|
||||||
| Updated: Sunday, September 21, 2003 01:57 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
أرق إنها الرابعة فجراً. رنين الهاتف المتواصل اقتلعني عنوة من سريري. كان الأرق جليسي في تلك الليلة، وحين بدأ النوم يستسلم لجفني المرهقين بعد مطاردة طويلة، رن جرس الهاتف... ذلك المساء، كنت قد اندفعت نحو المشفى حين استدعيت على عجل لإسعاف رجل أصيب في حادث سيارة. حالة المريض لم تكن تستدعي القلق، لكن السائق المتسبب في الحادث كان في حالة يرثى لها من الرعب.. كان مراهقاً يرتدي آخر صرعات الأزياء المزينة بأزرار معدنية لامعة تكاد تخفي القماش كلياً، ويحمل أحدث هاتف متحرك لا يزيد حجمه عن علبة كبريت، وقد ترك لشعره الطويل أن ينسدل ليغطي كتفيه وجزء من جبهته، ولون بعض خصلاته بألوان متماوجة فبدا كدمية ملونة لمخترع غريب الأطوار. أمام رجال الشرطة تصنّع الإغماء، ثم ادعى فقدان الذاكرة، وحين استنفذ كل ما تفتق عنه الذهن من حيل، وقف مستسلماً بعينين جامدتين ووجه منخفض، يجيب على الأسئلة. لقد كان متوجهاً نحو أحد الملاهي ليمضي سهرة بريئة مع أصدقائه، حين وقع الحادث... نعم، هو لا يملك شهادة قيادة، لكنه يتقنها كمحترف سباق. لا، لقد استقل السيارة دون أن يستأذن أباه. نعم هو آسف لما حدث، لكنه ليس ذنبه. إنه قدر ذلك الرجل، وقدره... لا لم يكن مسرعاً، لكن الرجل ظهر أمامه فجأة، ولم يكن لأي سائق خبير أن يتفاداه.. نعم، يدرك أبعاد القضية، ويعرف أنه في مأزق. لا، لم يكن يحاول أن يهرب، لكن الخوف جعله يركض قبل أن يفكر في أي شيء... كان متوتراً، يرتشف الماء بين كلمة وأخرى بيد واهنة لا تستقر على حال.. عند كل سؤال، يبعد خصلات شعره الطويل عن جبهته، ثم يعيد تجفيف العرق المتفصد منها.. يبدو مذهولاً حتى أمام الأسئلة التقليدية. يتردد.. يتلعثم.. ويلوك كلماته طويلاً قبل أن يجيب. "الرجل بخير" قلت مجيباً الضابط. اتسعت عينا الشاب فبدت-لأول مرّة- ملامح الحياة فيها. أسند ظهره على مقعده مسترخياً كمن ارتاح فجأة من عبء ثقيل، ثم استند بمرفقيه على ركبتيه. أغمض عينيه.. غطى وجهه بيديه الواهنتين، وبدا كأنه يتلو صلاة شكر... الساعة تشير إلى الرابعة فجراً. كنت قد عدت إلى منزلي أحمل عبء ذكرى الشاب التائه ووالديه الذين صدما به، وبأنفسهما على ما أظن... التلفاز لم يستطع أن يسليني، والكلمات في كتبي لم تستجب لي، فكان الأرق جليسي في تلك الليلة؛ وحين بدأ النوم يستسلم لجفني المتعبين بعد مطاردة مرهقة، رن جرس الهاتف. إنها إدارة أحد الفنادق تطلب حضوري لعلاج مريض من نزلائها يريد طبيباً على عجل.. كان شاباً في العشرينات. شاب ممتلئ حد التخمة، لكنه شاحب كالموت... جلس وحيداً. على طاولته مجموعة متنوعة من أصناف الطعام الشهية تكفيه مدة أسبوع كامل. أمامه عبوتين فارغتين من عصير الشعير، وفي يده ثالثة يرتشفها بجرعات سريعة متوترة. يشعر بألم لا يطاق في معدته. كثرة السوائل-قال- تؤذي معدته الفارغة، لكنه يشعر بالعطش الشديد، وبفقدان الشهية.. لا لم يذق الطعام بعد.. إنه خادمه الذي ينام مرتاح البال في صالة الجناح، إنه ذلك الهندي الفقير البسيط، من تناول الطعام بشهية مفتوحة يحسد عليها، ثم نام بمجرد أن لامس رأسه قماش الوسادة... لا.. هو ليس غريباً هنا. منزله يبعد مسافة عدة كيلومترات فقط، لكنه أراد أن يغيّر المكان حوله علّه يهدأ، فحضر ليمضي الليل في الفندق مع خادمه الذي نام كعادته وتركه وحيداً.. شعرتُ بالغبن إذ تركت فراشي-بعد ليلة أرق مرهقة- لأستمع إلى هلوسات شاب يعاني ألم الحياة تحت عبء الفراغ. ماذا يعمل؟ خيل إلي أن سؤالي بدا لـه غبياً. كيف أسأل شخصاً في جيبه ما يماثل معاش موظف لسنة كاملة، ولديه خادم هندي خاص يقوم بكل ما يريد كيف أسأل شخصاً مثله عن عمله؟ لقد ترك الدراسة في المرحلة الثانوية لأنه لا يحبها، ثم قام بكل ما يتمناه شاب في عمره. أمضى وقته في التسكع في المراكز التجارية والملاهي حتى كره التسكع، وقع في حب عدد من الفتيات سرعان ما ملّ منهن، ثم رافق عدداً من الغواني حتى سئم منهن، ومن نفسه. وقام بزيارة عدد كبير من بلدان العالم مستمتعاً بكل ما فيها من ملذات، ثم سئم أن يعيش كل يوم في مكان... وها هو الآن هنا وحيد. السفر لم يعد مغرياً. صحبة فتاة قد تسعده لساعات قليلة لا تدوم، وشراء سيارة جديدة يملؤه بالفرح ليوم سرعان ما ينتهي، فتنتهي السعادة معه. أما المشكلة الصحية الملحّة التي يعاني منها ذلك المريض والتي أيقظني لأجلها من النوم-بعد ليلة الأرق الطويلة تلك- فهي ليست ألم المعدة أو فقدان الشهية... إنها الأرق... دبي 1998 |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |