|
||||||
| Updated: Sunday, September 21, 2003 01:58 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
لقطات ضوئية الصورة الأولى: عجوز من مكانه على رمال الشاطئ، شاهد ابنه أمامه يطوف بذلك القارب الصغير ليشق صفحة الماء ساحباً خلفه خطاً طويلاً كثيفاً من الزبد يتضاءل حتى التلاشي. شعر بسنين عمره الغابرة تعود، بسنوات مراهقته المرهقة خلف آلة النسيج تتلاشى بكتفيه المقوسين بفعل الانكباب على العمل لسنوات طويلة يرتفعان فرحاً، بجسده الذي شاخ قبل الأوان يعود شاباً. لقد صنع لابنه المراهق عالماً خالياً من كل ما أرق سنوات مراهقته، وها هو أمامه شاباً سعيداً ينطلق في فضاء لا تحده جدران مصنع، ولا يعرف ألم تنكيس النظرات أمام رغبات صاحب العمل. ها هو أمامه معافى بمنكبيه العريضين المتناسقين. بنظراته المتفائلة تنطلق لتضم الأفق كله. بخصلات شعره الطويلة تطير خلفه بحرية بفعل اندفاع الريح... بجسده كله يكاد يطير.. لوح الشاب لوالده، فبادله التحية باندفاع من حقق حلماً. وقف بثقة متحدياً احتمال انقلاب المركب الضيق المخصص لشخص واحد في وضعية الجلوس. رفع يديه الممسكتين بالمجداف عالياً. تمايل يميناً ويساراً كيد تلوح من بعيد مستعيناً بمجدافه ليحافظ على توازنه. خيل إليه أن العالم كله في متناول يده. كان جسده المتناسق الرشيق والرياضي، ينبض صحة وشباباً، وكانت سعادته موجة قوية تجاوزت حدود المد وغمرت الأب الواقف على الشاطئ حتى قمة رأسه فقفز كطفل ملوحاً بيديه الاثنتين. بجانبه ابنته المراهقة أيضاً تلتحف عباءة قاتمة تغطي جسدها كله محاذرة أن تكشف أي جزء منه أو تفضح شيئاً من تفاصيله.. تلك الموجة القوية التي غمرت الأب اجتاحت مشاعرها أيضاً. شعرت بالظلم، بالحسد ينهش جسدها. ازدادت كتفاها انحناء ونظراتها ألماً. انكمشت على نفسها كعجوز أو كرجل ينكب فوق آلة يحقد عليها. دمعت عيناها.. الصورة الثانية: أمل... تنحنح رجل ووقف! على مساحة نصف دائرة يشكل هو مركزها، والجدار الملاصق له قطرها، وجزءاً من البهو الممتد أمامه أرضها، على مساحة نصف الدائرة تلك، حدثت بعض التغيرات. أحداق كثيرة اتجهت نحوه بنظرات متفائلة تحمل أملاً شبه مستحيل، لكنه يستحق المحاولة. اتسعت النظرات فارتسمت دروب انتظار طويلة متكررة على طول الجبهات، ثم انمحت كرمال شاطئ غمرتها موجة. الظهور المقوسة المتكئة على جدران الملل شدت عزيمتها استعداداً لحركة سريعة ربما تمنح صاحبها أمل الظفر بفرصة نادرة يعرف الجميع أنها ستكون من نصيب شخص واحد فقط، ثم عادت جميعها-دون استثناء- إلى انحنائها المستسلم. تباعدت الشفاه المطبقة بصمت الانتظار. تباعدت، فارتفعت الصدور الساكنة بتواتر تنفسها البطيء وكسرت روتين هدوئها الضجر، ثم همدت من جديد. الألسنة التي كانت تلهج بالكلمات، توقفت لحظة، ثم عادت إلى الحياة من جديد. حتى الطفل الذي يملأ المكان صراخاً هدأ لحظة حين توقفت يدا أمه فجأة عن هدهدته المملة التي لم تعد ترضيه، ثم عاد إلى البكاء... كل ما في الأمر أن رجلاً تنحنح بفعل الحر ثم وقف، فاتسعت الأحداق نصف المغمضة، واستقامت الظهور الكسولة، وتباعدت الشفاه المطبقة، وتحجرت الكلمات على الألسنة، وارتفعت الصدور الساكنة، واجتاح المكان أمل كفيل بتجميده؛ لكن الأجفان ارتخت ببلادة من جديد، وانحنت الظهور المتكئة على الجدران بكسل، وهدأت الصدور، وعادت الشفاه المتباعدة إلى صمتها، وتحركت الكلمات على الألسنة الجامدة، وعاد المكان إلى لا مبالاته المعتادة؛ حين بدأ الرجل بخلع معطفه، واتضح أنه لن يغادر واحداً من مقاعد الانتظار القليلة في المشفى الحكومي المكتظ. الصورة الثالثة: ملعب في قطعة من الأرض المنخفضة المنبسطة وجد الأطفال ساحة مناسبة للعب كرة القدم بعيداً عن خطر السيارات وحركة المشاة... كان المكان منبسطاً على مساحة طويلة ممتدة تتسع لعدد من المباريات في وقت معاً. القعر أصبح أرض الملعب، وعلى الجوانب اصطفت أحجار تحدد أبعاد مرمى كل فريق. بين فريق وآخر تناثرت بقع صغيرة من الطحالب الجافة تلفظ أنفاسها الأخيرة. بجانب الصورة الضوئية تلك صورة قديمة لمساحة الأرض المنبسطة والمنخفضة نفسها. لقد كانت قبل سنوات قليلة مغطاة بطبقة من الطحالب المعافاة واللزجة التي تعيق حركة الكرة والأرجل، لكنها توفر للأطفال ملعباً مسلياً للتزحلق فوق الطمي واصطياد الضفادع يعود واحدهم منه بثياب متسخة، ورائحة عفنة، ولسعات حشرات مؤذية، وأحياناً بطفح جلدي أو ارتفاع في الحرارة... في زاوية هذه الصورة تظهر لافتة صدئة مهملة أكل الدهر عليها وشرب ونام وقام وقعد ومشى وتجشأ وعطس وبصق، لكنه لم يمح كلمات التحذير التي تحملها: "تيارات نهرية خطرة. السباحة ممنوعة". حلب 2000 |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |