|
||||||
| Updated: Sunday, September 21, 2003 01:59 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
العودة إلى البحر -1- لدى وصولنا إلى باب الخروج، نهض الحارسان، قال أحدهما سائلاً: -كنتما، من غير شك، ضيفين عند أبي العرفان؟. وأرد: -نعم وتسأله زوجتي: -كيف عرفت؟ ويرد الحارس الأول؟ -كلنا هنا ضيوف عند أبي العرفان، هو المالك الحقيقي لهذا المنتجع كله. وتتكلم زوجتي: -أرجو أن تعجل بفتح الباب. ويعلق الحارس الثاني: -مؤسف جداً أن تغادرا الماء والهواء، أنتما هنا في الجنة. ويضيف الحارس الأول: -لن تجدا في الخارج سوى النار والإسفلت والزجاج والحديد والحجر. قلت متحسّراً: -كتب علينا أن نغادر. قال أحدهما: -أرجو ألا تكونا قد ارتكبتما خطأ ما قلت في سرّي: -بل هي ونظرت في عينيها، فسمعتها تهمس في سرّها: -بل هو وقال الحارس الآخر: -على كل حال، لا بد أن تعودا ذات يوم، لن يطول بكما هناك المقام، ستعانيان كثيراً، ولكن لا بد أن تعودا ذات يوم، ستذكران هذا النعيم، سيثور فيكما الشوق إلى الماء والهواء والرمال والسماء، ستعودان، لا بد أن تعودا. وتلح زوجتي: -أرجوك، عجّل بفتح الباب. -2- واندفعنا معاً إلى الخارج، لا أعرف لماذا كنا نستعجل الخطا، وأحسسنا كأننا معاً قد سقطنا في فوهة الجحيم. فجأة أحسست بالحقيبة ثقيلة، كنت أحملها في الداخل وحدي، كل شيء تغير هنا، قلت لزوجتي: -هيا، ساعديني على حمل الحقيبة. يدي ويدها تتعاونان على حمل الحقيبة، وهي تزداد ثقلاً، ونحن نهبط معاً على الطريق، خطانا ثقيلة، والعرق يتصبّب. -لا أستطيع التنفس، رئتي لا تكاد تمتلئ بالهواء. هكذا قالت زوجتي، وهي تلهث، أجبتها: -وهل ثمة هواء، لكي تمتلئ به رئتك؟ أو رئتي؟ نحن هنا نختنق، لا شيء سوى النار والتراب. أين الصباح الطفل الجميل؟ ونحن نعدو معاً على الرمل والماء، الموج يغسل أقدامنا، يدك في يدي نطير، نحلّق، مثل فراشتين، الهواء يحملنا، يطير بنا، ونحن على خط العناق بين البر والبحر، بين الماء والرمل، يدانا تعتنق، مثل موجتين، مثل جناحَيْ نورس، والشمس تبتسم لنا، ناهدة من وراء الجبل. وتهمس زوجتي: -ليتنا نرجع. وأردّ: -لا ينفع الآن الندم، علينا أن نواجه معاً قدرنا. -3- نرى من بعيد سيارة قادمة، تتماوج خلال الصهد المتصاعد، غارقة في حمى الذهول، كأنها تهذي، وتمرّ بنا مندفعة، ونحن نلوح لها باليدين. كرة النار واللهب تصب فوق رأسينا شواظاً من حريق، الإسفلت الأسود من تحتنا يفور ويغلي، لم تعد ثمة سيارة، ليس ثمة غير الصهد المتصاعد كالجنون، نصال اليأس والنضوب تنغرز في العروق. -انظر، ها هي ذي سيارة قادمة، لوّح لها باليدين، لوح، أرجوك. هكذا تصيح زوجتي. وتتصاعد في الصهد مثل مارج، زعيقها صراخ عفاريت تكتوي بنار الجحيم، وتمرّ بنا مثل تنين، تنفحنا بالنار، عجلاتها تزكمنا باشتعال المطاط. وتقف على مبعدة، تسحج الإسفلت المائع، وتعج من ورائها سحابة من غبار وتراب وحصى، فنغدو في إثرها، والغبار يلفنا. -حمولتي من تراب وحجر، سيارتي شاحنة، بعشر عجلات، إن شئتما فادخلا في هذا الحريق، أو فابقيا على الطريق، من فوقكما نار، ومن تحتكما نار. هكذا يفحّ في وجهي صوته الأجش المخنوق، منقذفاً من فم غليظ في وجه مسوّد من دخان وغبار. وألتفت إلى زوجتي الناعمة مثل سمكة شقراء، كيف سنصعد إلى جانب هذا الوحش العتيد؟ أين أنت يا أبا العرفان؟ هذا هو البحر، وهذا هو الشط، وهناك في العمق اليم، وذلك هو الجبل، وهذه هي الأشجار، وهذه زروع ونباتات وزهور، وهذه عصافير وتلك أطيار، سميت لنا الأشياء كلها، عرفتنا إلى الساعات والأوقات. البحر كله لكم والرمال، ولكن حاذروا الموج العالي والرمل الحارّ، لا تسيروا على الرمل الجاف، كونوا دائماً على الشط، فوق الرمل النديان، لا تسبحوا إلا في نور الشمس المتألق، حتى إذا ما توهج ناراً، فعودوا إلى الظل. أنا هنا لكم النور والظل. وتندفع الشاحنة، فننقذف أنا وزوجتي إلى أمام، ويقهقه السائق إلى جواري، يميل عليّ، يلطمني في وجهي صوته المشحون برائحة الخمرة والعرق والغبار ممزوجاً بضجيج المحرّك، وهو يصيح: -أنتما الآن على ظهر عفريت وأهمس في سرّي: -بل نحن في فم العفريت. معاً كنا في البحر، أقدامنا غائصة في الرمل الناعم النديان، وجهانا معاً إلى الأفق الأزرق البعيد، إلى اعتناق اليم بالسماء، معاً حللنا في الكون، ذبنا في الموج، البحر كله من حولنا، السماء كلها من فوقنا، ها نحن نتحد بالكون، ومويجة قادمة، زبدها الناعم يتراقص مثل فراشات بيضاء، نمدّ إليها أذرعنا، المويجة تقترب، تقترب، وأضمك إلى صدري، نعتنق معاً، يلتصق بعضنا ببعض، نتحد، المويجة تغمرنا معاً، نحلّ فيها، تغطينا، تظللنا، في داخلها نعوم، الهواء القليل في رئتينا يكفينا، أمنحك من شفتي قطرة من هواء، أسقيك ذاتي، ها نحن معاً في قلب العالم، أنا وأنت معاً، لا شيء إلانا، معاً، معاً، والموج والماء والهواء والسماء. وتبرز أمامي زجاجة سوداء تحملها قبضة مسودّة الأصابع من قذر وشحم وسخام، وصوت السائق يعربد: -خذ، اشرب، أنت وزوجتك. حنجرتي تتقد، عروقي تتكسر مثل زجاج، مسامي تنفجر، العرق على أسفل ظهري يسيل. أنظر إليه، فيصيح بي مزمجراً: -لا يطفئ النار إلا النار. وتصيح زوجتي: -نحن في الاتجاه المعاكس. ويلتفت إليها السائق سائلاً: -كيف؟ كيف عرفت؟ أنا أرى بعينيّ كلتيهما الطريق أمامي، ولا أحسّ أني في الاتجاه المعاكس. وترد زوجتي: -قلبي هَداني. وأعلق: -طالما حذرنا أبو العرفان من الاتجاه المعاكس، كان يقول لنا: هناك دائماً اتجاهان، ولكن احذرا الاتجاه المعاكس. ويصيح السائق سائلاً: -وهل كنتما في ضيافة أبي العرفان؟ أردّ متسائلاً: -هل تعرفه؟ ويصيح: -وهل في الكون من لا يعرفه؟ أبو العرفان هو الحبيب، هو هنا في القلب، في الداخل، أنا أعرفه، طبعاً، أنا أعرفه، أنا لا أقسم إلا باسمه. ويصمت هنيهة، ثم يهمس: -إيه، ولكن منذ زمن طويل لم أتوجّه إليه، بل في الحقيقة أنا أتوارى عن وجهه، وإن كنت أعرف أنه يراني، أنا في الحقيقة، أنا.. أنا ملوث، وهو يحب النقاء. ويخبط بيده على المقود، ثم يصيح: -حياتي كلها وراء هذا المقود، حديد ونفط ودخان وتراب وحجارة، أنا أعمل دائماً في نقل الحجارة والتراب، أنا أتنفس التراب، وآكل التراب، حياتي كلها شقاء، أكاد لا أستحم، لا أعرف الماء، وهذا الشراب أعماني. ويرفع زجاجة الخمرة إلى فمه. وتخرج زوجتي من الحقيبة زجاجة ماء، تقدّمها إليه، وهي تقول: -خذ اشرب، هذا الماء حملناه معاً من جنة المنتجع، هو من أبي العرفان. يرمي بزجاجة الخمرة من نافذة الشاحنة، يلتفت إلى زوجتي، يتناول منها زجاجة الماء، وهو يصيح: -كم أنت كريم يا أبا العرفان؟ أنا أعرف أنك لن تنساني. ويرفع زجاجة الماء إلى فمه، يشرب منها، يشرب، ويشرب، ثم ينزل الزجاجة عن فمه، يمسحه بظاهر يده، وهو يصيح: -هذا هو الكوثر، هذا هو، صدِّقاني، لقد ذقت كل أنواع الشراب، من أغلاها إلى أرخصها، شربت منها كلها، عمت فيها، سبحت، و لكن لا أجمل من هذا، هذا هو الحياة. ويرفع زجاجة الماء إلى فمه ثانية، يعب منها. وفي المدى البعيد أرى سيارة قادمة، فأقول له: -أرجو أن تعطي لتلك السيارة إشارة، لعلها تقف. ونهبط من الشاحنة، تفتح زوجتي الحقيبة، تتناول منها حجراً أبيض ناعماً نقياً، تقدمه له، وهي تقول: -أرجو أن تقبل منا هذا الحجر هدية. يتناوله منها، ينظر فيه، يتأمله، ثم يقول: -أعرفه، أعرفه، هذا حجر آخر، غير الحجارة التي أنقلها، غير كل الحجارة، هذا حجر من حجارة البحر، بل قولي هو من حجارة السماء، غسله الموج، نقاه الهواء، هو صاف، سأحمله معي دائماً، أنا وحدي من يقدّر هذا النقاء، هو أجمل هدية منكما، من أبي العرفان. نودّعه، ونمضي. -4- سيارة أخرى تقلنا، كل شيء مختلف، الطريق ليست هي الطريق، السيارة ليست هي السيارة، كأننا على جناح طائر، موسيقاها هادئة تنداح مثل النوافير، عبق ياسمين ناعم ينتشر، أرجاء واسعة تمتد تمتد، آفاق رحبة تشرق، أنوار تشع، تتألق، والطريق تنداح من تحتنا وتطوى، ونحن على وساد من نسيم. أهمس لزوجتي: -ليتنا اهتدينا منذ البدء إلى هذه الطريق وتعلق: -ليت تلك الطريق ما كانت. ويأتينا صوت السائق هامساً بلطف: -لولا تلك الطريق ما عرفتم هذه. وأسأله: -من يشرف على هذه الطريق؟ ويرد: -الحركة على كلتا الطريقين بعلم من أبي العرفان. السيارة تحلّق بنا، ونحن نرف كجناحي فراشة، روحنا تضيء مثل أنداء الفجر، أي نعيم هذا؟ أي عطاء؟ أي خير أي جمال؟! كأننا عدنا إلى جنة المنتجع، أيمكن أن نعيش ثانية ما يشبه الحياة التي كنا نعيشها هناك، في المكان الأول، ولو للحظات؟! الطريق تبدأ بالهبوط، نطل على المدينة. المدينة كضفادع نائمة في مستنقع، كثافة من دخان وغبار وقتام تغطيها، لا ماء من غير شك، لا هواء، أدرك أننا سنعيش هناك على الغبار والتراب والظمأ. ألتفت إلى زوجتي، أهمس لها: -لم نحسّ بمسافة هذه الطريق، لقد مرت في لحظات. وتعلق: -ليتنا لا نغادر هذه الطريق، ليتنا نظل فيها. ويتكلم السائق: -هذه الطريق ممتدة حتى في عمق المدينة، وفي سائر الأرياف والمدن، هي قائمة في كل مكان، ويكفي أن تفكرا فيها وتقصدا إليها حتى تجداها. ندخل المدينة، أنا وزوجتي، يحتوينا ضجيج السوق ولغط الباعة ونداءاتهم، ونغرق بما في الجو من سخونة وقتامة وغبار. تقول زوجتي: -لقد نزلنا من جنة المنتجع إلى جحيم هذا الشقاء. وأعلّق: -كنا إذا ما اشتهينا هناك شيئاً وجدناه على الفور، من غير أن نفكر فيه، بل حتى قبل أن نشتهيه. -غمرنا أبو العرفان بكرمه وعطائه. -ولكن، كان دائماً يحذّرنا من البحر، العبا إلى جواره، اسبحا فيه ما شئتما، ولكن احذراه، لا تدخلا فيه والموج عالٍ، لا تأتيا فيه بما لا يتناسب وإياه، هو كبير وعظيم، لا ترميا فيه بشيء، لا تلوثاه، حافظا على نقائه. وتقول زوجتي: -ولكننا لم نفعل شيئاً. وأردّ: -هل نسيت؟ في ذلك الصباح الجميل بسطنا على الرمال مائدة الإفطار، شربنا الحليب، احتسينا القهوة، ثم اختطفت أنت تفاحة حمراء، وجريت بها نحو البحر، وعدوت أنا في إثرك، دخلنا في اليمّ معاً، تراشقنا بالماء، غمرنا الموج، ثم قضمناها معاً، هناك، في عمق اليم، والموج يغمرنا، ثم رمينا بقاياها على سطح البحر. -هو أمر هين. -هو هين عندنا، ولكنه عند أبي العرفان عظيم، لقد عصينا أمره، أتينا في البحر بما لا يتناسب والبحر، لوّثناه. وتعلق ثانية: -أنت تبالغ وأرد: -لا، أنا لا أبالغ، هل نسيت، بعد أن قضمنا التفاحة نال منا الوهن، وأحسسنا بالبحر وقد هاج فجأة، وعلا موجه، وأخذ يرمينا بالزبد وبقع الزيت، علق بعضها بجسدنا، وحين خرجنا، لم نجد على الرمل ثيابنا، فأحسسنا بالخجل، وعدنا إلى المنتجع شبه عراة، قلت لي: كيف سنلقى وجه أبي العرفان، فأخذنا نستتر بأوراق الشجر، نخصفها علينا، وبقع الزيت تغطينا. في زحمة السوق زوجتي تطرق، تسقط من عينها دمعة، ترفع رأسها، ثم تسأل: -أبو العرفان غاضب علينا إذن. -أجل -وقد خرجنا من جنة المنتجع شبه مطرودين. -بل مطرودين. ونمضي في عمق السوق. زوجتي تشتهي لحم الطير، وأنا أشتهي لحم الضأن، تمتد يدها إلى فاكهة هنا وفاكهة هناك، تملأ السلال، وأنا أشتري الخبز، يخنقنا الزحام، نغص بالرغبات، نضيق ذرعاً بكثرة الحاجات، ماذا نأخذ؟ وماذا ندع؟ وكل ما أمامنا نشتهيه. أسأل زوجتي: -هل سنأكل كل هذا؟ وتردّ، وهي تضحك: -أجل، سنأكله، ولن نشبع. ثم نشتري زهوراً، وندخل البيت معاً. -6- ذات صباح يأتيني من يطرق الباب، وأسرع إلى المشفى أنا وزوجتي، ما كنّا نتوقّع ذلك أبداً، أين السعادة والسرور؟ أين المودة والإخاء؟ أين الصلاح؟ لماذا وكيف؟ وهما معاً ولدانا، رضعا من لبن واحد، نعما معاً بظل أب واحد، كيف؟ حين نصل المشفى نجد ولدنا هائل قد فارق الحياة، داسه قاسم بسيارته، فقضى عليه، ثم حمله إلى المشفى، وهو يندب ويبكي، ويقول: هو أخي، ولكن أنا دسته بسيارتي، كل يوم أراه يجري حول المدينة، وأنا عائد إلى البيت ليلاً، يجري رشيقاً، نحيف البدن، ضامر البطن، لا ترهل في جسمه، لا يشكو من علة أو مرض، على الرغم من فقره، وأنا لا أستطيع أن أمشي خمسة أمتار، وإنما أشكو من ارتفاع الضغط والشحوم، ألعن سيارتي، ولا أستطيع مفارقتها، وهذه الليلة، رأيته كشأنه كل ليلة، لا أعرف ماذا ثار في نفسي، لا أعرف بماذا أحسست، قلت لعلي أشفق عليه، لعلي أحمله، وفعلاً، حملته، حملته بنفسي وفي سيارتي، ولكن بعد أن دسته بها. من صمت المقبرة الموحش، إلى صخب السوق نرجع. سلال عارمة بالتين، في الأعلى الجيد، في الأسفل الرديء، تلال من قمح كالذهب يلتمع، وفي داخله حجر وزؤان، غانية شوهاء ترقص، زامر دميم يعزف، قرد أعمى يقلّد، عسس وعيون وجند يجوسون خلل الزحام. وفي الزحام أرى ولدي قاسماً، يتأبط ذراع عسكري. -7- أهرع إلى بيتي. أقفل الباب على نفسي، أحسّ بالوهن يدبّ في الأطراف، بعضي يتداعى على بعضي، كأني بنيان يتزعزع. يقلقني ولدي قاسم، حزنت لفقد ولدي هائل، ولكن قاسماً بشقاوته وأمراضه وعلله أنساني حزني، كل يوم تصوير وتحليل وأدوية، ركبته الأمراض، نخرت جسده، وهو عاطل عن العمل، ولا أستطيع أن أتخلى عنه، يجب أن أعطيه، لكي ينفق، لا على علاجه، فحسب، بل على مغامراته ونزواته وملذاته. أزيح الستار، أنظر إلى المدينة، أراها غارقة في سبات عميق، تغط تحت سحابة من غبار ودخان وسخام، الشمس لا تشرق عليها، وهي نائمة في حفرة عميقة، الجبال كالأسوار، تحيط بها من كل جانب، أهلها لا يجيدون سوى الاتجار، يتاجرون بكل شيء حتى الهواء. شقاوة ولدي قاسم أنستني حزني على ولدي هائل، قلقي على مدينتي أنساني كل شيء، لا أعرف ماذا أفعل؟ لا أعرف، لا أكاد أفهم، حين أفكر، أجد نفسي تائهاً، أحياناً أفكر بالقتل، مثلما فعل ولدي قاسم، ولكن من أقتل؟ ليس ثمة غير نفسي، أحياناً أقول: لعلي أنا المخطئ، ولكن، من يدلني على الصواب. وتدخل زوجتي عليّ، حاملة لي الدواء، أتناوله من يدها، وأنا أقول: -ساعديني، لم يبق إلا أنت، على ذراعك أتوكأ، إلى صدرك ألجأ، أحتمي بدفئك، أنت شريكتي في هذا الشقاء، يا من عرفت جنة المنتجع وعطاء أبي العرفان، ثم نزلت معي إلى هذا الجحيم، طفت بي الأسواق، دللتني على كل الحاجات، ساعديني، دلّيني على طريق الخلاص. -8- أستيقظ ذات صباح، أقول لزوجتي: -إني راحل تدهش، تفتح عينيها، ذاهلة، وهي تسأل: -إلى أين؟ -إلى أبي العرفان -ومتى دعاك؟ -الليلة، هتف إليّ. -وهل تظن أنه سامحك؟ -بل قولي: هل سامحنا؟ -هل تعود إلى اتهامي؟ -لا أقصد، على كل حال، اطمئني، سامحنا كلينا -وكيف عرفت؟ -تلقيت منه كلمات وأصمت، فتسألني: -هل أهيئ لك حاجاتك؟ وأردّ: -لا يمكن أن آخذ معي أي شيء، فهو كما تعرفين كريم. تقول: -فاجأتني. وأردّ: -كل شيء متوقع، ومعروف، وله أوانه، ولكن دائماً نحس بالمفاجأة، لأننا ننسى. -9- وأهبط على الدرج، أحسّ كأنني عار، أحس الدرج معتماً، ثمة عتمة، وضيق، واختناق، لا أعرف لماذا أصبح المدخل ضيقاً، أكاد أختنق، كيف سأخرج؟ أحسّ بروحي تخرج مني، أكاد أتمزّق، أتداعى عضواً فعضواً، سافرت من قبل كثيراً، وارتحلت، ولكن هذه الرحلة تبدو مختلفة، أحس بحنين إلى زوجتي والأولاد، أكاد أختنق، أحس بحنين أعظم إلى لقاء أبي العرفان، أذكر دعوته الكريمة، والبحر والماء والسماء والهواء وضيافته وعطاءاته التي لا تنفد ويده المبسوطة ورعايته، أحس بالارتياح، نفسي تطمئن، ألج إلى النور، تشرق روحي، أحس أني تخلصت كلياً من البناء والأدراج والحجارة والزجاج والحديد والأثقال. -10- ثمة سيارة بيضاء كأنفاس الملائكة تقلّني، السائق يلتفت إليّ مرحباً، وهو يقول: -سلام. عيناه تبسمان كرفيف السعادة. أنا متأكد أني رأيته من قبل، ولكن ربما في هيئة أخرى، في شكل آخر مختلف، ولكني متأكد من أني رأيته من قبل، إنه هو من غير شك. وأنظر، وإذا الحجر البحري الأبيض الناعم الذي كانت زوجتي قد أهدته إليه هو أمامه، وراء المقود. أقول له: -عرفت إذن الاتجاه الصحيح -أجل -وكيف؟ -كان حسبي أن أقبض أجرة الحمولة، ولا أسأل إلى أي غرض أنا سائر بهذا الحجر أو ذاك، كان همّي فقط أن أقبض ولكن اختلف الأمر بعد ذلك. ويمد يده إلى الحجر البحري الأبيض المركون أمامه، وراء المقود، يلمسه ثم يقول: -الفضل لزوجتك، هي التي أهدتني هذا الحجر، منه تعلمت أن حجراً عن حجر يختلف، صرت أسأل إلى أين هذا الحجر؟ وإلى أي غرض أنا به ذاهب؟ إذا كان لبناء مشفى أو معبد أو مدرسة أو مصنع، فأهلاً وسهلاً، أحمله بنصف الأجرة، إذا كان لردم مستنقع، أو صدّ طوفان، أو بناء سد، أحمله ربما من غير أجر، أما إذا كان لبناء سجن أو قصر أو ملهى أو خندق، فلا وألف لا، ولو دفعوا لي أضعاف ما أتوقع، حتى لقد أصبحت عبرة بين السائقين، شاحنتي وحدها أصبحت المميزة. وأعلّق: -حسناً فعلت. ويتكلم: -لا، ليس هذا فحسب، بل علمت ولدي الوحيد المبدأ نفسه، وأنا مطمئن إلى أنه سيسير من بعدي على الطريق نفسها، لقد تركته الآن وأنا مطمئن النفس. ويلتفت إليّ ليسأل: -وأنت ماذا فعلت؟ أرسل زفرة طويلة، ثم أقول: -بعد أن قتل ولدي أخاه، أحسست أنه قتل الناس جميعاً، قتل الإنسان في داخلهم، قتل البراءة والنقاء والصدق، فإذا هم لا يفكرون بغير المال والبناء والتجارة والسيارات، سبيلهم إلى ذلك الكذب والخداع والختل والغش والرياء، ولقد أحسست بالقهر، وبالضيق، بالاختناق، كدت ذات يوم أقدم على قتل نفسي، ولكن زوجتي هي التي أنقذتني. ويسألني: -وماذا فعلت؟ وأردّ: -كانت أكثر وعياً مني، أكثر فهماً للناس، قالت: إذا كان ولدي هائل قد قتل، فإن كل الأولاد الطيبين الأبرياء هم أولادي، ولذلك يجب أن نعمل معاً، أنا وأنت، على إيقاف القتل، يجب أن نعمل على بعث هائل فيهم جميعاً، يجب أن نحييه، هكذا قالت لي. ويعلّق: -مهمة صعبة. وأردّ: -أجل، ولذلك اخترت أنا وزوجتي التعليم مهنة لنا كلينا، انطلقنا إلى المدن والقرى والأرياف، دخلنا كل المدارس، انتقلنا من جيل إلى جيل، من عام إلى عام، نعلمهم الحرف، الكلمة، الفعل، الحب، الخلق، نحدثهم عن أبي العرفان، نعلمهم ما كان هو نفسه قد علمنا من قبل، نحدثهم عن كرمه وعطاءاته وسماحته وحبّه، نتمنى عليهم أن يتمثلوا صفاته، أن يتعرفوا إليه، وإن لم يلتقوه أو يروه، كنا نحدثهم عن جنة المنتجع، عن البحر والماء والموج والهواء والسماء، نبعث فيهم الشوق إلى تلك الآماد والآفاق، الأنداء والأشذاء، نفتح أعينهم على ما وراء الأسوار والأحجار والحديد والزجاج والإسفلت والسوق والبيع والشراء. ويعلق: -مهمة أصعب مما يمكن للمرء أن يتصور. وأضيف: -لا أنكر، في أحايين كثيرة كنت أضعف، كنت أضجر، أضيق ذرعاً، أملّ، أسأم، وكانت زوجتي دائماً إلى جانبي، معي، تشدّ من أزري، تقويني، تنفث في داخلي روح القوة والإيمان. كنت أرى الآخرين يشيدون العمارات، يشقون الطرق يملكون السيارات، كلُّ ما هو ملموس ومرئي كان لهم، كان معهم، كان ملكهم، وكنت أجد نفسي أبعثر الكلمات في الهواء، أذروها مع الريح، وأفتح يدي، فإذا هي صفر، خواء من أي شيء، حتى إن أكثرهم كانوا يقولون لي، أنت لا تملك سوى الكلام، وبالكلام كان بعضهم يغش بعضهم ويخدع. ويكذب ويرائي، فأقول لهم، حسبي أن كلمتي تختلف. ولكن، بعد ذلك العمر، لست الآن بنادم، لقد كنت أنا وزوجتي معلمين، ولنا الفخر، لقد تركت كل شيء، وجئت كما ترى، وأنا لست بنادم، أنا على يقين الآن من أن في طلابي من هو الآن مهندس بناء، يشيد الجسور، كي يخفف من الازدحام، ويقلل من التلوث، وأن فيهم من هو قاض، لن يختل بين يديه أبداً ميزان العدل، وأن فيهم من هي طبيبة، تعالج الأطفال، تخفف عنهم الألم، تساعدهم على النمو الصحيح والسليم، وأن فيهم من هي معلمة، تربي الأجيال وتعرفها إلى أبي العرفان وجنة المنتجع، تبعث فيها الشوق إلى النور والماء والهواء والسماء مثلما فعلنا، هؤلاء كلهم أولادي، هم جميعاً هائل. حتى ولدي قاسم نفسه، تاب وارعوى، وهو الآن منصرف إلى التعبد، وولده صالح طبيب، وابنته هدى خبيرة في معمل دواء. وينطلق بي، في سيارته البيضاء، مثل فراشة تسبح في النور، وهو يسأل: -والآن إذن إلى أبي العرفان وأرد: -أجل ويرفّ صوته كالشذى: -كان دائماً هو المقصد، وأنا الآن مثلك، إليه راجع وأعلّق: -يسرنا جميعاً أن نلقاه. وتلوح لنا الأنوار. -11- جنة المنتجع ليست كما كانت، بل هي أبهى وأبدع. لا سماء ولا أرض، ولا برّ ولا بحر، ولا خط لقاء بين هذا وذاك، الكل في الكل، هي الجنة عينها، ليس كمثلها شيء. وأنا وحدي، أنتظر لقاء أبي العرفان، أتشوق إلى رؤية وجهه، وفي كل مرة أسأل عنه، يقول لي الحارس: -هو في شغل، تريث. طال انتظاري، استبد بي الشوق، أضواني الحنين، لست أدري كم مرّ من وقت، فلا وقت هنا، ولكن أحس أن انتظاري قد طال. كنا معاً نتحد، عند خط اللقاء بين البرّ والبحر، في الموج نحلّ، نتوحّد بالكون، أين أنتِ؟ أنت دللت خطاي إلى الطريق الصحيحة، أنت أعدتني إلى جنة المنتجع، بفضلك هتف لي أبو العرفان. أين أنت؟ وأرى الحارس قادماً، أسرع إليه، أسأله مستبشراً: -هل أذن لي بلقائه؟ ويردّ: -أزف موعد اللقاء، بعض التريث، قريباً ستصل زوجك. وأسأل متشوّقاً: -وأبو العرفان؟ -ستلتقيه، ستلتقيه أنت وزوجك معاً، وعندئذ ترى وجهه، فيكمل اللقاء. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |