|
||||||
| Updated: Sunday, September 21, 2003 02:02 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
امتحان الذاكرة الصعب ركضت على صدر البراري، مطرت خطواتي على درب الحرية، يذكرني صداها بالسياط المتساقطة على ظهر أمي في أزقة المدن وهي تجر عربة الأثقال، وتزفر بحدة. تزحف في نهر البشر الهادر.. ويطاردها صياح العتال: دي... دي... فلا تستطيع السباق في سوق الخضار، تصل الحظيرة مجهدة مستسلمة للنعاس. أرتمي عند قدميها من لهفة الانتظار، تشهق، وسلسلة العذاب لا تنقطع في تاريخ حياتنا المنسية: جر عربة.. ربما جر الحديد المبروم في المناطق العمرانية... تشغيل السواقي في القرى البعيدة... ولا تسقط ذاكرتي لحظة الشقاء... تذكرت ذلك وأنا مسترخ على التبن، كانت الجدران خرساء حولي لا تنطق.. تعدم الصوت الآتي من غابة الأشجار المجاورة للحظائر.. ونسيت اللجام بين أسنان أبي العنيد الساخر من أجداده الذين يفخرون بالعبودية والطاعة لأبناء البشر، وعرفت الحرية على يد صديقي الوفي. شعرت أني مازلت المهر العابر السهول بعبث... وينتظر الآن المواجهة في مدن القهر والآهات الوحشية... تحركت على أرض الحظيرة، كان السقف يدور... الجدران تدور... زاغ بصري وضعف بالتأكيد!... شعرت بالمرض يخزن بصدري وجع العالم الثالث... سرت رعشة طاغية في شراييني كسريان الجيوش في الوغى، زفرت، وتجمهر الرجال على باب الحظيرة يطلبون الرحمة والخلاص لي، ويذكرني هذا بزوجة العتال التي ترسل نظراتها إلى أمي وهي تقول: -الله يرحم المسكينة من الشقاء. ويتبعنا الشقاء كالظل، لكني لم أعرفه هنا في عالم الفروسية، دخل صاحبي بعيونه الصافية كصفاء النبع الدفاق على جيد الجبل، وقال لرجل أمامه: -خذ بالك منه. وتركتني وحيداً، يدفعني القهر إلى الشيب.. وسمعتك تتحدث عن الفقراء في الوطن، وتتمنى لو تعرفهم كما تعرف أصابعك الممتدة للسلام والإخاء حتى تنصفهم في الواجب، بدا الكابوس يعاودني ثانية.. وتأسرني الحمى... وأتذكرك الوفي الذي عرفته السجايا النبيلة للأبطال الذين عبروا الصحراء والوديان أيام الفتوحات الإسلامية الداعية للخير والإيمان... انهض فيّ يا عنفوان الخيل العربية... ارفعني إلى قامة الريح ورمش الشهامة. ويتقلب بدني بين الجدران وتتهاوى نظراتي كالقتلى في انتظار الحبيب الغائب... -2- جاء الشيوخ يحملون السبحات الملونة، يقرؤون الآيات عليّ، ورأيت عرافة آخر زمان، برزت من زاوية الحظيرة، تقرأ المستقبل بعيني وتقول: -((سوف تعيش أيها الحصان سعيداً مع فارسك... وتخضر أيامك كالمروج...)) كذبت ونافقت بلا حدود، كانت وهماً لا أثر له، طويت ذكراها بأنامل النسيان. وظلت ذكراك جميلة كالربيع... كالشمس... تغيب... وتشرق من جديد... تعانقني بوفاء الفرسان الذين لا يغدرون بخيولهم الأصيلة.. توافد الأطباء يمدون الأيدي، يجسون النبض المتحرك كبندول الساعة، كنت نظيفاً كنظافة البو المغسول بعد موته أيام الرضاعة، يوضع محشياً بالتبن أمام أمه، فيخفق قلبها إليه، يخفق قلبي إليك يا صديقي منذ أن فارقتني فجأة.. وزرعت فيّ الخوف من المجهول، تحولت نظراتي بعيداً في سراب، السراب يخدعني... دلكت ظهري على الجدار، وبزغت برأسي فكرة ساحات السباق... ربما حققت طموحك في الفوز أكثر من مرة... صرت الفارس الذهبي في عصره، ورفعت هامتي نشوى إلى المجد وقلت لي: ((-أيها الحصان الجسور لا تأبه للصعاب سنطويها كطي السجل..)). وترك فسحة الحظيرة للأطباء... يتحدثون عن الحمى.. وتكثر الحركات حولي... الطبيب الأول.. الثاني.. الثالث... ساحة النصر.. الشريان.. ترتعش أطرافي ويعود الوجع ينشر سلطانه عليّ... ويصيح باسل: -لا ساحة للمتعبين.. الراحة للأوفياء... وأنت الوفي في خصالك الحميدة، تأتي كالنسمة تطفئ لهيب صيفي الحار، حيث تجرني إلى الماء، أشرب.. وأبقى أحترق في اشتياق إليك يا راحلاً عبر سماوات الرحمة وجنان الخلد.. كسبت رهان الراحة الأبدية... وبقيت أنا إشارة في عمر الفروسية. -3- يجيء صوتك من المدى مع وشوشة الشجر، يخرجني من سجن الأوجاع.. يتقدم السائس، يلهث، يبكي، بكيت كثيراً، وتطول نظراتي إلى الباب.. إلى السياج ولا خطوة للفارس تبدد وحشة أيامي الكئيبة.. فأشعر أني ذاكرة لا تخون صاحبها وتدعو للتذكر في امتحان صعب لا ينسى.... أطل السائس الحزين، قادني خارج الحظيرة التي قال الفارس عنها يوماً: -حظيرة متواضعة. أين هي من القصور؟.. قصور ألف ليلة وليلة حيث السادة يغنمون اللذة سراً كالأمجاد، ويلعنون الكبت.. فيجني الأبناء الحصرم.. ركضت على المرج الأخضر، سرت بطيئاً.. عدت إلى الحظيرة، لم أره.. -عاد الحصان إلى الحظيرة. قال السائس بحزن، وشلت الغصة راحتي. -تعب الحصان يا جماعة. حذر الواقفين للفرجة وتابع كلامه بغيظ: -ابعدوا عن طريقه ليرتاح. عدت لزمن الرهان في السباق، تعددت الحواجز في العراء، لا أخاف صياح الناس، فقد عودني الفارس على صخب الوغى وانتشار المحاربين بالنصر... حرنت عند الحاجز الـ... وأقول لنفسي: ((ترجل الفارس.. وراهن على..)) راهن على شفائي من الداء، وشفيت، صرت رمز القوة، تبث صورته في دعايات التلفزة.. ومن يراهن أن الدعايات غير صادقة في رتوشها بينما حقيقة الغياب هي الأصدق في الواقع.. -4- انسحبت الخيول إلى السياج مطأطئة الرؤوس، تغرس نظراتها في التراب كالرماح. شد السائس لجامي الناعم إليه، تحركت بهدوء، حدقت ملء الفناء.. لم أره بطلته البهية... ماذا جرى يا ناس؟ ..سألت الغيم والعصافير الغادية إلى الحقول، قال الفرسان: -الحصان وحيد يا جماعة. -لي الصبر يا عالم. قلت في سري، وأصغيت بأذني، لم أسمع صوته المألوف.. صهلت.. استدرت في حركة سريعة.. فزعت الخيول من الصهيل المجنون.. رفعت الرؤوس إلى الأعلى.. واقترب حصان هرم مني همس لي: -((لك الله يا أخي في محنتك.. سنغادر كلنا هذه الدنيا.. ولا يدوم إلا وجهه الكريم..)). كتمت صوتي في داخلي، تلاشى، قلت لنفسي: ((يبكون عليك من الحرم ثلاثة: أمك وأختك وبنت الخالة..)). وأجهشت امرأة بالبكاء.. وأخرى.. وآخر.. و.. كان الوطن يبكي الفارس بحرقة، وينعي رحيله المباغت كالصاعقة.. وهو يعد الوطن بالخير والحضارة.. سرت أمام الخيول بصبر، ولمحت امرأة تزغرد وتقول: -(سرجك عالي يا أبو الفرسان.. مجدك عالي يا أبو الشجعان..)) ورأيته أبا الفرسان باسماً لقدره المكتوب.. أشرقت حياة الفارس بذاتي أقماراً ونجوماً لا تحصى.. تناسخت في حياة الشرفاء من هذا الوطن وقفة مجد ورفض للانهزام.. نداء محبة وسلام.. شمخت روحي بضياء لا أدري مصدره، وتناهى صوتاً إليّ من عمق البحر.. من السحاب يحضن شوقي بجرأة: -اقفز عالياً يا وعد الأجيال.. اقفز. هو صوت الفارس!.. أين هو؟.. أنتم لا تسمعونه يا معشر البشر فقط نحن الخيول نسمعه كما نسمع دبيب النمل تحت الثرى.. آه.. كأن أحزاني خفت.. وبدني خف وزنه كذلك.. قفزت في الهواء.. وتساءلت: لمن أفدي عمري بعد الفارس؟.. ودنت ثلة من الأخوة الكرام الوطن يرقب دربكم درب الفارس المضاء بشمس لا تغيب.. وأنا لكم فداء الوفاء. -5- قضمت العشب والشعير الجاف في الحظيرة.. رشفت الماء من الحوض. تمددت على الأرض، تذكرت الحبيب وهو يرمقني من وراء شيش النافذة، كان يحدث رجلاً بصوت فيه تباشير السعادة: -سأزور البيوت و.. يسكت، ويخرج ليلاً بالسيارة، يزور البيوت في الحواري البعيدة، يمسح دمعة الفقراء، وينهض عزيمة اليائس على درب الكفاح.. يضيء قنديل اليتامى في أيامهم الصعبة، فينشدون الأمل.. حدثني السائس بهذا خلسة عن الآخرين.. أنهض.. أركض عبر الساحة، ويركض السائس فرحاً: -الحصان بعافية. وأعدو وراء صوته الآتي كنشيد الحياة: -اجر يا صديقي فعجلة الحياة لا تقف عن الدوران. يصفق الفرسان.. وتكبر خطاي على الثرى، ولا تغيب ذكراك عني أسمعك كدندنة المطر على شرفات الحب.. وأسمع عنك حكايا الخير بدهشة.. وأصدقك أيها الصدوق فقد قال السائس عنك مرة: -ذهب إلى درعا.. رأى سيارة واقفة على الطريق، كانت معطوبة. وقف مع صاحبها وقفة الأخ والصديق، ساعده في إصلاحها وخلصه من التأخر وحين سأله عن اسمه الصريح.. ضحك وقال: أنا الصديق.. وفعلاً كنت الصديق الذي فرج كربة صديقه.. الصديق الذي لا يترك الآخرين عند الضيق. -6- جرني السائس إلى الساحة، حدثني عن الجريان الذي عرفته أيام الفارس الذهبية، ضربت الأرض بحافري، تطاير التراب.. وتذكرت الجري مع الفارس حول السياج الخشبي، يربت على ظهري يحنو بين الفينة والأخرى، فصارت المسافة عشقاً لي، جريت باندفاع الموج إلى الشاطئ، وهتف السائس: -يجري الحصان بخير. لكني رجعت مخذولاً صوب الحظيرة، هرع الطبيب إليّ، فحص صدري بقلق وقال رجل: -يعز عليه فراق صاحبه. وسالت دمعة على خده، ضحك، ثم بكى، وضرب رأسه إلى الجدار: -ارحموا الحصان يا سادة. وخفت على مصيري.. مصير حصان ((البوحميد)) في السهول النائية حيث أطلق الفلاحون الرصاص عليه رحمة وخلاصاً من الألم.. ولفظ أنفاسه الأخيرة وغط في نوم أبدي.. هل ينتظرني نفس المصير أم لا؟.. -كفى تمارضاً أيها الحصان. قلت لروحي المتعبة، وضربت الجدران.. دفعت الباب، خرجت، صهلت. عدوت بإقدام وشعت صورة الفارس برأسي، تضيء النهارات الدافئة والدروب لفرسان الغد لمتابعة المسيرة الظافرة.. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |