همسات صينية - هَيْمى المفتي

مجموعة قصصية - من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق - 2001

Updated: Sunday, September 21, 2003 01:58 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

أمنية تتحقق

كان زميل طفولتي المدلل الذي اجتهد طوال سنين عمره حتى الآن في استغلالي، كان يمسح دموعه وهو يشتمني بأعلى صوته بأبشع الصفات، ويلعن حظه التعس الذي أوقعه في الفخ. أمه- الجالسة بجانبه- فتحت الباب بصعوبة، ثم شقت طريقها متعثرة وهي تشهق بالبكاء لثلاثة أسباب.‏

ببرود وقفت أمامهما. وحين التقت عيناي بعيون المرأة المنتجة وابنها، سددت إليهما نظرات شامتة متشفية حملت معها كل الحقد المسجون في قلبي منذ سنوات، ثم انفجرت، ضاحكاً لسبب واحد فقط.‏

إنها أمنيتي الأغلى تتحقق.‏

ها هي زوجة أبي القاسية التي اغتالت سنوات عمري منذ الطفولة وحتى الآن، ها هي تبكي بدموع محترقة كدموع ليالي الطويلة..‏

ها هي تبكي، وها هو ابنها من زوجها الأول، زميل طفولتي المدلل الذي يحصل على كل ما يريد وإن ظلماً، ها هو الآخر يغالب دموعه، وغيظه..‏

ها هي زوجة أبي المرحوم، شريكتي في المنزل والشاحنة وفي إرثي كله، وها هو ابنها الذي يتصرف كشريك آخر، ها هما يحترقان ألماً أمام عيني.‏

اقتربت منتقلاً بنظراتي بينهما. شعرت بحرقة مؤلمة في عيني وبرئتي تضيقان بالهواء الملوث، فامتلأ قلبي سعادة..‏

"سوف أجعلها تبكي يوماً"‏

سوف أجعلها تبكي وابنها الذي يحصل على كل ما يريد وإن ظلماً، ويكسر لعبي الجديدة دون أن يعاقب، ويرتدي الملابس الأحلى، ويأكل الطعام الأشهى وقطع الحلوى الألذ ثم يرمي لي بالفتات. سوف أجعلهما يبكيان معاً، ثم سأقف شامتاً..‏

ضحكت، إذ تذكرت ذلك العهد الذي قطعته على نفسي قبل سنوات طويلة، والذي اعتقدت دائماً أنه لن يتحقق فتناسيته. لكنني - يوم وقفت بشاحنتي ساعات أنتظر إزالة آثار حادث انقلاب شاحنة محملة بعبوات من الزيت في الطريق العام- يومها خيل إلي، أن هنالك ما يمكن عمله.‏

كان منظر السيارات القريبة من الشاحنة- وقد استحمت بالزيت المراق وتوهجت بالحرارة تحت أشعة الشمس، فتوهجت وجوه أصحابها بالغضب- كان منظرها مضحكاً، وكان وقت الانتظار الطويل كافياً للتفكير بأشياء تبدو لأول وهلة مستحيلة، ثم للاقتناع بإمكانية تحقيقها، بل ولنضوج الفكرة، ووضع مخطط لتنفيذها..‏

كل ما أحتاجه هو شيء من الجرأة، والقليل جداً من الحظ. ثم ماذا ؟‏

سأدفع جزءاً من مدخرات العمر ثمن ما أتلفت، سأخسر واحداً من زبائني، ربما أحال إلى التحقيق، وقد يتطور الأمر فأسجن إذا ما قررت زوجة أبي التقدم بشكوى ضدي.. لكن أمنية مستحيلة تفوق في قيمتها كل الخسائر، سوف تتحقق..‏

مع أول فرصة، وقفت أمامها باستسلام كعادتي، لكن بتصنع لم أجريه من قبل: غداً سوف أنقل شحنة إلى مصنع الخضار المجمدة كما تعلمين.. لقد نسيت أن أخبرك أنهم سوف يدفعون أجرنا عن أعمال الشهر كله لدى تسليم البضاعة.‏

رفعت نظرها متسائلة فتابعت متمنياً ألا يتسرب الشك إليها: موظف الحسابات سيسافر لمدة أسبوع كامل، وهم يرغبون في دفع كل ما لنا من مستحقات قبل مغادرته كي لا..‏

قاطعتني: حسناً.. سأرافقك كما اعتدنا..‏

ما تزال هي -منذ السنوات الأخير من حياة والدي، وحتى وقت قد يطول بانتظار إجراءات حصر الإرث - ما تزال هي المخولة بكل التعاملات المالية. تدفع وتقبض وتساوم. توقع عقوداً لا أعرف عنها شيئاً، وتعطيني الأوامر كموظف لا يحق له أن يسأل عن التفاصيل، ثم تدفع أجري كمن يتصدق على شحاذ.. أخبئ كل قرش على أمل أن أشتري حصتها في الشاحنة يوماً، وأرى الحلم بعيداً، ثم أفاجأ بأنها قد اشترت لابنها سيارة تاكسي!‏

أخبرتها أن عاملين لتحميل البضاعة سوف يحتلان المكان الفارغ في الشاحنة، فأكدت أنها سوف تتبعني مع ابنها في سيارته..‏

ابتسمت، سعيداً بنجاح الخطة.. تماماً كما توقعت. زوجة أبي وابنها معاً. عصفوران بحجر واحد..‏

في اليوم التالي، بينما كانت سيارة التاكسي تتبعني خطوة خطوة، وعلى طريق ترابي ضيق كنت قد جربته من قبل، انحرفت بشاحنتي متعللاً باختصار المسافة، وعند نقطة ضيقة من ذلك الطريق- وعلى مسافة تبعد عدة كيلومترات عن الشارع العام- توقفت، فتوقفت السيارة خلفي، وقبل أن يجد أحدهما فرصة الترجل للسؤال عن السبب، ضغطت على أحد مفاتيح الشاحنة، فتحرك الجزء الخلفي منها ليفرغ حمولتها بالكامل..‏

السيارة الصفراء دفنت تحت هرم مشوّه من ثمار البصل، وبرزت حوافها كمحاولة يائسة لإثبات الوجود.‏

نظرت في مرآة الشاحنة: كان سائق التاكسي- زميل طفولتي المدلل الذي اجتهد طوال سنين عمره حتى الآن في استغلالي- كان قد نجح في الخروج من سيارته، وبدأ يمسح دموعه وهو يشتمني بأعلى صوته بأبشع الصفات، ويلعن حظه التعس الذي أوقعه في الفخ.. أمه- الجالسة بجانبه- فتحت الباب بصعوبة، ثم شقت طريقها متعثرة وهي تشهق بالبكاء لثلاثة أسباب: أولها أن حرقة مؤلمة ملأت عينيها ورئتيها حتى كادت تختنق، والثاني هو خسارة مادية ستلحق بها نتيجة الحادث، أما الثالث فهو أني أخيراً نلت منها.‏

ببرود ترجلت من شاحنتي، وحين التقت عيناي بعيون المرأة المنتجة وابنها، سددت إليهما نظرات شامتة متشفية حملت معها كل الحقد المسجون في قلبي منذ سنوات، ثم انفجرت ضاحكاً لسبب واحد فقط.‏

إنها أمنيتي الأغلى تتحقق..‏

ها هي زوجة أبي القاسية التي اغتالت سنوات عمري منذ الطفولة وحتى الآن، وها هو ابنها من زوجها الأول، زميل طفولتي المدلل الذي يحصل على كل ما يريد وإن ظلماً، ها هما يبكيان بدموع محترقة كدموع ليالي الطويلة.‏

ها هي زوجة أبي المرحوم، شريكتي في المنزل والشاحنة وفي إرثي كله، وها هو ابنها بسيارته التي دفع ثمنها من أموال أبي المتوفى، ها هما يقفان منهكين ذليلين.. يغالبان غيظهما ودموعهما، ويحترقان ألماً أمام عيني..‏

اقتربت منتقلاً بنظراتي بينهما. شعرت بحرقة مؤلمة في عيني، وبرئتي تضيقان بالهواء الملوث بالرائحة النفاذة. تخيلت ذلك الألم الذي يشعر به من يقف بين أكوام البصل مكانهما، وكم من الدموع عليهما أن يريقا حتى يتمكنا من إزالة الثمار كلها، والخروج بالسيارة من ذلك الطريق المهجور البعيد..‏

بدا لي أن كل الدموع التي ذرفتها منذ طفولتي وحتى الآن قد تجمعت في أعينهما، وأنهما سوف يبكيان طويلاً طويلاً حتى تنتهي جميعها، فامتلأ قلبي سعادة..‏

ركبت الشاحنة وانطلقت مبتعداً...‏

حمص 2001‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244