|
||||||
| Updated: Sunday, September 21, 2003 01:59 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
من غير كلام يخرج من مدخل البناء، فتغمره أضواء الشارع ومصابيح الإعلانات وصخب المارة وضوضاء الباعة وضجيج السيارات، ويحسّ للنسيم الصيفي المعطّر بالأنس والتسلية طعم الشباب والمرح. ويمضي على الرصيف، وهو يلعن ويشتم. كل يوم جمعة، يوم الإجازة، تنزل إلى مكتب المحامي، تقعد في مكتبه ساعتين، تراجع معه ملفات المؤسسة ودعاواها وقضاياها، من السابعة إلى التاسعة، أجمل أوقات الأنس والتسلية تمضيها محبوساً داخل غرفة المكتب، تراجع الملفات تحت الضوء العاكس، تحرم نفسك من التجوال المرح في الشارع والاختلاط بهذه الأمواج من المتسكعين جيئة وذهاباً أمام دور العرض والمحلات المتنوعة تتفرج على أحدث أجهزة التسجيل والعرض وأجمل الأزياء وآخر الكتب والمجلات، تحرم نفسك من ذلك كله من أجل خمسمائة ليرة فقط في الشهر، من أجل أن تفي بعض ديونك وتشتري بعض ما يمكن شراؤه لزوجتك وأولادك وبيتك. ولكن ماذا يمكنك أن تشتري بخمسمائة ليرة؟ ويمرّ أمام دار للعرض، تشده الصور الملصقة على الجدار، يختلس النظر، يحسّ كأن أحداً ما يراقبه، وهو وسط الزحام، يدرك أنه لا يليق به أن يمعن النظر في صور الممثلات، هي ليست له، هي لجيل آخر. إذا لم تنزل إلى مكتب المحامي، فهل يمكنك حقيقة أن تنزل كل أسبوع للتسكع؟ ووراءك زوجة وثلاثة أولاد وبيت، وأنت قد تجاوزت الأربعين، أيام الشباب والتسكع والتسلية ماتت. وينعطف، بائع العصير والمرطبات يجتذبه، يقف يتملّى أهرامات صغيرة من البرتقال والتفاح والعنب شيِّدت بإتقان، وأصوات الخلاطات، وهي تصنع الخليط، تدعوه، وأمام المحلّ شلّة من الشباب، أربعة أو خمسة، يحتسون العصير، ويتبادلون الطرائف على الرصيف ويضحكون. يحسّ تيبّساً في حنجرته، يحدق في لائحة الأسعار. لا عصير التفاح ولا البرتقال ولا العنب، ولا الخليط على الإطلاق، لا يمكن أن يفكر في شيء من ذلك البتة. وكيف يشرب هو وحده ويترك زوجته والأولاد في البيت لا يشربون شيئاً؟! ويمشي، يختلط بالزحام، يسلّم نفسه إليه، يحلّ فيه، مرخياً لقدميه العنان، تسيران به حيثما تسيران، لعله ينسى، لا يودّ العودة إلى البيت قبل أن ينسى. ويرجع بضع خطوات، ليقف أمام مكتبة، ينظر إلى عناوين الكتب. هي المكتبة الوحيدة التي بقيت في هذا الشارع، كانت فيه أربع مكتبات، ولكنها تحولت إلى بيع الثياب وأجهزة التسجيل والفيديو، كنت تنزل إليها في الأسبوع مرة أو مرتين، أيام الشباب، تقرأ عناوين الكتب، ولابد من كتاب تشتريه في كل مرة، والآن، حتى العناوين أصبحت ممجوجة وباهتة، تنظر إليها، ولا تكاد تراها، هي مجرد أغلفة لماعة، وصور جذابة. كنت تنعى على الذين يعجبون بالماضي، ويستنكرون ما بالحاضر من تطور، وكنت ترد على دعاواهم، وتناقشهم وتطيل معهم الحوار، وتعدّهم من جيل قديم لا يرى الخير إلا في القديم، ولكن ها أنت ذا الآن تجد نفسك وقد أصبحت مثلهم. ويهمّ بالمضيّ، ولكن ينجذب إلى كتاب، كأن لم يره من قبل، "الفضيلة: أو بول وفرجيني"، في طبعة أنيقة، وغلاف ملون لمّاع، عليه صورة لطفل يمسك يد طفلة، ويجريان معاً في حقول خضراء شاسعة. الكتاب الذي قرأته وأنا فتى، أظنه أول كتاب أشتريه من مصروفي وأقرؤه، وأحتفظ به، قرأته عدة مرات، ثم لا أعرف من استعاره مني ولم يردّه إليّ؟ كان في طبعة صغيرة، وكنت أضعه في جيبي، كم كنت أحب وصفه للكوخ والسهول والوديان، أما وصفه لغرق الباخرة فلا يمكن أن أنساه، وفي الصف الثالث الثانوي، بعد أكثر من ست سنوات، قال لنا أستاذ اللغة العربية إن أسلوب المنفلوطي غير جميل، فهو يقوم على الحشو والتكرار والترادف والمبالغة، لم أصدق، ولم أقتنع. ويجد نفسه داخل المكتبة، وهو يطلب من البائع الكتاب، فيناولـه إياه، ينظر فيه، يقلب أوراقه، وإذا هي صفراء هشّة من النوع الرخيص جداً، ويسأل البائع: "هل عندك طبعة أخرى للكتاب؟" "لا" "وكم ثمنه؟" "مئة وخمسون ليرة" "يا إلهي" ويضع يده على جبينه، ثم يقول للبائع: "هل تصدق أنني اشتريته بنصف ليرة، نصف ليرة فقط" ويرد البائع ضاحكاً: "أعرف ذلك، أنا هنا كنت أبيعه بنصف ليرة، نعم هذا صحيح، وأنا بنفسي، لا أبي ولا جدّي، ولكن قل لي منذ كم عام؟!" "ربما منذ عشرين سنة" "لا، أنا أقول لك، منذ ثلاثين سنة، أكثر من ربع قرن، بالتأكيد، وربما أنا نفسي بعتك إياه، أنا عمري أكثر من أربعين سنة، كنت وأنا في الإعدادية أعمل هنا في المكتبة، كنت أساعد أبي بعد الانصراف من المدرسة، ما رأيك؟!" ويرد مستسلماً: "نعم، نعم، العمر يمضي" ولكن لا يعقل، أنا أعمل ساعتين بل أكثر، في يوم عطلتي، أنزل إلى مكتب المحامي كل شهر أربع مرات من أجل خمسمائة ليرة؟! وكتاب واحد ثمنه مئة وخمسون ليرة؟ مؤلفه مات ومترجمه مات وكل الورثة ماتوا، شيء عجيب، حتى الكتاب أصبح سلعة؟! وهو يهمّ بالخروج، يدخل المكتبة رجل في عمره، موفور الصحة، يحمل كتاباً أو كتابين، يتبادلان النظرات هنيهة، ثم يتلاقيان في تحية دافئة "أهلا فؤاد" "أهلاً، أهلاً منير" وبعد أسئلة متبادلة للاطمئنان عن العمل والبيت والأولاد وذكر لأيام الزمالة القديمة في الجامعة، يعلّق فؤاد: "جميل أن أراك تتردد على المكتبة، هذا يعني أنك مازلت كعهدك القديم، متعلقاً بالقراءة والكتاب" وقبل أن يجيبه بشيء، يسأله: "هل لفت نظرك كتاب ما؟" ويردّ: "وددت شراء نسخة من كتاب "الفضيلة"، ولكن فوجئت بالثمن" "أي كتاب في "الفضيلة" تقصد"؟ ومن مؤلفه؟ وبعد ذلك هل تقدمت بك السن هكذا سريعاً حتى بدأت تقرأ في الفلسفة والحكمة؟" "لا، لا، أعني "الفضيلة" للمنفلوطي" ويضحك فؤاد ضحكة طويلة، ثم يعلق: "أوه، هذا كتاب أصبح ذكرى، أنا لا أنصح به حتى لأولادي الصغار". الظمأ يستبدّ به، يكاد يختنق، يجد نفسه مضطراً للقول: "لا، الأمر مجرّد مصادفة، رأيت في الواجهة طبعة جديدة من الكتاب، فذكرني بأيام الطفولة، فوددت شراء نسخة لقراءته من جديد" "وهل عندك متسع من الوقت لقراءته؟" "الواقع في غياب الكتب القيّمة والجادة يضطر المرء أحياناً إلى العودة إلى الماضي" ينظر إليه فؤاد مدهوشاً، ثم يردّ: "ما هذا يا منير؟ لم أعرف فيك من قبل مثل هذا التشاؤم؟! الكتب الجديدة والقيمة والجادة ليست أقل من مثيلاتها في القديم، إن لم تكن أكثر، بل هي أكثر حقيقة" "لا أختلف معك من الناحية النظرية، ولكن" ويصمت، يحسّ بالاختناق، فيضيف فؤاد: "ما رأيك في تمضية بعض الوقت في المقهى، هناك مجموعة من الأصدقاء المهتمين بالأدب والنقد، تعرف أكثرهم، وأنا أدعوك إلى فنجان قهوة معهم" يتردد، ينظر في ساعة يده، ثم يرد: "أشكرك، أنا اليوم مضطر للعودة إلى البيت مبكراً" ويمدّ إليه يده مودّعاً، فيقول له فؤاد: "على كل حال نحن نسهر كل ليلة في هذا المقهى، سهرتنا تبدأ بعد التاسعة، ويسرّنا أن تنضم إلينا في أي وقت تشاء، واعتبر الدعوة مفتوحة" يشد على يده، يلتفت إلى صاحب المكتبة، يتناول منه صحيفة يومية، ثم يخرج. وينطلق في الزحام، يغذ الخطا، الأضواء والضوضاء والوجوه والأصوات وحوش تطارده. ليس لك سوى بيتك وزوجتك وأولادك، كل شيء من حولك يدور ويتحرك، وأنت مشغول، تلهث ساعياً وراء لقمة العيش، لا ترى شيئاً، تنظر ولا ترى، وإذا ما رأيت، أدركت أنك عاجز، مقيد. وفي موقف الحافلة ينتظر مع المنتظرين، حتى إذا ما أقبلت، اندفع مع الجموع، ويجد نفسه منساقاً بين الأكتاف والأيدي والأجساد المتدافعة، وإذا هو بعد جهاد وعراك ودفاع داخل الحافلة، محشور في مؤخرتها، روائح الأجساد المتعرقة تزكمه، يكاد يختنق. وتتجاوز الحافلة عدة مواقف، وهي لا تتسع لمزيد، ثم تضطر إلى الوقوف كي ينزل منها بعض الركاب، ويندفع إليها آخرون. ويتزحزح من موضعه بعض الشيء، يحاول الاقتراب من النافذة، لعله يتنسم الهواء. وعلى الرصيف، وهو داخل الحافلة، يرى بائع سوس، يحمل قربته الجلدية على ظهره، وقد لف حول وسطه مئزراً ورديّا مخطّطاً بالأزرق، وبين يديه طاسات نحاسية صفراء، ينقر بها نقرات موّقعة. ينفجر إحساسه بالظمأ، حنجرته تجف، يودّ لو ينزل من الحافلة ليشرب السوس البارد، ولكن الحافلة تنطلق. ووراء الباب، وهو يدخل المنزل، تهمس له زوجته: "أخي جاء لزيارتنا، هل أحضرت معك بعض المثلجات؟" ويرد: "للأسف، ليس عندي علم بزيارته" "عد إلى السوق حالاً لإحضار بعض المثلجات أو الفواكه" "قدّمي له أي شيء من البيت" "ليس عندنا سوى القهوة، وقدمتها له" ويخطو نحو الداخل، وهو يقول لها: "سندعوه ليتناول العشاء معنا" ويتصافحان، الوجه المورّد ينزّ عرقاً، والبطن البارز المتخم يرتج لدى كل كلمة أو حركة. "منزلكم خانق يا منير، يحتاج في الحقيقة إلى مكيف، هناك مكيفات جديدة نزلت إلى السوق، وبعضها صحراوي ممتاز جداً، وزهيد الثمن، أنا اشتريت اثنين، لغرفة الجلوس ولغرفة النوم". ويردّ بهدوء: "سأشتري واحداً" ويضيف الأخ: "حدّثتني أختي عن نزولك كل يوم جمعة إلى مكتب المحامي، مازلت تحلم بالعمل في المحاماة؟" "لا، أبداً، حتى قبل تخرجي ما كنت أحلم بالمحاماة، مدير المؤسسة فقط هو الذي كلفني بمساعدة المحامي في قضايا المؤسسة ومشكلاتها ودعاواها" "وهل التعويض جيد؟" "أنا لا أنزل في الواقع سوى مرة واحدة في الأسبوع، وأعتبرها تسلية أو نزهة". ويضحك، فيتحرك بطنه، وترتج اللغدد تحت ذقنه، ثم يعلّق: "أيّ تسلية وأي نزهة؟ نصحت لك منذ زمن، اترك الوظيفة في المؤسسة واعمل معي، الزمن تغيّر، كان للوظيفة عزّها ومجدها أيام زمان، الوقت الآن للتجارة، لا محامي ولا طبيب ولا أستاذ جامعة، حتى الشهادات العالية أصبحت لا شيء". ويصمت، يمسح العرق الذي ينزّ على جبينه، ثم يضيف: "على كل حال أنا فتحت مكتباً جديداً في الحيّ المجاور لكم، سوف أوسّع مشاريعي، وأنا ما عدت أعمل بنفسي، كل مكتب أضع فيه موظفاً، وأجعل له حصة من الأرباح..." شيء ما ينكسر في حنجرته، يسمع صوت طق، يضغط حنجرته بإبهامه وسبابته، ينهض، ليست قضية ظمأ. وينهض شقيق الزوجة، وهو يمدّ يده إلى كيس ملقى بجواره على المقعد الطويل، يحمله معه. لم يتنبّه من قبل إلى الكيس، ينظر، فإذا فيه خمسة أشرطة للفيديو، يدعوه إلى تناول العشاء، وتلحّ أخته عليه، فيردّ: "شكراً، هذه ليست زيارة، في الحقيقة مررت بمركز الفيديو، واشتريت خمسة أشرطة، ماذا سنفعل في السهرة؟!" ويلتفت إلى منير ليقول له: "هل تظن أني سأقعد للقراءة مثلك؟!" "لا، اطمئن تركت القراءة" "إذن، كيف تمضي السهرة؟ أنا لا أرى عندك فيديو، هل تصلب نفسك أمام برنامج التلفزيون؟!" "لا، أنام مبكراً، حتى أكون على رأس عملي في الثامنة" ووراء الباب يقول له: "إذا شئت العمل عندي فقدّم استقالتك من الوظيفة، على كل حال لن آخذ منك جواباً الآن، أتوقع زيارتك غداً في مكتبي الرئيسي بعد السابعة" وقبل أن يخرج يقول لأخته: "حاولي إقناعه، فأنت أقدر مني، وأول شهر يعمل فيه عندي يستطيع شراء جهاز فيديو، لا تترددي، حاولي إقناعه". وفور خروج الأخ، يمضي إلى المطبخ. يأخذ رشفة من ماء مثلج. الحنجرة تطقطق، المطبخ والثلاجة والجدران والزوجة كل شيء أمامه جامد. ينظره ولا يراه، يراه ولا يدركه، يحسّ أنه ينادي، ولكن ما من صوت أو صدى، ما من مجيب، النور والصمت والسكون كل أولئك أشياء يحسّها، يراها، لوحة بيضاء، إشراق نور وضاء، كتاب حريري يرفّ شفاف اللون زاهي الصور لؤلئيَّ الورق، وخطوط تضيء ترسم حروفاً كأنها اسمه. ضحى اليوم التالي، يفتح عينيه، يشقهما شيئاً فشيئاً، يحسّ أنه منهك جداً، مرخى، لا يتحرك، وثمة دبيب في عروقه، خدر، إعياء، جوع، يحس أنه يتكلم ولا أحد يسمعه، بل يحس أنه يتكلم ولا ينطق، يتكلم من غير صوت. يذكر الضوء الباهر الذي اخترق جفنيه المغمضين، أحسّ شيئاً ما يدغدغ حنجرته، أو يشقها، هو لا يتألم، بل يلتذ، بل يحار، ثم ينام. ولكن، ما هذا الألم الآن؟ ألم جديد في الحنجرة، وثمة لفافات حول عنقه يحسّها وكأنه يلمسها، وإن كان لا يتحرك. ويرى زوجته وإلى جانبها رجل في صدرية بيضاء، وعلى عينيه نظارة طبية. الرجل يقول لها: "لا تكلّميه، ولا تسمحي له بالكلام، بهدوء أفهميه ماذا حصل، بالإشارة فقط، إذا أمكن" يرى زوجته وهي تودّع الرجل عند الباب، ثم ترجع، وهي تمسح الدموع تحت عينيها. ينظر إليها، يدرك أنه لا يستطيع الكلام. يغمض عينيه، وهو يقول لها، ولكن من غير أن ينطق أو تسمع. الآن، أذكر، أحدث الأطباء فتحة في حنجرتي. كنت أنزل إلى المحامي، وأنزل إلى السوق، وأعمل وأتعب، وأشقى، وأحمل هموم البيت والزوجة والأولاد والديون، وأتكلم. ومنذ اليوم، سأفعل ذلك كله. ولكن من غير كلام. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |