العودة إلى البحر - أحمد زياد محبك

قصص قصيرة- - من منشورات اتحاد الكتّاب العرب-دمشق-2001

Updated: Sunday, September 21, 2003 01:59 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

ذهاب... وإياب آخر

إلى صبري موسى‏

السكرتيرة تغزل الصوف، يداها تتحركان برتابة وسرعة، في الحر القائظ تغزل الصوف، السيخ في يدها يخز حنجرتك، وليس في الغرفة غير كرسي حقير شاغر، والمقاعد كلها مليئة بالمنتظرين، يد تحمل مصنفاً، تنقله إلى اليد الأخرى، ويد تمسح العرق عن الجبين، ويد اشتبكت أصابعها بأصابع اليد الأخرى، والوجوه ضائقة مكفهرة مربدَّة، وأنت تتصبب عرقاً، وتختنق.‏

"أرجو السماح لي بمراجعة السيد المدير".‏

"الموضوع؟!".‏

"خاص، ضروري، خاص جداً".‏

"تعال غداً".‏

"أنا قادم من قرية في أقصى الشمال، ويجب أن أرجع في قطار الساعة الثالثة".‏

"انتظر إذن، رقمك 15".‏

المروحة في السقف تدور، والنافذة تنفث حراً لاهباً، والسكرتيرة تغزل الصوف، تغزل، وصدرها المليء، يرتج، امرأة بين الرجال، ولكن لا أحد يوليها اهتماماً، الوجوه مكفهرة، الأعين تنظر إليها، ولكن في النظرة ضيقاً، عداء، كرهاً، ويداها لا تهدأان.‏

"هل يطول انتظاري؟!".‏

"لا أعرف المدير في اجتماع مع لجنة تفتيش عليا".‏

أحد المنتظرين يحدق فيك، ثم يحدق في المروحة، لعله يسخر منك، أو يشفق عليك، ويحس بالغبطة، لأن دوره في الدخول على المدير قبلك، ويدخل الآذن، فيميل على السكرتيرة ويهمس لها، فتضحك، ويداها تتابعان الحركة الدائبة، وهو ما يزال يميل عليها ويتحدث، والأصباغ في وجهها تحللت وعلاها الدهن.‏

حملت والدك في سيارة قبل أن يمد خط القطار، عشر ساعات سارت بك وبه السيارة، وهو يئن ويشكو، مشافي العاصمة مجهزة بغير ما تجهز به مشافي المدن الأخرى، وغباء طبيب القرية، هو الذي جعل الداء يستفحل، وفي قاعة الانتظار أعطتك الممرضة رقماً، وقالت لك انتظر، ووالدك يحتضر، ولكنك ستنتظر.‏

كان المرضى يملؤون قاعة الانتظار، وجوه شائخة مزقها المرض، يد على صدر يختنق، ونفس يسحب بصعوبة، وسعال مدمى، وأنين مقيت، وشكوى ضجرة، وروائح مرض وعرق ودواء، وهي تخطر بين المرضى بثوب أبيض، مفتوح عن صدر مفعم بالحياة، وشفتان تنضحان رغبة، كنت دون العشرين، وكان والدك على كتفك يئن ويشكو.‏

"اسمح لي بالكرسي".‏

الكرسي للآذن، وأنت قعدت عليه من غير استئذان، وكتل الأجساد هناك تنتظر، فلتسند ظهرك إلى الجدار، الجدران دائماً فضية اللون، كئيبة، يعلوها القتام، والصبغ الأحمر في شفتيها قان، وأهدابها السود مرسلة نحو الصوف وهي تغزله، وصوت المروحة يطن في أذنيك، هل نامت، أم هل نمت أنت، وهذا أحد المنتظرين يضجر، فيخرج.‏

"تفضل اقعد هناك".‏

صوت رخيم، وإشارة يد رقيقة، وإثارة أنثوية مغرية، وأنت ابن ريف أسمر، ولكنها تشير إليك ثانية، لا لم تكن إشارة يدها رقيقة، لقد ضاقت بك وأنت تنظر إليها، وهي تزجرك، يجب أن تطيع، فقد تمنعك من الدخول على المدير.‏

وتهب واقفة، وتتجه إلى غرفة المدير، وقد أحست بحركة وراء الباب، ثم يفتح جانب الباب، فتتسرب برودة رطبة، تنجذب إليها، وتنهض، كالرطوبة التي تتسرب إليك من البئر المحفورة في فناء الدار، ويخرج المدير نضر الوجه، مديد القامة، لعله ليس المدير، يخرج أربعة، بل خمسة، كلهم في نضارة وحيوية، اثنان يضعان النظارات، وفي الأيدي حقائب.‏

"حضرة المدير أنا...".‏

"تفضل هذا هو المدير، وليس أنا".‏

"أنا قادم من أقصى الشمال، وعندي قضية مهمة، ويجب أن أرجع في قطار الثالثة".‏

"انتظر".‏

"أيها السادة، لا تؤاخذونا، تأخرنا في الاجتماع مع السيد المدير، ولكن كنا مجتمعين لأجلكم، والسيد المدير سيستمع إلى قضاياكم وسيحلها جميعاً، وأرجو إذا سمحتم أن يبدأ بهذا القادم من الريف، فأنتم كما يبدو لي من البلد".‏

"قضيتي في كلمة واحدة: رِشوة".‏

"لا، هذا مستحيل، السيد المدير، وأعضاء اللجنة، وأنا رئيس اللجنة، سنحقق في هذا فوراً، وأمام جميع السادة المراجعين، ولو أدى هذا إلى تأخيرهم، أخبرني، من أخذ منك رشوة، ما اسمه؟!".‏

"لم يأخذ، ولكنه طلب".‏

"من؟"‏

يجف عرقك، وقد وضع الرجال الحقائب، واستعدوا جميعاً لوقوف قد يطول ساعات، ورئيس اللجنة مهذب، لطيف، أكثر أنوثة من السكرتيرة، كم تتمنى لو تطبع على وجنته قبلة، والمدير يخلع نظارته، ويمسحها، والسكرتيرة، تنظر إليك بامتعاض، بل بإعجاب وتقدير، فقد انتصرت ستمحق ذلك الموظف، وستحدث طلابك عن الرشوة، وستوضح لهم معناها، ستحدث أهل القرية، لو كان والدك على قيد الحياة لحدثته، ولكنك بانتصارك على ذلك الموظف ثأرت لموته في المدينة، وها أنت الآن وحدك، والذين ينتظرون يحدقون فيك، ستؤخرهم، ولكنك ستنتصر لأجلهم، إنهم يتطلعون إليك بإعجاب، وستلقى منهم التأييد والعون.‏

"لا أعرف اسمه، موظف في الديوان".‏

"سنعرف اسمه فيما بعد، كم طلب منك؟!".‏

"مائتا ليرة".‏

تذعرك قعقعة القهقهات، تنفجر بغتة عميقة، ثم تصمك وتعميك الضحكات، ترن متصلة، وأنت في بؤرة من الصمت، لا تعي ولا تفهم، والرجال يحملون الحقائب، ويضع المدير نظاراته على عينيه، والسكرتيرة تواري وجهها وراء يدها، وهي ما تزال تضحك، وينضح منك عرق غزير، وثمة ما يحز في حنجرتك، ويفككها تفكيكاً..‏

"رشوة، هذه ليست رشوة يا رجل".‏

"هذه ثمن فنجان قهوة".‏

"أفزعتنا، حسبنا أنه طلب منك عشرات الألوف".‏

"موظف صغير طلب منك تعويضاً بسيطاً عن أتعابه".‏

"أمر طبيعي جداً، سيفتح الأضابير، ويراجع الملفات، ويمضي ساعات وساعات لكي ينظر في طلبك، وهل تظن أن مئتي ليرة كثيرة".‏

"لا يا رجل، اذهب وادفع له خمسمائة".‏

"يبدو أنك طيب وساذج".‏

"قلت إنك قادم من الريف في أقصى الشمال، يبدو أنك تعيش في رأس جبل".‏

"لعله لم ينزل إلى المدينة".‏

"ربما كانت هذه أول مرة يدخل فيها دائرة ويتعامل فيها مع الموظفين".‏

"اذهب، وادفع له، لا تبخل يا رجل".‏

صمتّم أخيراً، وخرجتم، لا بأس، لقد عرفت، وستدفع له، كما دفعت أجرة نقل جثمان والدك، بعت ساعة يدك، وأنت شاب دون العشرين، ودفعت أجرة نقله، كانت أجرة نقله ميتاً، أكثر من أجرة نقله حياً، ورجعت معه إلى القرية، وحدك، وها أنت ذا الآن وحدك، ليس في جيبك غير مئتي ليرة، وعشر ليرات، وبضعة قروش.‏

"أنا دفعت لـه خمسمائة، ولم يؤخر معاملتي يوماً، وهذا شيء طبيعي".‏

حتى أنت أيها الكهل الدميم، أنت شريكه أو قريبه، أو أخوه، نهش جيفتي الأربعة، والمدير، ولكنك أنت نقعتني في السم، وعلقتني من كرعوبي، ثم سلخت جلدي، لو كنت في ساحة القرية لكنت بقرت بطنك واقتلعت عينيك وقصصت لسانك، ولكنك هنا في دائرة حكومية، تمنيت أن يقف واحد منكم إلى جانبي، أن يدافع عني بكلمة.‏

ولم يبق إلا أنتِ، صوتك الأنثوي وحده هو ما يسلي في هذا المأتم، هو وحده العزاء، كما كان جسمها في قاعة الانتظار وحده الحي بين أجساد ميتة، ولكني لم أستطع مغازلتها، وأنا ابن السابعة عشرة وأبي يموت على كتفي، وأنا لا أستطيع الآن مغازلتك، لأن شيئاً ما في داخلي يموت، ليت لي صديقاً الآن، يحملني ويخرج بي كما خرجت بأبي من قاعة الانتظار، وقد لفظ نفسه الأخير، ترك روحه هنا، وعدت أنا إلى قريتي لأحدث أهلها عن العاصمة، واليوم أعود ثانية، لأحدثهم عنها أيضاً، ولأحدث طلابي، وقد تركت هنا كل ما بجيبي من نقود، ويداك ما تنفكان تنسجان الصوف، والحر شديد، وأنا أختنق، والسيخ في يدك يخز حنجرتي، هل يستطيع صوتك حملي إلى زوجتي وطلابي وقريتي من غير أن أدفع رشوة، لعلي أعود إليهم بالهدايا، وبذكرى من عينيك، لعلي أعود.‏

"هل هناك، يا مدام، جهة عليا، يمكن أن أرفع إليها شكوى؟".‏

"طبعاً، ولكن أنصح لك أن تدفع، فالمبلغ بسيط".‏

"ولكن المشكلة ليست في المبلغ، وإنما في المبدأ، وإذا دفعت اليوم مئتين، فقد أدفع غداً ألفين".‏

"في كل الأحوال، أنصح لك أن تدفع".‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244