|
||||||
| Updated: Sunday, September 21, 2003 02:02 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
المقبرة تلج قدماي خاصرة المقبرة كالخنجر، لا تتوجع المقبرة وتصرخ احتجاجاً على رحيل الموتى إلى تل البيعة حيث قبورهم الجديدة هناك، وقفت أمام أبي عمشة كالتمثال. -عدت إلى حفر القبور؟ قالها أبو عمشة باستفهام نظرت بوجهه، ذبلت الفرحة عليه كالوردة، أصبحت خريف الكآبة -نصف الألف خمسمائة ركضت الكلمات على شفتيه كالحصان الجامح، وسخن الشاي على النار ثم راح يحدثني عن نواح النسوة فوق القبور الفاغرة (إيه رضيت بالهم والهم ما رضي بي وحكم النذل عليّ بالاستقالة عندما رفضت أن أصبح خيطاً في بطانته.. وجئت إلى حفر القبور بالأجرة كل يوم.. وتحفر مقبرة برأسي: (-خذ عشرة ليرات.. واسمح لي بمقابلة المدير..) وتناثرت الذكريات كتناثر العظام بين أصابعي في أعماق القبور الرطبة، هزني أبو عمشة من كتفي بقوة ودرج السؤال على لساني كالحجل الخائف: -ما رأيك بالاحتجاج؟ ضرب أبو عمشة شاهدة قبر بحجرٍ صغيرٍ وقال: -لغة المواجهة. ثم رفع يده في الهواء وتكلم: -كاد يقتلني بسيارته النظيفة.. بصقت عليها ولم أهرب خائفاً، رمى عشرة ليرات عليّ، رأيتهم يرمونها لرجال الشرطة مع بطاقة السيارة الرسمية بأم عيني.. -يفعلونها معي في الدائرة قلت مؤكداً صدق روايته: (حين قال الرقاوي (و) الذي ينهي المعاملات في الدوائر الحكومية بخبرته الخاصة: -خذ عشرة ليرات ودعنا ندخل إلى المدير -لن تدخل على المدير يا حاج -دعنا من حاج على جانب ومد يدك -ابعد عنا من فضلك ورن الجرس في غرفة المدير بعد غياب (و) عن الأنظار.. سرقت قدمي المسافة إلى وسط غرفة المدير، قلت له باحترام: -نعم سيدي المدير رمقني بنظرة حادة كالسكين، شعرت بها تخترق عظامي النائية، خفضت بصري للأرض قال المدير باستياء: -لماذا لا تسمح للمواطنين بالدخول إلي؟ -أنت أردت ذلك. -لناس وناس لا. ثم دار كرسيه الدوار بهدوء يفضح الكسل المستوطن شرايينه البعيدة، وقال بقرف: -اخرج وقدم استقالتك. -لماذا يا سيدي.. أنا.. أشار إلى الباب دون أن ينبس بكلمة واحدة، ابتلعني الممر الطويل كأفعى جائعة، قدم السيد (ب) استقالة لي بخط يده الجميل الذي يدون التقارير الدائمة رفضتها بعناد، قال: -سيلفق المدير تهمة لك. ثم أضاف ساخراً مني: -تعيش وتأخذ غيرها. وخرجت إلى الشارع منبوذاً من الجنة مصدر رزقي الوحيد، رويت قصتي للمارة بقلب مجروح. قال رجل بشفقة: -جن المسكين.. يا مثبت العقل! زفر أبو عمشة بقهر كان يدفعه إلى الركض في الأزقة كالريح وهو يصيح تضامناً معي: "الله يمهل ولا يهمل.. يا حي يا قيوم" التفت متسائلاً: -لماذا لم تعترض على الاستقالة؟ -اسألني كم قبراً حفرت اليوم؟ وشربت بقية الشاي من الكأس دفعة واحدة، كان بارداً لا نكهة له، وجاء رجل من الشمال.. كان يعرج على ساقه المصابة بعاهة مستديمة.. سألني بإلحاح: -هل تحفر قبراً لي؟ لم أرد عليه حسماً للتساؤل بين الغرباء في المقبرة.. 2 دلفت امرأة إلى قبة المزار، ألقت عباءتها تحت الجدار، ومشت بحذائها الموحل قرب الضريح، استاء أبو عمشة منها وزعق بها: -ارمي حذاءك على الباب يا حرمة. ارتعشت المرأة مثل عصفورة مهددة بالقنص، وزفرت بغنج قائلة: -كاد يطير قلبي من صدري وتفتحت الدهشة على وجهها، دارت بتثاقل متضرعة: -"يا ويس جيتك زايرة.. قجة عباءتي طايرة.. كل البنات خلفن. وأنا بعد عاقرة.. يا ويس" ثم دلكت ظهرها بجدار الضريح المدثر بقماش حريري أخضر اللون، ودهنت صدرها بالزيت، ارتفع الثوب كالموجة.. انحسر عن شاطئ من اللحم الأبيض كالثلج.. قلت لأبي عمشة: -الزيارة ليست لوجه الله -اذهب إلى شغلك -أنا؟! -الله غفور رحيم وسال لعابه على ذقنه بغزارة السيل، وطاردت نظراته المرأة خلسة، حاصرتها، ضحكت.. وجلب صحناً من الدبس مع كسرات خبز يابسة من الزاوية.. أكلت معه بعض الدبس.. ورشفت قليلاً من الماء البارد، قال مازحاً: -أفضل من خروف محشي. ابتسمت متذكراً وليمة المدير وأوامره ليوم الوليمة: -ستذهب إلى البيت تحضر للسيدة كذا.. وكذا... ثم تعد القهوة المرة للضيوف.. لا يهمني دوامك هنا في الدائرة.. المهم أن تقوم بواجبك هناك.. وارتدي ملابسك الجديدة التي يدفع ثمنها المحاسب لك، ويسجلها في قائمة القرطاسية المستهلكة... ومضيت إلى المحاسب، استلمت مبلغاً من المال منه وغادرت الدائرة، سددت فاتورة النور المترتبة عليّ منذ شهرين.. واشتريت طعاماً للأولاد ولم أذهب إلى بيت المدير.. وخاب سعيه أن أكون مثل الخاتم في إصبعه الصغير.. وقامت القيامة عليّ في اليوم الثاني.. وهددني المدير بالطرد، ثم نفذ تهديده بجرة قلم صغيرة على الورق... وسألت نفسي: ((من أعد القهوة المرة في بيت المدير...؟ من أحضر الحاجات اللازمة من السوق إلى البيت؟... من مسح الغبار أو نفضه عن ملابس الضيوف الأنيقة على الباب.. ورحب بهم أفضل ترحيب؟... تراءت صورة المحاسب وموظف الديوان مقلوبة!... همست بارتياح: ربما قام أحدهم بالمهمة نيابة عني.. فالاحتياط واجب..)). -3- ثرثر أبو عمشة أمامي بلا تعب: -((انهض.. اذهب.. ينتظرك الرجل لتحفر قبر والده الميت.. وتلك المرأة تريدك أن تحفر قبر أختها التي حلمت بها الليلة الماضية.. تعال.. انظر رجال البوحميد فقدوا عظام موتاهم في القبور الدواثر.. هل ذهبوا برحلة إلى جزيرة الغانم الظاهر في نهر الفرات؟!.. وأبو الهيس يريدك لتحفر قبور الشبلي السلامة بالدور.. لا.. يلعن الذاكرة.. أبو الهيس مات وشبع نوم تحت التراب، وترك وراءه ((دزينة)) أولاد وشوارع يلهث فيها اسمه دون ((براويز)) عريضة تلفت النظر.. دنيا مظاهر يا أبا هرماس ورحيل المقبرة فرصتك الوحيدة لكسب الرزق الحلال.. وبداية لتعبك في ورشات العمران.. انهض يا رجل للحفر وتوكل على الله..)) ربت على ظهره، ولمحت دمعة تهرب على خده وقلت بعطف: -تبكي يا أبا عمشة؟ -انظر كيف حال الأموات! -وكيف حال الأحياء؟ ثم وقف على باب المزار يراقب حركة الناس في أرجاء المقبرة كيوم الحشر. هز رأسه وعاد إلي. هتف بحسرة: -كنت أعيش معهم بأمان. -ويرحلون اليوم. نزت الآهات في فمي نزيز الرطوبة في الأرض السبخة، ونظرت إلى المرأة بفضول، اقترب شاب منها، تكلم معها بلباقة، وحدد لها موعداً مع شخص ما.. شتمه أبو عمشة وقال: -اخرج من هنا يا قواد بينما استمر قطار الحديث مسافراً بينهما بجرأة.. صفقت باستهزاء: -رنت الطاسة يا ناس! ثم قذف صحن الدبس على التراب أمام الضريح، تلوث الدبس بالتراب، بصق، وهو يقول: تفوه.. تفوه.. على الساقطين في الدنيا... رددها أكثر من مرة حتى تخيلتها كالمثقب يحفر سمعي بعنف.. تضايقت، وخرجت باحثاً عن محتاج لحفار قبور نشيط لا يتاجر بتعبه بطمع، سرت وأنا أبصق على مؤخرة الأرض القذرة المحاذية للرصيف ومرت زوبعة بي... لفتني كالعباءة.. تناسيتها وعبرت إلى ضفة الجحيم بإرادة رافضاً التنازل الأخير.. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |