|
||||||
| Updated: Sunday, September 21, 2003 01:58 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
أمسية صيف الشمس الغاربة ترمي أوارها اللاهب على الحديقة المختنقة بما أحيطت من عمارات شاهقة، بدت الأشجار إلى جوارها محض نباتات قزمة غريبة، قممها المحترقة لا تكاد تتحرك، والمرج الأخضر بائس، والناس يروحون ويجيئون بملل، يستقبلون بوجوههم الرذاذ المتطاير من النافورات لعله يمنحهم بعض النداوة، لكنه يزيد من إحساسهم بالوهج الحار. وأنا على مقعد حجري ساخن، امتص طوال النهار حرارة الشمس، وإلى جانبي زوجتي الصامتة، وولدي سمير، وهو يلهث من الحرّ، ويمسح العرق عن ثنيّات عنقه. مع دفقات الحرّ اللاهب الصاعد من صهد الأرض، بل من المرج والأشجار والبركة نفسها، تدهم الحديقة ضجة السيارات وسحج عجلاتها وصخب أبواقها. وألتفت إلى زوجتي أقول لها: -ما كانت الحديقة هكذا وترد بصوت لزج وهي تحملق في الفراغ، من غير أن تلتفت إليّ: -وكيف كانت؟ هذه هي، لم تتغير. وأردّ، باستياء: -أصبحت بركة آسنة، مثل مستنقع انظري، العمارات أحاطت بها من كل جانب، وارتفعت، والناس ازدادوا. وألتفت إليها ثانية، انتظر أن تقول شيئاً، ولكنها تظل صامتة، تحملق في الفراغ، وإلى جانبها ولدي سمير، يمسح العرق عن عنقه. أتكلم: -نسيتِ يوم كنا نقصدها أيام الخطبة، فنجدها هادئة مريحة، لا أحد فيها، وكنا وتقاطعني: -هذه هي، كما كانت من قبل، ولكن أنت تغيّرت، لا تنسَ، أنت تجاوزت الخمسين. على نافذة في عمارة شاهقة تنعكس بقايا الأشعة الغاربة، فيتوهج زجاجها، مثل كوة من جحيم، وتضيء مصابيح الحديقة، فتبدو شاحبة باهتة، كأن الضوء يختنق، وغبشة المساء بدأت تلف كل شيء، وتحيطه بهالة من غموض، كأن عيناً يداعبها الكرى فتستسلم له تحت وطأة الحر، والناس يمشون في فتور شديد. وتتسرب إليّ بهدوء دندنات، كأنها دغدغات أنامل ناعمة في خصر أهيف رقيقٍ، تتماوج وفقها كل الخلجات فتطرب الروح وترتوي. أكاد لا أصدق. وألتفت، وإذا هو السواس بمئزره الأحمر المخطط يلفه على وسطه، وقربته الجلدية السوداء يحملها على ظهره، وفوّهتها محزومة بقوة إلى صنبور، وقد ارتدى قميصاً أسود مطرّزاً، وعلى رأسه طربوش أحمر، له خيطان سود كثيفة، وبين يديه طاسات نحاسية صفراء تلتمع فيها الدندنات، وتشرق في نغم ناعش ينثر من حوله الأنداء. ومن غير أن أناديه يدنو مني، يصب في إحدى الطاسات قليلاً من الماء، يخضّ الطاسة، ثم يرشق الماء على الأرض، فأحس بالرطوبة العذبة، ثم ينحني قليلاً، ليصب من فوهة القربة السوس في الطاسة، فيسيل أسود قانياً، وتطفو الرغوة الصفراء زاهية. أتناول منه الطاسة، أقدمها إلى زوجتي، ثم أتناول الطاسة الثانية، أقدمها إلى ولدي سمير، ثم آخذ الطاسة الثالثة، أرفعها إلى فمي، وأنا أملأ ناظريّ من الرغوة الطافية، أرتشفها، فإذا هي ناعمة مدغدغة، ثم أحتسي السوس بارداً معطراً بالشَّند، أحس بالسائل الحلو يسري في عروقي، يدب في المفاصل، ينعشها كالنغم القديم. من أين جئت أيها الساقي؟ من بعثك في هذا الظمأ القاتل؟ هل أنا في حلم أم هل أنا في واقع؟ رحم الله جدّك وأباك، لا شك أنهما كانا سوَّاسَيْنِ كريمين مثلك. لا أنسى أبو علي السواس، وهو يدندن بطاسته قادماً من أول السوق المسقوف، فأخرج من دكان أبي، وأقف متلهّفاً، أنتظر وصوله إلينا، والتجار على جانبي السوق يستوقفونه، وهو يصب لهذا، ويسقي ذاك. -متى يصل إلينا؟ هكذا أسأل أبي، ويجيبني: -انتظر وأنا أتشوّف إليه، أرفع رأسي، وسط السوق المملوء بالناس الغادين الرائحين، ودندناته تقترب شيئاً فشيئاً، والفرح يقترب مني، أهفو إليه ظامئاً مشتاقاً، حتى إذا ما ملأ قلبي لحنه الراقص رأيت يده تمتد إلي بطاسة صفراء، تعلوها رغوة مثل قبة من ذهب، ومن أطرافها ينسكب السوس شهياً، وأرفع الطاسة إلى فمي أعبّ الرغوة، يا إلهي، كم أحبها؟!، مرة صب لي السوس في كأس بلورية، فقلت لـه: "لا، لا، لا أريدها إلا في تلك الطاسة النحاسية، فهي أجمل". ويصب لأبي، فيناول أبي طاسات السوس للزبائن في المحل، يسقيهم، يرتوون، ينتشون، أرى البهجة على وجوههم، أحس الكرم في أبي. وقبل أن يمضي يسحب قلماً أحمر مفلطحاً من وراء أذنه، ثم يرسم خطين، أو ثلاثة على الحائط بجوار مدخل الدكان ثم يمضي. مرة رأيته ينجر القلم بسكين كانت في يده، حتى يدبّب الرصاص الذي فيه، هو قلم متميز، مسطح، أو مفلطح، رصاصه أسود كثيف، ما رأيت مثله من بعد، وكان إذا أراد أن يخط به على الجدار بلّه بلسانه. وأسأل أبي: -لم يأخذ ثمن السوس؟ ويرد: -سأعطيه آخر الأسبوع. -وهل يعرف كم طاسة شربنا؟ -وضع خطوطاً كما ترى على الجدار. -وإذا مُحيت؟ -لا أحد يمحوها، وأنا دائماً أعطيه أكثر مما يطلب. وفي المساء، قبيل الإفطار في شهر رمضان، وأنا ظامئ أشد الظمأ، تأتيني دندنة طاساته فأدرك أن المغرب قد اقترب. وأحمل إبريقاً نحاسياً، ينفحني أبي ربع ليرة، يقول لي: "هيا"، وأعدو في الزقاق، أسرع إليه أمد إليه بدي بالإبريق، فيملؤه حتى يطفح، وتطفو الرغوة، وأناوله ربع الليرة، فيأبى أن يأخذها، وألح عليه فيقول: -سلم لي على والدك وقل له: فضلُك سابق. ولا أنسى نصف الفرنك الأصفر المدور المثقوب في الوسط، كنت آخذه من أبي، أدّخره، لأشتري به طاسة سوس، وأنا ذاهب إلى المدرسة، إيه، الله يرحم تلك الأيام، كنت بعمر ولدي سمير في الصف الأول، وكان ثمن الطاسة نصف فرنك، واليوم ثمنها خمس ليرات. ويرد إليّ ولدي الطاسة. -اشرب، سمير، اشرب -لا، ما أحببته -لكنه لذيذ -ما أحببته آخذ الطاسة من ولدي أعبّها، أحس بالارتواء. وألتفت إلى زوجتي، أراها تشرب من طاستها بهدوء قليلاً قليلاً، أتفرّس في ملامح وجهها، أدرك أنها تشربه على مضض. سمير يتكلم: -أنا سأشتري آيس كريم. وتتكلم زوجتي: -واشتر لي واحدة يا سمير. ثم تهمّ بدفق ما تبقى في طاستها من سوس على الأرض، فأصيح بها: -لا، لا، هاتها. وآخذ طاستها، وإذا هي لم تشرب سوى ثلثها، فأكرع بقيتها بسرور. فسد كل شيء، وتغير، ويا للأذواق، رشفة من طاسة السوس أحب إلى قلبي من أنواع المرطبات كلها، ولكن... وأرى طفلاً في الثالثة من عمره، يتقدم من السواس، وهو يحمل بيده ورقة نقدية، ذات عشر ليرات، ألمح أمه وأباه على مقعد غير بعيد، وهما يرقبانه فرحين به. الطفل يدنو من السواس، يمدّ إليه يده بالليرات العشر، السواس من غير شك سيأخذ الورقة النقدية، يدسّها في جيبه، ولا يرد إليه شيئاً، يصب له قليلاً من السوس في الطاسة، لا يكاد يملأ ربعها، ثم يصب فوقها الماء، لقد فسد كل شيء. السواس يملأ الطاسة إلى حافتها، تطفح ينسكب منها السوس، وتعلوها الرغوة كالقبة، يدنو من الطفل، يميل عليه، يدني الطاسة من فمه، يسقيه بيده يسقيه بهدوء، حتى يرتوي، ثم يشرب السواس من بعده ما تبقى في الطاسة، ثم يمسح بيده رأس الطفل، يقبله، ثم يطبق بأصابعه أنامل الطفل على الورقة النقدية، وهو يشير إليه بلطف، أن اذهب إلى أبويك. أرمق السوّاس، أحدق في عينيه أرى فيهما عيني جده أبو علي، لا شك أنه أبوه أو جده. يتنبّه السواس إلي، يراني وأنا أرمقه، فيقول لي: -جدّي، الله يرحمه، وصّاني، وقال لي: أمانة، يا ولد، لا تأخذ ثمن السوس لا من الطفل الصغير، ولا من المرأة الحامل. ثم يمضي وهو يدندن بطاساته النحاسية الصفراء، وعلى ظهره قربته الجلدية السوداء، تلتمع، وقد بدأت عتمة المساء تزداد كثافة، ومعها تزداد أنوار الحديقة تألقاً. وأرى أمامي ولدي سمير -ما هذا يا سمير؟ -اشتريت قطعتين من الآيس كريم، لي ولأمي. ويرفع أمامي يديه، وهو يحمل بكل واحدة قطعة من المثلجات المجمّدة. أحدق فيه، أحدق في القطعتين ثم أسأله: -أيهما لك، وأيهما لأمك؟ -هذه بالحليب، لأمي، وهذه بالشيكولاته، لي. -وأيهما أطيب. ويرفع بيسراه قطعته، وهو يقول: -بالشيكولاته أطيب. القطعة التي يحملها تشع بالنداوة، تأتلق، أحسّها مثلجة، طعم الشيكولاته يذوب في فمي بارداً شهياً، ومن غير تردد أقول له: -اذهب اشتر لي واحدة. يتردّد هنيهة، ثم يمدّ إليّ يده بقطعته، وهو يقول: -خذ قطعتي، وأنا ذاهب لشراء غيرها. يناولني إياها، ثم يعدو راكضاً، تحت أضواء المصابيح المؤتلقة كاللآلئ. وتلتفت إليّ زوجتي لتهمس، وهي ترفع قطعة المثلجات إلى فمها: -كم الصيف جميل. أحس بأشجار الحديقة وهي تميس، والنداوة تغمر الأرجاء، والناس يمرون كالفراشات، والأضواء تشع فرحاً، وأصداء الدندنات تبتعد شيئاً فشيئاً، كأنها تغيب في حنايا ماضٍ بعيد. ويظهر ولدي قادماً، وهو يعدو راكضاً نحوي، كأنه قادم من شرفات المستقبل، رافعاً بيده إلى الأعلى قطعة مثلجات تأتلق. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |