|
||||||
| Updated: Sunday, September 21, 2003 01:58 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
البالون منتشياً كبالون منفوخ حتى التخمة، أو كحبة ذرة جافة تشظّت بالنار حتى لفظت أحشاءها فتضاعف حجمها مرات، مشى مختالاً. رمى أمامها مجموعة أوراق يعرف جيداً أنها لن تفقه منها شيئاً. نظر في عينيها بثقة وقال: ها هي نتائج التحاليل والفحوصات الطبية. لقد أجمع الأطباء على أنني معافى تماماً. قالها كمن ينتقم... كمن يثأر لذنب... كمن يتشفى... وبينما ثبت نظراته في عينيها مختالاً بفرح مفتعل يعرف أنها لن تجرؤ على تكذيبه، كانت هي تتذكر تلك السنة التي عاشتها معه حتى الآن. يدخل البيت كأمير.. يصدر الأوامر كملك.. يصرخ كنخاس.. يعترض على صنف الطعام أياً كان، وعلى ذوقها مهما فعلت، وعلى كل ما حوله دون استثناء... يخطئ، ثم يحملها وزر خطئه دون أدنى شعور بالذنب... كان هو الفارس الذي لا يشق لـه غبار. أما هي، فكانت الشجرة التي دفع ثمنها المهر والذهب والملابس الجديدة والهدايا، وعاماً كاملاً من عمره دون أن تمنحه ابناً يحمل اسم أبيه ويرث ثروته... استشارتْ طبيباً أكد أن شيئاً لا يمنعها من الإنجاب، فثار غضباً، كيف تجرؤ على الادعاء بأنه هو -بكل فتوته وشبابه- عاجز عن إنجاب طفل؟. لكنه في اليوم التالي سافر-بشكل مفاجئ- إلى مدينة قريبة، وذهب سراً إلى طبيب هناك، ثم عاد وقد ملأ الحزن قلبه فملأ حياتها غضباً وصراخاً وعناداً....."لو أنك تنجبين طفلاً، لما......" يدرك أنه يظلمها، لكن من ينصفه هو من حكم القدر الظالم؟... أصبحت هي وراء فشل مشاريع تجارية لم تعرف عنها شيئاً، ومنغصات العمل التي لا تنتهي، وتأخر وصول بضاعة لم تسمع عنها من قبل، وخلافه مع شريكه الذي لا تعرفه. بل صارت-من حيث لا تدري- وراء هبوط مؤشر أسواق المال، وارتفاع سعر الدولار المفاجئ، وهطول الأمطار المزعج يوم العطلة، وانقطاع الكهرباء، ومرض أبيه، والجرح الذي أصاب إصبعه حين قشر برتقالة... كان كمن ينتقم لذنب يعرف أنها لم ترتكبه، وكانت تتساءل مراراً إن كانت رغبته الدفينة في الإنجاب وراء كل ذلك؛ لكنها حين وجدت- بالصدفة- مجموعة أوراق مخبأة بعناية فائقة في درج مكتبه، ساورها شك في أن تلك التحاليل الطبية الحديثة التاريخ والمعنونة باسمه تحمل أخباراً لا تسره، لابد أنها تتعلق بشكواه الوحيدة... استشارات طبيباً آخر، فأكد أنها سليمة تماماً وأن صاحب التحاليل التي اختلستها من درج زوجها يعاني عقماً لا أمل في شفائه... فكرت طويلاً، ثم اتخذت قرارها: سوف ترضى بما قدر لها.. ستشكر الله وترضى... ستعيد الأوراق إلى مكانها وكأنها لم تر شيئاً.. المرأة لا تتواطأ مع القدر ضد زوجها... سترضى، وستنحني لقدرها وقدره. من يرضى يعيش... لكنه لم يرض، وجعل يملأ الكيل صراخاً ولوماً وذلاً وشتائم حتى طفح، وعبأ كل ما جبلتْه من مكاييل الصبر فامتلأت ثم فاضت هي الأخرى وأغرقت رغبتها في التسامح والرضى. ماذا لو فضحتْ أمره أمام مجلس العائلة؟ سوف يضربها؟.. يثور؟.. يغضب؟.. لا يهم... في النهاية لن يجرؤ على إذلالها: "لم أعد أتحمل إهاناته. أنا الزوجة الثانية التي تفشل في إنجاب طفل له. ألا يعقل أن يكون هناك ما يمنعه هو من الإنجاب؟ لقد زرت طبيباً أكد أني لا أعاني أي عائق صحي. لماذا لا يستشير طبيباً هو الآخر؟". أمام إلحاح كبار العائلة بمن فيهم والديه، وقف عاجزاً... وَعدهم باستشارة أخصائي، ثم انسحب من مجلسهم غاضباً. لا لن يستطيع أن يخبرهم بأنه... تلك اللعينة.. كيف تجرؤ على... ماذا لو كشف أمره؟.. لا لن يعرف أيّ منهم سره، ولن يسمح لزوجته أن تلامس بنظرات متعالية وواثقة عينين منكسرتين في وجهه. سيقول ما يحلو له، ولن تجرؤ على تكذيبه... كان كبار العائلة مع صغارهم مجتمعين حين دخل منتشياً كبالون منفوخ حتى التخمة. أمامهم جميعاً رمى مجموعة أوراق يعرف جيداً أن أحداً لن يفقه منها شيئاً. نظر في عينيها بثقة وقال بصوت قوي يسمعه الجميع: ها هي نتائج التحاليل والفحوصات الطبية. لقد أجمع الأطباء على أنني معافى تماماً. قالها كمن ينتقم.... كمن يثأر لذنب... كمن يتشفى ... وبينما ثبت نظراته في عينيها مختالاً بفرح مفتعل يعرف أنها لن تجرؤ على تكذيبه، كانت هي تتذكر تلك السنة العلقم التي عاشتها معه حتى الآن ، والشاب الذي داعب أحلام أنوثتها قبله بحس مرهف لا تزال تفتقده، وملاطفات زميلها في العمل الذي مازال يتفوه بألفاظ منمقة تلامس جراح أعماقها، ويرسل نحوها نظرات شهوة وقحة تبهرها، فتكبت في داخلها رغبة عطشى لكن سريّة. الآن تحس بتلك النظرات الوقحة.. بتلك الكلمات.. كقطرة الثلج فوق الجرح المفتوح. ماذا يضيرها لو رشفت قطرات من الحب الصرف الخالي من الذل.. لماذا عليها أن تقدم فروض الولاء لرجل مثل زوجها؟ لماذا يكون عليها أن تحفظ كرامة من يذلها؟. بعد أسابيع، وأمام العائلة بأسرها، وقفت برأس مرفوع وملامح قوية. نظرت في عينيه بثقة وقالت بلهجة متحدية تتنافى وكلماتها: "لقد أخطأت في حقك، وأوجد أنه من واجبي أن أعتذر أمام الجميع عن كلام جارح قلته لك قبل أسابيع. لقد كنت مثال الرجل الذي يعامل زوجته بالحسنى رغم فشلها في منحه طفلاً. نعم. أنا الأنثى الناقصة التي لم تعطى ثمراً، وأنت الرجل الكامل الذي صبر رغم كل شيء. أجدني مدينة لك بالكثير." -ذهل للحظات.. نظراتها.. لهجتها.. وقفتها مرفوعة الرأس.. شعوره بأنها تعرف الحقيقة.. كل شيء فيها بدا مخيفاً.. لكنه استجمع شتات نفسه فكبر البالون حتى كاد ينفجر. ابتسمت وتابعت: "لكن الله القادر على كل شيء لم يشأ إلا أن يكافئك على تفانيك بما تستحق، ويكافئني معك وإن كنت لا أستحق." توقفتْ عن الكلام لتستمتع برؤية القلق يلف جسده، ويتفصد عرقاً على جبينه، ويطل حيرة من نظراته، ثم تابعتْ: "سأنجب طفلاً يسعدني، ويسعد زوجي الحبيب الصابر. أنا حامل." قالتها كمن ينتقم... كمن يثأر لذنب... كمن يتشفى... وبينما ثبتت نظراتها في عينيه مختالة بفرح مفتعل تعرف أنه لن يجرؤ على تكذيبه، كان هو يتهاوى أمام عينيها كبالون فارغ... حلب 2000 |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |