همسات صينية - هَيْمى المفتي

مجموعة قصصية - من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق - 2001

Updated: Sunday, September 21, 2003 01:57 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

المارد

أذكر أني ابتسمت يومها..‏

الحجر وقع من يدي أم تركته طواعية؟ بدا لأصابعي الصغيرة ثقيلاً؟ لا أذكر. لكنه تدحرج مبتعداً ولم أكن أرغب في التقاط آخر..‏

راقبت عربات القطر.. واحدة، اثنتان، ثلاثة.. بدأت بعدها، ثم فكرت في عد الشبابيك، ورؤوس الركاب، فاختلط الأمر علي..‏

كان صوته-إذ يصفر من بعيد- يصم أذني عن كل ما حولي. أندفع خارجاً. أقف قرب السكة الحديدية المغروزة في الأرض كجزء منها.. أراقب الخط الأسود الطويل يقترب، والصوت النحيل يعلو، فيغيب العالم حولي.. يندثر.. يتجمع في المارد الغريب ذي العربات التوائم المصطفة بنظام والمدخنة الضخمة تنفث غيوماً رمادية قاتمة، تكبر وتبهت وهي تندفع إلى الخلف، ثم تعلو.. تتبعثر.. تفقد لونها.. تتلاشى.. تفسح مكانها للسماء من جديد..‏

في داخل المارد.. في كل عربة من عرباته، رؤوس مصطفة بنظام كعربات القطار نفسه.. إنهم رجال مثل أبي لكنهم يختلفون عنه. وهم يمتطون الحديد الذي يسير على عجلات كتلك التي تسير عليها عربة أبي الخشبية، لكنها تختلف أيضاً.. كيف يتشابه الناس وكيف يختلفون؟ كيف تتشابه العجلات وكيف تختلف؟ لا أدري.. لكن حظ أولئك الناس جعلهم يمتطون القطار الحديدي، ويرحلون بسرعة بساط الريح نحو أماكن بعيدة تتجاوز الأفق..‏

تخيلت أن القطار المارد مخلوق أسطوري يسير بصورة مستمرة مكرراً-بسرعة خيالية- دورات طويلة حول الأرض في حلقات مفرغة لا تنتهي حاملاً أولئك المحظوظين للاستماع بعالم لن أعرفه أبداً.‏

ابتسم أبي: "القطار يسير لينقل الناس من مكان إلى آخر.. في القرية المجاورة "محطة". هناك يقف القطار فيصعد إليه أولئك الذين يرغبون في الذهاب إلى أماكن أخرى..‏

-ولماذا يذهب الناس إلى أماكن تختلف عن تلك التي يعيشون فيها؟‏

-لبيع محاصيلهم.. لزيارة أقربائهم.. لأسباب‏

كثيرة..‏

-ولماذا لا يتوقف القطار في قريتنا؟‏

-لأن قريتنا صغيرة. عندما يضطر أحدنا إلى السفر يذهب إلى القرية المجاورة ليستقل القطار من هناك..‏

على وعد بركوب القطار بعد بيع المحصول وتوفر المال، غفوت يومها متأرجحاً بين الحلم واليقظة..‏

الصوت المتواتر لم يفارقني.. العربات التوائم تدور حولي.. الدخان يملأ السماء كلها، وأنا مركز الكون. بيدي أمنح القطار أمري فيتحرك، وبيدي أوقفه. أصعد حيث يحلو لي، وأهبط حيث أريد.. أراقب-بعيون متعالية- الناس الواقفين على أرض لم يعرفوا غيرها يوماً، فيكبر في داخلي فرح غامض من نوع خاص.. فرح من يعرف مالا يعرفه الآخرون.. زهو ربما.. شعور بالتفوق..‏

على وعد بركوب القطار أمضيت أياماً وليالي من الحلم.‏

أصبح القطار عالمي كله، وانكمش الكون حولي ليتحول إلى رحلة في القطار وزيارة للمدينة..‏

لكن الأمطار تآمرت علي. المزروعات نمت ببطء، والصيف جاء باكراً فضاع نصف المحصول. لم يكسب أبي الكثير، ونسي وعده لي، أو تجاهله على أمل أن أنساه؛ ثم أخبرني باستحالة تنفيذه في ذلك العام، فذهب بما بقي لي من أمل...‏

اندفعت إلى الخارج. لم يكن الموعد قد حان بعد، لكنني وقفت بانتظاره...‏

ومرّ القطار في خيالي عشرات المرات. بدخانه الكثيف القاتم.. بحركته السريعة السريعة السريعة.. بالتوائم المتلاصقة في الجسد الضخم.. بالشبابيك الكثيرة.. برؤوس الرجال تطل منها.. بأولئك المحظوظين يرمقونني بنظرات خاطفة إذ أقتحم عليهم المشهد الطبيعي..‏

مر القطار بقربي، وكعادته لم يتوقف. دار حولي بسرعة عجيبة. كدت أفقد توازني، لكنه اختفى فجأة..‏

كان الصفير البعيد يعلو ببطء بليد... كان قلبي يجتهد في زيادة ضرباته، والدموع تقطر من عيني كنصفي ليمونة تعصر. وكان القطار المارد-كعادته- يسير متجاهلاً وجودي...‏

حملت حجراً. سأقذف القاطرة الأولى حال اقترابها. سأقذف القاطرة التي تجر وراءها جميع العربات، وتنفث الدخان، وتصدر الصفير، وتمر بقربي دون اهتمام.. سأقذفها علها تتألم.. تتأوه.. تحزن.. تصمت عن الصفير.. تقف مكرهة.. سأقذفها لعل شيئاً ما يتغير..‏

متسلحاً بكل ما في جسدي الضعيف من قوة، وبكل ما في قلبي من حقد، رفعت يدي المكورة ونظرت متحدياً ذلك الذي يحتل القاطرة الأولى وحده. رفعت يدي ونظرت في وجهه فابتسم، ورفع يده ملوحاً لي..‏

أذكر أني ابتسمت يومها أنا الآخر.. شعرت بسعادة ما.. بأني لست منبوذاً..‏

الحجر وقع من يدي أم تركته طواعية؟ بدا لأصابعي الصغيرة ثقيلاً؟ لا أدري.. لكنه تدحرج مبتعداً ولم أكن أرغب في التقاط آخر..‏

خلال ثوان، وقبل أن يغيب الوجع عني، رفعت يدي ملوحاً باندفاع.. قفزت ربما.. لوحت باليدين معاً.. خيل إلي أن بسمته تزداد اتساعاً، فازددت سعادة..‏

راقبت عربات القطار.. واحدة، اثنتان، ثلاثة.. بدأت بعدها، ثم اختلط الأمر علي.. بعد العربة الأخيرة جلست أشيعه بنظرات وداع لن يكون الأخير حتماً، فأخذ يصغر..‏

حلب 2000‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244