امتحان الذّاكرة الصّعب - محمد علي المزعل

مجموعة قصصية - من منشورات اتحاد الكتّاب العرب - دمشق - 2001

Updated: Sunday, September 21, 2003 02:02 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

اختفاء خاتون

1-مقدمة‏

خرجت خاتون من البيت شراع الليل الهارب، نهبت خطاها الطريق، اختفت في المدينة التي راحت تلوك أخبارها كاللبان، ولا يكف لسانها عن ترديد أغنية الضياع.‏

2-نداء المسجد‏

خرجت مع بزوغ الفجر قصيرة القامة، تدعى أمها ((سلطانة الصالح)) ويسمى والدها ((جروان العيسى)) من يعرف مكانها، أو يراها بالعين الثاقبة، يبلغ رجال الشرطة أو يتصل بجامع الروضة وله الثواب من الله...‏

هامش(1):‏

خرج مازن القصير من دار أهله الكائنة في حي الثورة، عمره خمس سنوات. مثل نبعة الريحان، لم يعد بأمان، من يجده، يحضره إلى جامع الرحمن وله الثواب عند الله..‏

هامش (2):‏

خرجت طفلة من البيت، تلعب بالشارع، تشتري الحلوى من العربة المتجولة، تدعى ((فلة الصياح)) غابت الشمس ولم ترجع إلى البيت حتى هذه اللحظة.‏

تعقيب على النداء:‏

يعلن نداء المساجد عن اختفاء الصغار، ولا يذكر خاتون باستمرار ربما هي حالة وهمية لا تلفت الانتباه... ربما تكون هناك عصابة. تقوم.. تسرق أعضاء الصغار من القلب والعيون الصافية والكلى، تبيعها بأسعار باهظة في السوق السوداء في الدول الأجنبية... وهذه نقطة في بحر الاختفاء تسجل...‏

3-إشارات للاختفاء:‏

- استيقظت خاتون في الصباح، لبست ثوبها الأحمر، شدت الهبرية على رأسها كان الذهب يرن بمعصميها كرنين أجراس القطيع، رمت العباءة على ظهرها المحني ناديتها بخوف، أدارت ظهرها إلى الباب، وخرجت على الدرب مسرعة.‏

* ريمة الحسن‏

- التقيت بها في بيت زوجها مسعود الحسن، الذي خلفت له دزينة أولاد.. كانت مدججة بالذهب، ألا تخاف أن يسرقها اللصوص حتى العظم؟.. خطرت متثاقلة بإغراء.. تبدو شجرة يابسة.. يغزوها الشيب وتتظاهر به كالميش العصري المرغوب!.. تحاول بإرادة حواء الخروج من شرنقة الشيخوخة حيث تبقى وردة فواحة بعطرها في غابة الرجال، ولا يستنشقه مسعود بلهفة.‏

حمد السلطان‏

- رحبت بالتاجر في غرفتها العالية ثلاث درجات عن صحن الدار، ضحكت معه ووشوشها كالأشجار، شربا القهوة المرة معاً، وعكر صفاء اللقاء قدوم علي الهبال بلحيته الكثة الذي راح يعاتبها على استقبال الغرباء في بيت عمه الشريف..‏

استاء التاجر وخرج وعينه تغمز لخاتون لأمر ما!..‏

أم رائد العامرية‏

- جلسنا نشرب الشاي الثقيل، هي معنا كالرجال حتى قلت لها مازحاً ذات يوم:‏

((خاتون تمشي في طابور عسكر ولا تخاف)). كانت واثقة من نفسها ولا تسمح لأحد أن يلوث اسمها بكلمة فارغة.. تاريخها أبيض كالثلج، ولا ينكر أحد ذلك.‏

تجلس معنا باحترام، ترشف الشاي، تتمطى بلذة، وصديقنا يتحدث عن الخطف، ويبالغ في حكاياته عنه، وتعقب خاتون:‏

- طريقة مودرن للزواج!‏

ويوافقها الصديق الكردي الأصل الرأي، ثم تتوارى بعد أيام، ربما في حالة خطف أو اختفاء مباغتة!..‏

كراف السلطان‏

4- وقائع من حياة خاتون المختفية:‏

واقعة /1/:‏

عاشت خاتون يتيمة الأم والأب على السواء، شهدت تحول سد الفرات عن مجراه القديم، ونجحت في كسب ود الاتحاد النسائي المحدث في المدينة، انتصرت على مسعود الحسن، فكسر عصاه وطرد الراعي، تركها حرة، تشتري، تبيع، وتساوم المهربين على البضاعة المهربة. ولا تبخل على نفسها بشراء الثياب وقطع الذهب النفيسة وتحب المزاح. ولا تحب الثرثرة مع النسوة في المأتم حيث يتحدثن بسذاجة ويطلبن السجائر الفاخرة للتسلية ويأكلن اللحمة الهبرة دون الدهنة بحجة زيادة الكلستيرول، ولا تذرف دمعة واحدة على راحل من قريب أو بعيد نادراً بل تطلب الرحمة للموتى جميعاً.‏

واقعة /2/:‏

عشقت خاتون الشاعر الرقاوي حاصرته في الزوايا الباردة، وقفت معه على الأبواب، تغزل بها شعراً، صار يهذي باسمها معجباً، فسطر بحياته وحياتها قصة الحب، أثمرت بعض الأولاد، ثم نسيت العشرة وهجر حبها القلب إلى قلب آخر.‏

واقعة /3/:‏

قابلت خاتون مسعوداً صدفة في غرفة الانتظار عند سارة أم الواجعات ضحكت له وضحك لها، وخطفته من حصان العزوبية إلى ضفة الأحلام بينما ظل الشاعر يندب حظه السيء في الدنيا، ويقرأ قصائد الخيانة على المقربين، وتضحك خاتون متناسية الأولاد ولحظات الحب الهنية..‏

واقعة /4/:‏

كبرت القرية، صارت مدينة متخمة بأبناء القرى، الذين يقيمون الحارات الجديدة، ويعينون لها مخاتير جدد وتركب خاتون سيارة مسعود الفارهة، تجوب المدينة، يباهي مسعود بها العرائس من شرق إلى غرب المدينة، وتكلم واحدة روحها بعذاب:‏

-جن مسعود بحب خاتون!‏

وتزوج مسعود من خاتون نكاية بكبار رجال الرقة، وحين انطفأت شمعة خاتون وذبل سحرها، وطلق مسعود الحب وتزوج أم رائد العامرية.‏

5- محاولات البحث عن خاتون:‏

محاولة /1/:‏

بحث رجال الشرطة عن خاتون في عيون الليل الساهرة، على صدر النهر.. في سجلات المقابر الرسمية، لم يعثروا على أثر لخاتون يريح الأعصاب ويسجل أبعاد الضبط بسرعة..‏

محاولة /2/:‏

زارت بنات خاتون الصديقات والمقربات منها في المدينة، وتحدثت صغرى البنات مع رجل يفتح الكتاب ويصرف مع الجن الأحداث قال الرجل:‏

-هي حية ترزق في الدنيا‏

وانقطعت عنه خطوط الرؤية في ضباب كثيف، زفر، ورمى الكتاب جانباً وتثاءب بقصد، وبكى ولدها الصغير عليها، ثم شم رائحة ثوبها الذي تركته على المشجب معلقاً، وغابت ولم يصل أحدهم إلى عتبة الحقيقة...‏

محاولة /3/:‏

زارت ريمة الحسن المقابر لابسة ثوبها الأسود كالليل، قرأت الفاتحة على روح الأموات وقالت بلوعة:‏

-((عين وصابتها يا ويس القرني...‏

يا سيدي...)) ولم تنطق حرة وتقول:‏

-خاتون تنام في الجوار‏

وظلت النار تستعر في صدرها الخائف، ولا تنطفئ ألا بعودة الأحباب...‏

محاولة /4/:‏

تعلو المباني الشاهقة في الدرعية وتصخب الجبالة عند البناء، يصرخ العمال، يهربون بعيداً، ويقفز المتعهد إلى الحفرة، يفتش على بقايا جثة مشوهة كما يقول العمال، لا يجد سوى عظام مكسورة، وبقايا عباءة ملوثة بالدم. يرفع رأسه عالياً وهو يقول للعمال:‏

-لا شيء يا جماعة الخير ثم يتابع بسخرية:‏

-يخيل إليكم جثة خاتون مرمية في الحفرة؟‏

ويحدث عامل نفسه ((صارت خاتون ظلنا الذي لا يفارقنا، يدفعنا إلى الرفض وعدم الاستسلام للإغراءات..)) ويقول عامل لزميله:‏

-((خاتون في أعماقنا الخربة بالظنون.. تصرخ فينا ليصحو الضمير... تهددنا بخراب النفوس بمعاول القهر)).‏

وينأى على الإسفلت، وتصرخ سيارة الإسعاف، يركض العمال إليها، تبدو الشاحنة تشخر كالمذبوح بسكين حاد النصل وقد دهست العامل بقوة، وانسلت صورة خاتون من ذاكرته كالحلم، وبقيت جثته هامدة..‏

6-شائعات حول اختفاء خاتون:‏

-تقول فضة السالم:‏

خرجت خاتون من البيت، دخلت محل "ص" في شارع المنصور، اشترت منه شريطة حمراء، مشطت شعرها وراء الستارة، وربطته بالشريطة، وطلبت من صاحب المحل أن يكتم السر في بئر عميق، ووعدها خيراً، وصار يعاني من لوم ضميره، ويحاول كشف سرها لزوجه الطيبة، فتسكته وتجره إلى الفراش فينسى وعده الذي قطعه على نفسه ويلزم الصمت...‏

-أما صقر العبد فيقول بمرارة:‏

سافرت خارج البلاد في زيارة للأقارب، مللت من الولائم في البيوت، وصرت أتجول على الدروب متحرراً من قيود الضيافة والمقابلات.. ورأيت بأم عيني التي يأكلها الدود في القبر، رأيت خاتون تسير على الدرب، قلت في نفسي: ((يخلق من الشبه أربعين.. ثم قلت: لا يمكن هذا!!.. وركضت وراءها حتى دخلت بيتاً، طرقت بابه بتردد، برزت أمامي خاتون، قلت لها:‏

-هربت يا خاتون؟.. قالت:‏

-تفضل... أهلاً وسهلاً. دخلت البيت، تابعت السؤال:‏

-كيف وصلت هنا يا بنت الناس؟‏

ثم راحت تسأل عن أهل المدينة، من مات.. ما حدث.. أخبرتها بقيام الساعة يوم اختفت، ذرفت دمعة واحدة، مسحتها بكم ثوبها المزهر، وهزت رأسها بندم وهي تقول:‏

-وأبي قال مرة: والذي ما له وطن ما له في الثرى ضريح ونهاني عن السفر صحت بها:‏

-عودي قالت بيأس:‏

-لا وطن لي‏

وحمدت الله في سري، وخرجت على الدرب، قطعت الزيارة بلا مبرر، اشتقت لوطني حيث العجاج يكحل عيني... وقررت كتمان السر في نفسي إلى يوم الحشر وألا يقال عني ((مجنون ويهرف!!))‏

-وتقول بنت جاسم المحمد:‏

بكت البنات على أمهن الدمع الحار، وجرحن الوجوه بالأظافر، فسالت الدماء راسمة خطوط الضياع، ومرت السنون، وجفت ينابيع الدمع.. وغسلت القلوب بنهر النسيان وكأن خاتون لم تخلق أبداً!..‏

7-خاتمة:‏

تلصق إعلانات عن اختفاء الأطفال في المدينة، وتحضن الأمهات الصغار بخوف. وتهتف المساجد لأهل الخير والشهامة.. إذا.. وترفع صور الأبطال على الجدران بفخر، كصورة حميدة الطاهرة المزنرة بالدم ولا ترتفع شواهد قبر لخاتون بين قبور المدينة حيث لا وطن للكوابيس في ذاكرة الأحياء...‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244