها تنتظره.. كان قد فكر طويلاً في ما يريد قوله، وكيف، ومن أين يبدأ.. لكنه حين وقف أمامها، فقد تلك الكلمات التي اجتهد طويلاً في تحضيرها.. حاول أن يتذكر: يريد أن يشكر لها أولاً أن منحته فرصة قراءة تلك الكتب كلها. سيروي تلك القصة الملفقة التي اخترعها، ثم سيخبرها بقرار سيفرحها حتماً، ثم بقرار آخر لم تتوقعه.. سيحزنها بالتأكيد.. لا.. لا يريد لها أن تحزن بالفعل، فقط يريد أن يجد في ردة فعلها طريقهُ.. أن يمنحها فرصة لتفهمه، ولتفهم نفسها... هو أيضاً فكر في أن يمنحها بعض الكتب، وأن يتحدث إليها في نفس الموضوع، لكن من وجهة نظر أخرى... هو أيضاً أراد أن يخبرها بأشياء كثيرة.. أن يسلط عليها أشعة من النور بعد أن تخترق موشوره الخاص، فتنعكس بزاوية جديدة عليها.. وحين تذكر تجربة صديقيهما التي اكتملت بنجاح، لكن بخسارة أيضاً، أعاد التفكير في الأمر.. كان الصديقان قد نجحا في الحصول على السعادة التي تمنياها طويلاً، فحمل كل منهما خاتماً أملس في بنصر يده اليسرى، وضمهما سقف واحد، وجمعهما طبق طعام واحد، ومصير واحد. ثم-وخلال فترة قصيرة- انقلب العالم حولهما، وفي داخلهما... شعرتْ بالظلم، فشعر بالإثم. ندمتْ، وندم. تمنيتْ لو أنها لم تعرفه يوماً، وتمنى لو أنهما لم يلتقيا أبداً. كلما التقيا صديقيهما تساءل لم لا يخوضا تجربتهما بشكل مختلف.. كلما التقيا صديقيهما تساءلتْ لم يصطحبها دائماً لزيارتهما.. أعتقد أنهما يستطيعان أن يتجاوزا معاً جميع الضغوط كي لا يضطر أحدهما إلى تضحية يندم بعدها، واعتقدتْ أنه يطالبها بتقديم تضحية مماثلة. شعرتْ بالغبن. هل يحاول أن يقنعها بأن صديقيهما سعيدان؟.. بأن الزوجة لا تشعر بالندم؟.. بأنها -بعد عامين من الزواج- قانعة بحياتها الجديدة؟.. هل نسي أن الزوجة صديقتها المفضلة، وأن ما يقال بينهما لا يقال أمام الآخرين؟ ألم يفكر في أنها تشعر بالندم بعد أن خسرت أهلها ومعظم الأصدقاء؟ ألم يلحظ بنفسه نبرة الندم تطل بين كلماتها؟ قالت لـه إنها تحتقر صديقتها تلك، وأنها ترى في تنازلها خيانة لنفسها ولمجتمعها، وأن صديقه مخطئ إذ لم يقدم على تلك التضحية عوضاً عنها؛ فأجابها بأن كلاً منهما مخطئ. كان قد فكر في الأمر طويلاً. لن يقدم لها أياً من كتبه.. لن يتحدث إليها في ذلك الموضوع.. لن يحاول أبداً أن يشوه نورها بموشوره.. لم يخوضا تجربتهما بشكل مختلف؟ لم لا يبنيا حياتهما دون أن يقدم أحدهما تضحية قاسية كتلك؟ كان يمهد لحديث صريح معها حين فوجئ بها وقد بدأت تخطط لما كان يريد أن يفعله سابقاً... أحاديثها الطويلة. الكتب التي تقدمها إليه من مكتبتها الخاصة وتستعرض أمامه روعة أفكارها العميقة المتميزة. ثم انتقادها الدائم لصديقه الأناني الذي لم يقدم التضحية عوضاً عن زوجته التي ما تزال تعاني جراح التجربة حتى اليوم.. "لم يكن أي منهما مضطراً إلى تقديم تضحية جوهرية كتلك" قالها بنبرة تأكيد كمن سئم تكرير عبارة أمام من لا يفهمه. ترددت قليلاً... منحته كتاباً آخر كانت قد أعدته سابقاً ليقرأه خلال عطلة الصيف، وودعته على أمل اللقاء في العام الدراسي الجديد.. هي لا تريد أن تراه طوال تلك الفترة إذاً... حملق في الكتاب طويلاً... قرأ صفحات من بعضها... تذكر أحاديثها المكررة عن تلك الكتب الكنوز. تساءل كثيراً كيف يقنعها. كيف يمسها بفكره.. برؤياه.. كيف يجمع بين ما يرسله موشورها من أشعة، وبين الضوء المجرد من أي تأثير. هل كان مخطئاً حين أحبها؟ فكر أن يتراجع.. حاول-دون جدوى- أن يبعد ذكراها عن مخيلته ففشل.. قرر أن يقوم بمحاولة أخرى... ستكون الأخيرة حتماً.. سوف يقوم بزيارتها بعد أيام. سيشكر لها أن منحته فرصة قراءة تلك الكتب الرائعة. سيلفق قصة لم تحدث قط عن زيارة استنفذت وقته وفكره طوال فصل الصيف. ثم سيخبرها بقرار سيفرحها حتماً، ثم بقرار آخر لم تتوقعه.. سيحزنها بالتأكيد.. لا.. لا يريد لها أن تحزن بالفعل، فقط يريد أن يجد في ردة فعلها طريقه.. أن يمنحها فرصة لتفهمه، ولتفهم نفسها. كانت قد فكرت طويلاً في كل ما قاله. أعادت اجترار كلماته في ذاكرتها مراراً.. أن لا يقدم أي منها تضحية يعني أن... تحبه، لكن الأمر يبدو مستحيل التحقيق... تحبه كثيراً... يبدو الأمر صعباً بالفعل، لكنه -من وجهة نظر أخرى- معقول... تحبه وتفتقده أكثر بكثير مما تظن... تذكرتْ كلماته: "لم يكن أي منهما مضطراً إلى تقديم تضحية جوهرية كتلك". ما الفرق- في حالة كهذه- بين أن يتنازل الرجل، أو المرأة؟ يبدو الأمر صعباً بالفعل، لكنه الحل الوحيد الذي يحقق شيئاً من العدالة. لو فكر-للحظة- في أن يستسلم لرغبتها لرأت فيه رجلاً ضعيفاً مهزوز المبادئ... لو فعل لفقدت احترامها له كما فقدت احترامها لصديقتها، ولما تابعت طريقها معه. شعرتْ بالندم لأنها لم تحمل نفسها قبلاً عبء محاولة فهم نفسها، وفهمه... كانت تجتهد في اختيار كلمات مقنعة لتخبره برؤيتها الجديدة، حين كدس الكتب أمامها ووقف صامتاً.. كانت تتوقع منه-بعد غياب دام طيلة أشهر الصيف- أن يقول شيئاً. أرادت أن تبدأ الكلام.. أن تخبره بأنها لا تنتظر منه أن يتخلى عن إحدى قيمه، وبأنها لن تقبل به إن فكر-للحظة- أن يفعل؛ فخانها التعبير. ترددت.. تلعثمت.. لم تهيئ نفسها بعد لذلك اللقاء، فصمتت هي الأخرى وكأنها تنتظره.. كان قد فكر طويلاً في ما يريد قوله، وكيف، ومن أين يبدأ.. لكنه حين وقف أمامها، فقد تلك الكلمات التي اجتهد طويلاً في تحضيرها.. حاول أن يتذكر: أولاً يريد أن يشكر لها أنها منحته فرصة قراءة تلك الكتب كلها. قال مبتسماً: "لم تفلحي-رغم ثقافتك- في وصف هذه الكتب القيمة. إنها أعمق بكثير مما توقعت." ابتسمت هي الأخرى وهي تبحث-دون جدوى- عن طريق تصل بالحديث إلى حيث تريد. عليه الآن أن يخبرها تلك القصة التي لم تحدث قط عن زيارة استنفذت وقته وفكره طوال فصل الصيف: "لقد قرأت الكتب جميعها عدة مرات متذكراً أحاديثك، ومستمتعاً بكل ما فيها من معاني سامية؛ ثم أمضيت فصل الصيف في واحد من أماكن العبادة مرافقاً لأحد رجال الدين ليل نهار فتعلمت منه الكثير... نظر في عينيها. كانت نظراتها جامدة. هل أذهلتها السعادة؟ تابع تنفيذ خطته. سيخبرها بقرار سيفرحها حتماً، ثم بقرار آخر لم تتوقعه.. سيحزنها بالتأكيد.. لا.. لا يريد لها أن تحزن. فقط يريد أن يجد في ردة فعلها طريقه.. أن يمنحها فرصة لتفهمه، ولتفهم نفسها. لو باركت قراره المزعوم فذلك يعني أنها تفهم نفسها جيداً، وعرف ما تريد، وأنها لن تتزوج من رجل لا ينتمي إلى نفس الدين، وأن شيئاً لن يجمعهما، فهو لن يتخلى عن انتمائه... شعر بالتوتر لمجرد التفكير بهذا الاحتمال، ثم أبعده عن مخيلته متفائلاً... ذلك لن يحدث أبداً. ما يخيفها بالفعل هو أن تقف ضد المجتمع بكل من فيه... لابد أنها سوف تعترض لأن قراره هذا سيحرمها من علاقة الحب التي تربطها به. عندها يستطيع أن ينفذ إلى داخلها ليكشف لها حقيقة نفسها. نظر إليها منتظراً جوابها. بدت له شاحبة. كانت تشعر بالأسف. لا. لن تبذل أي محاولة.. لن تمضي حياتها زوجة لرجل لا تكن له الاحترام... وكمن يطوي صفحة. كمن يقول وداعاً، قالت: "ألف مبروك".. حلب 1999 |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |