|
||||||
| Updated: Sunday, September 21, 2003 01:59 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
شجيرات الورد يصعد الدرج بهدوء، يخشى أن يراه أحد من الجوار، كأنه يصعده أول مرة، وهو الذي صعده من قبل عشرات المرات، يلهث، لا من تعب، ولكن من اضطراب. يبلغ الدور الأخير، يتابع صعود الدرج، يصل إلى باب السطح، يدفعه، ويدخل، فضاء السطح الواسع يجعله يحس بالتيه للوهلة الأولى، ولكنه ما يلبث أن يخطو إلى الأمام. "أعرفها جيداً، هذه هي دار الأستاذ ماجد، وهذه أصص الورد، أنا بنفسي حملتها لـه، وصعدت بها الدرج". ويدلي جسمه إلى شرفة الدار، يتشبث بالجدار، يحس بالخطر، ينظر إلى أسفل، المسافة بعيدة، لم يتوقع ذلك، وفجأة يجد نفسه في الشرفة، ساقطاً إلى الأرض. ينهض، يحس بألم في كاحل قدمه اليمنى. يقترب من شجيرات الورد، يطل من الشرفة، يرى دكان معلمه أسعد. "منذ دقائق كنت هناك، ليتني لم أفعل، ولكن... يجب ألا أنظر إلى الشارع، حتى لا يراني أحد". يشم وردة بيضاء، ويمضي مسرعاً نحو باب مفتوح، يعرج، كاحل قدمه يؤلمه، يجتاز الباب. "يا إلهي، هذا مطبخ؟! لا أصدق؟" يرسل من بين أسنانه صفيراً. "والله المطبخ أكبر من دارنا كلها، النفس تشتهي النوم هنا على هذا البلاط اللماع، دارنا ما فيها نسمة هواء". يقترب من حوض المجلى، يمد قامته، يدوس على أطراف أصابعه، يرى وجهه في مقبض الصنبور، يبصق في الحوض. كاحله يؤلمه، يلتفت إلى كرسي، يقعد عليه، يضع رجلاً فوق رجل، يتفحص كاحله. "ألف مرة فتحت لي زوجته الباب، مرة أناولها الخبز، ومرة زجاجات الحليب، ومرة ومرة، وهو نفسه، يبلغ البناء، ينزل من سيارته، فأركض إليه، أحمل حقيبته إلى فوق، يضع في يدي ليرة، ولكنه ما دعاني لا هو ولا زوجته إلى دخول البيت". يمد بصره إلى الشرفة، شجيرات الورد تشغله. "عند خروجي من الدار سأقطف وردة ". قال لمعلمه: "أنا ذاهب لقضاء حاجة" فأشار إليه برأسه موافقاً، دون أن يتكلم. وعلى الفور اندفع خارج الدكان. فجأة التمعت الفكرة في ذهنه، ما خطرت على باله من قبل، رأى الأستاذ ماجد يخرج من مدخل البناء، حاملاً حقيبة كبيرة، وضعها في صندوق السيارة، خرج من بعده ابنه سمير، ثم خرجت زوجته، تحمل حقيبة أخرى، وانطلقت بهم السيارة. "هم سافروا، وأنا سأدخل الدار، لتكن أول مرة، وآخر مرة". هكذا قال محدثاً نفسه. ما اختلس قرشاً من دكان معلمه أسعد، النقود كلها أمامه، بين يديه، يغيب معلمه، فيبيع بدلاً منه، ويقبض. أحياناً يضع في فمه قطعة حلوى، ولكنه يدفع ثمنها. في أول عمله عند أسعد قبل ثلاث سنوات، كان يعد ما يأكل، وعندما يقبض أجرته في نهاية الأسبوع، يقول لمعلمه: "احسم من أجرتي ثمن خمس قطع حلوى". ثم أخذ يضع من جيبه ثمن ما يأكل مباشرة، وإن كان في الواقع يضع أقل من الثمن الذي يبيع به، كان يضع ما يخمن أنه ثمن الشراء، لا البيع. مرة قال لمعلمه: "معلمي، أريد قلماً ودفترين". سأله: "لمن؟" "لي" "ولكن أنت تركت المدرسة منذ ثلاث سنوات" "سأرجع إليها" "لا، لا يمكن ذلك" "لأني كبرت؟! أنا ما زلت في الثانية عشرة" "لا، لأن والدك يحتاج إلى أجرتك، ولن يسمح لك بترك العمل عندي والعودة إلى المدرسة". ينهض، يتجه نحو الثلاجة. "كل الأولاد يذهبون إلى المدرسة، إلا أنا". ويفتح باب الثلاجة، ثم يقف طويلاً، يمد يده، يأكل لقمة من هنا، ولقمة من هناك، لا يعرف لما يأكل لوناً ولا طعماً ولا اسماً، يسوّي موضع اللقيمات التي أكل. يشتهي قطعة لحم من الدجاجة المحمرة، ولكنها كاملة، كيف يقتطع جزءاً منها؟! يتناول تفاحة، يقضمها. يمشي في المطبخ، كاحله يؤلمه. "لماذا نزلت إلى الدار؟! ليتني ما فعلت" يخطو إلى الداخل، وهو يعرج، يضغط على أزرار المصابيح، يضيئها، ثم يطفئها. "الأستاذ ماجد مثل الممثلين في السينما، يخرج كل يوم من داره حليق الذقن، حقيبته نظيفة، وحذاؤه لماع، وداره مثل الأفلام، مثل الأفلام الأجنبية، ونحن دارنا فيلم، فيلم ما صوره أحد". يفتح باباً ويدخل، وهو ما يزال يعرج. "آه، هذه غرفة ابنه سمير، يا إلهي، ألعاب كثيرة، كبيرة وصغيرة، وحوض سمك، وكرات، ثلاث كرات، لا كرة واحدة، ومجلات ودفاتر وكتب وأقلام وصور، هذه غرفتي، آه، تلفزيون وفيديو" يعبث بالأزرار، يضغط هذا، يدير ذاك، وهو يقضم التفاحة، يغضب، يصل شريطاً بمأخذ، وتتحرك الصورة. يقف مشدوهاً، يطول وقوفه، وبقية التفاحة ما تزال في يده، يرجع إلى الوراء، يلقي نفسه في السرير، يضع تحت رأسه وسادة ناعمة. القط يطارد الفأر، الفأر يعدو يركض، يقفز، يهوي من الدور العاشر، القط يذعر، يقلق على مصير الفأر، يعدو على الدرج، يلهث، يصل إلى الشارع، يمد يديه ليتلقى الفأر قبل سقوطه إلى الأرض. يحس في يده قطعة من فخذ الدجاجة، هو لم يقتطعها، ليست كذلك، بل وردة، بل شوكة، يده ترتد عنها فجأة. ينتفض جسمه كله، وتسقط من يده بقية التفاحة، يفتح عينيه، ينهض من السرير كالمذعور، ينزل إلى الأرض، يتحسس بيده موضع الألم في كاحل قدمه. القط يضحك، يضحك، والفأر ينغرز في الرصيف مثل رمح مكسور. يمضي إلى الشرفة، يتأمل شجيرات الورد، تشده وردة بيضاء متفتحة، يمدّ إليها يده، ليقطفها، ولكن، كيف يأخذ ما ليس له؟ كيف يسرق؟ هي محض وردة. أمام مدخل البناء وقفت سيارة فارهة، نزل منها رجل لامع الحذاء، اتجه إلى دكان أسعد، حياه ثم سأله: "أين أجيرك أحمد؟" رد المعلم مدهوشاً، كمن تذكر شيئاً منسياً: "ذهب لقضاء حاجة، ولكنه تأخر". "أرسِلْه إليَّ فور عودته، ليأخذ زجاجات الحليب الفارغة". واتجه إلى الباب، وقبل أن يصله، التفت إلى أسعد، وسأله: "هل عندك ثقة بهذا الولد؟!" تردّد أسعد، ثم أجاب: "بحسب المهمة". "منذ قليل غادرت زوجتي المحطة مع ابنها في زيارة إلى أهلها، وأنا مسافر غداً في عمل لأسبوعين، فكرت في ترك مفتاح الدار عنده، ليعنى بشجيرات الورد في غيابي، سأترك له الثلاجة مملوءة بالطعام". قال ذلك، ثم غادر الدكان، من غير أن ينتظر الجواب، واتجه إلى مدخل البناء. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |