|
||||||
| Updated: Sunday, September 21, 2003 01:59 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
قطّ. من فخّار أسمع صوت المصعد، وهو يتوقف. أنهض من مقعدي القريب من باب الشقة، أرمق الساعة المعلقة على الجدار، أطفئ التلفاز، أغادر غرفة الجلوس الواقعة وراء باب الشقة مباشرة، أجتاز الممرّ الضيق، أمضي إلى الشرفة. تلحق بي زوجتي، تسألني: "هل أحمل التلفاز إلى الشرفة؟" "وهل تتسع الشرفة لي وللتلفاز؟" هكذا أردّ، وأنا أسند ظهري إلى سور الشرفة، مرسلاً نظري إلى الداخل، عبر الممر، أرمق الباب، باب الشقة، منتظراً أن يفتح. "سأحضر لك كرسيّاً" "لا، لا تحضري أي شيء" أطلّ على الشارع، لا حركة، الكائنات كلها هجعت إلى مأواها، الشرفات مغلقة، هاجعة، كلها نامت أرفع رأسي إلى السماء لا أكاد أتبينها. "الشرفة هنا أفضل من الجلوس هناك في الداخل" وأرد على كلام زوجتي: "بل هنا أسوأ، لا نسمة ولا رحمة". أرمق الباب عبر الممر، أنظر إلى ساعة يدي، أعود إلى غرفة الجلوس، أضغط على زر التلفاز، أخفض الصوت أغيّبه كليّاً ألقي بنفسي في مقعدي قريباً من الباب، وبين يدي جهاز التحكم. تعود إلي زوجتي، من غير أن تتكلم، أقول لها: "لا تقولي أي شيء" بعد هنيهة صمت، تتكلم: "سأعدّ لك كأس زهورات" "بل فنجان قهوة" "والضغط؟" "هات حبة، أشربها قبله" وتمضي إلى المطبخ. جهاز التحكم في يدي، وأنا أنتقل من قناة في التلفاز إلى قناة، ولا صوت في درج العمارة، ولا في المصعد، ولا وقع أي خطوة. لا أنسى يوم طردت أمي القط ميسون، كان ذلك قبل خمسين عاماً، بل أكثر. النافورة تحت عريشة الياسمين ترسل الماء إلى أعلى ليتساقط رذاذاً، وتهمي معه زهرات الياسمين، لتدوّم مثل فراشات صغيرة، ثم تنام على سطح البركة، ويسطع في الجواء عبق التنباك الفاغم يرسله أبي من نارجيلته، يعانق أشذاء زهرات الفل، وقد جمعتها أمي، ووضعتها في صحن بلوري، إلى جوار الوسادة التي يستند إليها أبي. وفي النافذة المفتوحة على فناء الدار، وضع أبي المذياع الكهربائي الكبير، وترك صوت أم كلثوم يصدح في الجواء رخيّاً هادئاً، وهو ما يفتأ بين حين وحين يقول لأمي: "اخفضي صوت المذياع" وهي تقول له: "ولكن أم كلثوم غالية عليك" ويرد: "قولي صوتها، ولا تقولي هي، وحدك أنت الغالية، بعدك لا يغلى أحد، ثم لا تنسي الجيران، لا يجوز إزعاجهم". وتخفض أمي صوت المذياع، ثم ترجع إلى موضعها على الحصير في فناء الدار قبالة زوجة أخي حسناء، لترمي الودع، وهي تلاعبها دوراً في"البرجيس". أدنو من أمي، أقعد بجوارها؛ أقول لها: "اسمحي لي يا أمي برمي الودع بدلاً منك" وترد: "لا يا أحمد، هذا الودع حظ، ورميه شطارة، ولا يجوز أن يرمي أحدٌ عن أحد". "ولكني تعلمت نقل الأحجار، وعرفت الدست من البنج، والشكة من البارة". ويتدخل أبي: "لا تشغل بالك يا ولد بالبرجيس، أمك سجلتك في المدرسة، حضّر نفسك، زوجة أخيك ستعلمك". وترد أمي: "مازلنا في أول الصيف، والولد" ويقاطعها أبي: "أريده من الناجحين، هيا اذهب إلى الفراش" وينظر إلى ساعة يده، ثم يضيف: "هيا إلى النوم، الساعة الثامنة والنصف". أنهض، أتقدم من أبي يمدّ إليّ يده، أتناولها بين يدي الاثنتين، أحسّ بيده كبيرة قوية، أرفعها إلى فمي، أتنسّم عبق التنباك، وعطر الورد، أتحسس العروق الزرق النافرة، والشعرات البيضاء الخشنة، ألثم ظاهر يده، وأنا أشعر بالانتشاء. "تصبح على خير يا بابا" أقبل يد أمي، وأمضي إلى غرفتي. ألقي بنفسي على فراشي الممدودة على الأرض، بجوار النافذة المفتوحة على فناء الدار، أرفع الوسادة إلى مستوى النافذة، أستلقي على بطني، أضع وجهي بين راحتي، وأنا مستند بساعدي إلى الوسادة. أمّ كلثوم ترسل شجوها الهادئ، يعانقه تغريد الكناري المعلق تحت عريشة الياسمين، وتتحد قرقرات النارجيلة، برمي الودع، لتنساب جميعا مع وسوسات النافورة على سطح البركة، وأنا أتأمل "فلّة" قطعتي الشقراء الجميلة، وهي تستلقي إلى جوار البركة، وقد أرخت بطنها على بلاط الفناء، وتركت أثداءها مرسلة، وصغارها الأربعة ترضع بنهم مغمضات العيون. وتدقّ ساعة الإيوان، تدقّ، تدقّ، أعدّ الدقات، وإذا هي تسع. أبي ينهض، يتقدم من المذياع، يغلقه. "لماذا أغلقت المذياع؟" "ربما كان جارنا يريد أن ينام، ولا تنسي، عنده أولاد صغار" "ولكن صوته خفيض، حتى أنا ما كنت أسمعه" "الليل هادئ، وأقل صوت فيه مزعج" وأسمع وقع خطوات أبي تتقدم من غرفتي، فأستلقي على الفراش، وأرفع الغطاء إلى فوق رأسٍي. "هل نمت يا ولد؟" هكذا يأتيني صوت أبي، فأصمت، ولا آتي بحركة، حتى أطمئن إلى ابتعاد خطواته، أحسّ به يدور حول البركة، أحس به يتوقف، أرفع رأسي من تحت الغطاء، بهدوء، أنظر، أراه يقف قبالة باب الدار، يرمقه بغضب، ثم يعود إلى موضعه أمام النارجيلة. تسأله أمي: "هل أغيّر ماء النارجيلة" ويردّ باستياء "لا، أنت لاعبي حسناء" وينفث دخان النارجيلة، وأنظاره متجهة إلى باب الدار. الآن تنبّهت، طوال السهرة لم أتنبّه، كان أبي ينفث دخان النارجيلة بغضب، وهو ينقل ناظريه بين باب الدار وحسناء زوجة أخي تارة، وتارة أخرى بين باب الدار وقطتي المستلقية هناك بجوار البركة وهي ترضع صغارها. حسناء، زوجة أخي بسام، هي ابنة خالتي، هي الجميلة جداً، عندما أكبر سأتزوج أجمل منها، أخي بسّام ترك المدرسة من زمان، وعمل أجيراً عند خياط، ثم افتتح محلاً وأصبح خياطاً، أبي يريدني أن أتعلم، قال لي مرة "أتمنى أن تصبح معلم مدرسة، تعلّم الأولاد، العلم نور يا ولدي، مهنة العلم أشرف مهنة، تقبض راتبك بالحلال"، أبي لا يقرأ ولا يكتب، اشترى لي حقيبة ودفاتر، مع انتهاء الصيف سأذهب مع ابن الجيران إلى المدرسة. ويفتح باب الدار، أنهض، أقعد في النافذة، أرى أخي بسام داخلاً، وهو يحمل كيساً ورقياً. "السلام عليكم" يلقي السلام، وهو يتقدم من أبي، يمد يده إلى أبي، ولكن أبي يرفع بيمناه خرطوم النارجيلة إلى فمه، ويشيح عنه بوجهه. ألحظ حسناء وهي تهم بالنهوض، ولكن أمي تضغط بيدها على قدم حسناء، كأنها تقول لها: "اقعدي، لا تنهضي". ويتوجه أخي إلى أمي، وقبل أن يفوه بكلمة، تقول له: "لا تكلمني، أنا لست أمك، وأنت لست ولدي" أدهش لكلامها، وأهم بالقفز من النافذة إلى فناء الدار، ولكني أملك نفسي، وأظل ثابتاً في النافذة. ويتقدم أخي من زوجته قائلاً: "خذي يا حسناء هذا الكيس، اغسلي ما فيه من تفاح وضعيه في صحن أمام أبي" وتضغط أمي بيدها ثانية على قدم حسناء، وهي تقول لها: "العبي يا حسناء، العبي" ثم تلتفت إلى أخي قائلة: "اترك حسناء، نحن نلعب دوراً في البرجيس، لا تفسد علينا الدور". ويتكلم أخي: "أنا سأغسل التفاح بنفسي" ويردّ أبي: "اقعد، ولا تغسل أي شيء، لا أنا ولا أمك ولا زوجتك، كلنا، لسنا بحاجة إلى تفاحك" ويرد أخي: "والله يا أبي كنت في الدكان، عندي" ويقاطعه أبي: "بعد التاسعة لا شغل، عندك زوجة، وبيت، وغداً عندك أولاد" ويتجه أخي إلى حافة البركة، ليقعد على طرفها، فيصيح به أبي: "ابتعد عن البركة، لا تقعد على حافتها، انتبه إلى فلّة، فهي أم، وعندها أولاد" أخي ينهض، خطواته تتردد، يقعد على طرف الحصير، قريباً من أمه وزوجته. أبي يتكلم: "يا حسناء، افتحي لنا المذياع، لنرى حظك من أغنية السهرة" وتنهض حسناء، تفتح المذياع، وينداح النغم: "يا ظالمني" وتعلق أمي: "الله، الله، صدقت يا أم كلثوم" أدهش، أول مرة أرى فيها أمي تعجب بأم كلثوم، طالما سمعتها تخاصم أبي، أو تمازحه، في أم كلثوم، بل في أغنيتها هذه نفسها، "يا ظالمني"، "لا أعرف لماذا تحب أم كلثوم؟"، هكذا تسأله، ويرد: "قلت لك خمسين مرة، أنا لا أحبها، أنا أحب صوتها"، وتسأله بإلحاح: "وماذا تحب في صوتها، خمسين مرة تكرر يا ظالمني"، ويرد أبي بنزق: "هي لا تكرر ولا مرة، انتبهي إليها، كل مرة تقول يا ظالمني مختلفة عن المرة السابقة، في كل مرة لها طعم مختلف"، وتؤكد أمي: "ولكن الكلمة هي نفسها، يا ظالمني، يا ظالمني"، ويردّ أبي بغضب: "ولعبة البرجيس هي نفسها، كل ليلة تلاعبين حسناء بنت أختك خمسين دوراً". وأسمع أبي وهو يقول لحسناء: "لا، لا، ارفعي صوت المذياع، ارفعيه، حتى يسمع كل الناس، ولا سيما ضعاف السمع" وترفع حسناء صوت المذياع، فيصيح أبي: "عشت يا أم كلثوم، وعشت يا حسناء" ويصمت هنيهة، ثم يضيف: "حظك رائع يا حسناء، صدقيني، كل مرة أريد فيها سماع أم كلثوم، أقلب عشرين محطة، وأنت من المحطة الأولى يأتيك صوت أم كلثوم". وعلى الدرجات الهابطة من السطح يظهر القط ميسون، قطّي الأشقر فأهم بالنهوض والنزول إلى فناء الدار، ولكن سرعان ما ألبث في موضعي، وأتذكر غضب أبي، وأنا أرى القط ميسون، وهو يهبط شيئاً فشيئاً، نازلاً نحو فناء الدار، وتنهض فلّة، تاركة صغارها، وتهمّ بالمضي نحو ميسون. وإذا صوت أبي يصيح: "لا، فلّة، اقعدي، ابقي مع صغارك، اتركي ميسون اتركيه". وتصيح أمي: "هيا، يا ميسون، هيا، أنت طوال اليوم من سطح إلى سطح، تقفز فوق الجدران، وتأتي آخر الليل، وفلّة المسكينة وحدها، ترضع الصغار، ولا تأكل أي شيء، اذهب، هيا" ويتردّد ميسون برهة، وقد بلغ فناء الدار، وتهمّ أمي بالنهوض، وهي تحدّق فيه بحدّة، فينسلّ بهدوء، يجتاز الفناء، يمضي نحو باب الدار، يقعي وراءه. ويتكلم أبي: "يا بسام، انهض، افتح باب الدار، ليخرج ميسون، ليخرج نهائياً إلى غير عودة، لا نريد قطاً لا يرعى زوجته وأولاده". ينهض بسّام مطأطئ الرأس. تقفز حسناء إلى أبي، تكب على يده تقبلها، وهي تنشج باكية: "يا عمي، أرجوك، سامح ميسون، سامحه لأجلي، هذه آخر مرة، لن يتأخر بعد اليوم". أكاد أطير من الفرح، هذه زوجة أخي حسناء تشفع لقطي الجميل، يا إلهي، حسناء رائعة، وعندما أكبر، سأتزوج مثلها، لا أظن أني سأجد أروع منها. أسمع صوت المصعد وهو يتوقف، أسمع وقع خطا تتقدم، ووسوسة مفاتيح تنوس. ألوب بعينَّي في أرجاء الغرفة، أنهض، أقفل التلفاز، أعبر الممر سريعاً إلى الشرفة. أحس بباب الدار ورائي يفتح، وساعة الجدار في غرفة الجلوس تدق دقة واحدة، دقة واحدة فقط. ألتفت بهدوء نصف التفاتة، فأرى ولدي أمجد وهو يدخل إلى غرفته، أرى ظهره، وهو يحمل عليه حقيبته الرياضية، ومضارب التنس. أميل بجذعي على سور الشرفة، أنثني مطلاً على الشارع، أنثني، أكثر فأكثر، أحس بالشارع يغوص بعيداً بعيداً. وينفحني عبق القهوة، فألتفت، فإذا زوجتي في باب الشرفة، وهي تقول لي: "أرجوك، لا تزعج نفسك" وأردّ: "ليس لأجلي، بل لأجله، لا تنسي، هو في الصف الثالث الإعدادي، وأمامه امتحان شهادة" وأمدّ يدي لأتناول فنجان القهوة، فأسمع زوجتي تقول: "وما نفع الشهادة؟ هل تريده أن يصبح معلماً مثلك؟" وأسمع صوت ولدي أمجد يعلو، وهو ما يزال في غرفته: "أمي، جهزي لي الحمام، وهيئي لي العشاء". أترك فنجان القهوة، آخذ حبة الضغط المركونة إلى جانب الفنجان، وأمضي عبر الممر الضيّق. أدخل غرفة الجلوس، وأغلق ورائي الباب المطل على الممر، أمد يدي لأضغط على زر التلفاز، فأرى على ظهره قطّاً صغيراً أشقر اللون، هو محض قطّ من فخار، أحسّ أنني أراه أول مرة. أمدّ إليه يدي، أهمّ بالنقر بإصبعي على فمه عابثاً، فإذا به يكشّر عن أنيابه، ويزأر، وعلى يدي، على وجهي، عليّ، ينقضّ. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |