امتحان الذّاكرة الصّعب - محمد علي المزعل

مجموعة قصصية - من منشورات اتحاد الكتّاب العرب - دمشق - 2001

Updated: Sunday, September 21, 2003 02:02 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

الفرن (1)

طوبة على طوبة ارتفعت.. وكانت البداية إلى نهر الصراخ، حيث شقت ضلوعي الهواء. وانتصب غليوني في السماء ينفث السخام، ولبست كفناً من الكلس الأبيض النقي. وتهامسوا.. وأشاروا إلي.. وكتبوا الفاتحة علي، ثم سمعوا عتابا مجروحة بوتر ربابة من داخلي، كانت تحوم أشجانها بأجنحة الصمت، وحدثت ولعنتني أم جاسم عندما اكتشفت أن الخبز فطير، وزاد الطين بلة إهانة زوجة الشرطي النزقة، تسلقت كلماتها ذاكرتي، تخيلتها سنابك الخيل تسحقني، رغم أني لا أعرفها ولا أزعجها في الحارة، ولكني عرفتها بوابة لشهوة الرجال الغرباء فيما بعد، فقررت الاحتجاج وضربت دارة الكهرباء، فصاح العجان:‏

-تقطع شريان قلبه.‏

وبقيت صريعاً في حضن الرطوبة حتى جاء صاحبي ومعه ورشة التصليح، شرحوا صدري ولصقوا الأسلاك به وقالوا بارتياح:‏

-تمت العملية بنجاح.‏

وفرح القادمون من كل فج عميق، وذبح العمال دجاجة سمينة بسكين حاد النصل. ثم غمس عامل يده بالدم، ووشم وجهي بكفه، وفتح الكوة لبيع الخبز، لا أدري ماذا حصل في الليل، إلا أنه حصل الكثير في النهار، حيث زحفت غابة من البشر.. مدت أغصانها الباردة تريد خبزاً.. وتصافحت الأقدام بفوضى، وارتد الضعيف وتقدم القوي بجذعه من الكوة، وقفز الصغار، كنت أحب أن أقفز ولو مرة واحدة لكن الشلل صادر حركتي فأصبحت من الطوب يموت واقفاً كالأشجار اليابسة.. ودمعت عيناي البلورية الكائنة ضمن براويز الحديد فقال طفل بمرح:‏

-الفرن يبكي‏

وما كان الدمع عناقيد، كان بخارا يسيل، حيث الدفء ينمو في داخلي معلناً مهرجان التعب فقرأته في وجوه العمال الشاحبة، في وجه امرأة أصفر كالليمونة، تبدو مصابة بالسل وتداريه بكحل يبطن العينين، فيتوارى نظر رجل إليها بلهفة.. ثم تصورها كما يشتهي، وماذا يشتهي؟.. لاحظته بضجر، وخفضت بصرها للكوة هامسة:‏

-يلعن أبو الفرن.‏

اقترب الرجل، طرد طفلاً يزاحم بمنكبيه الواقفين، والتصق بها، ارتفعت يده تسكعت صاحت المرأة بنزق:‏

-ابن الكلب ظهري‏

تجاهل الرجل تحذيرها وهجم صوته على الكوة للتمويه:‏

-نريد خبزاً يا عالم.‏

كانت حركته غريبة، وتدعو للشك به، تفتح ذهول على وجه صبي بجانبه، أنصت الصبي إليه وهو يحدث نفسه.‏

-يا عيني على الخبز رمى الرجل نظرته، إلى الصبي كسهم، غرسه في ابتسامته. فماتت. ارتجف الصبي وحملق برغيف وقال:‏

-نحن نريد خبزاً وهو يريد..‏

انسحب الرجل للوراء، وانسحبت المرأة خلفه، ركضت إليه، صفعته كفا، استدار الناس إليها، قالت لهم:‏

-يرفع القواد ثوبي و..‏

رجم الناس الرجل بالبصاق، وانطلقت الشتائم عليه، بينما أعطى صاحبي الخبز للمرأة المسكينة، ومضت بعيداً.. تكدس الخبز أمام صاحبي، باعه بعجل، تلمس واحد رغيفاً وتكلم:‏

-الخبز عجين يا ناس.‏

ثم هز رأسه ومشى، ذهلت، حاولت معرفة سبب الاهمال، جندت نفسي لذلك فشلت وعندما دققت في العمل.‏

استرخى العمال، وكان العجان يبدو، ليته لم يتصرف بسذاجة، ويضيف خميرة زائدة للخليط وهو يغني، ويترك العجانة ترقص، ويدخن بمتعة، ثم يدفع العجين إلى القطاعة، فتقطعه، ويظل العجين فطيراً دون أن يرتاح على المناضد الخشبية، أما الخباز فيرسل الطرحة لبيت النار ويرشف الشاي، ثم ينسل من تحت المنضدة. يناديه العجان، فيجر الأرغفة بكسل وهو يقول:‏

-لتأكله البهائم.‏

فيحرق الرغيف نفسه منتحراً بالنار، يصبح فحماً يرميه الخباز مع المازوت أصابني سيف الغضب، جرح عمري، فزفرت نسمة باردة، أطفأت النار، فصاح الخباز:‏

-الفرن عاطل‏

ونلت التهمة وساما بذلك، وصرت لعبة الصبيان الذين يهربون للسقيفة عند مجيء مفتش التأمينات، كان المفتش يحاول معرفة عدد العمال، لكنهم يختفون في سراب النسيان، فيبلع ريقه ويجمع استماراته، كان يهوى العزف على وتر حساس، يرتاح المصاب بعجز لعزفه، فماذا لو هرست يد أحدهم الرقاقة؟.. فمن يؤمن له لقمة العيش من فك حوت مفترس؟.. ساءت حياتي تدريجياً.. وتسرب العفن إلى صدري.. وطرز الوسخ جدراني، ودس بعض العمال العيدان الصغيرة والخيطان في الطحين فنجحت لعبة الحظ للمشتري الجائع، فأعلن مساوئ الرغيف أمامي. صفعتني الخيبة وفكرت بالانسلاخ عن الواقع وتذكرت كلام صاحبي لصديقه:‏

-بعض الأفران انسلخت وأصبحت آلية‏

فيرد صديقه:‏

-هذا يوفر النظام الدقيق والنظافة للرغيف.‏

وحلمت أن أصبح فرنا آليا تنفذ فيه مراحل الرغيف بنظام، ثم وقفت عند شاطئ الحلم والتمني، وتأملت الباب بدهشة، كان رجل يلبس بدلة أنيقة يضرب الباب بقدمه.‏

فيهز جداري كالزلزال أسرع صاحبي وفتحه له، فدلف مزهوا كالطاووس، رمق صاحبي وقال:‏

-تفتح الباب بـ "الصرماية" رد صاحبي بكبرياء:‏

-حسن ألفاظك.‏

-تعرف من أنا‏

ثم أراد أرغفة مقمرة كخدود سمراء، بينما انهمك صاحبي بعمله، تساءلت من الرجل؟.. ثم راجعت نفسي وتذكرت من يدخلون هنا.. كان يدخل: عنصر الـ.. وسائق المسؤول فلان .. و... والبقية يقفون في الفناء الخارجي. صرخ صاحبي فرحت، حين هدد صاحبي بالطرد إذا لم يشتغلوا جيداً، ويحافظوا على النظافة لسمعة الفرن الذي يأتيه الناس من الحواري البعيدة وفي عيونهم أمل لا يضيع..‏

10/5/1978 الرقة‏

(1) الفرن: نشرت هذه القصة في جريدة "الثورة"‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244