همسات صينية - هَيْمى المفتي

مجموعة قصصية - من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق - 2001

Updated: Sunday, September 21, 2003 01:58 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

رصاصة النقمة

من بعيد، انطلقت رصاصة أصابت الهدف تماماً..‏

على الأرض، تهاوى رجل مذعور كان على بعد ثوان قليلة من الموت.. تعلقت الأنظار بوجهه الأصفر المزرق ذي الملامح الفزعة.. تلفت حوله كمن يتساءل: هل حقاً لا زلت على قيد الحياة؟‏

فكر أحدهم: محاولة قتل فاشلة..‏

في المبنى المطل على الساحة، تهاوى رجل مرهق خلف بندقيته. كان متأكداً من أنه أصاب هدفه تماماً، لكن هل مات الرجل أم لا؟‏

غير عابئ باحتمال أن يحاكم، ابتسم بسعادة لأول مرة منذ مدة طويلة.. ثمة ارتياح من نوع غريب ملأ نفسه وهو يتذكر كلمات المحامي..‏

إذا نجح في مهمته ثم لم يفتضح أمره، سيعيد الكرة ثانية وثالثة وربما عاشرة، وحين يتم القبض عليه، فليحاكموه كالمجرمين، ولينفذوا فيه حكماً بالإعدام..‏

يد العدالة اعتقلت الجاني بعد سلسلة من الجرائم راح ضحيتها عدد من شباب المدينة. ادعى أنه ضحية لظروف اجتماعية قاسية، وأنه من غير العدل أن يحاكم كالمجرمين، ثم اعترف بذنبه، وندم، واعتذر، وطلب الصفح. وكما هو متوقع فقد فشلت كل المحاولات، وحكم عليه بالإعدام شنقاً حتى الموت. انتهت فصول الرواية التي شغلت المدينة لأشهر طويلة، ولم يبق إلا إسدال الستار على المشهد الأخير بتنفيذ الحكم علناً وفي ساحة البلدة التي شهدت جرائمه المتكررة: القتل بهدف السرقة عمداً مع سبق الإصرار والتصميم.‏

-"ماذا لو أنه لم يمت؟"‏

لا زال والد المرحوم عماد، أحد الضحايا، ومنذ انتهاء المحاكمة، يعيد اجترار سؤاله -هاجسه المؤرق- أمام معارفه ومعارف معارفه، وكل من يضعهم حظهم في طريقه من قضاة، ومحامين، وعاملين في سلك القضاء دون أن يحصل على إجابة تقنعه، فالجميع يؤكد أن حكماً قاطعاً قد اتخذ، وأن الموت سيكون جزاء المجرم دون شك، لكن أحداً لم يسمع في تاريخ القضاء في بلادنا عن شخص عاد حياً من حكم الإعدام.. مستحيل..‏

-ماذا لو انقطع حبل المشنقة به مثلاً؟.. لو حدث زلزال؟.. لو مات الجلاد فجأة في تلك اللحظة بالذات؟.. ماذا لو حدث المستحيل؟.‏

-لو حدث المستحيل فسوف يعاد تنفيذ الحكم بالتأكيد.‏

-متى وكيف؟‏

-بعد أيام، أو بعد وقت قد يطول بانتظار إجراءات لا بد منها.‏

الإجابات متضاربة.. لكن الجميع يؤكد أن شيئاً لن ينقذه:‏

"إن المحامي الذي أوهمك بأن المجرم قد يستطيع أن يشتري الجلاد بالمال كي ينجو بحياته أو أنه يستطيع الاستئناف من جديد للحصول على حكم مخفف، كان يحاول استغلالك لتمنحه توكيلاً في الدعوى وتكسبه بعض المال. لقد حكم على المجرم بالإعدام شنقاً حتى الموت. عبارة "حتى الموت" لم توضع عبثاً. قاتل ابنك سينال جزاءه العادل..".‏

-وهل الموت الرحيم هو العدل؟‏

محامي المجرم -الذي كان قد التقى أبا عماد عدة مرات في محاولاته لالتماس الصفح - أكد أن الحكم أكثر من عادل، فالقاتل يعاني شعوراً بالذنب يعادل أضعاف ما تعانيه الضحية من آلام، ثم إن موكله بالذات يكاد يموت ندماً قبل إعدامه: "كل دقيقة في عمره تمضي كسكين تذبحه.. كمشنقة تلتف حول رقبته.. هل تعرف ما هي أغلى أمانيه؟.. يتمنى أن يقبل أيادكم.. أن يسمع من أحدكم كلمة صفح تخفف عنه.. لو رأيته لأشفقت عليه.. هل تقدر قسوة ما يعانيه المجرم أثناء تنفيذ حكم الإعدام، ناهيك عن أيام الانتظار؟..‏

-أقدر ذلك دون شك. لكن، ماذا لو أنه -بأعجوبة ما- نجا من الـ...‏

سئم المحامي اجترار إجابات تطمئن الأب: هلا حضرت بنفسك للتأكيد من وفاته؟ ربما تشعر ببعض العزاء إذا رأيته بأم عينك يدفع عمره ثمن جرائمه.‏

أجاب أبو عماد: سأحضر طبعاً.. بل سأمضي ليلة تنفيذ الحكم منتظراً في الساحة العامة.‏

قالها مؤكداً، لكن الليلة المنتظرة انقضت، واللحظة الحاسمة اقتربت دون أن يبدو له أي أثر وحين اقتيد المجرم من سيارة السجن نحو منصة الإعدام، كان مظهره -بيديه المقيدتين ووجهه المنكس، وثوبه الخاص الذي يحمل ورقة تختصر بكلمات قليلة جرائمه- يدعو إلى الشفقة، أما أمنيته الأخيرة فكانت أن يوجه- من مكانه على المنصة- كلمة اعتذار إلى أهالي ضحاياه:‏

"أنا.. نادم.. على.. كل.. ما فعلته" قالها بصوت واهن مرتجف. كلمة كلمة كطفل يهجي الحروف، ثم لم يجد ما يقوله، وانهار باكياً. لو أنَّ أبا عماد حضر لأثلج صدره.. لو أنه يحضر الآن..‏

لكن الدقائق مضت. وجه المجرم النادم اختفى تحت غطاء أسود.. الحبل ضم عنقه المائل بيأس كمحور لا يتحمل ثقل الرأس، ثم تلي الحكم، وبإشارة واحدة، أنهار العالم تحت قدميه..‏

من بعيد، انطلقت رصاصة أصابت الهدف تماماً، فقطعت حبل المشنقة.‏

على الأرض، تهاوى المجرم الذي كان على بعد ثوان قليلة من الموت، مذعوراً.. صرخ ارتجف جسده المقيد بحركة هستيرية. ثم -وبأمر من المسؤول- نزع الغطاء عن رأسه ريثما يتخذ قرار فيما يجب فعله.. تعلقت الأنظار بوجهه الأصفر المزرق ذي الملامح الفزعة... تلفت حوله كمن يتساءل: هل حقاً مازلت على قيد الحياة؟‏

فكر الجلاد: محاولة قتل فاشلة.. هو الثأر دون شك.. لو أنهم انتظروا قليلاً لتم تنفيذ الحكم دون معوقات، ولدفع القاتل ثمن جرائمه دون حاجة إلى الثأر..‏

في المبنى المطل على ساحة الإعدام، تهاوى أبو عماد خلف بندقيته مرهقاً بعد ليلة الانتظار الطويلة.. كان متأكداً من أنه أصاب هدفه تماماً، لكن هل مات الرجل مشنوقاً أم أن رصاصة النقمة قد أدركته في الوقت المناسب؟‏

غير عابئ باحتمال أن يحاكم، ابتسم بسعادة لأول مرة منذ مقتل ابنه.. ثمة ارتياح من نوع غريب ملأ نفسه وهو يتذكر كلمات المحامي: "كل دقيقة في عمره تمضي كسكين تذبحه.. كمشنقة تلتف حول رقبته.. لو رأيته لأشفقت عليه.. هل تقدر قسوة ما يعانيه المجرم أثناء تنفيذ حكم الإعدام، ناهيك عن أيام الانتظار"..‏

يقدر ذلك دون شك.. أما الشفقة فهي آخر ما يمكن أن يشعر به..‏

إذا كان قد استطاع أن يعرقل مهمة الجلاد وملك الموت، ثم لم يفتضح أمره، سيعيد الكرة ثانية وثالثة وربما عاشرة، وحين يتم القبض عليه فليحاكموه كالمجرمين، ولينفذوا فيه حكماً بالإعدام..‏

حين تمالك قواه، أطل على المشهد ثانية فتأكد من أن المهمة قد تمت بنجاح.. تلا صلاة قصيرة متمنياً للمجرم القاتل عمراً مديداً مزركشاً بأحكام الإعدام المبتورة التنفيذ، ولأرواح ضحاياه سكينة من أخذ ثأره.‏

شحذ بندقيته برصاصة أخرى..‏

حمص 2001‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244