امتحان الذّاكرة الصّعب - محمد علي المزعل

مجموعة قصصية - من منشورات اتحاد الكتّاب العرب - دمشق - 2001

Updated: Sunday, September 21, 2003 02:02 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

التحول في الدوائر!

-تعال يا أبو سالم خذ المعاملة إلى.. هات طوابع مالية.. لا تتأخر.. طلبك المدير أكثر من مرة..‏

أوامر تملأ سمعك كطلقات نارية متطايرة من فوهة مسدس أعمى.‏

-تحشر نفسك بما لا يعنيك ساخراً من جيل يتحمل المسؤولية بوعي.‏

يقول المدير لك بتذمر... فتجيبه ببرود:‏

-ملاحقة الصبايا وراء الطاولات‏

وتنسحب بهدوء، تبدأ الحركة من الغرفة رقم واحد إلى... تنشر أخبار الساعة:‏

ملايين الليرات بمكتب الحبوب تنطح مئات الأكياس من الحبوب.. وتضحك الفواتير الجاهزة! تهوي في جيوب الثعالب أرانب هزيلة...‏

-يمين الله ينتهي الراتب من نصف الشهر.. نأكل شوربة العدس مع الخبز اليابس بالأصابع النظيفة من الحرام.. ونغمس الزيت بالزعتر للأولاد..‏

تقولها بصراحة.. وترسل نظراتك إلى باب الغرفة رقم سبعة.. هل أحببت؟!.. قد يحصل هذا، ويتسكع المشط في شعرك الأشيب... وتخطو!.. تدخل الغرفة رقم سبعة بمظهرك الوسيم، صار بابها مباحاً لك تدخله متى تشاء. وتخرج غانماً: بقطعة حلوى أو سيكارة فاخرة النوع... أما بقية الغرف فلا تدخلها إلا باستئذان.. أنت لا تملك صدراً مغرياً لفتاة، فيرحب بها ويوسع لها مكاناً في القلب، أنت ثور يعجب أم سالم فتحرث به أرضها الجديبة كل ليلة... هكذا قلت مازحاً لي عند الدرج.. فمن يرحب بك في الغرفة رقم سبعة؟!...‏

الشخشير البدين: الذي يدس رأسه بين ذراعيه وينام وقت الدوام الرسمي ويحارب النوم آخر الشهر بعناد... ثم يقبض راتبه الحلال من المحاسب..!‏

المدير: إشارة الاستفهام المواربة وراء كواليس المحسوبية‏

الجباة: أصحاب الطلبات المحرجة... لا...‏

لن تقول تأبط شراً الرقاوي السمين وزرع فتنة بين الموظفين!... صرت أغار منك، والغيرة تحرض على الفعل، أدخل الغرفة رقم سبعة قبلك... تتبعني، تقف عند الطاولة... تبد وفتاة وراءها تجلس بوضع محترم... ترحب بك:‏

-أبا سالم تفضل‏

تغمز عيني لها، تلمحني سلماً للعشق تصعد عليه الآهات تشدني من ذراعي للخارج، تحذرني من إزعاج الفتاة، غمزت السنارة... فهمت الآن سبب فيضان غضبك على الموظفين في الغرفة رقم !. هذه الأيام.. تتحرك.. تلح الغرفة ثانية... تقدم فنجان القهوة الساخنة للفتاة وتقول بأسى:‏

-أنت بسن ابنتي الميتة منذ عام‏

تذرف الفتاة دمعة، تتوحد مع دمعك في نهر كآبة.. تنهض.. ويستدعي المدير الفتاة إلى مكتبه، تصر الفتاة على التحول في الدوائر، وتشتغل بما يمليه عليها ضميرها، ويحضر الرقاوي "ع" بيده مظلته البيضاء التي تحميه من وهج الشمس، يقول بذل:‏

-خذي حصتك يا أنسة والمدير عليّ‏

يرمي النقود على الطاولة كغنائم الحرب، تنثرها الفتاة على الأرض وتصيح به:‏

-لا يصح هذا.. دع فلوسك في جيبك ثم تشير إلى الباب وهي تتابع كلامها بانفعال.‏

-اخرج من هنا.‏

ويخرج (ع) خاسراً كرامته، يعثر بعباءته الملوثة بالطين، يكاد يسقط من الخيبة في المواجهة وتنادي الفتاة:‏

-يا أبا سالم تعال.. خذ النقود من الأرض.‏

يرفض أبو سالم الرشوة، وهو يقول:‏

-الله يبعدنا عن الحرام يا ابنتي‏

تجمع الفتاة حاجاتها البسيطة بيدها المرتعشة، ويناولها أبو سالم ورقة أحضرها من المدير توا.. تنظر الفتاة إليها، تفرح.. تتحول في الدوائر بإرادة.. هي بعمر ابنتك تماماً كما تقول.. تحول معها في الدوائر، فتحميها من هجير الانهيار اللاحق.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244