امتحان الذّاكرة الصّعب - محمد علي المزعل

مجموعة قصصية - من منشورات اتحاد الكتّاب العرب - دمشق - 2001

Updated: Sunday, September 21, 2003 02:02 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

المطاردة (1)

يركض فياض الناهي لاهثاً، يعبر الرصيف، يصل إلى باب كبير، يركله، ثم يدخل متعباً، يرتمي على فراشه، ينام حالماً: الباب يفتح، الطاولة تقلب وتمتد أصابع للرسائل المخبأة في الخزانة، تسرقها، ثم يغرق وقع الأقدام المتلاحق في نهر الصمت، وتقف طفلة عند قدميه، تتقيأ، ثم تولول رافعة يدها إلى السماء، يقرع الباب. ينهض مذعوراً من نومه، يرى الجارة أمامه، يترسب الأمان بصدره، تسأله الجارة عن حاله. لا يرد بشيء، قالت له:‏

-اهرب.‏

يلبس حذاءه، حالاً، يفتش عن الرسائل، تذكر أنه أحرقها منذ أيام.. يخرج إلى الشارع. راكضاً من جديد‏

.. .. ..‏

امرأة ترتجف، ورجل يسعل، ثم يبصق على منديل أزرق، يصيح الرجل أنا بريء يا جماعة. المرأة تحدق إليه، إصبعها يحيط به خاتم من الذهب.‏

صوت المرأة: لا أعرفه.‏

صوت رجل: أليس جارك؟‏

صوت المرأة: كان لطيفاً، لا يتشاجر مع الجيران، يلعن الغش، ويعود إلى غرفته قبل غروب الشمس، ثم يخلع ثيابه، ويرتدي منامته، ويندس تحت اللحاف، يكتب، ثم يحرق مسودات بالنار بعد ساعة فيغضب زوجي منه ولا أعرف عنه سوى الطيبة.‏

يصفق الباب مرة ثانية وتخرج المرأة مسرعة.‏

صوت خشن: ماذا تعمل؟‏

صوت الرجل: أنا بائع الحارة.‏

يطبق الصمت على الأصوات بسهولة، ويغضب الرجل الجالس وراء الطاولة، البائع يقول بصراحة: يأتي في المساء يجر كرسياً، يجلس عليه، ثم يدخن ويدفع الحساب، ويتحدث عن السوق والحرية.. أرتاح إليه.‏

تهوي صفعة على خده، يتوجع البائع.‏

يضيف البائع: أصبح خطراً يهددني.. عرفت ذلك من تهرب الزبائن ذوي الثياب الأنيقة.‏

صوت مرتفع: اخرج من هنا.‏

يندفع البائع من الباب، يسعل رجل، ثم يمسد شاربيه، وكان الرجل نفسه الذي يجلس وراء الطاولة يطلق صوته الخشن.‏

صوت منخفض: أيكون في البيت؟‏

صوت رقيق: ابحثوا عنه فوراً.‏

يخرج الرجال جميعاً، ويوصد الباب، ثم يدور الكرسي وراء الطاولة حيث صاحبه يفكر بشيء سري للغاية..‏

.. .. ..‏

يمر فياض أمام دكان البائع، يبصره البائع، لا يتحدث معه خوفاً من التحقيق معه ثانية، يتركه وشأنه، يرى فياض رجلاً واقفاً في الحارة، فيهرب ماضياً في العتمة.. يصفع الريح بصدره.. ثم يطرق باباً ما، يفتح، يدخل، يفرش ضوء الغرفة لسانه على قامته، يضرب كفاً بكف. ويقول بيأس:‏

-ماذا نفعل؟‏

تقدم فتاة من المطبخ تسلم عليه وهي تقول بقلق:‏

-الحصار يشتد حولنا.‏

-.........‏

يلزم الصمت ويهرس الوهم وعيه في ليل أسود كالإسفلت فلا يتكلم مطلقاً. يغفو في تعب، يرى في حلم عاجل زهرة على فنن يابس وحشرات تزحف على أصابعه بغزارة.‏

فتتفجر خلاياها ليمتد شاطئ الدم القاتم.‏

صورة: الزهرة ذابلة.‏

صورة: هو يبتسم.‏

صورة: الخريف حول الزهرة يثير الوحشة ثم تنتشر أصوات على الطريق.‏

تحركه الفتاة قائلة:‏

-انهض‏

يشب مذعوراً، يمسح وجهه بظهر كفه:‏

-ماذا حصل؟‏

-البيت محاصر‏

-.......‏

يجلس ببرود مرهفاً سمعه للضوضاء في الشارع..‏

صوت أول: المدينة تحبل بالفوضى‏

صوت ثاني: وأمه هاجرت من القرية عندما شقيقه قتل الشيخ جابر‏

بدت صورة بيد الرجل أسفل النافذة.‏

الصورة: يعض الشيخ جابر على لسانه ويتوسد الأرض قرب الساقية.‏

صورة ثانية تنزلق على سطح الأولى، فتملأ وجه الرجل دهشة!!!....‏

الصورة الثانية: القرية تلبس الضباب عباءة، والفأس يعلوه الدم معلقاً على شجرة. يقلب رجل آخر دفتراً على الإسفلت، كان فيه تحقيق عن مقتل الشيخ جابر، يقرأ بصوت مرتفع:‏

إفادة /1/ : والد القاتل يقتل ضعف الشيخ جابر ولا يخاف‏

فضة العبد‏

إفادة/2/ : كنت قرب الغنم في الحقل، سمعت صرخة من الدرب، تركت الغنم ترعى وركضت إلى الغراف. رأيت جثة الشيخ جابر هامدة وفأس سويلم يعلوه الدم، هجمت على سويلم كي آخذ الفأس منه، صاح بي: تموت.. ابعد عني.. خفت ورجعت إلى القرية ناشراً خبر موت الشيخ جابر على يد سويلم .‏

حسن الحمادي‏

إفادة /3/ : لا يعوض الشيخ جابر برجل من عشيرة الناهي لأنه كريم ويعطي السائل قبل أن يجيب على سؤاله.‏

فيصل البهاديل‏

ثم يخفي الرجل الدفتر في حقيبة، ويستمع إلى صوت زميله‏

صوت ناشز: أنا أكره المطاردة.‏

صوت غاضب: أنت تفقد عقلك بالتذمر.‏

صوت منخفض: القضية معقدة جداً.‏

صوت غاضب: ابن الكلب المشاغب.‏

صوت من الغرفة يشتم الرجل، ثم تتلاشى الأصوات في أحشاء الليل تاركة نواح الريح يأخذ دربه في بوابات الصمت البعيدة...‏

المدينة متهمة أمامي.. اصطادت بدون سنارة.. الصيد الأول: كنت أنا والصيد الثاني سمكة جاءت من غبار الزمن.. لترقص ضحكة على إسفلت الشفة المخضبة بالزبد. فهي الجاهلية بعمر القوادين.. استباحة دماء المثقفين بأصابع ملغومة بالطاعون متى تأتي الصرخة بقطار الغضب لا نعرف؟.. متى يضحك جرح الألم.. يعرف الموجوع لوحده.. قلت: يريدون دمك.. بالضبط دمي؟!.. دمي سفينة بلا شطآن.. وأنا لست قاتلاً حمل سكينه قبلة الحقد والتشفي.. مت يا شيخ جابر وكتبت علي اللعنة بحبر العصبية.. نقتلك.. يقتلك.. هذا ليس وصية الحضارة.. هكذا منطق الأغبياء.. يا والدي الظل.. تنأى عني بشوق الحب الزورق المحطم، القمح العطشان للمطر.. يا درب الموت.. فصالح الهنداوي خذلته رصاصة.. وزغردت امرأة.. جعلته فاتحة لأبرياء ينتظرون قدرهم الأعمى على دروب الترقب والغدر والضياع.. افرحي يا أمي المهاجرة.. قبل الدمع.. بعد الدم.. عسى تعود إليك الذاكرة.. فالعشيرة تقرر.. وأنا أضحي.. ألبس كفني في شرفة الحياة.. العشيرة السرطان.. الوحش الذي روضه الحقد في.. ليلة وضحاها.. وجف الضرع.. لن أمسحه بدمي..‏

ينظر فياض من وراء النافذة يقفون كالشوك في الشارع))‏

صوت: هرب من يدنا‏

ثم تسير ثلة من الرجال بعيداً، ويضحك البرق مستلاً سيفاً من النور الباهر ويزعق الرعد أما فياض فيودع الفتاة بأسى.. ثم يغيب على الطريق..‏

يدخل الرجال غرفة الدائرة، يجلسون، ثم تتصارع الأصوات في الفراغ بحدة.‏

صوت أول: القرية تريده ونحن كذلك.‏

صوت ثاني: نحن لا نريد موته.‏

صوت ثالث: هل قرأتم التقارير الغريبة عنه؟‏

صوت أول: لن نقرأها‏

صوت ثاني: لنقرأها ونعرف سبب المطاردة.‏

صوت ثالث: مازلت تجهل سبب المطاردة؟‏

صوت ثاني: نحن ننفذ الأوامر دون مناقشة‏

صوت رقيق: لا تشغلون بالكم بالسياسة.‏

صوت ثالث: سأقرأ عليكم التقارير..‏

ثم راح يعرض عضلات صوته في حلبة الصمت:‏

التقرير الأول:‏

يذهب للأعراس يدبك ويغتنم الفرصة، يثرثر عن غازي الجروان الذي يريد فائدة باهظة عن دينه إلى موسم القطن، يريد فياض الفائدة زهيدة لا تجر دافعها إلى التهلكة، ثم يتوارى قرب النهر يروي للفتيات عن الحب ويسن القوانين من ذاته.‏

تاريخ 1/2/1976‏

التقرير الثاني:‏

نزح إلى المدينة هجرته معاكسة للتقدم الحضاري، يسكن في غرفة بها خزانة قديمة، ويمارس الفساد منذ أن سار على رصيف المدينة يرتب الكلمات ضد الذل، ويطيل الحديث مع فتاة سمراء قرب شارات المرور سمعه أحدهم يقول: التغيير يبدأ من الجلد الذي نغطيه بالرقع الملونة)) ثم يغيب في البيوت القديمة المليئة بالغبار والغاز الطالع من حدقات البوابير الوسخة ثم يحرض على قطع الأشجار العارية في الشوارع الشجرة رئة المدينة فحافظ عليها)) فيضيع جمال المدن الذي نبحث عنه.‏

تاريخ 5/3/1976‏

التقرير الثالث:‏

مازال البحث جارياً عن المتهم في الطرقات والبيوت التي يتردد إليها والقرية... ولم يقبض عليه.. أو يحضر إلينا للإجابة على أسئلتنا..‏

صوت منخفض: إنه يدعو للتقدم وهذا شيء جميل في الواقع !!..‏

يرن جرس الهاتف في الغرفة يتناول واحد السماعة بسرعة.‏

نداء الهاتف: ألو... وجدتم فلاناً.‏

رد سريع: لا يا سيدي.. وقفنا أمام بيت صديقته لم يكن موجوداً هناك ورجعنا.‏

نداء الهاتف: سيسافر إلى القرية الليلة.‏

رد بطيء: أنقبض عليه أمام الباب؟‏

نداء الهاتف: تلاحقونه إلى القرية وتحمونه من القتل..‏

صوت المذياع: الأحزاب التقدمية في لبنان تطالب بتوسيع نشاطها ضد الطائفية.‏

صوت رقيق: ليخرس المذياع هو الآخر.‏

ويعدم صوت المذياع، بينما الأصوات الباقية تتابع في الغرفة.‏

صوت أولي: لنغادر حيث بيت الهارب.‏

صوت ثاني: هيا يا جماعة.‏

ثم ينسحب الرجال ليعيش الصمت في الغرفة، يجمع فياض الناهي حقائبه، ثم يودع جاره، ويركب شاحنة، يطوق المدينة بنظرات حزينة، ثم ينأى في الشاحنة، حيث تقطع المسافات والحقول، يرتعش فياض فجأة، وينصب الرعب بوجهه حين يرى مجموعة من رجال القرية يقفون على الطريق كقطاع الطرق، يخاف، يحث السائق على متابعة الرحلة دون توقف، لكن السائق يقف ولا يسمع كلمة طمعاً بالفلوس، يحملق فياض في سيارة أخرى تقف قرب الشاحنة يهبط رجال بثياب مدنية منها يفكر فياض بارتباك، ثم يعالج قبضة الباب يقفز، ينحرف عن الدرب، يركض، يركض الرجال خلفه يلهث تهجم الفؤوس على رأسه، تنبعث صرخة ممطوطة، تدبك..‏

صوت مرتفع: أبعدوه عن الرجال حياً.‏

صوت حزين: لكنه مات..‏

صورة جانبية: بركة من الدم حول فياض الساكن على التراب.‏

صورة قديمة: الشيخ يعض على لسانه وهو يتوسد الأرض.‏

صورتان للشيخ جابر وفياض الناهي في كفة يد ملوثة بالعرق والغبار، تسقطان بعيداً..‏

صوت أول: هيا نأخذ إجازة.‏

صوت ثان: خسرنا المهمة. ابتسامات زائفة على الوجوه.‏

صوت حزين: وتضحكون بقهر على الخيبة.‏

ثم تظهر شمس الصباح في الأفق الشرقي، وتستيقظ المدينة لتبدأ خطوة النهار الجديد.....‏

2/5/1977 الرقة‏

(1) ) المطاردة: القصة الفائزة بالجائزة الثالثة مناصفة مع قصة "تحذيرات لسيد القرنفل" للقاص طلال معلا في مسابقة المركز الثقافي العربي في الرقة عام 1979‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244