|
||||||
| Updated: Sunday, September 21, 2003 01:59 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
رزمة أوراق -1- يدخل أمجد على أمه في المطبخ، يسألها: "أمي، تأخرت علينا اليوم بالغداء؟". تردّ، وهي ترفع الغطاء عن القِدْر: "الحق معك يا أمجد، المعتمد تأخر في تقبيض الرواتب، وأنا تأخرت في السوق، حتى اشتريت لكم الرز والسمن وبعض الخضر". ويسأل بفرح: "أمي، أنت وعدتني بحذاء، جديد، حذائي اهترأ، انظري". ويشير إلى حذائه، فتردّ الأم على الفور: "الشهر القادم سأشتري لك حذاء" "وهذا الشهر؟" "هذا الشهر دفعت للمصرف أقساط الأشهر الثلاثة المتراكمة". "وما بقي معك ثمن الحذاء؟" "ولا أجرة المواصلات" "كل مرة، كل مرة المصرف، والأقساط، لماذا المصرف يا أمي؟" "حتى نسكن في هذه الدار، استدنّا ثمنها من المصرف" أمجد يطرق، يصمت، ثم يسأل: "صحيح، أمل ستصبح معلمة؟" "نعم، ستأخذ ساعات في مادة الرياضيات" "وتأتي إلى مدرستي" "لا، أنت يا أمجد في الصف السادس، العام القادم أنت ستذهب إلى مدرستها، وتدرّسك الرياضيات في الصف السابع". ويفتح الباب، وتدخل أمل، فترحب بها أمها: "أهلاً أمل، جئت في الوقت المناسب، تعالي نتناول الغداء، قبل ذهابي إلى المستشفى، هيا، الطعام حاضر" ويسأل أمجد: "صحيح صرت دكتورة، يا أمي؟" وترد الأم وهي تضحك: "لا ياحبيبي". "وعملك في المستشفى؟" "عملي في المساء فقط، من الثالثة إلى التاسعة، في قسم الاستقبال، أستقبل المرضى، وأسجّل أسماءهم". وتسأل أمل: "متى سيدفع لك أول راتب؟" "في آخر الشهر" "وماذا سنشتري به؟" ترسل الأم زفرة طويلة، وهي تسكب الطعام في الصحون: "الرواتب الأربعة أو الخمسة الأولى كلها يا بني لسداد الديون، لا يمكننا شراء أي شيء". وتسأل أمل: "والأدوات الهندسية، وطاولة الرسم، متى سنشتريها؟" ويرد أمجد: "قولي لبابا" وتتدخّل الأم: "لا، لا يا ابنتي، لا تقولي لوالدك أي شيء، والدك، كان الله في عونه، السيكارة تركها، لا لشيء، إلا لأن الراتب ما عاد يكفي، لذلك، لا تسأليه أي شيء، وتعالي تناولي غداءك". وترد أمل: "تناولي أنت غداءك يا أمي، واذهبي إلى المستشفى، أنا سأنتظر أبي حتى يرجع". ويتكلم أمجد: "أنا سآكل الآن مع أمي، وسآكل أيضاً مع أبي". -2- أمام مدخل البناء يلتقي أبو عماد جاره أبو حسّان، يحيّي كلّ منهما الآخر، يقفان، يتحدّثان. "أنا آسف يا أبو عماد، ما استطعت أمس مشاركتكم في السهرة، ماذا قرّر الجيران؟". "اتفقوا على تركيب باب للعمارة" "شيء جيد، وكم سيكلّف؟" "أكد الجميع استعدادهم لتحمّل المصاريف، مهما كانت". "ولم يعترض أحد؟". "أبداً، أبداً، ولكن جارنا الأستاذ أكرم" "هل اعترض؟" "لا، لم يحضر لقاء سكان العمارة" أبو حسّان يطرق قليلاً، ثم يتكلّم: "جارنا الأستاذ أكرم موظف، معلّم مدرسة، راتبه قليل، أنا أقترح إعفاءه من المصاريف، وعدم مطالبته بأي شيء". "ولماذا نعفيه؟ مثله مثلنا، حتى نسخة المفتاح الخاصة به، سوف نأخذ منه ثمنها". ويصمت هنيهة، ثم يضيف: "ولا تنس، زوجته موظفة، أين راتبها؟ وهي بدأت تعمل في مستشفى، وهو يعمل بعد انصرافه من المدرسة في المحاسبة، في مخزن أبو جميل، وليس عنده سوى بنت وولد؟" ويردّ أبو حسان: "أنا أعرفه أكثر منك، وضعه بائس، أنا سأطرح فكرة إعفائه من المصاريف في اجتماع سكان العمارة الشهر القادم، الاجتماع سيكون في بيتي". "نعم، هو في بيتك، ولكن لا أظن أي أحد من الجيران سيوافق على إعفائه، أنا شخصياً". ويقاطعه أبو حسّان: "على كل حال، لا تستبق الأمور، اتركها إلى الشهر القادم". -3- في دكان الجزار أبو خالد، ينادي أبو خالد أجيره: "يا عصام، هات دفتر الذمة" ويناوله الأجير الدفتر. أبو خالد يفتح الدفتر، يقلب الصفحات، يحصي ما تراكم على هذا وذلك من الجيران من ديون. "لا بأس، اليوم أول الشهر، كل الموظفين قبضوا رواتبهم سنرى كم سيدفع لي كل واحد". هكذا يتكلم، وكأنه يريد لأجيره أن يسمع، ثم يلتفت إليه ليقول له بحدّة: "والله، إذا ما وفّاني كل واحد من هؤلاء الموظفين كلّ ما عليه من دين، فلن أعطي أي واحد منهم ولا مئة غرام". ويغلق الدفتر مغتاظاً، ثم ما يلبث حتى يفتحه، ويتكلم، وهو يشير إلى إحدى الصفحات: "هذه صفحة الأستاذ أكرم، الشهر الماضي ما وفّاني غير نصف ما عليه من دين، وهذا الشهر أخذ ضعف الشهر الماضي، واليوم، يأتي ليدفع لي، ماذا سيدفع؟ أنا أعرف، هذه هي عادته، والله، الشهر القادم لن أعطيه، ولا مئة غرام". يقذف القلم من يده، وهو يرسل زفرة، متطلعاً إلى الشارع، كأنه يترقب قدوم الأستاذ أكرم. ثم يقهقه ضاحكاً، وهو يقول مخاطباً أجيره: "هل تعرف يا عصام، هذا الأستاذ أكرم، كنت أصرخ وأقول ما وفاني ديني، والله شيء غريب، هذا الرجل، هو وزوجته، وابنه وابنته، أربعة أشخاص، طوال الشهر، ما استهلكوا غير... غير... والله شيء لا يصدق، تعال انظر، كان الله في عون الموظف". ويعلّق عصام: "ولكن هو أستاذ، وزوجته موظفة، وهو يعمل في المحاسبة بعد انصرافه من المدرسة، وزوجته بدأت كما سمعت تعمل في المستشفى". ويرد أبو خالد: "لا، لا، لا تحسده يا عصام، أنت وحدك تأخذ أجرة أكثر منه ومن زوجته، كان الله في عونه، وأنت ما درست ولا تعبت". -4- في غرفة الآذنين، يدخل عبدو الآذن على زميله محمود، يبادر إلى سؤاله: "جمعت يا عبدو ثمن القهوة والشاي من الأساتذة؟" ويردّ عبدو بتذمّر: "والله، أنا قرّرت ترك القهوة والشاي، شغلنا مع الأساتذة كله خسارة، يكفينا بيع الكاتو والشيكولاته والعلكة للطلاب، خذ، تفضل، هذا كل ما جمعته من كل الأساتذة". "الحق معك يا عبدو، نبيع للطلاب في اليوم أكثر مما يشرب الأساتذة كلهم من قهوة أو شاي طول الشهر". ويضيف عبدو: "هذا الشهر، الأستاذ أكرم ما شرب أي فنجان قهوة، قال: ترك السيكارة، ولا يريد شرب القهوة، حتى لا تذكره بالسيكارة". ويعلق محمود: "جميل، طالب في الصف السابع، كل يوم يشتري، مثلما تعرف، أنا نفسي لا أكاد أصدّق". "لا تنس، جميل أبوه تاجر، ماهو موظف مثلي ومثلك أو مثل هؤلاء الأساتذة الدراويش". "ولذلك قررت، لا قهوة ولا شاي بعد اليوم للأساتذة". "الحق معك، يا محمود، وأنا مثلك قررت". ويصمت هنيهة، ثم يتكلم: "ولكن لا تنس، كما قلت، الأساتذة مثلنا، نحن الموظفين، وما هم أحسن منّا، وواجبنا أن يعطف بعضنا على بعضنا الآخر". "إذن، غيرت رأيك؟" "نعم، سنقدم لهم القهوة والشاي، على الأقل من باب الشفقة عليهم والعطف". -5- على الرصيف يمضي الأستاذ أكرم. قبضته في جيبه، مشدودة على الراتب، يمسك به بقوة، يده الأخرى مدلاة إلى جانبه، يحمل بها حقيبته. مطرقاً يمضي، خافض الرأس، شارد الذهن، خطاه تهيم تائهة. ماذا يمكن أن أفعل؟ ليتني لم أقبض الراتب، ماذا سأفعل به؟ كيف سأوزعه؟ ضرسي منذ ثلاثة أشهر يؤلمني، وأنا لا أراجع الطبيب، بعد شهر زفاف شقيق زوجتي، هي بحاجة إلى ثوب، أنا أعرف، هي لا تطلب، ولكن لابد، أمل بحاجة إلى أدوات هندسية، وطاولة رسم، حذاء أمجد مهترئ، لا أحد منهم يطلب مني شيئاً، أمهم توصيهم، أنا أعرف، ولكن ما الفائدة؟ جاري الجزار ما عدت أستطيع المرور أمام دكانه، جيراني في العمارة يجتمعون كل آخر شهر عند أحدهم، وأنا أتغيب، لا أعرف، لا أعرف... هل أسرق؟ هل أنهب؟ هل أرتشي؟ كيف أفعل وأنا طول عمري...؟ منذ سنتين وأنا أعمل بعد الانصراف في المحاسبة، أسهر أمام الدفاتر، أراجعها، أدقّق فيها، والمحصّلة لا شيء، أمل في السنة الثانية من كلية الهندسة، هل أطلب منها ترك الجامعة والالتحاق بأي وظيفة؟ هل أجبر أمجد على ترك المدرسة، وهو الناجح والمتفوق، ليعمل أجيراً عند الجزار؟ -6- يقرع الباب، ويدخل: "أهلاً، أهلاً بالأستاذ أكرم، تفضل" "شكراً، شكراً، فقط مررت بك لأعرف جواب الموجّه الاختصاصي؟". "آه، هو صديق عزيز، كما قلت لك، وهو صادق المودّة، وقد حدثته لأجل ابنتك، ورغبتها في بعض الساعات، يكلفها بها، ولكن، للأسف، اعتذر، أقسم الأيمان المغلظة، أنه لا شواغر عنده". "شكراً أرجو ألا أكون قد أحرجتك، اعذرني، صدّقني، طوال حياتي لم أطلب من أحد أي مساعدة، ولولا أنك أعز صديق عندي، لما طلبت منك هذه المساعدة، مرة أخرى، أنا آسف، وأرجو أن تعذرني، أتمنى ألا أكون قد أحرجتك". "على كل حال، اطمئن، وعدني الموجه الاختصاصي خيراً، أكّد لي أنه سيكلفها بأربع ساعات في مطلع العام الدراسي، القادم، وهذا أفضل لها، اتركها السنة تتفرغ للدراسة، لتحقق النجاح". يكرر شكره، يكرر اعتذاره، ويخرج. -7- مرة أخرى، الرصيف يمتص خطاه أين الطريق؟ إلى أين سأمضي؟ ماذا سأفعل؟ هل سدت السبل؟ هل أنا غبي؟ هل أنا جاهل؟ ما ذنبي؟ ماذا أفعل؟ هل أخبط بيدي على طاولة المدير؟ أصفع وجهه، أصيح به، ولكن؟ هل أخلع ثيابي؟ أقف في هذا الشارع عارياً؟ ليجتمع الناس من حولي، فأصيح بهم، أقول لهم.. ولكن؟ ماذا أفعل؟ هل أتسلّق برج الإذاعة؟ أرمي بنفسي من فوق؟ أو أرمي براتبي، أصيح، أقول لهم: خذوه، فهو... فهو...؟ لا أعرف ماذا أقول؟ فجأة يستوقفه نداء. يرجع بضع خطوات، يقف أمام البائع الأعمى، يحدّق فيه، يتملاّه، ينظر في رزمة الأوراق التي تمتد بها يده، يغري بها المارين، وهو ينادي: "الدنيا حظوظ، الدنيا حظوظ، جرّب حظك". -8- خطاه تهبط ثقيلة على الدرجات العشرين النازلة إلى قبو في أسفل العمارة، حيث مأواه. الدنيا عقل وعمل، هكذا كنت أعتقد، كنت أظن، كنت أتوهم، ولكن الآن عرفت، صدقت يا موزع الحظوظ، ليس حلاً، أنا أعرف، ولكن سأجرّب، لتكن مرّة في العمر، مرة واحدة، لم يجرّبها أحد مثلي من قبل، إمّا وإمّا، ليست جريمة، بل لتكن جريمة، أنا سأرتكب هذه المرة جريمة، وليكن ما يكون، آلاف الجرائم ترتكب كل يوم، ولتكن هذه واحدة، المثقف فيك مات، اقتله، لا تندم، أنت الآن موظف، محض موظف، ولا شيء. -9- في مدخل البيت، وراء الباب، تستقبله زوجته، وهي تهم بالخروج: "إلى أين؟" "إلى المستشفى" "تعالي، لا تذهبي، انتظري" يُخرج من حقيبته رزمة أوراق، يقول لها: "اشتريت بالراتب كله رزمة أوراق الحظ، أرقامها متسلسلة، سأرى حظي هذه الليلة، لذلك لا تذهبي، اقعدي، سنشاهد معاً نتائج السحب على شاشة التلفزيون" "ولكن" "أعرف، أعرف، ولكن ماذا أفعل؟". يهرع إليه من المطبخ أمجد وأمل "أهلاً بابا" "نحن بانتظارك، تعال، لنتناول الغداء معاً". -10- ما يزال في مدخل البيت، وراء الباب، يحدّق في زوجته، يحدّق في أمجد، يحدّق في أمل. وفي فضاء المدخل الضيق، يقذف بالرزمة، وعلى أرض القبو الرطبة، وبين الأقدام، عند الأحذية، ومن غير أن تحلّق في الفضاء، أو ترف، تسقط كل أوراق الحظ. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |