همسات صينية - هَيْمى المفتي

مجموعة قصصية - من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق - 2001

Updated: Sunday, September 21, 2003 01:58 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

تنفيذاً لوصية المرحوم

فيلا في جبل الأربعين مؤلفة من طابقين، ومجهزة بالكامل بأفخر الأثاث، وجميع وسائل الراحة والاستجمام. تكييف وتدفئة مركزيان. حديقة واسعة تحيط بالفيلا من جهاتها الأربع، وتطل على بساتين أريحا الخلابة. مسبح وصالة للرياضة وموقف خاص يتسع لثلاث سيارات. للبيع بمبلغ عشرة آلاف ليرة سورية. للمراجعة الرجاء الاتصال بالرقم.......‏

في الصباح الباكر من يوم صدور الإعلان جلست قرب الهاتف أنتظر رنينه، وأرتشف قهوتي بتلذذ غريب يشبه سعادة من يوشك أن يكسب حرباً. سأبيع الفيلا لأول شخص، لأي شخص، ما دامت النيران التي تغلي في عروقي سوف تهدأ.‏

عشرة آلاف ليرة فقط؟؟‏

قبل يوم واحد، هددني ابني البكر برفع دعوى للحجر.‏

زوج ابنتي قال أن مساً قد أصاب عقلي دون شك، أما ابني الأصغر فقد سألني عن السبب بنبرة تحمل نوعاً من الاتهام.‏

لا لم أخطئ حين أخبرتهم. لقد كانت رغبة خفية مني في أن يرسل الأبناء صديقاً لا أعرفه ليشتري الفيلا فتعود إليهم.‏

التزمت الصمت حتى فرغ الجميع، ثم أخبرتهم أني أنفذ رغبة لوالدهم المرحوم الذي لم يمنحه العمر فرصة أن يوثق أمنيته الأخيرة في وصيته.‏

-وهل طلب أبي أن تباع الفيلا بمبلغ لا يتجاوز جزء من الألف من ثمنها؟‏

-لا. لقد طلب أن تباع إلى شخص لا أعرفه من قبل، ومن خلال إعلان في الجرائد يسمح لأكبر عدد ممكن من الأشخاص أن يعرف بأمرها لكي تأتي بالثمن المطلوب.‏

-وأي ثمن هذا!‏

تجاهلت تعليق ابنتي الساخر وتابعت: على فراش الموت، سألني أن أقسم على أن أنفذ له طلباً أخيراً مهما كان ذلك الطلب مؤلماً بالنسبة إلي. وضعت يدي فوق كتاب الله، ثم أقسمت. وها أنا أنفذ طلبه الأخير.‏

-ولماذا طلب أبي أن تباع إلى شخص غريب؟‏

-ربما كان يخشى أن أبيعها لأحدكم بثمن لا يرضيه..‏

قالت ابنتي وقد شعت من عينيها حقيقة كانت قد غابت عن بالها:‏

أعرف أسباب خلافاتك مع أبي في الأشهر الأخيرة من حياته. أدرك كم هو مؤلم شعور المرأة بأن زوجها يخونها مع أخرى أفهم لماذا طلبت منه أن يطرد مديرة مكتبه، وأن يبيع فيلا الجبل التي وجدت فيها آثار امرأة غريبة. لكن ذلك لا يبرر رغبتك في بيعها بذلك الثمن... لا أفهم لماذا صممت أن تكون هذه الفيلا بالذات جزءاً من نصيبك في الإرث، ولماذا تصممين الآن على أن...‏

قاطعتها قائلة: ألم يستأثر كل منكم بنصيبه من الإرث كما جاء في وصية المرحوم؟ أليست هذه الفيلا جزءاً من نصيبي؟ لو أني لم أقسم له يومها لما بعتها بذلك الثمن.‏

لماذا اخترت أن تكون لي أصلاً.‏

واحداً بعد الآخر انسحب الأبناء ضاربين كفاً بكف. أما أنا فقد نمت في تلك الليلة وشعور بالفوز يغلفني بسعادة عميقة لم أعرفها منذ اشهر.‏

بعد أيام كنت-برفقة المحامي الذي حاول جاهداً أن يقنعني بالعدول عن رغبتي- أوقع عقداً لبيع الفيلا.‏

صافحت المشتري الذي لازال يتساءل-على ما أظن- إن كنت مجنونة، ثم استلمت مغلفاً يضم عشرين قطعة من فئة الخمسمائة ليرة بالتمام والكمال.‏

نظرت إلى المغلف مبتسمة بنوع من التشفي، ثم سألت المحامي أن يسدي إلي خدمة أخرى فيستدعي المديرة السابقة لمكتب المرحوم للقائي.‏

كانت شابة مترفة المظهر، ترتدي ثوباً ربما يزيد ثمنه عن المبلغ الموجود في المغلف. لابد أن زوجي كان قد اشتراه خلال إحدى زياراته إلى أوروبا. تألمت لتلك الفكرة، ثم استجمعت طاقتي وقلت: "لقد قمت ببيع فيلا الجبل. تعرفينها طبعاً.. هناك حيث كنت تلتقين بزوجي."‏

احمر وجه الفتاة... ارتبكت.... أبعدت نظراتها عن عيني كمن يشعر بالذنب.‏

حدقت في وجهها وتابعت:‏

تنفيذاً لوصية المرحوم. كما وعدكِ قبل أن يسبقه الموت، وكما أقسمتُ له خلال الدقائق الأخيرة من حياته. أقدم لك الثمن كاملاً.‏

حلب 2000.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244