|
||||||
| Updated: Sunday, September 21, 2003 01:58 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
المتأرجح عن فكرة الصديق هاني ذاكري انسابت الدماء ساخنة سخية شعرت بحرارتها. بالألم. تحسست فخذي المصاب. كانت عروق دموية لم أعرف بوجودها من قبل تنبض بسرعة تفوق سرعة نبضات قلبي الاعتيادية.. قلبي؟ هو أيضاً ينبض بسرعة أكبر. لمست ساقي السليمة. في داخلها شرايين تنتفض لتخبرني أنها هي الأخرى لا تزال حية. غرزت أظافري في الجلد فتألمت.. لم أصب بالشلل إذاً.. جسدي المستنفر هلعاً هدأ بعض الشيء. شعرت بالارتياح، ثم غبت عن العالم. حين استيقظت كنت في سريري، وكان أبي يرمقني بقلق، ويمسح جسدي بيديه وهو يتمتم بتعاويذ يعتقد أنها تحميني. التقت نظراتنا، فانفرجت شفتاه عن ابتسامة قلقة: هل أنت بخير؟ سؤال اعتاد أن يوجهه إلي كلما عدت من الجامعة لقضاء إجازة معه فاعتدت أن أجيبه بكلمات جاهزة فقدت بالنسبة لي معناها.. هل أنت بخير؟ أعاد سؤاله بلهجة رجاء، فتذكرت كيف تجمع حولي أصدقاء الجامعة قبل أيام ليوجهوا لي السؤال نفسه، وبلهجة القلق ذاتها. كانت حلبة الرقص في حديقة منزل صديقنا صاخبة حد الجنون، وكانت تعليمات أبي- شيخ قريتنا الجليل- تحذرني من الاقتراب من ذلك العالم، وكنت قد قاومت طويلاً رغبتي في أن أكون واحداً من أفراده.. العالم الذي وعدت أبي ألا أقترب منه، ليس سيئاً كما يعتقد.. لي فيه أصدقاء طيبون يحبونني، ويشجعونني على أن أجرب كل ما يفرحهم.. هذه المرة بالذات الاحتفال صاخب أكثر من المعتاد لأننا نودع من خلاله الحياة الجامعية، وعلينا جميعاً أن نشارك. منذ السنة الأولى وأنا أتفرج دون أن أجرؤ على أداء أي دور.. أقف لأراقب السعادة على وجوههم دون أن ألمسها. أتذكر حلقات الذكر في بلدتي.. العلم يؤكد أنها لا تنفع ولاتضر، وهي بالفعل لم تنفعني يوماً.. بل لقد أصبحت ممارستها عبئاً أكرهه، وأتهرب منه.. أما حركات الأصدقاء المنتشية على صوت الموسيقى الصاخب فهي تغريني بالرقص.. بالنسيان.. بالضياع.. بالسفر إلى حيث يسافرون. شعرت برغبة جامحة في خوض التجربة.. هي مرة واحدة فقط، ولن يعرف أحد بها.. اقتربت بحذر.. صرخ أحد الأصدقاء مشجعاً.. أمسك بيدي.. رقصنا معاً.. ثم تركني أتابع وحيداً.. شعرت بنفسي كطائر يكتشف فجأة أن لـه -كبقية الطيور- جناحين.. أن في السماء مكاناً كافياً ليطير، وأن الحياة أروع بكثير مما يعتقد.. فجأة توقف صوت الموسيقى، فعدت إلى الأرض.. كانت أغنية قد انتهت للتو.. وجدت نفسي وقد رفعت يدي عالياً وأنا أتحرك بكامل أجزاء جسدي في تناغم مع الألحان.. المتعة أنستني من أكون.. فوجئت.. تذكرت وعدي لأبي.. شعرت بالإثم، لكن نشوة غريبة لم أجربها من قبل ملأت كياني كله فعزمت على المتابعة.. حين بدأت الأغنية التالية حاولت أن أبدأ بالرقص من جديد.. حاولت جاهداً.. أصدرت الأوامر إلى جميع أجزاء جسدي: تحركي.. انهارت يداي ميتتين، وتصلب جذعي كتمثال.. حاولت الانسحاب فلم تستجب قدماي. سرى الخدر فيهما بسرعة غريبة فخيل إلي أن الشلل قد أصابهما، شعرت بالرعب، ثم غبت عن الوعي. حين أفقت كان الأصدقاء يتجمعون حولي قلقين: هل أنت بخير؟ حركت أجزاء جسدي واحداً بعد الآخر، فاستجابت جميعها. كانت ساقاي واهنتين، لكنهما استعادتا قوتهما خلال دقائق. وقفت، ثم مشيت.. لم أصب بالشلل إذاً.. شعرت بالارتياح تساءل صديق من جديد: بماذا تشعر الآن؟ أشعر بحقد عليهم جميعاً.. على ذلك العالم الرائع الذي لن أستطيع أن أكون جزءاً منه.. أعاد أحدهم السؤال: هل أنت بخير.؟ لم أكن بخير، لكنني رسمت ابتسامة مفتعلة فوق شفتي ثم حرّفت ذلك الجواب المكرر الذي أقدمه عادة لأبي: ما دمتم بجانبي، وما دام لي أصدقاء مثلكم، سأكون دائماً بخير.. في تلك اللحظة كنت قد اتخذت قراراً لا رجعة فيه: سأترك هذا المكان إلى الأبد.. وسأقطع كل صلة لي بهؤلاء الناس.. تركت لهم حياتهم، وعدت إلى حيث أنتمي.. هنا ولدت، وهنا سوف أعيش كما عشت طوال عمري.. سأتناسى حياتهم، ولن أشعر بحاجة إلى الرقص من جديد، ما دمت قد عدت.. لحلقات الذكر أيضاً متعة سأعود إلى التلذذ بها.. سأحبها من جديد كما أحببتها دائماً.. كان ذلك عهداً قطعته على نفسي، لكنني فشلت في تحقيقه.. ففي أول امتحان وجدت نفسي أتهرب من الاندماج في حلقة الذكر. أمرني أبي، فلم أستطع أن أعارض، بل لم أجرؤ حتى على مجرد التفكير بالأمر.. الأجساد تتمايل يميناً ويساراً في تواتر سوف يتسارع مع الوقت، وازدياد القرع على الدفوف، واندماج المشاركين. وقفت بينهم كالغريب- أنا الذي أحببت حلقات الذكر منذ طفولتي- وتركت لجسدي أن يتحرك معهم دون أي تدخل مني. الله حي.. الله حي.. الله حي.. مع تسارع الحركة، أصبح علي أن أبذل شيئاً من الطاقة.. حاولت .. حاولت جاهداً.. جسدي يعتصر بينهم. يرتطم بمن حوله. يقذف به من جهة إلى أخرى قذفاً مع كل حركة.. شعرت بالخوف.. بالغربة.. بالضياع.. ثم تسلل الخدر إلى قدمي رويداً رويداً حتى فقدتا القدرة على الصمود.. هذا المرة لم يساورني أي شك بأنه الشلل. متكئاً على يدي سحبت جسدي بعيداً. تحسست ساقي من الفخذ إلى القدم. اليمنى ثم اليسرى.. كانت السكين التي أحتفظ بها في جيبي تنبض بالحياة أكثر منهما.. حررتها من غمدها وغرزت نصلها في فخذي.. انسابت الدماء ساخنة سخية. شعرت بحرارتها. بالألم. تحسست فخذي المصاب. كانت عروق دموية لم أعرف بوجودها من قبل تنبض بسرعة تفوق سرعة نبضات قلبي الاعتيادية.. قلبي؟ هو أيضاً ينبض بسرعة أكبر. لمست ساقي السليمة. في داخلها شرايين تنتفض لتخبرني أنها أيضاً لاتزال حية.. غرزت أظافري في الجلد فتألمت.. لم أصب بالشلل إذاً.. جسدي المستنفر هلعاً هدأ بعض الشيء. شعرت بالارتياح، ثم غبت عن العالم.. حين استيقظت كنت في سريري، وكان أبي يرمقني بقلق، ويمسح جسدي بيديه وهو يتمتم بتعاويذ يعتقد أنها تحميني. التقت نظراتنا، فانفرجت شفتاه عن ابتسامة قلقة: هل أنت بخير؟ سؤال اعتاد أن يوجهه إلي كلما عدت من الجامعة لقضاء إجازة معه فاعتدت أن أجيبه بكلمات جاهزة فقدت بالنسبة لي معناها.. حركت ساقي، فاستجابت لأمري دون تردد.. الأخرى ملفوفة بالشاش، وعلي ألا أزعجها الآن لكنها مع ذلك لا تجرؤ على العصيان. تتحرك بكل أجزائها رغم الألم.. لا، لم أصب بالشلل.. بماذا تشعر الآن؟ أعاد سؤاله بلهجة رجاء.. أشعر بأنه مذنب إذ حبسني في قمقم محدود دون العالم الواسع.. أشعر بنفسي غريباً.. أشعر بأني لا أنتمي إلى أي مكان.. -هل أنت بخير؟ لم أكن بخير.. -هل أنت بخير؟ رسمت، ابتسامة مفتعلة فوق شفتي ثم تلفظت دون تفكير بالجواب الذي فقد بالنسبة لي معناه: ما دمت بجانبي، وما دام لي أب مثلك، سأكون دائماً بخير.. في تلك اللحظة كنت قد اتخذت قراراً لا رجعة فيه: سأترك هذا المكان إلى الأبد.. حلب 1999 |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |